أما «التجنيس» فإنك لا تستحسن تجانس اللفظتين إلا إذا كان وقع معنييهما من العقل موقعا حميدا، ولم يكن مرمى الجامع بينهما مرمى بعيدا، أتراك استضعفت تجنيس أبي تمام في قوله: [من الكامل]
ذهبت بمذهبه السّماحة فالتوت فيه الظّنون: أمذهب أم مذهب (١)
واستحسنت تجنيس القائل: [من الرجز] حتى نجا من خوفه وما نجا (٢) وقول المحدث: [من الخفيف]
ناظراه فيما جنى ناظراه أو دعاني أمت بما أو دعاني (٣)
لأمر يرجع إلى اللفظ؟ أم لأنك رأيت الفائدة ضعفت عن الأوّل وقويت في الثاني؟ ورأيتك لم يزدك «بمذهب ومذهب» على أن أسمعك حروفا مكررة، تروم فائدة فلا تجدها إلا مجهولة منكرة، ورأيت الآخر قد أعاد عليك اللفظة كأنه يخدعك عن الفائدة وقد أعطاها، ويوهمك كأنه لم يزدك وقد أحسن الزيادة ووفّاها، فبهذه السريرة
صار «التجنيس» - وخصوصا المستوفى منه المتّفق في الصورة- من حلى الشّعر، ومذكورا في أقسام البديع.
فقد تبين لك أن ما يعطي «التجنيس» من الفضيلة، أمر لم يتمّ إلا بنصرة المعنى، إذ لو كان باللفظ وحده لما كان فيه مستحسن، ولما وجد فيه معيب مستهجن. ولذلك ذمّ الاستكثار منه والولوع به.
وذلك أن المعاني لا تدين في كل موضع لما يجذبها التجنيس إليه، إذ الألفاظ
_________________
(١) البيت هو في ديوانه: ٤٣، من قصيدة يمدح بها الحسن بن وهب ويصف غلاما أهداه إليه، والبيت من دلائل الإعجاز: ٥٢٣.
(٢) البيت هو من إعجاز القرآن: ٥٢٣، والبيان والتبيين ١/ ١٥٠، والحيوان: ٣/ ٧٥، و«نجا» الأولى بمعنى أحدث، والثانية بمعنى خلص (رشيد). قلت: «نجا» الأولى من النجو وهو ما يخرج من البطن من الغائط، يريد أنه من خوفه أحدث، ثم لم ينج من النجاة.
(٣) البيت هو ثاني بيتين يرويان لشمسويه البصري، ولشداد بن إبراهيم الجزري، ولأبي الفتح البستي، وهو في دلائل الإعجاز: ٥٢٣. وقبله: قيل للقلب ما دهاك؟ أجبني قال لي: بائع الفراني فراني وكان حق المصنف أن يذكره كذلك فهو شاهد لما هو فيه من الجناس كذلك.
[ ١٦ ]
خدم المعاني والمصرّفة في حكمها، وكانت المعاني هي المالكة سياستها، المستحقّة طاعتها. فمن نصر اللفظ على المعنى كان كمن أزال الشيء عن جهته، وأحاله عن طبيعته، وذلك مظنّة من الاستكراه، وفيه فتح أبواب العيب، والتّعرّض للشّين.
ولهذه الحالة كان كلام المتقدّمين الذين تركوا فضل العناية بالسجع، ولزموا سجيّة الطبع، أمكن في العقول، وأبعد من القلق، وأوضح للمراد، وأفضل عند ذوي التّحصيل، وأسلم من التفاوت، وأكشف عن الأغراض، وأنصر للجهة التي تنحو نحو العقل، وأبعد من التّعمّد الذي هو ضرب من الخداع بالتزويق، والرضى بأن تقع النقيصة في نفس الصّورة. وإنّ الخلقة، إذا أكثر فيها من الوشم والنقش، وأثقل صاحبها بالحلي والوشي، قياس الحلي على السيف الدّدان (١)، والتوسّع في الدعوى بغير برهان، كما قال: [من الطويل]
إذا لم تشاهد غير حسن شياتها وأعضائها فالحسن عنك مغيّب (٢)
وقد تجد في كلام المتأخرين الآن كلاما حمل صاحبه فرط شغفه بأمور ترجع إلى ما له اسم في البديع، إلى أن ينسى أنّه يتكلم ليفهم، ويقول ليبين، ويخيّل إليه أنه إذا جمع بين أقسام البديع في بيت فلا ضير أن يقع ما عناه في عمياء، وأن يوقع السامع من طلبه في خبط عشواء، وربّما طمس بكثرة ما يتكلّفه على المعنى وأفسده، كمن ثقّل
العروس بأصناف الحلي حتى ينالها من ذلك مكروه في نفسها (٣).
