وهذا فصل قسّمتها فيه قسمة عامية. ومعنى «العامية»، أنك لا تجد في هذه الاستعارة قسمة إلا أخصّ من هذه
القسمة، وأنها قسيمة الاستعارة من حيث المعقول المتعارف في طبقات الناس وأصناف اللغات، وما تجد وتسمع أبدا نظيره من عوامّ الناس كما تسمع من خواصهم.
اعلم أن كل لفظة دخلتها الاستعارة المفيدة، فإنها لا تخلو من أن تكون اسما أو فعلا، فإذا كانت اسما فإنه يقع مستعارا على قسمين:
أحدهما: أن تنقله عن مسمّاه الأصلي إلى شيء آخر ثابت معلوم فتجريه عليه، وتجعله متناولا له تناول الصفة مثلا للموصوف، وذلك قولك «رأيت أسدا» وأنت تعني «رجلا شجاعا» و«عنّت لنا ظبية» وأنت تعني امرأة و«أبديت نورا» وأنت
[ ٤٠ ]
تعني هدى وبيانا وحجّة وما شاكل ذلك، فالاسم في هذا كله كما تراه متناول «شيئا معلوما» يمكن أن ينصّ عليه فيقال: إنه عني بالاسم وكني به عنه ونقل عن مسمّاه الأصلي فجعل اسما له على سبيل الإعارة والمبالغة في التشبيه.
والثاني: أن يؤخذ الاسم على حقيقته، ويوضع موضعا لا يبين فيه شيء يشار إليه فيقال: هذا هو المراد بالاسم والذي استعير له، وجعل خليفة لاسمه الأصلي ونائبا منابه، ومثاله قول لبيد: [من الكامل]
وغداة ريح قد كشفت وقرّة إذ أصبحت بيد الشّمال زمامها (١)
وذلك أنه جعل للشمال يدا، ومعلوم أنه ليس هناك مشار إليه يمكن أن تجرى اليد عليه، كإجراء «الأسد» و«السيف» على الرجل في قولك «انبرى لي أسد يزئر» و«سللت سيفا على العدوّ لا يفلّ»، و«الظباء» على «النساء» في قوله:
الظباء الغيد و«النور» على الهدى والبيان في قولك «أبديت نورا ساطعا» وكإجراء «اليد نفسها على من يعزّ مكانه كقولك «أتناز عني في يد بها أبطش، وعين بها أبصر» تريد إنسانا له حكم اليد وفعلها، وغناؤها ودفعها، وخاصّة «العين» وفائدتها، وعزّة موقعها، ولطف موضعها لأنّ معك في هذا كله ذاتا ينصّ عليها، ترى مكانها في النفس، إذا لم تجد ذكرها في اللفظ.
وليس لك شيء من ذلك في بيت لبيد، بل ليس أكثر من أن تخيّل إلى نفسك أن «الشّمال» في تصريف «الغداة» على حكم طبيعتها، كالمدبّر المصرّف لما زمامه بيده، ومقادته في كفّه، وذلك كلّه لا يتعدّى التخيّل والوهم والتقدير في النفس، من غير أن يكون هناك شيء يحسّ، وذات تتحصّل. ولا سبيل لك أن تقول: كنى باليد عن كذا، وأراد باليد هذا الشيء، أو جعل الشيء الفلانيّ «يدا» كما تقول: «كنى بالأسد عن زيد، وعنى به زيدا، وجعل زيدا أسدا»،
وإنما غايتك التي لا مطّلع وراءها أن تقول: «أراد أن يثبت للشمال في الغداة تصرّفا كتصرّف الإنسان في الشيء يقلّبه، فاستعار لها «اليد» حتى يبالغ في تحقيق الشبه، وحكم «الزمام» في
_________________
(١) البيت من معلقته الشهيرة. وقوله: وغداة ريح إلخ: هذه رواية الخطيب. وروي إذا أصبحت موضع قد أصبحت. وروى محمد بن خطاب: وغداه ريح قد كشفت وقرة إذ أصبحت إلخ. شرح المعلقات العشر للشنقيطي ص ٩٣.
[ ٤١ ]
استعارته للغداة حكم «اليد» في استعارتها للشمال، إذ ليس هناك مشار إليه يكون الزمام كناية عنه، ولكنه وفّى المبالغة شرطها من الطرفين، فجعل على «الغداة» «زماما»، ليكون أتمّ في إثباتها مصرّفة، كما جعل للشمال «يدا»، ليكون أبلغ في تصييرها مصرّفة.
