قال أبو القاسم الآمدي في قول البحتري (١): [من البسيط]
فصاغ ما صاغ من تبر ومن ورق وحاك ما حاك من وشي وديباج
صوغ الغيث النبت وحوكه النبات، ليس باستعارة بل هو حقيقة، ولذلك لا يقال: «هو صائغ» ولا «كأنه صائغ» وكذلك لا يقال: «حائك» و«كأنه حائك»، على أن لفظة «حائك» خاصّة في غاية الركاكة، إذا أخرج على ما أخرجه عليه أبو تمام في قوله (٢): [من الطويل]
إذا الغيث غادى نسجه خلت أنّه خلت حقب حرس له وهو حائك
وهذا قبيح جدّا، والذي قاله البحتري: «وحاك ما حاك»، حسن مستعمل، فانظر ما بين الكلامين لتعلم ما بين الرّجلين.
قد كتبت هذا الفصل على وجهه، والمقصود منه منعه أن تطلق الاستعارة على «الصوغ» و«الحوك»، وقد جعلا فعلا للربيع، واستدلاله على ذلك بامتناع أن يقال:
«كأنه صائغ» و«كأنه حائك».
اعلم أن هذا الاستدلال كأحسن ما يكون، إلا أن الفائدة تتمّ بأن تبيّن جهته، ومن أين كان كذلك؟ والقول فيه: إن التشبيه كما لا يخفى يقتضي شيئين مشبّها ومشبّها به. ثم ينقسم إلى الصريح وغير الصريح، فالصريح أن تقول: «كأنّ زيدا الأسد»، فتذكر كل واحد من المشبّه والمشبّه به باسمه- وغير الصريح أن تسقط المشبّه به من الذكر، وتجري اسمه على المشبّه كقولك: «رأيت أسدا»، تريد رجلا شبيها بالأسد، إلا أنك تعيره اسمه مبالغة وإيهاما أن لا فصل بينه وبين الأسد، وأنه قد استحال إلى الأسدية.
_________________
(١) البيت في ديوانه فانظره. والتّبر: الذهب كله وقيل: الذهب المكسور، وقيل: الفتات من الذهب والفضة والورق والورق: الدراهم المضروبة. والوشي: من الثياب وهو يكون من كل لون والجمع: وشاء. والديباج: ضرب من الثياب والدّبج: النقش والتزيين والديباج جمعها: دبابيج وديابيج.
(٢) البيت في ديوانه ص ٢١١، والبيت فيه «أتت» بدل «خلت» وهو من قصيدة يمدح فيها أبا سعيد محمد بن يوسف الثغري مطلعها: قرى دراهم منّي الدموع السوافك وإن عاد صبحي بعدهم وهو حالك والسوافك: المنصبة، والحالك: الأسود. وقال الشيخ شاكر: انتهى كلام أبي القاسم الآمدي هنا وهو في كتابه الموازنة ١/ ٤٩٧، ٤٩٨ (المعارف). ونقله الشيخ (يقصد عبد القاهر) في دلائل الإعجاز رقم ٦٤٧ ص ٥٥٣ اه. والحقبة: مدة من الدهر جمعها حقب، والحرس: الدهر.
[ ٢٦٩ ]
فإذا كان الأمر كذلك وأنت تشبّه شخصا بشخص، فإنك إذا شبّهت فعلا بفعل كان هذا حكمه، فأنت تقول مرّة: «كأن
تزيينه لكلامه نظم درّ»، فتصرّح بالمشبّه والمشبّه به، وتقول أخرى: «إنما ينظم درّا»، تجعله كأنه ناظم درّا على الحقيقة.
وتقول في وصف الفرس: «كأن سيره سباحة»، و«كأن جريه طيران طائر»، هذا إذا صرّحت، وإذا أخفيت واستعرت قلت: «يسبح براكبه»، و«يطير بفارسه»، فتجعل حركته سباحة وطيرانا.