_________________
(١) الددان من السيوف: نحو الكهام. وقال ثعلب: هو الذي يقطع به الشجر، وهو عند غيره إنما هو المعضد، وسيف كهام وددان بمعنى واحد.
(٢) البيت للمتنبي في ديوانه: ٢/ ٢٣٠، من قصيدة أغالب فيك الشوق، وقبله: وما الخيل إلا كالصديق قليلة وإن كثرت في عين من لا يجرب والبيت في الإيضاح: ٣٤٦، تحقيق د. عبد الحميد هنداوي، طبعة مؤسسة المختار. والشيات: جمع شية وهي كل لون في الشيء مخالف معظم لونه الأصلي والضمير للخيل التي يصفها.
(٣) لا يفهم من هذا الكلام أن عبد القاهر يمنع من التحسين اللفظي أو يقف معارضا له، بل إن ذمه منصب على من بالغ في هذا الأمر حتى جعل هذا التحسين همّه ودأبه ونسي غرضه، وتناسى وظيفة هذا التحسين ودوره في تحقيق مطابقة الكلام لمقتضى الحال خلافا لمتأخري البلاغيين الذين قصروا دور المحسنات اللفظية على وظيفة التزيين والتحسين دون أن يكون لها أدنى دور في تحقيق المطابقة، شأنها في ذلك شأن العلمين الآخرين (المعاني والبيان) وقد فصلت القول في هذه القضية في أكثر من موضع من كتبي، من ذلك الفصل الذي عقدته لذلك في رسالتي للماجستير عن الجهود البلاغية للإمام الطيبي، ط مكتبة نزار الباز، مكة المكرمة. وقد بينت فيها أن تلك المحسنات منها ما هو بليغ، ومنها ما هو مطابق، ومنها ما هو متكلف، فليراجع ما كتبناه هنالك.
[ ١٧ ]
فإن أردت أن تعرف مثالا فيما ذكرت لك، من أن العارفين بجواهر الكلام لا يعرّجون على هذا الفنّ إلا بعد الثقة بسلامة المعنى وصحّته، وإلا حيث يأمنون جناية منه عليه، وانتقاصا له وتعويقا دونه، فانظر إلى خطب الجاحظ في أوائل كتبه هذا- والخطب من شأنها أن يعتمد فيها الأوزان والأسجاع، فإنها تروى وتتناقل تناقل الأشعار، ومحلّها محلّ النسيب والتشبيب (١) من الشعر الذي هو كأنه لا يراد منه إلّا الاحتفال في الصنعة، والدّلالة على مقدار شوط القريحة (٢)، والإخبار عن فضل القوة، والاقتدار على التفنّن في الصنعة- قال في أول كتاب الحيوان:
«جنّبك الله الشّبهة، وعصمك من الحيرة، وجعل بينك وبين المعرفة سببا، وبين الصدق نسبا، وحبّب إليك التثبّت، وزيّن في عينك الإنصاف، وأذاقك حلاوة التقوى، وأشعر قلبك عزّ الحق، وأودع صدرك برد اليقين وطرد عنك ذلّ اليأس، وعرّفك ما في الباطل من الذلّة، وما في الجهل من القلّة».
فقد ترك أوّلا أن يوفّق بين «الشبهة» و«الحيرة» في الإعراب، ولم ير أن يقرن «الخلاف» إلى «الإنصاف»، ويشفع «الحق» «بالصدق»، ولم يعن بأن يطلب «لليأس» قرينة تصل جناحه، وشيئا يكون رديفا له، لأنه رأى التوفيق بين المعاني أحقّ، والموازنة فيها أحسن، ورأى العناية بها حتى تكون إخوة من أب وأمّ؛ ويذرها على ذلك تتّفق
بالوداد، على حسب اتّفاقها بالميلاد، أولى من أن يدعها، لنصرة السجع وطلب الوزن، أولاد علّة (٣)، عسى أن لا يوجد بينها وفاق إلا في الظواهر، فأما أن يتعدّى ذلك إلى الضمائر، ويخلص إلى العقائد والسّرائر، ففي الأقلّ النادر.