ويفصل بين القسمين أنك إذا رجعت في القسم الأول إلى التشبيه الذي هو المغزى من كل استعارة تفيد، وجدته يأتيك عفوا، كقولك في «رأيت أسدا» «رأيت رجلا كالأسد» أو «رأيت مثل الأسد» أو «شبيها بالأسد» وإن رمته في القسم الثاني وجدته لا يؤاتيك تلك المؤاتاة، إذ لا وجه لأن تقول: «إذا أصبح شيء مثل اليد للشمال» أو «حصل شبيه باليد للشّمال»، وإنما يتراءى لك التشبيه بعد أن تخرق إليه سترا، وتعمل تأمّلا وفكرا، وبعد أن تغيّر الطريقة، وتخرج على الحد الأول (١)، كقولك: «إذ أصبحت الشّمال ولها في قوة تأثيرها في الغداة شبه المالك تصريف الشيء بيده، وإجراءه على موافقته، وجذبه نحو الجهة التي تقتضيها طبيعته، وتنحوها إرادته»، فأنت كما ترى تجد الشّبه المنتزع هاهنا إذا رجعت إلى الحقيقة، ووضعت الاسم المستعار في موضعه الأصلي لا يلقاك من المستعار نفسه، بل مما يضاف إليه. ألا ترى أنك لم ترد أن تجعل الشّمال كاليد ومشبهة باليد، كما جعلت الرجل كالأسد ومشبّها بالأسد، ولكنك أردت أن تجعل «الشمال» كذي اليد من الأحياء، فأنت تجعل في هذا الضرب المستعار له وهو نحو «الشمال» ذا شيء، وغرضك أن تثبت له حكم من يكون له ذلك الشيء في فعل أو غيره، لا نفس ذلك الشيء، فاعرفه.
وهكذا قول زهير: [من الطويل] وعرّي أفراس الصّبا ورواحله (٢) لا تستطيع أن تثبت ذواتا أو شبه الذوات تتناولها الأفراس والرّواحل في البيت،
_________________
(١) وفي نسخة: الحذو الأول.
(٢) البيت وصدره: «صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله» صحا: انكشف عنه ما كان من سكر الباطل. وأقصر: كفّ. وتقول: قد أقصرت عن ذلك، أي: كففت. وعرّي أفراس، مثل ضربه أي: تركت الصبا فلا أركبه ولا آتيه. وصبا: مال إلى الشيء وكل مائل صاب. وهذا البيت مطلع قصيدة لزهير بن أبي سلمى يمدح فيها حصن بن حذيفة بن بدر.
[ ٤٢ ]
على حدّ تناول الأسد الرجل الموصوف بالشجاعة، والبدر الموصوف بالحسن أو البهاء، والسحاب المذكور بالسخاء والسماحة، والنور العلم، والهدى والبيان، وليس إلّا أنك أردت أن الصّبا قد ترك وأهمل، وفقد نزاع النفس إليه وبطل، فصار كالأمر ينصرف عنه فتعطّل آلاته، وتطرح أداته كالجهة من جهات المسير نحو الحج أو الغزو أو التجارة يقضى منها الوطر، فتحطّ عن الخيل التي كانت تركب إليها لبودها، وتلقى عن الإبل التي كانت تحمّل لها قتودها (١).
وقد يجيء وإن كان كالتكلّف أن تقول إن «الأفراس» عبارة عن دواعي النفوس وشهواتها، وقواها في لذّاتها، أو الأسباب التي تفتل في حبل الصبا، وتنصر جانب الهوى، وتلهب أريحيّة النشاط، وتحرّك مرح الشّباب، كما قال: [من الوافر] ونعم مطيّة الجهل الشباب وقال: [من الكامل] كان الشباب مطيّة الجهل وليس من حقّك أن تتكلّف هذا في كل موضع، فإنه ربّما خرج بك إلى ما يضرّ المعنى وينبو عنه طبع الشعر، وقد يتعاطاه من يخالطه شيء من طباع التعمّق، فتجد ما يفسد أكثر مما يصلح.
ولو أنك تطلبت «للمطية» في بيت الفرزدق: [من الطويل]
لعمري لئن قيّدت نفسي لطالما سعيت وأوضعت المطيّة في الجهل (٢)
مثل هذا التأوّل، تباعدت عن الصواب، وعدلت عما يسبق إلى القلب، وذلك أن المعنى على قولك: «لطالما سعيت في الباطل، وقديما كنت في الإسراع إلى الجهل بصورة من يوضع المطيّة في سفره».
_________________
(١) جمع قتد بالتحريك وبالكسر: خشب الرحل.
