وإن كان ممّا مضى، إلا أن الأسلوب غيره، وهو أن المعنى إذا أتاك ممثّلا، فهو في الأكثر ينجلي لك بعد أن يحوجك إلى غير طلبه بالفكرة وتحريك الخاطر له والهمّة في طلبه. وما كان منه ألطف، كان امتناعه عليك أكثر، وإباؤه أظهر، واحتجابه أشدّ.
ومن المركوز في الطبع أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له أو الاشتياق إليه، ومعاناة الحنين نحوه، كان نيله أحلى، وبالمزيّة أولى، فكان موقعه من النفس أجلّ وألطف، وكانت به أضنّ وأشغف، ولذلك ضرب المثل لكل ما لطف موقعه ببرد الماء على الظمأ، كما قال (٢): [من البسيط]
وهنّ ينبذن من قول يصبن به مواقع الماء من ذي الغلّة الصّادي
وأشباه ذلك مما ينال بعد مكابدة الحاجة إليه، وتقدّم المطالبة من النفس به.
فإن قلت: فيجب على هذا أن يكون التعقيد والتعمية وتعمّد ما يكسب
_________________
(١) البيت للمتنبي في ديوانه وفي التبيان للعكبري على شرح ديوان المتنبي ص ٩٥، والبيت من قصيدة يمدح بها علي بن منصور الحاطب والإيضاح ص ٢٠٧، وفي نسخة التبيان «نورا ثاقبا»، والمعنى: هو مثل البدر حيثما كان ترى نوره، وكذلك حيثما كنت من البلاد ترى عطاءه، وقد غمر الناس قريبهم وبعيدهم، والثاقب: المضيء الذي يثقب ضوؤه الظلام ويبدّده.
(٢) البيت للقطامي في ديوانه، وموجود في لسان العرب (صدى). والصدى: شدة العطش، وقيل: هو العطش ما كان، صدى يصدى. صدى، فهو صد وصاد وصديان والأنثى صديا. الغلّة: شدة العطش وحرارته، قلّ أو كثر. [لسان العرب: صدى، غلل].
[ ١٠٦ ]
المعنى غموضا، مشرّفا له وزائدا في فضله، وهذا خلاف ما عليه الناس، ألا تراهم قالوا: إن خير الكلام ما كان معناه إلى قلبك أسبق من لفظه إلى سمعك؟.
فالجواب: أني لم أرد هذا الحدّ من الفكر والتعب، وإنما أردت القدر الذي يحتاج إليه في نحو قوله (١): [من الوافر] فإن المسك بعض دم الغزال وقوله (٢): [من الوافر]
وما التأنيث لاسم الشمس عيب ولا التذكير فخر للهلال
وقوله: [من الوافر]
رأيتك في الذين أرى ملوكا كأنّك مستقيم في محال
وقول النابغة (٣):
فإنّك كاللّيل الّذي هو مدركي وإن خلت أنّ المتأدى عنك واسع
وقوله (٤): [من الطويل]
فإنك شمس والملوك كواكب إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب
وقول البحتري (٥): [من الطويل]
ضحوك إلى الأبطال وهو يروعهم وللسيف حدّ حين يسطو ورونق
_________________
(١) راجع هامش رقم (٢) ص ٩٤.
(٢) البيت والذي يليه هما للمتنبي في ديوانه وهما في التبيان للعكبري على ديوان أبي الطيب أحمد المتنبي، البيت الأول ٢/ ٢٩، والثاني ٢/ ٣١. المعنى: يقول: رب تأنيث يقصر التذكير عنه ولا يبلغ مبلغه، ولا ينال موضعه، ثم بيّن ذلك بأن الشمس مؤنثة، والفضل لها والقمر مذكر. ثم يقول: بيان فضلك على الملوك كبيان فضل الاستقامة على المحال، والمعنى أنت تفضلهم كفضل المستقيم على المعوج.
(٣) البيت للنابغة الذبياني في ديوانه، وفي الإيضاح تحقيق الدكتور عبد الحميد هنداوي، (طبعة مؤسسة المختار)، وأورده محمد بن علي الجرجاني في الإشارات ص ١٦٦، وفي الكلام إشارة إلى تشبيه النعمان بالسيل في اندفاعه وقوته بعد تشبيهه بالليل تشبيها يلاحظ في وجهه الرهبة والخوف مع ضرورة اللحاق والإدراك، والبيت من إحدى الاعتذاريات التي نبغ فيها النابغة الذبياني.
