اعلم أن الشّبه إذا انتزع من الوصف لم يخل من وجهين:
أحدهما: أن يكون لأمر يرجع إلى نفسه.
والآخر: أن يكون لأمر لا يرجع إلى نفسه.
فالأوّل: ما مضى في نحو تشبيه الكلام بالعسل في الحلاوة، وذلك أنّ وجه التشبيه هناك أنّ كل واحد منهما يوجب في النفس لذّة وحالة محمودة، ويصادف منها قبولا. وهذا حكم واجب للحلاوة من حيث هي حلاوة، أو للعسل من حيث هو عسل.
وأما الثاني: وهو ما ينتزع منه الشبه لأمر لا يرجع إلى نفسه، فمثاله أن يتعدّى الفعل إلى شيء مخصوص يكون له من أجله حكم خاصّ، نحو كونه واقعا في موقعه وعلى الصواب، أو واقعا غير موقعه، كقولهم: «هو كالقابض على الماء» و«الراقم في الماء»، فالشبه هاهنا منتزع ممّا بين القبض والماء، وليس بمنزع من القبض نفسه، وذلك
أن فائدة قبض اليد على الشيء أن يحصل فيها، فإذا كان الشيء مما لا يتماسك، ففعلك القبض في اليد لغو وكذلك القصد في «الرّقم» أن يبقى أثر في الشيء، وإذا فعلته فيما لا يقبله، كان فعلك كلا فعل وكذلك قولهم: «يضرب في حديد بارد» وينفخ في غير فحم».
[ ٧٨ ]
وإذا ثبت هذا، فكل شبه كان هذا سبيله، فإنك لا تجد بين المعنى المذكور وبين المشبّه إذا أفردته، ملابسة البتة. ألا تراك تضرب الرّقم في الماء والقبض عليه، لأمور لا شبه بينهما وبينها البتة، من حيث هما رقم وقبض؟.
وإذا قد عرفت هذا فالحمل في الآية من هذا القبيل أيضا، لأنه تضمّن الشّبه من اليهود، لا لأمر يرجع إلى حقيقة الحمل، بل لأمرين آخرين: أحدهما تعدّيه إلى الأسفار، والآخر اقتران الجهل للأسفار به. وإذا كان الأمر كذلك، كان قطعك الحمل عن هذين الأمرين في البعد من الغرض، كقطعك القبض والرّقم عن الماء، في استحالة أن يعقل منها ما يعقل بعد تعدّيهما إلى الماء بوجه من الوجوه، فاعرفه.
فإن قلت: ففي اليهود شبه من الحمل، من حيث هو حمل على حال. وذلك أن الحافظ للشيء بقلبه، يشبه الحامل للشيء على ظهره، وعلى ذلك يقال: «حملة الحديث»، و«حملة العلم» كما جاء في الأثر: «يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله» (١)، و«ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه».
فالجواب: أن الأمر وإن كان كذلك، فإنّ هذا الشبه لم يقصدها هنا وإنما قصد ما يوجبه تعدّي الحمل إلى الأسفار، مع اقتران الجهل بها به، وهو العناء بلا منفعة.
يبيّن ذلك: أنك قد تقول للرجل يحمل في كمّه أبدا دفاتر علم، وهو بليد لا يفهم، أو كسلان لا يتعلم: «إن كان يحمل كتب العلم فالحمار أيضا قد يحمل»، تريد أن تبطل دعواه أن له في حمله فائدة، وأن تسوّي بينه وبين الحمار في فقد الفائدة مما يحمل. فالحمل هاهنا نفسه موجود في المشبّه بالحمار، ثم التشبيه لا ينصرف إليه من حيث هو حمل، وإنما ينصرف إلى ما ذكرت لك من عدم الجدوى والفائدة.
وإنما يتصوّر أن يكون الشّبه راجعا إلى الحمل من حيث هو حمل، حيث يوصف الرجل مثلا بكثرة الحفظ للوظائف، أو جهد النفس في الأشغال المتراكمة، وذلك خارج عن الغرض مما نحن فيه.