(٢) البيت من قصيدة للفرزدق قالها في جرير عند ما بلغ نساء بني مجاشع فحش جرير بهن فأتين الفرزدق مقيدا فقلن: قبح الله قيدك، فقد هتك جرير عورات نسائك فلحيت شاعر قوم! فأحفظنه ففض قيده، وقد قيد نفسه قبل ذلك وحلف أن لا يطلق قيده حتى يجمع القرآن فقال: ألا استهزأت مني هنيدة أن رأت أسيرا يداني خطوه حلق الحجل ولو علمت أن الوثائق أشدّه إلى النار قالت لي مقالة ذي عقل لعمري لئن قيدت ديوان الفرزدق: ص ١٥٢.
[ ٤٣ ]
وسرّ هذا الموضع يتجلّى تمام التجلّي إذا تكلّم على الفرق بين التشبيه والتمثيل، وسيأتيك ذلك إن شاء الله تعالى.
وكذا قولهم: «هو مرخى العنان، وملقى الزّمام»، لا وجه لأن تروم شيئا تجري العنان عليه ويتناوله، بل المعنى على انتزاع الشبه من الفرس في حال ما يرخى عنانه، وأن ينظر إلى الصورة التي توجد من حاله تلك في العقل، ثم يجاء بها فيعارها الرجل، ويتصوّر بمقتضاها في النفس ويتمثّل، ولو قلت: إن «العنان» هاهنا بمعنى النهي، وأن المراد أن النهي قد أبعد عنه ونحو ذلك، دخلت في ظاهر من التكلّف، وأتعبت نفسك في غير جدوى، وعادت زيادتك نقصانا، وطلبك الإحسان إساءة.
واعلم أن إغفال هذا الأصل الذي عرّفتك من أن الاستعارة تكون على هذا الوجه الثاني كما تكون على الأوّل مما يعدو إلى مثل هذا التعمّق، فإنه نفسه قد يصير سببا إلى أن يقع قوم في التشبيه، وذلك أنهم إذا وضعوا في أنفسهم أن كل اسم يستعار فلا بد من أن يكون هناك شيء يمكن الإشارة إليه يتناوله في حال المجاز، كما يتناول مسمّاه في حال الحقيقة، ثم نظروا في نحو قوله تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي [طه: ٣٩] ووَ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا [هود: ٣٧]، فلما لم يجدوا للفظة «العين» ما يتناوله على حدّ تناول «النّور» مثلا للهدى والبيان ارتبكوا في الشكّ وحاموا حول الظاهر، وحملوا أنفسهم على لزومه، حتى يفضي بهم إلى الضلال البعيد، وارتكاب ما يقدح في التوحيد، ونعوذ بالله من الخذلان.
وطريقة أخرى، في بيان الفرق بين القسمين، وهو أن الشبه في القسم الأول الذي هو نحو «رأيت أسدا» تريد رجلا شجاعا، وصف موجود في الشيء الذي له استعرت، واليد ليست توصف لشبه، ولكنه صفته تكسبها اليد صاحبها، وتحصل له بها، وهي التصرف على وجه مخصوص وكذا قولك «أفراس الصّبا»، ليس الشبه الذي له استعرت الأفراس موجودا في الأفراس، بل هو شبه يحصل لما يضاف إليه الأفراس، حيث يراد الحقيقة نحو قولنا: «عرّي أفراس الغزو»، و«أجمّت خيل الجهاد»، وذلك ما يوجبه الفعل الواقع على الأفراس، نحو أنّ وقوع الفعل الذي هو «عرّي» على أفراس الغزو، يوجب الإمساك عن الغزو والترك له وعلى هذا القياس.
وإذ قد تقرر أمر الاسم في كون استعارته على هذين القسمين، فمن حقّنا أن ننظر في «الفعل» هل يحتمل هذا الانقسام. والذي يجب العمل عليه أن الفعل لا يتصوّر فيه أن يتناول ذات شيء، كما يتصور في الاسم، ولكن شأن الفعل أن يثبت
[ ٤٤ ]
المعنى الذي اشتقّ منه للشيء في الزمان الذي تدل صيغته عليه. فإذا قلت: «ضرب زيد»، أثبتّ الضرب لزيد في زمان ماض، وإذا كان كذلك، فإذا استعير الفعل لما ليس له في الأصل، فإنه يثبت باستعارته له وصفا هو شبيه بالمعنى الذي ذلك الفعل مشتق منه.
بيان ذلك أن تقول: «نطقت الحال بكذا»، و«أخبرتني أسارير وجهه بما في ضميره»، و«كلّمتني عيناه بما يحوي قلبه»، فتجد الحال وصفا هو شبيه بالنطق من الإنسان، وذلك أن «الحال» تدلّ على الأمر ويكون فيها أمارات يعرف بها الشيء، كما أن النطق كذلك. وكذلك «العين» فيها وصف شبيه بالكلام، وهو دلالتها بالعلامات التي تظهر فيها وفي نظرها وخواصّ أوصاف يحدس بها على ما في القلوب من الإنكار والقبول.