وعلى الجملة فإنك لا تجد تجنيسا مقبولا، ولا سجعا حسنا، حتى يكون المعنى هو الذي طلبه واستدعاه وساق نحوه، وحتى تجده لا تبتغي به بدلا، ولا تجد عنه حولا، ومن هاهنا كان أحلى تجنيس تسمعه وأعلاه، وأحقّه بالحسن وأولاه، ما وقع من غير قصد من المتكلم إلى اجتلابه، وتأهّب لطلبه، أو ما هو- لحسن ملاءمته، وإن كان مطلوبا- بهذه المنزلة وفي هذه الصورة، وذلك كما يمثّلون به أبدا من قول الشافعي رحمه الله تعالى وقد سئل عن النّبيذ فقال: «أجمع
_________________
(١) نسب بالمرأة:- كنصر وضرب- وصف محاسنها بالشعر، والنسيب والتشبيب بالنساء واحد.
(٢) الشوط: هو الجري مرة واحدة إلى غاية.
(٣) أولاد العلة والعلات: هم الذين أبوهم واحد، وأمهاتهم شتى، وقد ورد في الحديث: «نحن معشر الأنبياء إخوة لعلات» يقصد أن الدين واحد والشرائع شتّى.
[ ١٨ ]
أهل الحرمين على تحريمه». ومما تجده كذلك قول البحتري: [من الكامل]
يعشى عن المجد الغبيّ ولن ترى في سؤدد أربا لغير أريب (١)
وقوله: [من الوافر]
فقد أصبحت أغلب تغلبيّا على أيدي العشيرة والقلوب (٢)
ومما هو شبيه به قوله: [من الكامل]
وهوى هوى بدموعه فتبادرت نسقا يطأن تجلّدا مغلوبا (٣)
وقوله: [من الكامل]
ما زلت تقرع باب بابل بالقنا وتزوره في غارة شعواء (٤)
وقوله: [من الكامل]
ذهب الأعالي حيث تذهب مقلة فيه بناظرها حديد الأسفل (٥)
ومثال ما جاء من السجع هذا المجيء وجرى هذا المجرى في لين مقادته، وحل هذا المحلّ من القبول قول القائل:
«اللهم هب لي حمدا، وهب لي مجدا، فلا مجد إلا بفعال، ولا فعال إلّا بمال» (٦)، وقول ابن العميد: «فإن الإبقاء على خدم السلطان عدل الإبقاء على ماله، والإشفاق على حاشيته وحشمه، عدل الإشفاق على ديناره ودرهمه».
_________________
(١) البيت هو في ديوانه، والإيضاح: ٣٣٧، تحقيق د. عبد الحميد هنداوي، يعشى: أراد يعمى، والقصد أنه لا يشغل به وطريقه الكناية. السؤدد: رفعة القدر وكرم المنصب. أرب: غاية، ومأرب، أريب: عاقل لبيب.
(٢) البيت في ديوانه.
(٣) البيت من الكامل، وهو في ديوانه.
(٤) البيت في ديوانه.
(٥) البيت في ديوانه في وصف الفرس، وقبله: جذلان ينفض عذرة في غرة يقق تسيل حجولا في جندل كالرائح النشوان أكثر مشيه عرضا على السنن البعيد الأطول
(٦) هو مشهور من دعاء قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي ﵁، صحابي، وهذا الدعاء أورده الجاحظ في البيان والتبيين ٣/ ٢٨٤، وهو مذكور في ترجمته أيضا. ولكن أصح منه أنه من دعاء أبيه سعد بن عبادة، رواه ابن سعد قال: أخبرنا أبو أسامة قال: حدثنا هشام بن عروة عن أبيه أن سعدا بن عبادة كان يدعو» وذكر الدعاء، وتمامه عنده: «اللهم لا يصلحني القليل ولا أصلح عليه»، طبقات ابن سعد ٣/ ١٤٣ [محمود شاكر].
[ ١٩ ]
ولست تجد هذا الضرب يكثر في شيء، ويستمرّ كثرته واستمراره في كلام القدماء، كقول خالد: «ما الإنسان، لولا اللسان، إلا صورة ممثلة، وبهيمة مهملة»، وقول الفضل بن عيسى الرقاشي: «سل الأرض فقل: من شقّ أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك، فإن لم تجبك حوارا، أجابتك اعتبارا».