_________________
(١) هذا الحديث وما بعده حديث آخر. أما الأول فقد رواه ابن منده وغيره مرفوعا من حديث إبراهيم ابن عبد الرحمن العذري وهو مختلف في صحبته ولفظه «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين» والبيهقي في المدخل مرسلا وضعفه الكثيرون، وروي عن أحمد تصحيحه، وكتب شيخنا على حاشية نسخته: قال القعنبي: سمعت رجلا يحدث مالكا هذا الحديث فأعجبه. والخلف بالتحريك والسكون: كل من يجيء بعد من سبقه، إلا أنه بالتحريك في الخير وبالتسكين في الشر، وأما الآخر فهو من ضمن حديث رواه الترمذي والضياء عن زيد بن ثابت بسند صحيح. (رشيد).
[ ٧٩ ]
ومن هذا الباب قولهم: «أخذ القوس باريها»، وذلك أن المعنى على وقوع الأخذ في موقعه ووجوده من أهله، فلست تشبّهه من حيث الأخذ نفسه وجنسه، ولكن من حيث الحكم الحاصل له بوقوعه من باري القوس على القوس.
وكذلك قولهم: «ما زال يفتل منه في الذّروة والغارب» الشبه مأخوذ ما بين الفتل وما تعدّى إليه من الذّروة والغارب، ولو أفردته لم تجد شبها بينه وبين ما يضرب هذا الكلام مثلا له، لأنه يضرب في الفعل أو القول يصرف به الإنسان عن الامتناع إلى الإجابة، وعن الإباء عليك مرادك، إلى موافقتك والمصير إلى ما تريد منه.
وهذا لا يوجد في الفتل من حيث هو فتل، وإنما يوجد في الفتل إذا وقع في الشّعر من ذروة البعير وغاربه (١).
واعلم أن هذا الشبه حكمه واحد، سواء أخذته ما بين الفعل والمفعول الصريح، أو ما يجري مجرى المفعول.
فالمفعول كالقوس في قولك: «أخذ القوس باريها».
وما يجري مجرى المفعول، الجارّ مع المجرور، كقولك: «الرّقم في الماء» و«هو كمن يخطّ في الماء».
وكذلك الحال، كقولهم: «كالحادي وليس له بعير»، فقولك: «وليس له بعير»، جملة من الحال، وقد احتاج الشبه إليها، لأنه مأخوذ ما بين المعنى الذي هو «الحدو»، وبين هذه الحال، كما كان مأخوذا بين الرقم والماء، وما بين الفتل والذروة والغارب.
وقد تجد بك حاجة إلى مفعول وإلى الجارّ مع المجرور كقولك: «وهل يجمع السيفان في غمد»، و«أنت كمن يجمع السيفين في غمد»، ألا ترى أن الجمع فيه لا يغني بتعدّيه إلى السيفين، حتى يشترط كونه جمعا لهما في الغمد؟ فمجموع ذلك كله يحصّل الغرض.
وهكذا نحو قول العامّة: «هو كثير الجور على إلفه»، وقولهم: «كمبتغي
_________________
(١) في حديث الزبير: «سأل عائشة الخروج إلى البصرة فأبت عليه فما زال يفتل في الذروة والغارب حتى أجابته» جعل وبر ذروة البعير وغاربه مثلا لإزالتها عن رأيها كما يفعل بالجمل النفور إذا أريد تأنيسه وإزالة نفاره. والذروة أعلى السنام من البعير، والغارب: الكاهل من (ذي) الخف وهو ما بين السنام والعنق اه. (رشيد).
[ ٨٠ ]
الصّيد في عرّيسة الأسد»، لأن «الصيد» مفعول و«في عرّيسة» جارّ مع المجرور.
فإذا ثبت هذا، ظهر منه أنه لا بدّ لك في هذا الضرب من الشّبه من جملة صريحة أو حكم الجملة. فالجملة الصريحة قولك: «أخذ القوس باريها» وحكم الجملة أن تقول: «هذا منك كالرّقم في الماء»، و«كالقابض على الماء»، فتأتي باسم الفاعل. وذاك أنّ المصدر واسم الفاعل ليسا بجملتين صريحا ولكن حكم الجملة قائم فيهما، وهو أنك أعملتهما عمل الفعل. ألا ترى أنك عدّيتهما على حسب ما تعدّى الفعل؟ وخصائص هذا النوع من «التمثيل» أكثر من أن تضبط، وقد وقفتك على الطريقة.