ألا ترى إلى حديث الجمحي؟ حكي عن بعضهم أنه قال: أتيت الجمحي أستشيره في امرأة أردت التزوج بها فقال: أقصيرة هي أم غير قصيرة؟ قال: فلم أفهم ذلك. فقال لي: كأنك لم تفهم ما قلت، إنّي لأعرف في عين الرّجل إذا عرف، وأعرف فيها إذا أنكر، وأعرف إذا لم يعرف ولم ينكر، أمّا إذا عرف، فإنها تخاوص، وإذا لم يعرف ولم ينكر فإنها تسجو، وإذا أنكر فإنها تجحظ (١). أردت بقولي «قصيرة»، أي هي قصيرة النسب تعرف بأبيها أو جدّها.
قال الشيخ أبو الحسن: وهذا من قول النسّابة البكري لرؤبة بن العجاج لما أتاه، فقال لرؤبة: قصرت وعرفت. قال: وعلى هذا المعنى قول رؤبة: [من الرجز]
قد رفع العجّاج ذكري، فادعني باسم إذا الأنساب طالت يكفني (٢)
وأمر «العين» أظهر من أن تحتاج فيه إلى دليل، ولكن إذا جرى الشيء في الكلام هو دعوى في الجملة، كان الآنس للقارئ أن يقترن به ما هو شاهد فيه، فلم ير شيء أحسن من إيصال دعوى ببرهان.
_________________
(١) تخاوص: أصله تتخاوص مضارع من تخاوص إذا غض من بصره قليلا مع تحديق كمن يقوم سهما، وتسجو: تسكن، تجحظ: من جحظت العين إذا عظمت مقلتها ونتأت وجاء «جحظ إليه» بالتشديد: أي حدد النظر.
(٢) البيت لرؤبة بن العجاج. وهو الراجز المعروف، وقد اختلف في معنى اسمه واتهم بأنه لا يعرف معنى اسمه وذلك أمر بعيد الاحتمال.
[ ٤٥ ]
وإذا كان أمر الفعل في الاستعارة على هذه الجملة، رجع بنا التحقيق إلى أنّ وصف الفعل بأنه مستعار، حكم يرجع إلى مصدره الذي اشتقّ منه، فإذا قلنا في قولهم: «نطقت الحال»، أن «نطق» مستعار، فالحكم بمعنى أن «النّطق» مستعار، وإذا كانت الاستعارة تنصرف إلى المصدر كان الكلام فيه على ما مضى.
ومما تجب مراعاته أن الفعل يكون استعارة مرّة من جهة فاعله الذي رفع به، ومثاله ما مضى ويكون أخرى استعارة من جهة مفعوله، وذلك نحو قول ابن المعتزّ:
[من المديد]
جمع الحقّ لنا في إمام قتل البخل وأحيى السّماحا (١)
«فقتل» و«أحيى» إنّما صارا مستعارين بأن عدّيا إلى البخل والسماح، ولو قال: «قتل الأعداء وأحيى»، لم يكن «قتل» استعارة بوجه، ولم يكن «أحيى» استعارة على هذا الوجه وكذا قوله: [من الطويل] وأقري الهموم الطارقات حزامة (٢) هو استعارة من جهة المفعولين جميعا. فأما من جهة الفاعل فهو محتمل للحقيقة، وذلك أن تقول: «أقري الأضياف النازلين اللحم العبيط (٣)» ومثله قوله:
[من الطويل] قرى الهمّ إذ ضاف الزّماع (٤) وقد يكون الذي يعطيه حكم الاستعارة أحد المفعولين دون الآخر كقوله:
[من البسيط]
_________________
(١) البيت من ديوانه: ص ١٤١. وابن المعتز هو عبد الله بن المعتز، الخليفة العباسي، ولد في بغداد ونشأ فيها بعيدا عن البلاط ودسائسه، مات سنة ٢٩٦ هـ.
(٢) الشطر من البيت للذهلول بن كعب العنبري، وتمام هذا البيت كما في شرح الحماسة: ٢/ ١١٦. إذا كثرت لطارقات الوساوس أقرى: من قرى للضيف قرى وقراء: أضافه، واستقراني واقتراني وأقراني: طلب مني القرى. وإنه لقريّ للضيف والأنثى قريّة. لسان العرب- مادة: قرا.
(٣) العبيط: الطري.
(٤) تمام البيت: قرى الهم إذ ضاف الزماع فأصبحت منازله تعتس فيها الثعالب شرح الحماسة ٢/ ١٠٠ للقتال الكلابي.
[ ٤٦ ]
نقريهم لهذميّات نقدّ بها ما كان خاط عليهم كلّ زرّاد (١)