(٤) البيت للنابغة الذبياني في ديوانه، وفي الإيضاح ص ٢٣١، تحقيق د. هنداوي.
(٥) البيت في ديوانه.
[ ١٠٧ ]
وقول امرئ القيس (١): [من الطويل] بمنجرد قيد الأوابد هيكل وقوله (٢): [من الكامل]
ثم انصرفت، وقد أصبت ولم أصب، جذع البصيرة قارح الإقدام
فإنك تعلم على كل حال أن هذا الضرب من المعاني، كالجوهر في الصدف لا يبرز لك إلّا أن تشقّه عنه، وكالعزيز المحتجب لا يريك وجهه حتى تستأذن عليه.
ثم ما كل فكر يهتدي إلى وجه الكشف عمّا اشتمل عليه، ولا كلّ خاطر يؤذن له في الوصول إليه، فما كل أحد يفلح
في شقّ الصدفة، ويكون في ذلك من أهل المعرفة، كما ليس كلّ من دنا من أبواب الملوك، فتحت له، وكان (٣): [من الطويل]
من النّفر البيض الّذين إذا اعتزوا وهاب رجال حلقة الباب قعقعوا
أو كما قال (٤): [من الطويل]
تفتّح أبواب الملوك لوجهه بغير حجاب دونه أو تملّق
_________________
(١) شطر البيت في معلقته ص ١١٨، وصدره: وقد أغتدي والطير في وكناتها أغتدي: أخرج بفرسي في غدوة النهار أي: عند تباشير الصباح، وكناتها: أو كارها أو وكراتها، والوكر مأوى الطير في العش، المنجرد: الفرس القصير الشعر، الأوابد: الوحوش الآبدة. الهيكل: الفرس الطويل المتين.
(٢) البيت لأبي محمد قطري بن الفجاءة، أحد بني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، ولقبه في الحرب أبو نعامة، وهو منسوب إلى قطر قرب البحرين، انظر ترجمته في الطبري ٧/ ٢٧٤، وعيون الأخبار ١/ ١٧٥، وذيل أمالي القالي ص ١٥، والخزانة ٣/ ٣٦١، وزهر الآداب ٤/ ١٦٢، وهو موجود في الإيضاح تحقيق د. هنداوي، وفي شرح الحماسة ١/ ٦٨. والجذع من الخيل الذي بلغ عامين فلا يحتاج إلى الرياضة، والقارح الذي بلغ النهاية من الخيل.
(٣) البيت في مجموعة أبيات يقع بعضها في كلمة في البيان ٣/ ٣٠٥، نسبت لأبي الربيس الثعلبي يقولها في عبد الله بن جعفر بن أبي طالب أو في عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، انظر الكامل في اللغة والأدب تحقيق د. هنداوي ١/ ٢٤٣، وأنساب الأشراف ٤/ ١/ ٦٠٣، والخزانة ٢/ ٥٣٢ - ٥٣٤، ويقع في روايتها اختلاف. والبيت الذي معنا في خزانة الأدب ٦/ ٧٨ - ٨٩، ولسان العرب (لوى) ويروى فيه هكذا: من النفر اللائي الذين إذا هم يهاب اللّئام حلقة الباب قعقعوا وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٤/ ٣٠٨، والحيوان ٣/ ٤٨٦، وخزانة الأدب ٦/ ١٥٦، والعقد الفريد ٥/ ٣٤٣، وتاج العروس (لوى)، والبيان والتبيين ١/ ٣٩٦، ورسائل الجاحظ ١/ ٢٢١.
(٤) البيت لجرير في ديوانه ص ٣٠٦، من قصيدة قالها في رثاء الفرزدق مطلعها: لعمري لقد أشجى تميما وهدّها على نكبات الدهر موت الفرزدق عشية راحوا للفراق بنعشه إلى جدث في هوة الأرض معمق
[ ١٠٨ ]
وأما التعقيد، فإنما كان مذموما لأجل أن اللفظ لم يرتّب الترتيب الذي بمثله تحصل الدّلالة على الغرض، حتى احتاج
السامع إلى أن يطلب المعنى بالحيلة، ويسعى إليه من غير الطريق، كقوله (١): [من الكامل]
ولذا اسم أغطية العيون جفونها من أنّها عمل السيوف عوامل
وإنما ذمّ هذا الجنس، لأنه أحوجك إلى فكر زائد على المقدار الذي يجب في مثله، وكدّك بسوء الدّلالة وأودع لك في قالب غير مستو ولا مملّس، بل خشن مضرّس، حتى إذا رمت إخراجه منه عسر عليك، وإذا خرج خرج مشوّه الصورة ناقص الحسن.