فهذا أحد الوجوه التي يكون الشّبه العقلي بها حاصلا لك من جملة من الكلام، وأظنّه من أقوى الأسباب والعلل فيه.
وعلى الجملة، فينبغي أن تعلم أن المثل الحقيقي، والتشبيه الذي هو الأولى بأن يسمّى «تمثيلا» لبعده عن التشبيه الظاهر الصريح، ما تجده لا يحصل لك إلا من جملة من الكلام أو جملتين أو أكثر، حتى إنّ التشبيه كلما كان أوغل في كونه عقليّا محضا، كانت الحاجة إلى الجملة أكثر.
ألا ترى إلى نحو قوله ﷿: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ [يونس: ٢٤]، كيف كثرت الجمل فيه؟ حتى إنك ترى في هذه الآية عشر جمل إذا فصّلت. وهي وإن كان قد دخل بعضها في بعض حتى كأنها جملة واحدة، فإن ذلك لا يمنع من أن تكون صور الجمل معنا حاصلة تشير إليها واحدة واحدة. ثم إنّ الشبه منتزع من مجموعها، من غير أن يمكن فصل بعضها عن بعض، وإفراد شطر من شطر، حتى إنك لو حذفت منها جملة واحدة من أيّ موضع كان، أخلّ ذلك بالمغزى من التشبيه.
ولا ينبغي أن تعدّ الجمل في هذا النحو بعدّ التشبيهات التي يضمّ بعضها إلى بعض، والأغراض الكثيرة التي كل واحد منها منفرد بنفسه، بل بعدّ جمل تنسق ثانية منها على أوّلة، وثالثة على ثانية، وهكذا. فإنّ ما كان من هذا الجنس لم تترتّب فيه الجمل ترتيبا مخصوصا حتى يجب أن تكون هذه سابقة وتلك تالية والثالثة بعدهما. ألا ترى أنك إذا قلت: «زيد كالأسد بأسا، والبحر جودا، والسيف مضاء، والبدر بهاء»، لم يجب عليك أن تحفظ في هذه التشبيهات نظاما مخصوصا؟ بل لو
[ ٨١ ]
بدأت بالبدر وتشبيهه به في الحسن، وأخّرت تشبيهه بالأسد في الشجاعة، كان المعنى بحاله، وقوله: [من السريع]
النّشر مسك والوجوه دنا نير وأطراف الأكفّ عنم (١)
إنما يجب حفظ هذا الترتيب فيها لأجل الشّعر، فأمّا أن تكون هذه الجمل متداخلة كتداخل الجمل في الآية، وواجبا فيها أن يكون لها نسق مخصوص كالنسق في الأشياء إذا رتّبت ترتيبا مخصوصا كان لمجموعها صورة خاصّة فلا (٢).
وقد يجيء الشيء من هذا القبيل يتوهّم فيه أن إحدى الجملتين أو الجمل تنفرد وتستعمل بنفسها تشبيها وتمثيلا، ثم لا يكون كذلك عند حسن التأمل، مثال ذلك قوله: [من الطويل]
كما أبرقت قوما عطاشا غمامة فلما رجوها أقشعت وتجلّت (٣)
هذا مثل في أن يظهر للمضطرّ إلى الشيء، الشديد الحاجة إليه، أمارة وجوده، ثم يفوته ويبقى لذلك بحسرة وزيادة ترح.
وقد يمكن أن يقال: «إن قولك: «أبرقت قوما عطاشا غمامة»، تشبيه مستقلّ بنفسه، لا حاجة به إلى ما بعده من تمام البيت في إفادة المقصود الذي هو ظهور أمر مطمع لمن هو شديد الحاجة، إلّا أنه وإن كان كذلك، فإن حقّنا أن ننظر في مغزى المتكلم في تشبيهه. ونحن نعلم أن المغزى أن يصل ابتداء مطمعا بانتهاء مؤيس، وذلك يقتضي وقوف الجملة الأوّلة على ما بعدها من تمام البيت.