ومن لطيف ذلك ما كان كقول أبي دلامة يصف بغلته (١): [من الوافر]
أرى الشهباء تعجبن إذ غدونا برجليها، وتخبز باليمين
شبّه حركة رجليها حين لم تثبتهما على موضع تعتمد بهما عليه وهوتا ذاهبتين نحو يديها، بحركة يدي العاجن، فإنه لا يثبت اليد في موضع، بل يزلّها إلى قدّام، وتزلّ من عند نفسها لرخاوة العجين- وشبّه حركة يديها بحركة يد الخابز، من حيث كان الخابز يثني يده نحو بطنه، ويحدث فيها ضربا من التقويس، كما تجد في يد الدابّة إذا اضطربت في سيرها، ولم تقف على ضبط يديها، ولن ترمي بها إلى قدّام، ولن تشدّ اعتمادها، حتى تثبت في الموضع الذي تقع عليه فلا تزول عنه ولا تنثني وأعود إلى المقصود.
فإذا كان لا تشبيه حتى يكون معك شيئان، وكان معنى الاستعارة أن تعير المشبّه لفظ المشبّه به، ولم يكن معنا في «صاغ الربيع» أو «حاك الربيع» إلا شيء واحد، وهو الصّوغ أو الحوك، كان تقدير الاستعارة فيه محالا جاريا مجرى أن تشبّه الشيء بنفسه، وتجعل اسمه عاريّة فيه، وذلك بيّن الفساد.
فإن قلت: أليس الكلام على الجملة معقودا على تشبيه الربيع بالقادر، في تعلّق وجود الصوغ والنسج به؟ فكيف لم يجز دخول «كأنّ» في الكلام من هذه الجهة؟
فإن هذا التشبيه ليس هو التشبيه الذي يعقد في الكلام ويفاد بكأن والكاف ونحوهما، وإنما هو عبارة عن الجهة التي راعاها المتكلم حين أعطى الربيع حكم القادر في إسناد الفعل إليه. وزانه وزان قولنا: إنهم يشبّهون «ما» بليس، فيرفعون بها
_________________
(١) البيت لأبي دلامة وقيل: إنه قاله في مدح بغلته التي كانت تسمى الشهباء، والعاجن من الرجال: المعتمد على الأرض بجمعه إذا أراد النهوض، وعجنت الناقة: تضرب بيديها إلى الأرض في سيرها.
[ ٢٧٠ ]
المبتدأ وينصبون بها الخبر فيقولون: «ما زيد منطلقا»، كما يقولون: «ليس زيد منطلقا»، فنخبر عن تقدير قدّروه في نفوسهم، وجهة راعوها في إعطاء «ما» حكم «ليس» في العمل. فكما لا يتصوّر أن يكون قولنا: «ما زيد منطلقا»،
تشبيها على حدّ «كأنّ زيدا الأسد»، كذلك لا يكون «صاغ الربيع» من التشبيه. فكلامنا إذن في تشبيه مقول منطوق به، وأنت في تشبيه معقول غير داخل في النطق. هذا، وإن يكن هاهنا تشبيه، فهو في الربيع لا في الفعل المسند إليه، واختلافنا في «صاغ» و«حاك» هل يكون تشبيها واستعارة أم لا؟ فلا يلتقي التشبيهان، أو يلتقي المشئم والمعرق.
وهذا هو القول على الجملة إذا كانت حقيقة أو مجازا، وكيف وجه الحدّ فيها؟
فكلّ جملة وضعتها على أن الحكم المفاد بها على ما هو عليه في العقل، وواقع موقعه منه، فهي حقيقة. ولن تكون كذلك حتى تعرى من التأوّل، ولا فصل بين أن تكون مصيبا فيما أفدت بها من الحكم أو مخطئا وصادقا أو غير صادق.
فمثال وقوع الحكم المفاد موقعه من العقل على الصحة واليقين والقطع قولنا:
«خلق الله تعالى الخلق، وأنشأ العالم، وأوجد كل موجود سواه». فهذه من أحقّ الحقائق وأرسخها في العقول، وأقعدها نسبا في العقول، والتي إن رمت أن تغيب عنها غبت عن عقلك، ومتى هممت بالتوقّف في ثبوتها استولى النّفي على معقولك، ووجدتك كالمرميّ به من حالق إلى حيث لا مقرّ لقدم، ولا مساغ لتأخّر وتقدّم، كما قال أصدق القائلين جلّت أسماؤه، وعظمت كبرياؤه: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ [الحج: ٣١].