هذا، وإنما يزيدك الطلب فرحا بالمعنى وأنسا به وسرورا بالوقوف عليه، إذا كان لذلك أهلا، فأمّا إذا كنت معه كالغائص في البحر، يحتمل المشقّة العظيمة، ويخاطر بالروح، ثم يخرج الخرز، فالأمر بالضدّ مما بدأت به. ولذلك كان أحقّ أصناف التعقّد بالذم ما يتعبك، ثم لا يجدي عليك، ويؤرّقك ثم لا يورق لك، وما سبيله إلّا سبيل البخيل الذي يدعوه لؤم في نفسه، وفساد في حسّه، إلى أن لا يرضى بضعته في بخله، وحرمان فضله، حتّى يأبى التواضع ولين القول، فيتيه ويشمخ بأنفه، ويسوم المتعرّض له بابا ثانيا من الاحتمال تناهيا في سخفه أو كالذي لا يؤيسك من خيره في أول الأمر فتستريح إلى اليأس، ولكنه يطمعك ويسحب على المواعيد الكاذبة، حتى إذا طال العناء وكثر الجهد، تكشّف عن غير طائل، وحصلت منه على ندم لتعبك في غير حاصل. وذلك مثل ما تجده لأبي تمام من تعسّفه في اللفظ، وذهابه به في نحو من التركيب لا يهتدي النحو إلى إصلاحه، وإغراب في الترتيب يعمي الإعراب في طريقه، ويضلّ في تعريفه، كقوله (٢): [من الكامل]
ثانيه في كبد السّماء، ولم يكن لاثنين ثان إذ هما في الغار
_________________
(١) البيت للمتنبي في ديوانه ص ٢٢٣، من قصيدة يمدح القاضي أبا الفضل بن عبد الله بن الحسين الأنطاكي مطلعها: لك يا منازل في القلوب منازل أقفرت أنت وهن منك أو أهل يعلمن ذاك وما علمت وإنما أولاكما يبكي عليه العاقل وأيضا في التبيان للعكبري ٢/ ٢٠١. والضمير «إنها» للعيون، أي: أنها تعمل عمل السيوف، ولذا سميت أغطية العيون جفون، والجفون أغماد السيوف، أي: لأنها تعمل عمل السيوف.
(٢) البيت لأبي تمام حبيب بن أوس الطائي الشاعر المجيد المتقدم البارع صاحب ديوان الحماسة، في
[ ١٠٩ ]
وقوله (١): [من البسيط]
يدي لمن شاء رهن لم يذق جرعا من راحتيك درى ما الصّاب والعسل
ولو كان الجنس الذي يوصف من المعاني باللطافة ويعدّ في وسائط العقود، لا يحوجك إلى الفكر، ولا يحرّك من حرصك على طلبه، بمنع جانبه وببعض الإدلال عليك وإعطائك الوصل بعد الصدّ، والقرب بعد البعد، لكان «باقلّي حار» وبيت معنى هو عين القلادة وواسطة العقد واحدا، ولسقط تفاضل السامعين في الفهم والتصوّر والتبيين، وكان كلّ من روى الشعر عالما به، وكلّ من حفظه إذا كان يعرف اللغة على الجملة ناقدا في تمييز جيّده من رديئه، وكان قول من قال (٢): [من الطويل]
زوامل للأشعار لا علم عندهم بجيّدها إلا كعلم الأباعر
وكقول ابن الرومي (٣): [من المنسرح]
قلت لمن قال لي: عرضت على الأ خفش ما قلته فما حمده
قصّرت بالشعر حين تعرضه على مبين العمى إذا انتقده
ما قال شعرا ولا رواه فلا ثعلبه كان لا ولا أسده
فإن يقل: إنّني رويت، فكالدّف تر جهلا بكلّ ما اعتقده
وما أشبه ذلك، دعوى غير مسموعة ولا مؤهّلة للقبول، فإنما أرادوا بقولهم:
«ما كان معناه إلى قلبك أسبق من لفظه إلى سمعك»، أن يجتهد المتكلم في ترتيب اللفظ وتهذيبه وصيانته من كل ما أخلّ بالدّلالة، وعاق دون الإبانة، ولم يريدوا أن خير الكلام ما كان غفلا مثل ما يتراجعه الصبيان ويتكلّم به العامّة في السوق.