وإن أنت تتبّعته من الأثر وكلام النبي ﷺ، تثق كلّ الثقة بوجودك له على الصّفة التي قدمت، وذلك كقول النبي ﵇: «الظّلم ظلمات يوم القيامة»، وقوله صلوات الله عليه: «لا تزال أمّتي بخير ما لم تر الغنى مغنما، والصدقة مغرما»، وقوله: «يا أيّها الناس؛ أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلّوا بالليل، والناس نيام، تدخلوا الجنّة بسلام».
فأنت لا تجد في جميع ما ذكرت لفظا اجتلب من أجل السجع، وترك له ما هو أحقّ بالمعنى منه وأبرّ به، وأهدى إلى مذهبه.
ولذلك أنكر الأعرابي حين شكا إلى عامل ألما بقوله: «حلأت (١) ركابي، وشقّقت ثيابي، وضربت صحابي»، فقال له العامل: «أو تسجع أيضا» إنكار العامل السجع حتى قال: «فكيف أقول؟»، وذاك أنّه لم يعلم أصلح لما أراد من هذه الألفاظ ولم يره بالسجع مخلّا بمعنى، أو محدثا في الكلام استكراها، أو خارجا إلى تكلّف واستعمال لما ليس بمعتاد في غرضه. وقال الجاحظ: «لأنه لو قال: «حلّئت إبلي» أو «جمالي» أو «نوقي» أو «بعراني» أو «صرمتي» (٢) لكان لم يعبّر عن حقّ معناه، وإنما حلّئت ركابه، فكيف يدع «الركاب» إلى غير الركّاب؟ وكذلك قوله: «وشقّقت ثيابي، وضربت صحابي».
فقد تبين من هذه الجملة أن المعنى المقتضى اختصاص هذا النّحو بالقبول:
هو أنّ المتكلم لم يقد المعنى نحو التجنيس والسّجع، بل قاده المعنى إليهما، وعبر
_________________
(١) الرّكاب بالكسر: الإبل التي يسار عليها، واحدتها: راحلة، ولا واحد لها من لفظها، وجمعها «ركب» بضم الكاف مثل «كتب» وفي حديث النبي ﷺ: «إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الرّكاب أسنتها» أي: أمكنوها من الرعي، وأما قوله: (حلأت ركابي) فيقال: حلأ الإبل والماشية عن الماء تحليئا وتحلئة: طردها أو حبسها عن الورود ومنعها أن ترده.
(٢) الصّرمة بالكسر: القطعة من الإبل، قيل: هي ما بين العشرين إلى الثلاثين، وقيل: ما بين الثلاثين إلى الخمسين والأربعين، فإذا بلغت الستين فهي: «الصّدعة»، وقيل: ما بين العشرة إلى الأربعين، وقيل: ما بين عشرة إلى بضع عشرة.
[ ٢٠ ]
به الفرق عليهما، حتى إنه لو رام تركهما إلى خلافهما مما لا تجنيس فيه ولا سجع، لدخل من عقوق المعنى وإدخال الوحشة عليه، في شبيه بما ينسب إليه المتكلف للتّجنيس المستكره، والسجع النّافر. ولن تجد أيمن طائرا، وأحسن أوّلا وآخرا، وأهدى إلى الإحسان، وأجلب للاستحسان، من أن ترسل المعاني على سجيّتها، وتدعها تطلب لأنفسها الألفاظ، فإنها إذا تركت وما تريد لم تكتس إلا ما يليق بها، ولم تلبس من المعارض إلا ما يزينها. فأمّا أن تضع في نفسك أنه لا بدّ من أن تجنس أو تسجع بلفظين مخصوصين، فهو الذي أنت منه بعرض الاستكراه (١)، وعلى خطر من الخطأ والوقوع في الذّمّ، فإن ساعدك الجدّ كما ساعد في قوله: «أو دعاني أمت بما أو دعاني»، وكما ساعد أبا تمام في نحو قوله: [من الطويل]
وأنجدتم من بعد إتهام داركم فيا دمع أنجدني على ساكني نجد (٢)
وقوله: [من الكامل]
هنّ الحمام، فإن كسرت عيافة من حائهن فإنهنّ حمام (٣)
فذاك، وإلّا أطلقت ألسنة العيب، وأفضى بك طلب الإحسان من حيث لم يحسن الطلب، إلى أفحش الإساءة وأكبر الذنب، ووقعت فيما ترى من ينصرك، لا يرى أحسن من أن لا يرويه لك، ويودّ لو قدر على نفيه عنك، وذلك كما تجده لأبي
_________________
(١) أي: بجانب الاستكراه، والمقصود ذم تكلف التجنيس وطلب التحسين وتعمده واستكراه اللفظ عليه دون أن يقتضيه المعنى، وتنقاد له النفس، ويستلذه الحسّ؛ وليس معنى ذلك أن اختيار التجنيس وأشباهه من المحسنات مذموم إذا كان موافقا للمعنى، مطابقا للمقتضى، فإذا حضرك لفظان أحدهما يوافق المعنى بلا تجنيس، والآخر يوافقه مع زيادة التجنيس أو التحسين؛ فإن حق البلاغة والفصاحة هنا اختيار اللفظ الذي هو آنق في السمع، وأوفق للنفس والحسّ؛ فإن التحسين والتزيين المطابق لا يخفى أنه يقع من البلاغة بمكان، وأنه هو الذي يجذب النفس إلى المعاني، ويهون عليها ثقل اللفظ ورتابته.
(٢) البيت في ديوانه: ١٢٠ من قصيدة قالها في مدح موسى بن إبراهيم الرافقيّ ويعتذر إليه، وقبله: شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي ومحّت كما محّت وشائع من برد والبيت في الإيضاح: ٣٣٧، تحقيق د. عبد الحميد هنداوي. أنجدتم: سكنتم نجدا. إتهام داركم: اتخاذها في تهامة. أنجدني: ساعدني وعاوني.
(٣) البيت لأبي تمام في ديوانه: ٢٦٣، عن قصيدة في مدح المأمون، وقبله: أتحدّرت عبرات عينك أن دعت ورقاء حين تصعصع الإظلام لا تنشجينّ لها فإن بكاءها ضحك وإن بكاءك استغرام العيافة: زجر الطير. والحمام: الموت. استغرام: أي: داع للغرام وهو الهلاك.
[ ٢١ ]
تمام إذا أسلم نفسه للتكلف، ويرى أنه إن مرّ على اسم موضع يحتاج إلى ذكره أو يتصل بقصة يذكرها في شعره، من دون أن يشتقّ منه تجنيسا، أو يعمل فيه بديعا، فقد باء بإثم، وأخلّ بفرض حتم، من نحو قوله: [من البسيط]
سيف الإمام الذي سمّته هبّته لمّا تخرّم أهل الكفر مخترما
إنّ الخليفة لمّا صال كنت له خليفة الموت فيمن جار أو ظلما
قرّت بقرّان عين الدين واشتترت بالأشترين عيون الشّرك فاصطلما (١)
وكقول بعض المتأخرين: [من الكامل]
البس جلابيب القنا عة إنّها أوقى رداء
ينجيك من داء الحري ص معا ومن أوقار داء (٢)
وكقول أبي الفتح البستي: [من السريع]
جفّوا فما في طينهم للذي يعصره من بلّة بلّه (٣)
وقوله: [من الوافر]
أخ لي لفظه درّ وكلّ فعاله برّ
تلقّاني فحيّاني بوجه بشره بشر (٤)
لم يساعدهما حسن التوفيق كما ساعد في نحو قوله: [من الوافر]
وكلّ غنى يتيه به غنيّ فمرتجع بموت أو زوال
_________________
(١) الأبيات لأبي تمام في ديوانه: ٢٨٤، من قصيدة قالها في مدح إسحاق بن إبراهيم المصعبي. والشتر: انقلاب الجفن من أعلى وأسفل قلما يكون خلقة، وقيل: هو أن ينشق الجفن حتى ينفصل الحتار. وقرّان (بالضم وتشديد الراء) والأشتران: مواضع في بلاد الخرمية بين نهاوند وهمدان. والجناس في البيت الأخير يسمونه المطلق.
(٢) أوقار داء: الأوقار: جمع وقر بالفتح وهو الحمل الثقيل، أي: أثقال داء، والجناس في قافية البيتين يسمونه المركب وتركيبه في الطرفين (رشيد رضا).
(٣) في المخطوطة والمطبوعتين: «من بلة بالله» وهو كلام بلا معنى، والصواب ما في ترجمته في يتيمة الدهر للثعالبي، والبلّة الأولى: البلل. والبله الثانية: الخير والرزق وما ينتفع به (محمود شاكر).
(٤) البيتان هما لأبي الفتح البستي في ديوانه. والبشر (بالتحريك) جمع بشرة: وهي ظاهر الجلد وسكن الشين للضرورة.