وأمّا مثال أن توضع الجملة على أن الحكم المفاد بها واقع موقعه من العقل، وليس كذلك، إلا أنه صادر من اعتقاد فاسد وظنّ كاذب، فمثل ما يجيء في التنزيل من الحكاية عن الكفار نحو: وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية: ٢٤]، فهذا ونحوه من حيث لم يتكلم به قائله على أنّه متأوّل، بل أطلقه بجهله وعماه إطلاق من يضع الصّفة في موضعها، لا يوصف بالمجاز، ولكن يقال: «عند قائله أنه حقيقة»، وهو كذب وباطل، وإثبات لما ليس بثابت، أو نفي لما ليس بمنتف، وحكم لا يصحّحه العقل في الجملة، بل يردّه ويدفعه، إلّا أن قائله جهل مكان الكذب والبطلان فيه، أو جحد وباهت.
ولا يتخلّص لك الفصل بين الباطل وبين المجاز، حتى تعرف حدّ المجاز،
[ ٢٧١ ]
وحدّه: أنّ كلّ جملة أخرجت الحكم المفاد بها عن موضعه من العقل لضرب من التأوّل، فهي مجاز.
ومثاله ما مضى من قولهم: «فعل الربيع»، وكما جاء في الخبر «إنّ ممّا ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلمّ»، قد أثبت الإنبات للربيع، وذلك خارج عن موضعه من العقل، لأن إثبات الفعل لغير القادر لا يصحّ في قضايا العقول، إلّا أن
ذلك على سبيل التأوّل، وعلى العرف الجاري بين الناس، أن يجعلوا الشيء، إذا كان سببا أو كالسبب في وجود الفعل من فاعله، كأنه فاعل. فلما أجرى الله سبحانه العادة وأنفذ القضيّة أن تورق الأشجار، وتظهر الأنوار، وتلبس الأرض ثوب شبابها في زمان الربيع، صار يتوهّم في ظاهر الأمر ومجرى العادة، كأنّ لوجود هذه الأشياء حاجة إلى الربيع، فأسند الفعل إليه على هذا التأوّل والتنزيل.
وهذا الضرب من المجاز كثير في القرآن، فمنه قوله تعالى: تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها [إبراهيم: ٢٥]، وقوله عزّ اسمه: وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا [الأنفال: ٢]، وفي الأخرى: فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيمانًا [التوبة: ١٢٤]، وقوله: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها [الزلزلة: ٢]، وقوله ﷿:
حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ [الأعراف: ٥٧] أثبت الفعل في جميع ذلك لما لا يثبت له فعل إذا رجعنا إلى المعقول، على معنى السّبب. وإلّا فمعلوم أن النخلة ليست تحدث الأكل، ولا الآيات توجد العلم في قلب السامع لها، ولا الأرض تخرج الكامن في بطنها من الأثقال، ولكن إذا حدثت فيها الحركة بقدرة الله، ظهر ما كنز فيها وأودع جوفها.
وإذا ثبت ذلك، فالمبطل والكاذب لا يتأوّل في إخراج الحكم عن موضعه وإعطائه غير المستحق، ولا يشبه كون المقصود سببا بكون الفاعل فاعلا، بل يثبت القضية من غير أن ينظر فيها من شيء إلى شيء، ويردّ فرعا إلى أصل، وتراه أعمى أكمه يظنّ ما لا يصحّ صحيحا، وما لا يثبت ثابتا، وما ليس في موضعه من الحكم موضوعا موضعه. وهكذا المتعمّد للكذب يدّعي أن الأمر على ما وضعه تلبيسا وتمويها، وليس هو من التّأويل في شيء.