ووزان هذا أن الشرط والجزاء جملتان، ولكنا نقول: إنّ حكمهما حكم جملة
_________________
(١) البيت للمرقش الأكبر في المفضليات، وفي لسان العرب (مادة: نشر). النّشر: الريح الطيبة، العنم: شجر لين الأغصان لطيفها يشبه به البنان كأنه بنان العذارى، واحدتها عنمة، وهو مما يستاك به، وقيل: العنم أغصان تنبت في سوق العضاه رطبة لا تشبه سائر أغصانها، حمر اللون، وقيل: هو ضرب من الشجر له نور أحمر تشبّه به الأصابع المخضوبة. [لسان العرب: عنم]. وأراد النشر مثل ريح المسك، لا يكون إلا على ذلك، لأن النشر عرض، والمسك جوهر، وقوله: والوجوه دنانير، الوجه أيضا لا يكون دينارا، إنما أراد مثل الدنانير، وكذلك قال: وأطراف الأكف عنم إنما أراد مثل العنم لأن الجوهر لا يتحول إلى جوهر آخر. [لسان العرب: نشر].
(٢) وفي نسخة زيادة لفظ (مقررة) بعد خاصة.
(٣) البيت لكثير عزة في ديوانه ص ١٠٧، وفي التبيان في المعاني والبيان ص ٢٦٨. أبرقت: جاءت ببرق، أقشعت: انقشع عنه الشيء وتقشّع غشيه ثم انجلى عنه، كالظلام عن الصبح، والهم عن القلب، والسحاب عن الجو.
[ ٨٢ ]
واحدة، من حيث دخل في الكلام معنى يربط إحداهما بالأخرى، حتى صارت الجملة لذلك بمنزلة الاسم المفرد في امتناع أن تحصل به الفائدة. فلو قلت: «إن تأتني» وسكتّ، لم تفد كما لا تفيد إذا قلت: «زيد» وسكتّ، فلم تذكر اسما
آخر ولا فعلا، ولا كان منويّا في النفس معلوما من دليل الحال. ثم إن الأمر، وإن كان كذلك، فقد يجوز أن تخرج الكلام عن الجزاء فتقول: «تأتيني»، فتعود الجملة على الإفادة، لإغنائك لها عن أن ترتبط بأخرى، وإزالتك المعنى الذي أوجب فقرها إلى صاحبة لها، إلا أن الغرض الأوّل يبطل والمعنى يتبدّل، فكذلك الاقتصار على الجملة التي هي: «أبرقت قوما عطاشا غمامة»، يخرج عن غرض الشاعر.
فإن قلت: فهذا يلزمك في قولك: «هو يصفو ويكدر». وذلك أن الاقتصار على أحد الأمرين يبطل غرض القائل، وقصده أن يصف الرجل بأنه يجمع الصفتين، وأن الصفاء لا يدوم.
فالجواب: أن بين الموضعين فرقا، وإن كان يغمض قليلا، وهو أن الغرض في البيت أن يثبت ابتداء مطمعا مؤنسا أدّى إلى انتهاء مؤيس موحش، وكون الشيء ابتداء لآخر هو له انتهاء، معنى زائد على الجمع بين الأمرين، والوصف بأن كلّ واحد منها يوجد في المقصود. وليس لك في قولك: «يصفو ويكدر»، أكثر من الجمع بين الوصفين. ونظير هذا أن تقول: «هو كالصّفو بعد الكدر»، في حصول معنى يجب (١) معه ربط أحد الوصفين بالآخر في الذكر ويتعيّن به الغرض، حتى لو قلت:
«يكدر ثم يصفو»، فجئت بثمّ التي توجب الثاني مرتّبا على الأوّل، وأنّ أحدهما مبتدأ والآخر بعده، صرت بالجملة إلى حد ما نحن عليه من الارتباط، ووجوب أن يتعلّق الحكم بمجموعهما، ويوجد الشبه إن شبّهت ما بينهما، على التشابك والتداخل، دون التباين والتزايل.