[ ٢٢ ]
وهب جدّي طوى لي الأرض طرّا أليس الموت يزوي ما زوى لي (١)
ونحوه: [من السريع]
منزلتي تحفظ من ذلّتي وباحتي تكرم ديباجتي (٢)
واعلم أنّ النكتة التي ذكرتها في التجنيس، وجعلتها العلّة في استيجابه الفضيلة وهي حسن الإفادة، مع أنّ الصورة
صورة التكرير والإعادة وإن كانت لا تظهر الظهور التامّ الذي لا يمكن دفعه، إلا في المستوفى المتفق الصورة منه كقوله: [من الكامل]
ما مات من كرم الزمان فإنه يحيى لدى يحيى بن عبد الله (٣)
أو المرفوّ الجاري هذا المجرى كقوله: «أو دعاني أمت بما أو دعاني». فقد يتصوّر في غير ذلك من أقسامه أيضا، فمما يظهر ذاك فيه ما كان نحو قول أبي تمام:
[من الطويل]
يمدّون من أيد عواص عواصم تصول بأسياف قواض قواضب (٤)
وقول البحتري: [من الطويل]
لئن صدفت عنّا فربّت أنفس صواد إلى تلك الوجوه الصّوادف (٥)
_________________
(١) البيتان هما لأبي الفتح البستي في ديوانه، وأخطأ من نسبهما لأبي الفضل الميكاليّ، ورواية الديوان: «طوى لي الأرض طيا» وهي أجود [محمود شاكر].
(٢) البيت لأبي الفتح البستي في ديوانه، وفي مطبوعة محمود شاكر: «منزلتي يحفظها منزلي». والديباجة: صفحة الوجه، والباجة: الكيس تكون فيه الدراهم، فهي التي تحفظ على الوجه ديباجة وجهه.
(٣) البيت لأبي تمام في ديوانه، والمصباح: ١٨٤، والإيضاح: ٥٣٦، والتجنيس بين الفعل «يحيا» والاسم «يحيى».
(٤) البيت في ديوانه: ٤٦، من قصيدة قالها يمدح أبا دلف القاسم بن عيسى العجلي، وقبله: جحافل لا يتركن ذا جبرية سليما ولا يحربن من لم يحارب والبيت في الإيضاح: ٣٣٥، تحقيق د. عبد الحميد هنداوي، والطراز: ٢/ ٣٦٢، والمصباح: ١٨٧، وإعجاز القرآن: ٨٧، وكتاب الصناعتين: ٣٤٣، ونهاية الإعجاز: ١٢٨، والشاهد في قوله: عواص عواصم، وقواض قواضب. القواضب: السيوف القاطعة.
(٥) البيت في ديوانه. والصوادف: الإبل التي تأتي على الحوض فتقف عند أعجازها تنتظر انصراف الشاربة لتدخل.
[ ٢٣ ]
وذلك أنك تتوهم قبل أن يرد عليك آخر الكلمة كالميم من «عواصم» والباء من «قواضب»، أنها هي التي مضت، وقد أرادت أن تجيئك ثانية، وتعود إليك مؤكّدة، حتى إذا تمكن في نفسك تمامها، ووعى سمعك آخرها، انصرفت
عن ظنّك الأول، وزلت عن الذي سبق من التخيّل، وفي ذلك ما ذكرت لك من طلوع الفائدة بعد أن يخالطك اليأس منها، وحصول الربح بعد أن تغالط فيه حتى ترى أنه رأس المال.
فأما ما يقع التجانس فيه على العكس من هذا، وذلك أن تختلف الكلمات من أوّلها كقول البحتري: [من الخفيف]
بسيوف إيماضها أوجال للأعادي ووقعها آجال (١)
وكذا قول المتأخر: [من الطويل]
وكم سبقت منه إليّ عوارف ثنائي من تلك العوارف وارف
وكم غرر من برّه ولطائف لشكري على تلك اللّطائف طائف
وذلك أنّ زيادة «عوارف» على «وارف» بحرف اختلاف من مبدأ الكلمة في الجملة، فإنه لا يبعد كلّ البعد عن اعتراض طرف من هذا التخيّل فيه، وإن كان لا يقوى تلك القوة، كأنك ترى أن اللفظة أعيدت عليك مبدلا من بعض حروفها غيره أو محذوفا منها. ويبقى في تتبّع هذا الموضع كلام حقّه غير هذا الفصل وذلك حيث يوضع.