والنكتة أن المجاز لم يكن مجازا لأنه إثبات الحكم لغير مستحقّه، بل لأنه أثبت لما لا يستحق تشبيها وردّا له إلى ما يستحقّ، وأنه ينظر من هذا إلى ذاك، وإثباته ما أثبت للفرع الذي ليس بمستحقّ، ويتضمّن الإثبات للأصل الذي هو
[ ٢٧٢ ]
المستحقّ، فلا يتصوّر الجمع بين شيئين في وصف أو حكم من طريق التشبيه والتأويل، حتى يبدأ بالأصل في إثبات ذلك الوصف والحكم له. ألا تراك لا تقدر على أن تشبّه الرجل بالأسد في الشجاعة، ما لم تجعل كونها من أخصّ أوصاف الأسد وأغلبها عليه نصب عينيك؟ وكذلك لا يتصوّر أن يثبت المثبت الفعل للشيء على أنه سبب، ما لم ينظر إلى ما هو راسخ في العقل من أن لا فعل على الحقيقة إلا للقادر، لأنه لو كان نسب الفعل إلى هذا السبب نسبة مطلقة- لا يرجع فيها إلى الحكم القادر، والجمع بينهما من حيث تعلّق وجوده بهذا السبب من طريق العادة، كما يتعلق بالقادر من طريق الوجوب- لما اعترف بأنه سبب، ولادّعى أنه أصل بنفسه، مؤثّر في وجود الحادث كالقادر. وإن تجاهل متجاهل فقال بذلك- على ظهور الفضيحة وإسراعها إلى مدّعيه- كان الكلام عنده حقيقة،
ولم يكن من مسألتنا في شيء، ولحق بنحو قول الكفار: وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية:
٢٤]. وليس ذلك المقصود في مسألتنا، لأن الغرض هاهنا ما وضع فيه الحكم واضعه على طريق التأوّل، فاعرفه.
ومن أوضح ما يدلّ على أنّ إثبات الفعل للشيء على أنه سبب يتضمّن إثباته للمسبّب، من حيث لا يتصوّر دون تصوّره، أن تنظر إلى الأفعال المسندة إلى الأدوات والآلات، كقولك: «قطع السكّين» و«قتل السيف»، فإنك تعلم أنه لا يقع في النفس من هذا الإثبات صورة، ما لم تنظر إلى إثبات الفعل للمعمل الأداة والفاعل بها. فلو فرضت أن لا يكون هاهنا قاطع بالسكّين ومصرّف لها، أعياك أن تعقل من قولك: «قطع السكين» معنى بوجه من الوجوه. وهذا من الوضوح، بحيث لا يشكّ عاقل فيه.
وهذه الأفعال المسندة إلى من تقع تلك الأفعال بأمره، كقولك: «ضرب الأمير الدرهم» و«بنى السّور»، لا تقوم في نفسك صورة لإثبات الضّرب والبناء فعلا للأمير، بمعنى الأمر به، حتى تنظر إلى ثبوتهما للمباشر لهما على الحقيقة. والأمثلة في هذا المعنى كثيرة تتلقّاك من كل جهة، وتجدها أنّى شئت.
واعلم أنه لا يجوز الحكم على الجملة بأنها مجاز إلا بأحد أمرين:
فإمّا أنه يكون الشيء الذي أثبت له الفعل مما لا يدّعي أحد من المحقّين والمبطلين أن مما يصحّ أن يكون له تأثير في وجود المعنى الذي أثبت له، وذلك نحو قول الرجل: «محبّتك جاءت بي إليك»، وكقول عمرو بن العاص في ذكر الكلمات التي استحسنها: «هنّ مخرجاتي من الشأم»، فهذا ما لا يشتبه على أحد أنّه مجاز.