ومن الواضح في كون الشّبه معلّقا بمجموع الجملتين، حتى لا يقع في الوهم تميّز إحداهما على الأخرى قوله: «بلغني أنك تقدّم رجلا وتؤخّر أخرى، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيّهما شئت والسّلام» ٢، وذلك أن المقصود من هذا الكلام:
التردّد بين الأمرين، وترجيح الرأي فيهما، ولا يتصوّر التردّد والترجيح في الشيء الواحد، فلو جهدت وهمك أن تتصوّر لقولك: «تقدّم رجلا» معنى وفائدة ما لم تقل: «وتؤخّر أخرى»، أو تنوه في قلبك، كلّفت نفسك شططا.
_________________
(١) وفي نسخة: يوجب بدل يجب.
[ ٨٣ ]
وذكر أبو أحمد العسكري أن هذا النحو من الكلام يسمّى: «المماثلة»، وهذه التسمية توهم أنه شيء غير المراد «بالمثل» و«التمثيل» وليس الأمر كذلك، كيف وأنت تقول: «مثلك مثل من يقدم رجلا ويؤخّر أخرى»؟ ووزان هذا أنك تقول: «زيد الأسد»، فيكون تشبيها على الحقيقة وإن كنت لم تصرّح بحرف التشبيه ومثله أنك تقول: «أنت
ترقم في الماء»، و«تضرب في حديد بارد»، و«تنفخ في غير فحم»، فلا تذكر ما يدلّ صريحا على أنك تشبّه، ولكنك تعلم أن المعنى على قولك: «أنت كمن يرقم في الماء، وكمن يضرب في حديد بارد، وكمن ينفخ في غير فحم»، وما أشبه ذلك مما تجيء فيه بمشّبه به ظاهر تقع هذه الأفعال في صلة اسمه أو صفته.
واعلم أن «المثل» قد يضرب بجمل لا بدّ فيها من أن يتقدّمها مذكور يكون مشبّها به، ولا يمكن حذف المشبّه به والاقتصار على ذكر المشبّه، ونقل الكلام إليه حتى كأنه صاحب الجملة، إلا أنه مشبّه بمن صفته وحكمه مضمون تلك الجملة.
بيان هذا، أن قول النبي ﷺ: «النّاس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة» (١)، لا بدّ فيه من المحافظة على ذكر المشبّه به الذي هو «الإبل»، فلو قلت: «الناس لا تجد فيهم راحلة أو «لا تجد في الناس راحلة»، كان ظاهر التعسّف.
وهاهنا ما هو أشدّ اقتضاء للمحافظة على ذكر ما تعلّق الجملة به وتسند إليه، وذلك مثل قوله ﷿: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ [يونس: ٢٤]، لو أردت أن تحذف «الماء» الذي هو المشبّه به، وتنقل الكلام إلى المشبّه الذي هو «الحياة»، أردت ما لا تحصل منه على كلام يعقل، لأن الأفعال المذكورة المحدّث بها عن الماء، لا يصحّ إجراؤها على الحياة فاحفظ هذا الأصل فإنك تحتاج إليه، وخصوصا في الاستعارة، على ما يجيء القول فيه إن شاء الله تعالى.
والجملة إذا جاءت بعد المشبّه به، لم تخل من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون المشبّه به معبّرا عنه بلفظ موصول، وتكون الجملة صلة،
_________________
(١) رواه مسلم عن ابن عمر بلفظ: «تجدون الناس كإبل مائة لا يجد الرجل فيها راحلة» واختلفوا فيه على أقوال: قال النووي: أجودها أن معناه: المرضى الأحوال من الناس الكامل الأوصاف الحسن المنظر القوي على الأحمال والأسفار، وسميت راحلة لأنها ترحل أي: يجعل عليها الرحل، فهي فاعله: بمعنى مفعولة كعيشة راضية بمعنى مرضية ونظائره اه. (رشيد).
[ ٨٤ ]
كقولك: «أنت الذي من شأنه كيت وكيت»، كقوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ [البقرة: ١٧].
والثاني: أن يكون المشبّه به نكرة تقع الجملة صفة له، كقولنا: «أنت كرجل من أمره كذا وكذا»، وقول النبي ﷺ: «النّاس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة»، وأشباه ذلك.
والثالث: أن تجيء مبتدأة، وذلك إذا كان المشبّه به معرفة، ولم يكن هناك «الذي»، كقوله تعالى: كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا [العنكبوت: ٤١].