هذا، وليس إذا كان الكلام في غاية البيان وعلى أبلغ ما يكون من الوضوح،
_________________
(١) ديوانه ص ١٤٥، من قصيدة يمدح فيها المعتصم ويذكر إحراق الأفشين، وهو في دلائل الإعجاز ص ٨٤. ويروى هكذا: «كاثنين ثان».
(٢) البيت لأبي تمام في ديوانه ص ٢١٥ من قصيدة يمدح فيها المعتصم بالله، وهو في دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني ص ٨٤.
(٣) راجع هامش (٢) ص ٩٠.
(٤) الأبيات في ديوانه. وابن الرمي كان كثير الهجاء لعلي بن سليم الأخفش والأبيات من قصيدة طويلة مطلعها: رقاب أهل الحلوم متعمدة مقصودة بالهوان معتمدة
[ ١١٠ ]
أغناك ذاك عن الفكرة إذا كان المعنى لطيفا، فإن المعاني الشريفة اللطيفة لا بدّ فيها من بناء ثان على أوّل، وردّ تال على سابق. أفلست تحتاج في الوقوف على الغرض من قوله: [من الكامل] كالبدر أفرط في العلوّ (١) إلى أن تعرف البيت الأول، فتتصوّر حقيقة المراد منه ووجه المجاز في كونه دانيا شاسعا، وترقم ذلك في قلبك، ثم تعود إلى ما يعرض البيت الثاني عليك من حال البدر، ثم تقابل إحدى الصورتين بالأخرى، وتردّ البصر من هذه إلى تلك، وتنظر إليه كيف شرط في العلوّ والإفراط، ليشاكل قوله: «شاسع»، لأن الشّسوع هو الشديد البعد، ثم قابله بما لا يشاكله من مراعاة التناهي في القرب فقال: «جدّ قريب»؟ فهذا هو الذي أردت بالحاجة إلى الفكر، وبأنّ المعنى لا يحصل لك إلا بعد انبعاث منك في طلبه، واجتهاد في نيله.
هذا، وإن توقفت في حاجتك أيها السامع للمعنى إلى الفكر في تحصيله، فهل تشكّ في أن الشاعر الذي أدّاه إليك، ونشر بزّه لديك، قد تحمّل فيه المشقّة الشديدة، وقطع إليه الشّقة البعيدة، وأنه لم يصل إلى درّه حتى غاص، ولم ينل المطلوب حتى كابد منه الامتناع والاعتياص؟ ومعلوم أن الشيء إذا علم أنه لم ينل في أصله إلا بعد التّعب، ولم يدرك إلا باحتمال النّصب، كان للعلم بذلك من أمره من الدعاء إلى تعظيمه، وأخذ الناس بتفخيمه، ما يكون لمباشرة الجهد فيه، وملاقاة الكرب دونه. وإذا عثرت بالهوينا على كنز من الذهب، لم تخرجك سهولة وجوده إلى أن تنسى جملة أنه الذي كدّ الطالب، وحمّل المتاعب، حتى إن لم تكن فيك طبيعة من الجود تتحكّم عليك، ومحبّة للثناء تستخرج النفيس من يديك كان من أقوى حجج الضّنّ الذي يخامر الإنسان أن تقول: «إن لم يكدّني فقد كدّ غيري»، كما يقول الوارث للمال المجموع عفوا إذا ليم على بخله به، وفرط شحّه عليه: «إن لم يكن كسبي وكدّي، فهو كسب أبي وجدي، ولئن لم ألق فيه عناء، لقد عانى سلفي فيه الشدائد، ولقوا في جمعه الأمّرين، أفأضيّع ما ثمّروه، وأفرّق ما جمعوه، وأكون كالهادم لما أنفقت الأعمار في بنائه، والمبيد لما قصرت الهمم على إنمائه؟».
وإنك لا تكاد تجد شاعرا يعطيك في المعاني الدقيقة من التسهيل والتقريب،
_________________
(١) راجع هامش (٤) ص ١٠١.
[ ١١١ ]
وردّ البعيد إلى المألوف القريب، ما يعطي البحتريّ، ويبلغ في هذا الباب مبلغه، فإنه ليروض لك المهر الأرن رياضة الماهر، حتى يعنق من تحتك إعناق القارح المذلّل، وينزع من شماس الصعب الجامح، حتى يلين لك لين المنقاد الطّيع، ثمّ لا يمكن ادعاء أنّ جميع شعره في قلّة الحاجة إلى الفكر، والغنى عن فضل النظر، كقوله (١):
[من الهزج]
فؤادي منك ملآن وسرّي فيك إعلان
وقوله (٢): [من الكامل] عن أيّ ثغر تبتسم وهل ثقل على المتوكل قصائده الجياد حتى قلّ نشاطه لها واعتناؤه بها، إلا لأنّه لم يفهم معانيها كما فهم معاني النوع النازل الذي انحطّ له إليه؟ أتراك تستجيز أن تقول: إن قوله:
منى النّفس في أسماء لو يستطيعها (٣) من جنس المعقّد الذي لا يحمد، وإن هذه الضّعيفة الأسر، الواصلة إلى القلوب من غير فكر، أولى بالحمد، وأحقّ بالفضل.
هذا، والمعقّد من الشعر والكلام لم يذمّ لأنه مما تقع حاجة فيه إلى الفكر على الجملة، بل لأنّ صاحبه يعثر فكرك في متصرّفه، ويشيك طريقك إلى المعنى، ويوعّر مذهبك نحوه، بل ربّما قسّم فكرك، وشعّب ظنّك، حتى لا تدري من أين تتوصّل وكيف تطلب؟.
وأمّا الملخّص، فيفتح لفكرتك الطريق المستوي ويمهّده، وإن كان فيه تعاطف أقام عليه المنار، وأوقد فيه الأنوار، حتى تسلكه سلوك المتبين لوجهته، وتقطعه قطع الواثق بالنّجح في طيّته، فترد الشريعة زرقاء، والروضة غنّاء، فتنال الريّ، وقطف الزهر الجنيّ، وهل شيء أحلى من الفكرة إذا استمرت وصادفت نهجا
_________________
(١) البيت للبحتري في ديوانه.
(٢) البيت للبحتري أيضا.
(٣) مطلع قصيدة للبحتري من جياد قصائده، في مدح المتوكل، وتمامه: بها وجدها من غادة وولوعها وقد راعني منها الصدر وإنما تصد لشيب في عذارى يروعها
[ ١١٢ ]
مستقيما، مذهبا قويما، وطريقة تنقاد، وتبيّنت لها الغاية فيما ترتاد؟ فقد قيل: «قرّة العين، وسعة الصدر، وروح القلب، وطيب النفس، من أربعة أمور:
الاستبانة للحجّة، والأنس بالأحبّة، والثّقة بالعدّة، والمعاينة للغاية». وقال الجاحظ في أثناء فصل يذكر فيه ما في الفكر والنظر من الفضيلة: «وأين تقع لذّة البهيمة بالعلوفة، ولذّة السّبع بلطع الدّم وأكل اللحم، من سرور الظفر بالأعداء، ومن انفتاح باب العلم بعد إدمان قرعه، وبعد، فإذا مدّت الحلبات لجري الجياد، ونصبت الأهداف لتعرف فضل الرّماة في الإبعاد والسّداد، فرهان العقول التي تستبق، ونضالها الذي تمتحن قواها في تعاطيه، هو الفكر والرويّة والقياس والاستنباط».
ولن يبعد المدى في ذلك، ولا يدقّ المرمى إلا بما تقدم من تقرير الشّبه بين الأشياء المختلفة، فإنّ الأشياء المشتركة في الجنس، المتفقة في النوع، تستغني بثبوت الشّبه بينها، وقيام الاتفاق فيها، عن تعمّل وتأمل في إيجاب ذلك لها وتثبته فيها، وإنما الصّنعة تستدعي وجود القريحة والحذق، والنظر يلطف ويدقّ، في أن تجمع أعناق المتنافرات والمتباينات في ربقة، وتعقد بين الأجنبيّات معاقد نسب وشبكة. وما شرفت صنعة، ولا ذكر بالفضيلة عمل، إلا لأنهما يحتاجان من دقّة الفكر ولطف النظر ونفاذ الخاطر، إلى ما لا يحتاج إليه غيرهما، ويحتكمان على من زاولهما والطالب لهما من هذا المعنى، ما لا يحتكم ما عداهما، ولا يقتضيان ذلك إلّا من جهة إيجاد الائتلاف في المختلفات.
وذلك بين لك فيما تراه من الصناعات وسائر الأعمال التي تنسب إلى الدقة، فإنك تجد الصورة المعمولة فيها، كلما كانت أجزاؤها أشدّ اختلافا في الشكل والهيئة، ثم كان التلاؤم بينها مع ذلك أتمّ، والائتلاف أبين، كان شأنها أعجب، والحذق لمصوّرها أوجب.
وإذا كان هذا ثابتا موجودا، ومعلوما معهودا، من حال الصور المصنوعة والأشكال المؤلّفة، فاعلم أنها القضيّة في «التمثيل» واعمل عليها، واعتقد صحّة ما ذكرت لك من أنّ أخذ الشبه للشيء مما يخالفه في الجنس وينفصل عنه من حيث ظاهر الحال، حتى يكون هذا شخصا يملأ المكان، وذاك معنى لا يتعدّى الأفهام والأذهان وحتى إن هذا إنسان يعقل، وذاك جماد أو موات لا يتّصف بأنه يعلم أو يجهل وهذا نور شمس يبدو في السماء ويطلع، وذاك معنى كلام يوعى ويسمع وهذا
[ ١١٣ ]
روح يحيا به الجسد، وذاك فضل ومكرمة تؤثر وتحمد، كما قال (١): [من البسيط]
إنّ المكارم أرواح يكون لها آل المهلّب دون النّاس أجسادا
وهذا مقال متعصّب منكر للفضل حسود، وذاك نار تلتهب في عود، وهذا مخلاف، وذاك ورق خلاف، كما قال ابن الرّوميّ (٢): [من الخفيف]
بذل الوعد للأخلّاء سمحا وأبى بعد ذاك بذل العطاء
فغدا كالخلاف يورق للعي ن، ويأبى الإثمار كلّ الإباء
وهذا رجل يروم العدوّ تصغيره والإزراء به، فيأبى فضله إلّا ظهورا، وقدره إلا سمّوا، وذاك شهاب من نار تصوّب وهي تعلو، وتخفض وهي ترتفع، كما قال أيضا (٣): [من الخفيف]
ثم حاولت بالمثيقيل تصغي ري فما زدتني سوى التّعظيم
كالذي طأطأ الشّهاب ليخفى وهو أدنى له إلى التّضريم
وأخذ هذا المعنى من كلام في حكم الهند، وهو: «إن الرجل ذا المروءة والفضل ليكون خامل المنزلة غامض الأمر، فما تبرح به مروءته وعقله حتى يستبين ويعرف، كالشعلة من النار التي يصوّبها صاحبها وتأبى إلّا ارتفاعا».
هذا هو الموجب للفضيلة، والداعي إلى الاستحسان، والشفيع الذي أحظى «التمثيل» عند السامعين، واستدعى له الشغف والولوع من قلوب العقلاء الراجحين، ولم تأتلف هذه الأجناس المختلفة للممثّل، ولم تتصادف هذه الأشياء المتعادية على حكم المشبّه، إلا لأنه لم يراع ما يحضر العين، ولكن ما يستحضر العقل، ولم يعن بما تنال الرؤية، بل بما تعلّق الرويّة، ولم ينظر إلى الأشياء من حيث توعى فتحويها الأمكنة بل من حيث تعيها القلوب الفطنة.
ثم على حسب دقّة المسلك إلى ما استخرج من الشّبه، ولطف المذهب وبعد التّصعّد إلى ما حصل من الوفاق، استحقّ مدرك ذلك المدح، واستوجب التقديم، واقتضاك العقل أن تنوّه بذكره، وتقضي بالحسنى في نتائج فكره. نعم، وعلى حسب
_________________
(١) البيت من ثلاثة أبيات في شرح الحماسة ٤/ ١٤٧، وأمالي القالي، وهو ينسب لعمر بن لجأ في يزيد بن المهلب.
(٢) راجع هامش رقم (٤) ص ٩٠.
(٣) البيتان في معجم الشعراء ص ٤٤٨. مثيقل: تصغير مثقال.
[ ١١٤ ]
المراتب في ذلك أعطيته في بعض منزلة الحاذق الصّنع، والملهم المؤيّد، والألمعي المحدّث، الذي سبق إلى اختراع نوع من الصنعة حتى يصير إماما، ويكون من بعده تبعا له وعيالا عليه وحتى تعرف تلك الصّنعة بالنسبة إليه، فيقال: «صنعة فلان»، و«عمل فلان» ووضعته في بعض موضع المتعلّم الذكيّ، والمقتدي المصيب في اقتدائه، الذي يحسن التشبّه بمن أخذ عنه، ويجيد حكاية العمل الذي استفاد، ويجتهد أن يزداد.
واعلم أني لست أقول لك إنك متى ألّفت الشيء ببعيد عنه في الجنس على الجملة فقد أصبت وأحسنت، ولكن أقوله بعد تقييد وبعد شرط، وهو أن تصيب بين المختلفين في الجنس وفي ظاهر الأمر شبها صحيحا معقولا، وتجد للملاءمة والتأليف السويّ بينهما مذهبا وإليهما سبيلا وحتى يكون ائتلافهما الذي يوجب تشبيهك، من حيث
العقل والحدس، في وضوح اختلافهما من حيث العين والحسّ، فأمّا أن تستكره الوصف وتروم أن تصوّره حيث لا يتصوّر، فلا لأنك تكون في ذلك بمنزلة الصّانع الأخرق، يضع في تأليفه وصوغه الشكل بين شكلين لا يلائمانه ولا يقبلانه، حتى تخرج الصورة مضطربة، وتجيء فيها نتوّ، ويكون للعين عنها من تفاوتها نبوّ. وإنما قيل: «شبّهت، ولا تعني في كونك مشبّها أن تذكر حرف التشبيه أو تستعير، إنما تكون مشبّها بالحقيقة بأن ترى الشّبه وتبيّنه، ولا يمكنك بيان ما لا يكون، وتمثيل ما لا تتمثّله الأوهام والظنون.
ولم أرد بقولي إنّ الحذق في إيجاد الائتلاف بين المختلفات في الأجناس، أنك تقدر أن تحدث هناك مشابهة ليس لها أصل في العقل، وإنما المعنى أنّ هناك مشابهات خفيّة يدقّ المسلك إليها، فإذا تغلغل فكرك فأدركها فقد استحققت الفضل. ولذلك يشبّه المدقّق في المعاني بالغائص على الدرّ، ووزان ذلك أن القطع التي يجيء من مجموعها صورة الشّنف والخاتم أو غيرهما من الصور المركّبة من أجزاء مختلفة الشكل، لو لم يكن بينها تناسب، أمكن ذلك التناسب أن يلائم بينها الملائمة المخصوصة، ويوصل الوصل الخاصّ، لم يكن ليحصل لك من تأليفها الصورة المقصودة. ألا ترى أنّك لو جئت بأجزاء مخالفة لها في الشكل، ثم أردتها على أن تصير إلى الصورة التي كانت من تلك الأولى، طلبت ما يستحيل؟ فإنما استحققت الأجرة على الغوص وإخراج الدّر، لا أن الدرّ كان بك، واكتسى شرفه من جهتك، ولكن لمّا كان الوصول إليه صعبا وطلبه عسيرا، ثم رزقت ذلك، وجب أن يجزل لك، ويكبّر صنيعك.
[ ١١٥ ]
ألا ترى أن التشبيه الصريح إذا وقع بين شيئين متباعدين في الجنس، ثم لطف وحسن، لم يكن ذلك اللّطف وذلك الحسن إلا لاتفاق كان ثابتا بين المشبّه والمشبّه به من الجهة التي بها شبّهت، إلّا أنه كان خفيا لا ينجلي إلا بعد التأنّق في استحضار الصور وتذكّرها، وعرض بعضها على بعض، والتقاط النّكتة المقصودة منها، وتجريدها من سائر ما يتّصل بها، نحو أن تشبّه الشيء بالشيء في هيئة الحركة، فتطلب الوفاق بين الهيئة والهيئة مجرّدة من الجسم وسائر ما فيه من اللون وغيره من الأوصاف؟ كما فعل ابن المعتز في تشبيه البرق حيث قال (١): [من المديد]
وكأنّ البرق مصحف قار فانطباقا مرّة وانفتاحا
لم ينظر من جميع أوصاف البرق ومعانيه إلا إلى الهيئة التي تجدها العين له من انبساط يعقبه انقباض، وانتشار يتلوه انضمام، ثم فلى نفسه عن هيئات الحركات لينظر أيّها أشبه بها، فأصاب ذلك فيما يفعله القارئ من الحركة الخاصّة في المصحف، إذا جعل يفتحه مرة ويطبقه أخرى. ولم يكن إعجاب هذا التشبيه لك وإيناسه إياك لأن
الشيئين مختلفان في الجنس أشدّ الاختلاف فقط، بل لأنّ حصل بإزاء الاختلاف اتفاق كأحسن ما يكون وأتمّه، فبمجموع الأمرين شدّة ائتلاف في شدّة اختلاف حلا وحسن، وراق وفتن.
ويدخل في هذا الوضع الحكاية المعروفة في حديث عديّ بن الرّقاع، قال جرير: «أنشدني عديّ (٢): [من الكامل] عرف الديار توهّما فاعتادها
_________________
(١) البيت لابن المعتز في ديوانه ص ١٤١ (طبعة دار صادر)، من قصيدة مطلعها: عرف الدار، فحيّا وناحا بعد ما كان صحا واستراحا وهو في الإيضاح ص ٢١٥ تحقيق د. هنداوي.
(٢) تمام البيت: من بعد ما شمل البلى أبلادها والبيت من قصيدة في مدح الوليد بن عبد الملك ومنها: ولقد أراد الله إذ ولاكها من أمة إصلاحها ورشادها «عومنها» تأتيه أسلاب الأعزة عنوة قسرا ويجمع للحرب عتادها والبيت في الإيضاح: تحقيق الدكتور هنداوي، مؤسسة المختار، والأبلاد: قطع الأرض عامرة أو غامرة أو الآثار في قول بعضهم.
[ ١١٦ ]
فلمّا بلغ إلى قوله:
تزجي أغنّ كأنّ إبرة روقه رحمته، وقلت: قد وقع! ما عساه يقول وهو أعرابيّ جلف جاف؟ فلما قال:
قلم أصاب من الدّواة مدادها استحالت الرّحمة حسدا» فهل كانت الرحمة في الأولى، والحسد في الثانية، إلا أنه رآه حين افتتح التشبيه قد ذكر ما لا يحضر له في أوّل الفكر وبديهة الخاطر، وفي القريب من محلّ الظنّ شبه، وحين أتمّ التشبيه وأدّاه صادفه قد ظفر بأقرب صفة من أبعد موصوف، وعثر على خبيء مكانه غير معروف؟.
وعلى ذلك استحسنوا قول الخليل في انقباض كفّ البخيل (١): [من المتقارب]
كفاك لم تخلقا للنّدى ولم يك بخلهما بدعه
فكفّ عن الخير مقبوضة كما نقضت مائة سبعه
وكفّ ثلاثة آلافها وتسع مئيها لها شرعه
وذلك أنه أراك شكلا واحدا في اليدين، مع اختلاف العددين، ومع اختلاف المرتبتين في العدد أيضا، لأن أحدهما من مرتبة العشرات والآحاد، والآخر من مرتبة المئين والألوف، فلما حصل الاتفاق كأشدّ ما يكون في شكل اليد
مع الاختلاف، كأبلغ ما يوجد في المقدار والمرتبة من العدد، كان التشبيه بديعا. قال المرزباني:
«وهذا ما أبدع فيه الخليل، لأنه وصف انقباض اليدين بحالين من الحساب مختلفين في العدد، متشاكلين في الصورة»، وقوله هذا إجمال ما فصّلته.
ومما ينظر إلى هذا الفصل ويداخله ويرجع إليه حين تحصيله، الجنس الذي يراد فيه كون الشيء من الأفعال سببا لضدّه، كقولنا: «أحسن من حيث قصد الإساءة» و«نفع من حيث أراد الضّرّ»، إذ لم يقنع المتشاغل بالعبارة الظاهرة والطريقة المعروفة، وصوّر في نفس الإساءة الإحسان، وفي البخل الجود، وفي المنع العطاء، وفي موجب الذمّ موجب الحمد، وفي الحالة التي حقّها أن تعدّ على الرجل حكم ما يعتدّ له، والفعل الذي هو بصفة ما يعاب وينكر، صفة ما يقبل المنّة ويشكر، فيدلّ ذلك بما يكون فيه من الوفاق الحسن مع الخلاف البيّن، على حذق شاعره، وعلى
_________________
(١) الأبيات للخليل بن أحمد في عيون الأخبار ٢/ ٣٥، رواها عنه الأخفش.
[ ١١٧ ]
جودة طبعه وحدّة خاطره، وعلوّ مصعده وبعد غوصه، إذا لم يفسده بسوء العبارة، ولم يخطئه التوفيق في تلخيص الدلالة، وكشف تمام الكشف عن سرر المعنى وسرّه بحسن البيان وسحره.
مثال ما كان من الشعر بهذه الصّفة قول أبي العتاهية (١): [من الكامل]
جزي البخيل عليّ صالحة عنّي، بخفّته على ظهري
أعلى وأكرم عن يديه يدي فعلت، ونزّه قدره قدري
ورزقت من جدواه عافية أن لا يضيق بشكره صدري
وغنيت خلوا من تفضّله أحنو عليه بأحسن العذر
ما فاتني خير امرئ وضعت عنّي يداه مئونة الشّكر
ومن اللطيف مما يشبه هذا قول الآخر (٢): [من المنسرح]
أعتقني سوء ما صنعت من ال رقّ، فيا بردها على كبدي
فصرت عبدا للسّوء فيك، وما أحسن سوء قبلي إلى أحد