[ ٢٧٣ ]
وإمّا أنه يكون قد علم من اعتقاد المتكلّم أنه لا يثبت الفعل إلا للقادر، وأنه ممن لا يعتقد الاعتقادات الفاسدة، كنحو ما قاله المشركون وظنّوه من ثبوت الهلاك فعلا للدهر، فإذا سمعنا نحو قوله (١): [من المتقارب]
أشاب الصغير وأفنى الكبي ر كرّ الغداة ومرّ العشي
وقول ذي الإصبع (٢): [من المنسرح]
أهلكنا الليل والنهار معا والدّهر يعدو مصمّما جذعا
كان طريق الحكم عليه بالمجاز، أن تعلم اعتقادهم التوحيد، إما بمعرفة أحوالهم السابقة، أو بأن تجد في كلامهم من بعد إطلاق هذا النحو، ما يكشف عن قصد المجاز فيه، كنحو ما صنع أبو النجم، فإنه قال أوّلا (٣): [من الرجز]
قد أصبحت أمّ الخيار تدّعي عليّ ذنبا كلّه لم أصنع
من أن رأت رأسي كرأس الأصلع ميّز عنه قنزعا عن قنزع
جذب الليالي: أبطئي أو أسرعي فهذا على المجاز وجعل الفعل للّيالي ومرورها، إلّا أنه خفيّ غير بادي الصفحة، ثم
فسّر وكشف عن وجه التأوّل وأفاد أنه بنى أول كلامه على التخيّل فقال:
_________________
(١) البيت للصلتان العبدي وهو في الكامل بتحقيق د. عبد الحميد هنداوي ٣/ ٢٥، والبيت سبق تخريجه فارجع له إن شئت.
(٢) البيت في ديوانه، وفي الأغاني ٣/ ٩٣، وجاء الأول لأربعة أبيات قالها بعد ما كبر وخرف فهجره أصهاره ولاموه فقال: أهلكنا الليل والنهار معا والدهر يعدو مصمّما جذعا فليس فيما أصابني عجب إن كنت شيبا أنكرت أو صلعا وكنت إذ رونق الشباب به ماء شبابي تخاله شرعا والحيّ فيه الفتاة ترمقني حتى مضى شأو ذاك فانقشعا والجذع من الرجال: الشاب الحدث، وانقشع: انجلى عنه.
(٣) الأبيات لأبي النجم وأورده محمد بن علي الجرجاني في الإشارات ص ٢٥، وعزاه لأبي النجم، وبدر الدين بن مالك في المصباح ص ١٤٤، والطيبي في التبيان ١/ ٣٢١ بتحقيق د. عبد الحميد هنداوي، وهو في الإيضاح ص ٢٨، والمفتاح ص ٥٠٤، بتحقيق د. عبد الحميد هنداوي، ودلائل الإعجاز ص ٢٧٨. والبيت الثاني معروف فيه روايتان إحداهما: «طيّر عنها قنزعا» والأخرى «سيّر عنه». والأصلع: من لا شعر له. والقنزع: ما ارتفع من الشعر وطال، وقيل: هو القليل من الشعر إذا كان في وسط الرأس خاصة. وقيل: هو الشّعر حوالي الرأس والجمع قنازع.
[ ٢٧٤ ]
أفناه قيل الله للشمس اطلعي حتّى إذا واراك أفق فارجعي (١)
فبيّن أن الفعل لله تعالى، وأنه المعيد والمبدي، والمنشئ والمفني، لأنّ المعنى في «قيل الله»، أمر الله، وإذا جعل الفناء بأمره فقد صرّح بالحقيقة وبيّن ما كان عليه من الطريقة.
واعلم أنه لا يصحّ أن يكون قول الكفّار: وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ، ومن باب التأويل والمجاز، وأن يكون الإنكار عليهم من جهة ظاهر اللفظ، وأنّ فيه إيهاما للخطأ. كيف؟ وقد قال تعالى بعقب الحكاية عنهم: وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [سورة الجاثية: ٢٤]، والمتجوّز أو المخطئ في العبارة لا يوصف بالظن، إنّما الظانّ من يعتقد أن الأمر على ما قاله وكما يوجبه ظاهر كلامه. وكيف يجوز أن يكون الإنكار من طريق إطلاق اللفظ دون إثبات الدهر فاعلا للهلاك، وأنت ترى في نصّ القرآن ما جرى فيه اللفظ على إضافة فعل الهلاك إلى الريح مع استحالة أن تكون فاعلة، وذلك قوله ﷿: «مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ [آل عمران: ١١٧]، وأمثال ذلك كثير؟ ومن قدح في المجاز، وهمّ أن يصفه بغير الصدق، فقد خبط خبطا عظيما، ويهرف بما لا يخفى.
ولو لم يجب البحث عن حقيقة المجاز والعناية به، حتى تحصّل ضروبه، وتضبط أقسامه، إلا للسلامة من مثل هذه المقالة، والخلاص ممّا نحا نحو هذه الشّبهة، لكان من حقّ العاقل أن يتوفّر عليه، ويصرف العناية إليه، فكيف وبطالب الدّين حاجة ماسّة إليه من جهات يطول عدّها، وللشيطان من جانب الجهل به مداخل خفيّة يأتيهم منها، فيسرق دينهم من حيث لا يشعرون، ويلقيهم في الضلالة من حيث ظنّوا أنهم يهتدون؟ وقد اقتسمهم البلاء فيه من جانبي الإفراط والتفريط، فمن مغرور مغرى بنفيه دفعة، والبراءة منه جملة، يشمئزّ من ذكره، وينبو عن اسمه، يرى أن لزوم الظواهر فرض لازم، وضرب الخيام حولها حتم واجب، وآخر يغلو فيه ويفرط، ويتجاوز حدّه ويخبط، فيعدل عن الظاهر والمعنى عليه، ويسوم نفسه التعمّق في التأويل ولا سبب يدعو إليه.
_________________
(١) البيت لأبي النجم أيضا، وهو يعقب الأبيات السابقة فانظره في الإيضاح بتحقيق د. هنداوي، والمفتاح كذلك بتحقيقنا والبيت في نفس المصادر السابقة فارجع لها إن شئت. وأفناه: قيل الضمير لجذب، وقيل: لشعر رأسه، وقيل: لأبي النجم وهو المناسب لما بعده، وقيل الله: أمره. خزانة الأدب ١/ ٣٦٥.
[ ٢٧٥ ]
أمّا التفريط، فما تجد عليه قوما في نحو قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ [البقرة: ٢١٠]، وقوله: وَجاءَ رَبُّكَ [الفجر: ٢٢]، و: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [طه: ٥]، وأشباه ذلك من النّبوّ عن أقوال أهل التحقيق. فإذا قيل لهم: «الإتيان» و«المجيء» انتقال من مكان إلى مكان، وصفة من صفات الأجسام، وأن «الاستواء» إن حمل على ظاهره لم يصحّ إلّا في جسم يشغل حيّزا ويأخذ مكانا، والله ﷿ خالق الأماكن والأزمنة، ومنشئ كل ما تصحّ عليه الحركة والنّقلة، والتمكن والسكون، والانفصال والاتصال، والمماسّة والمحاذاة، وأن المعنى على: «إلّا أن يأتيهم أمر الله» و«جاء أمر ربك»، وأنّ حقه أن يعبّر بقوله تعالى: فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا [الحشر: ٢]، وقول الرجل: «آتيك من حيث لا تشعر»، يريد أنزل بك المكروه، وأفعل ما يكون جزاء لسوء صنيعك، في حال غفلة منك، ومن حيث تأمن حلوله بك. وعلى ذلك قوله: [من الطويل]
أتيناهم من أيمن الشّقّ عندهم ويأتي الشقيّ الحين من حيث لا يدري
نعم، إذا قلت ذلك للواحد منهم، رأيته إن أعطاك الوفاق بلسانه، فبين جنبيه قلب يتردّد في الحيرة ويتقلّب، ونفس تفرّ من الصواب وتهرب، وفكر واقف لا يجيء ولا يذهب، يحضره الطبيب بما يبرئه من دائه، ويريه المرشد وجه
الخلاص من عميائه، ويأبى إلا نفارا عن العقل، ورجوعا إلى الجهل، لا يحضره التوفيق بقدر ما يعلم به أنه إذا كان لا يجري في قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢]، على الظاهر، لأجل علمه أن الجماد لا يسأل مع أنه لو تجاهل متجاهل فادّعى أن الله تعالى خلق الحياة في تلك القرية حتى عقلت السؤال، وأجابت عنه ونطقت، لم يكن قال قولا يكفر به، ولم يزد على شيء يعلم كذبه فيه فمن حقّه أن لا يجثم هاهنا على الظاهر، ولا يضرب الحجاب دون سمعه وبصره حتى لا يعي ولا يراعى، مع ما فيه، إذا أخذ على ظاهره، من التعرض للهلاك والوقوع في الشرك.
فأمّا الإفراط، فما يتعاطاه قوم يحبّون الإغراب في التأويل، ويحرصون على تكثير الوجوه، وينسون أن احتمال اللفظ شرط في كل ما يعدل به عن الظاهر، فهم يستكرهون الألفاظ على ما لا تقلّه من المعاني، يدعون السليم من المعنى إلى السقيم، ويرون الفائدة حاضرة قد أبدت صفحتها وكشفت قناعها، فيعرضون عنها حبّا للتشوّف، أو قصدا إلى التمويه وذهابا في الضلالة.
وليس القصد هاهنا بيان ذلك فأذكر أمثلته، على أن كثيرا من هذا الفنّ مما
[ ٢٧٦ ]
يرغب عن ذكره لسخفه، وإنما غرضي بما ذكرت أن أريك عظم الآفة في الجهل بحقيقة المجاز وتحصيله، وأن الخطأ فيه مورّط صاحبه، وفاضح له، ومسقط قدره، وجاعله ضحكة يتفكّه به، وكاسيه عارا يبقى على وجه الدهر، وفي مثل هذا قال رسول الله ﷺ: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين» (١)، وليس حمله روايته وسرد ألفاظه، بل العلم بمعانيه ومخارجه، وطرقه ومناهجه، والفرق بين الجائز منه والممتنع، والمنقاد المصحب، والنّابي النافر.
وأقلّ ما كان ينبغي أن تعرفه الطائفة الأولى، وهم المنكرون للمجاز، أن التنزيل كما لم يقلب اللغة في أوضاعها المفردة عن أصولها، ولم يخرج الألفاظ عن دلالتها، وأنّ شيئا من ذلك إن زيد إليه ما لم يكن قبل الشرع يدلّ عليه، أو ضمّن ما لم يتضمّنه أتبع ببيان من عند النبي ﷺ، وذلك كبيانه للصلاة والحج والزكاة والصوم. كذلك لم يقض بتبديل عادات أهلها، ولم ينقلهم عن أساليبهم وطرقهم، ولم يمنعهم ما يتعارفونه من التشبيه والتمثيل والحذف، والاتساع.
وكذلك كان من حق الطائفة الأخرى أن تعلم، أنه ﷿ لم يرض لنظم كتابه الذي سمّاه هدى وشفاء، ونورا وضياء، وحياة تحيا بها القلوب، وروحا تنشرح عنه الصدور ما هو عند القوم الذين خوطبوا به خلاف البيان، وفي حدّ الإغلاق والبعد من التبيان، وأنه تعالى لم يكن ليعجز بكتابه من طريق الإلباس والتعمية، كما يتعاطاه الملغز من الشعراء والمحاجي من الناس، كيف وقد وصفه بأنه عربيّ مبين؟
هذا، وليس التعسّف الذي يرتكبه بعض من يجهل التأويل من جنس ما يقصده أولو الألغاز وأصحاب الأحاجي، بل هو شيء يخرج عن كلّ طريق، ويباين كلّ مذهب، وإنما هو سوء نظر منهم، ووضع للشيء في غير موضعه، وإخلال بالشريطة، وخروج عن القانون، وتوهّم أن المعنى إذا دار في نفوسهم، وعقل من تفسيرهم، فقد فهم من لفظ المفسّر، وحتى كأنّ الألفاظ تنقلب عن سجيّتها، وتزول عن موضوعها، فتحتمل ما ليس من شأنها أن تحتمله، وتؤدّي ما لا يوجب حكمها أن تؤدّيه.
_________________
(١) المراد بالغالين: المبتدعة، وبالمبطلين الذين يتعمدون الباطل وينتحلون من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ما يؤيد باطلهم. (رشيد).
[ ٢٧٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم