وهذا نوع آخر من التخييل، وهو يرجع إلى ما مضى من تناسي التّشبيه وصرف النفس عن توهّمه، إلا أنّ ما مضى معلّل، وهذا غير معلّل.
بيان ذلك أنهم يستعيرون الصّفة المحسوسة من صفات الأشخاص للأوصاف المعقولة، ثم تراهم كأنهم قد
وجدوا تلك الصفة بعينها، وأدركوها بأعينهم على حقيقتها، وكأنّ حديث الاستعارة والقياس لم يجر منهم على بال، ولم يروه ولا طيف خيال.
ومثاله استعارتهم «العلوّ» لزيادة الرجل على غيره في الفضل والقدر والسلطان، ثم وضعهم الكلام وضع من يذكر علوا من طريق المكان. ألا ترى إلى قول أبي تمام (١):
[من المتقارب]
ويصعد حتّى يظنّ الجهول بأنّ له حاجة في السماء
فلولا قصده أن ينسي الشبيه ويرفعه بجهده، ويصمّم على إنكاره وجحده، فيجعله صاعدا في السماء من حيث المسافة المكانية، لما كان لهذا الكلام وجه.
ومن أبلغ ما يكون في هذا المعنى قول ابن الرومي (٢): [من الخفيف]
أعلم الناس بالنجوم بنو نو بخت علما لم يأتهم بالحساب
بل بأن شاهدوا السّماء سموّا بترقّ في المكرمات الصّعاب
مبلغ لم يكن ليبلغه الطا لب إلّا بتلكم الأسباب
_________________
(١) البيت لأبي تمام، وفي الديوان رواية أخرى ص ٣٣٥: ويصعد حتى يظنّ الجهول أن له منزلا في السماء وأورده بدر الدين بن مالك في المصباح ص ١٣٨ وعزاه لأبي تمام، والرازي في نهاية الإيجاز ص ٢٥٢، ومحمد بن علي الجرجاني في الإشارات ص ٢٢٥، والقزويني في الإيضاح ص ٤٣٤. وراجع مفتاح العلوم بتحقيقنا ص ٤٩٤.
(٢) في البيت الثاني خطأ «بل بأن شاهدوا السما سمرا» وصوابه «بل بأن شاهدوا السماء سموا» أورده بدر الدين بن مالك في المصباح ص ١٣٩ وعزاه لابن الرومي. وآل نوبخت أسرة اشتغلت بعلم الفلك والنجوم في العصر العباسي.
[ ٢١٦ ]
وأعاده في موضع آخر، فزاد الدعوى قوّة، ومرّ فيها مرور من يقول صدقا ويذكر حقّا (١): [من المنسرح]
يا آل نوبخت لا عدمتكم ولا تبدّلت بعدكم بدلا
إن صحّ علم النجوم، كان لكم حقّا، إذا ما سواكم انتحلا
كم عالم فيكم وليس بأن قاس، ولكن بأن رقي فعلا
أعلاكم في السماء مجدكم فلستم تجهلون ما جهلا
شافهتم البدر بالسّؤال عن ال أمر إلى أن بلغتم زحلا
وهكذا الحكم إذا استعاروا اسم الشيء بعينه من نحو شمس أو بدر أو بحر أو أسد، فإنهم يبلغون به هذا الحدّ، ويصوغون الكلام صياغات تقضي بأن لا تشبيه هناك ولا استعارة، مثاله قوله (٢): [من الكامل]
قامت تظلّلني من الشمس نفس أعزّ عليّ من نفسي
قامت تظلّلني ومن عجب شمس تظلّلني من الشّمس
فلولا أنه أنسى نفسه أن هاهنا استعارة ومجازا من القول، وعمل على دعوى شمس على الحقيقة، لما كان لهذا التعجّب معنى، فليس ببدع ولا منكر أن يظلّل إنسان حسن الوجه إنسانا ويقيه وهجا بشخصه.
وهكذا قول البحتري (٣): [من الطويل]
طلعت لهم وقت الشّروق فعاينوا سنا الشّمس من أفق ووجهك من أفق
وما عاينوا شمسين قبلهما التقى ضياؤهما وفقا، من الغرب والشّرق
معلوم أن القصد أن يخرج السامعين إلى التعجّب لرؤية ما لم يروه قط، ولم تجر العادة به. ولم يتمّ للتعجّب معناه الذي عناه، ولا تظهر صورته على وصفها الخاصّ، حتى يجترئ على الدّعوى جرأة من لا يتوقف ولا يخشى إنكار منكر، ولا يحفل بتكذيب الظاهر له، ويسوم النفس، شاءت أم أبت، تصوّر شمس ثانية طلعت من
_________________
(١) أورده القزويني في الإيضاح ص ٤٣٤ وعزاه لابن الرومي، ومحمد بن علي الجرجاني في الإشارات، وراجع مفتاح العلوم بتحقيقنا ص ٤٩٥.
(٢) قال عنها أبو فهر: «هما لابن العميد في يتيمة الدهر ٣/ ١٦ مع اختلاف في اللفظ، وهي أربعة أبيات في معاهد التنصيص ص ٢٣١» راجع الإشارات ص ٢١٠، ونهاية الإيجاز ص ٢٥٢، والإيضاح للقزويني ص ٤١٥، والتبيان ١/ ٢٩٨ بتحقيقنا.
(٣) راجع ديوان البحتري، «ضياؤهما بالياء المثناة.
[ ٢١٧ ]
حيث تغرب الشمس، فالتقتا وفقا، وصار غرب تلك القديمة لهذه المتجددة شرقا.
ومدار هذا النوع في الغالب على التعجّب، وهو والي أمره، وصانع سحره، وصاحب سرّه، وتراه أبدا وقد أفضى بك إلى خلابة لم تكن عندك، وبرز لك في صورة ما حسبتها تظهر لك، ألا ترى أن صورة قوله: «شمس تظللني من الشمس»، غير صورة قوله: «وما عاينوا شمسين»، وإن اتّفق الشعران في أنهما يتعجّبان من وجود الشيء على خلاف ما يعقل ويعرف.
وهكذا قول المتنبي (١): [من الكامل]
كبّرت حول ديارهم لمّا بدت منها الشّموس وليس فيها المشرق
له صورة غير صورة الأوّلين وكذا قوله (٢): [من الطويل]
ولم أر قبلي من مشى البدر نحوه ولا رجلا قامت تعانقه الأسد
يعرض صورة غير تلك الصّور كلها، والاشتراك بينها عامّيّ لا يدخل في السّرقة، إذ لا اتّفاق بأكثر من أن أثبت الشيء في جميع ذلك على خلاف ما يعرفه الناس. فأمّا إذا جئت إلى خصوص ما يخرج به عن المتعارف، فلا اتفاق ولا تناسب، لأن مكان الأعجوبة مرّة أن تظلل شمس من الشمس، وأخرى أن يرى للشمس مثل لا يطلع من الغرب عند طلوعها من الشرق، وثالثة أن ترى الشموس طالعة من ديارهم.
وعلى هذا الحد قوله: «ولم أر قبلي من مشى البدر نحوه»، العجب من أن يمشي البدر إلى آدميّ، وتعانق الأسد رجلا.
واعلم أن في هذا النوع مذهبا هو كأنه عكس مذهب التعجب ونقيضه، وهو لطيف جدّا. وذلك أن ينظر إلى خاصيّة ومعنى دقيق يكون في المشبّه به، ثم يثبّت تلك الخاصيّة وذلك المعنى للمشبّه، ويتوصّل بذلك إلى إيهام أن التشبيه قد خرج
_________________
(١) البيت للمتنبي. انظر ديوانه ١/ ٧٢.
(٢) البيت للمتنبي. انظر ديوانه ١/ ٢٤٤، وفي الديوان «البحر» بدل «البدر» والبيت مزدوج القصد فيصح مدحا للممدوح، ويصح مدحا من الشاعر لنفسه. راجع البيتين في الإيضاح بتحقيقنا ص ٢٧١.
[ ٢١٨ ]
من البين، وزال عن الوهم والعين أحسن توصّل وألطفه، ويقام منه شبه الحجّة على أن لا تشبيه ولا مجاز، ومثال قوله (١): [من المنسرح]
لا تعجبوا من بلى غلالته قد زرّ أزراره على القمر
قد عمد، كما ترى، إلى شيء هو خاصية في طبيعة القمر، وأمر غريب من تأثيره، ثم جعل يرى أن قوما أنكروا بلى الكتّان بسرعة، وأنه قد أخذ ينهاهم عن التعجّب من ذلك ويقول: «أما ترونه قد زرّ أزراره على القمر، والقمر من شأنه أن يسرع بلى الكتان»، وغرضه بهذا كله أن يعلم أن لا شكّ ولا مرية في أن المعاملة مع القمر نفسه، وأن الحديث عنه بعينه، وليس في البين شيء غيره، وأن التشبيه قد نسي وأنسي، وصار كما يقول الشيخ أبو عليّ
فيما يتعلق به الظرف: «إنّه شريعة منسوخة».
وهذا موضع في غاية اللّطف، لا يبين إلا إذا كان المتصفّح للكلام حسّاسا، يعرف وحي طبع الشعر، وخفيّ حركته التي هي كالخلس، وكمسرى النّفس في النّفس.
وإن أردت أن تظهر لك صحّة عزيمتهم في هذا النحو على إخفاء التشبيه ومحو صورته من الوهم، فأبرز صفة التّشبيه، واكشف عن وجهه، وقل: «لا تعجبوا من بلى غلالته، فقد زرّ أزراره على من حسنه حسن القمر»، ثم انظر هل ترى إلّا كلاما فاترا ومعنى نازلا، واخبر نفسك هل تجد ما كنت تجده من الأريحيّة؟ وانظر في أعين السامعين هل ترى ما كنت تراه من ترجمة عن المسرّة، ودلالة على الإعجاب؟ ومن أين ذلك وأنّى وأنت بإظهار التشبيه تبطل على نفسك ما له وضع البيت من الاحتجاج على وجوب البلى في الغلالة، والمنع من العجب فيه بتقرير الدّلالة؟
وقد قال آخر في هذا المعنى بعينه، إلّا أن لفظه لا ينبئ عن القوة التي لهذا البيت في دعوى القمر، وهو قوله: [من البسيط]
ترى الثّياب من الكتّان يلمحها نور من البدر أحيانا فيبليها
فكيف تنكر أن تبلى معاجرها، والبدر في كل وقت طالع فيها (٢)
_________________
(١) قال أبو فهر معلقا عليه: «نسبه صاحب معاهد التنصيص ص ٢٣٧ لأبي حسن بن طباطبا العلوي أحد ثلاثة أبيات» والغلالة: الثوب الذي يلبس تحت الثياب، وغلّل الغلالة: لبسها تحت ثيابه. راجع لسان العرب ٥/ ٣٢٨٧، ونهاية الإيجاز ص ٢٥٣، والمصباح ص ١٢٩.
(٢) قال أبو فهر معلقا عليه: «هو في يتيمة الدهر ١/ ٧٤ لأبي المطاع ذي القرنين بن ناصر الدولة الحمداني، والمعاجر جمع معجر وهو ثوب تلفه المرأة على رأسها من غير إدارة تحت الحنك ثم تجلبب فوقه بجلبابها». راجع لسان العرب ٤/ ٢٨١٧، والمصباح ١٢٩، والإشارات للجرجاني ص ٢١٠.
[ ٢١٩ ]
ومما ينظر إلى قوله: «قد زرّ أزراره على القمر»، في أنه بلغ بدعواه في المجاز حقيقة، مبلغ الاحتجاج به كما يحتجّ بالحقيقة، قول العبّاس بن الأحنف (١): [من المتقارب]
هي الشّمس مسكنها في السماء فعزّ الفؤاد عزاء جميلا
فلن تستطيع إليها الصّعود ولن تستطيع إليك النزولا
صورة هذا الكلام ونصبته والقالب الذي فيه أفرغ، يقتضي أن التشبيه لم يجر في خلده، وأنه معه كما يقال: «لست منه وليس منّي»، وأن الأمر في ذلك قد بلغ مبلغا لا حاجة معه إلى إقامة دليل وتصحيح دعوى، بل هو في الصّحّة والصدق بحيث تصحّح به دعوى ثابتة. ألا تراه كأنه يقول للنفس: «ما وجه الطمع في الوصول وقد علمت أن حديثك مع الشمس، ومسكن الشمس السماء؟» أفلا تراه قد جعل كونها الشّمس حجّة له على نفسه، يصرفها بها عن أن ترجو الوصول إليها، ويلجئها إلى العزاء، وردّها في ذلك إلى ما لا تشكّ فيه، وهو مستقرّ ثابت، كما تقول: «أو ما علمت ذلك؟» و«أليس قد علمت؟»، ويبيّن لك هذا التفسير والتقرير فضل بيان بأن تقابل هذا البيت بقول الآخر (٢): [من الطويل]
فقلت لأصحابي: هي الشمس ضوؤها قريب، ولكن في تناولها بعد
وتتأمّل أمر التشبيه فيه، فإنك تجده على خلاف ما وصفت لك. وذلك أنه في قوله: «فقلت لأصحابي هي الشمس»، غير قاصد أن يجعل كونها الشمس حجّة على ما ذكر بعد، من قرب شخصها ومثالها في العين، مع بعد منالها بل قال: «هي الشمس»، وهكذا قولا مرسلا يومئ فيه بل يفصح بالتشبيه، ولم يرد أن يقول: «لا تعجبوا أن تقرب وتبعد بعد أن علمتم أنها الشمس»، حتى كأنه يقول: «ما وجه شكّكم في ذلك؟»، ولم يشكّ عاقل في أن الشمس كذلك، كما أراد العباس أن يقول: كيف الطمع في الوصول إليها مع علمك بأنها الشمس، وأن الشمس مسكنها السماء. فبيت ابن أبي عيينة في أن لم ينصرف عن التشبيه جملة، ولم يبرز في
_________________
(١) البيتان للعباس بن الأحنف. راجع ديوانه ص ٢٢١، والمصباح ص ١٣٩، والإيضاح بتحقيقنا ص ٢٧١، والإشارات للجرجاني ص ٢٢٤.
(٢) البيت لمحمد بن أبي عيينة بن المهلب بن أبي صفرة، والبيت من أبيات له في الأغاني ٢٠/ ١٠٥، في ترجمته وقبله: كوجدي غداة البين عند التفاتها وقد شف عنها دون أترابها البرد
[ ٢٢٠ ]
صورة الجاحد له والمتبرّئ منه، كبيت بشار الذي صرّح فيه بالتشبيه، وهو (١): [من الخفيف]
أو كبدر السّماء، غير قريب حين يوفي، والضوء فيه اقتراب
وكبيت المتنبي (٢): [من البسيط]
كأنّها الشمس يعيي كفّ قابضه شعاعها ويراه الطّرف مقتربا
فإن قلت: فهذا من قولك يؤدّي إلى أن يكون الغرض من ذكر الشمس، بيان حال المرأة في القرب من وجه، والبعد
من وجه آخر، دون المبالغة في وصفها بالحسن وإشراق الوجه. وهو خلاف المعتاد، لأن الذي يسبق إلى القلوب، أن يقصد من نحو قولنا: «هي كالشمس أو هي شمس»، الجمال والحسن والبهاء.
فالجواب: إنّ الأمر وإن كان على ما قلت، فإنه في نحو هذه الأحوال التي قصد فيها إلى بيان أمر غير الحسن، يصير كالشيء الذي يعقل من طريق العرف، وعلى سبيل التّبع، فأما أن يكون الغرض الذي له وضع الكلام، فلا.
وإذا تأمّلت قوله: «فقلت لأصحابي هي الشمس ضوؤها قريب»، وقول بشار:
«أو كبدر السماء»، وقول المتنبي: «كأنها الشّمس»، علمت أنهم جعلوا جلّ غرضهم أن يصيبوا لها شبها في كونها قريبة بعيدة. فأما حديث الحسن، فدخل في القصد على الحدّ الذي مضى في قوله، وهو للعباس أيضا (٣): [من الرمل]
نعمة كالشّمس لمّا طلعت بثّت الإشراق في كلّ بلد
فكما أن هذا لم يضع كلامه لجعل النعم كالشمس في الضّياء والإشراق، ولكن عمّت كما تعمّ الشمس بإشراقها كذلك لم يضع هؤلاء أبياتهم على أن يجعلوا المرأة كالشمس والبدر في الحسن ونور الوجه، بل أمّوا نحو المعنى الآخر، ثم حصل هذا لهم من غير أن احتاجوا فيه إلى تجشّم. وإذا كان الأمر كذلك، فلم يقل إن
_________________
(١) البيت في الديوان.
(٢) البيت في ديوان المتنبي ١/ ١٤١، يعيي: يعجز، ضمير قابضه للشعاع، الطرف. النظر، الشعاع: فاعل يعيي وضميره مضاف إليه. والبيت من قصيدة مطلعها: دمع جرى فقضى في الربع ما وجبا لأهله وشفى أنّي ولا كربا
(٣) علق عليه أبو فهر قائلا: هو في زيادات ديوان العباس بن الأحنف، وهو في الوساطة ص ٢٠١ منسوبا إليه، وفي المخطوطة ومطبوعة ريتر: «ثبت الإشراق، وفي مطبوعة رشيد رضا والوساطة ما أثبت».
[ ٢٢١ ]
النعمة إنما عمّت لأنها شمس، ولكن أراك لعمومها وشمولها قياسا، وتحرّى أن يكون ذلك القياس من شيء شريف له بالنعمة شبه من جهة أوصافه الخاصّة، فاختار الشمس. وكذلك لم يرد ابن أبي عيينة أن يقول إنها إنما دنت ونأت لأنها شمس، أو لأنها الشمس، بل قاس أمرها في ذلك كما عرّفتك.
وأمّا العبّاس فإنه قال: إنها إنما كانت بحيث لا تنال، ووجب اليأس من الوصول إليها، لأجل أنها الشمس، فاعرفه فرقا واضحا.
ومما هو على طريقة بيت العبّاس في الاحتجاج، وإن خالفه فيما أذكره لك، قول الصابئ في بعض الوزراء يهنّئه بالتخلّص من الاستتار (١): [من الخفيف]
صحّ أنّ الوزير بدر منير إذ توارى كما توارى البدور
غاب، لا غاب، ثمّ عاد كما كا ن على الأفق طالعا يستنير
لا تسلني عن الوزير فقد بيّ نت بالوصف أنه سابور
لا خلا منه صدر دست، إذا ما قرّ فيه تقرّ منه الصدور
فهو كما نراه يحتجّ أن لا مجاز في البين، وأنّ ذكر البدر وتسمية الممدوح به حقيقة، واحتجاجه صريح لقوله: «صح» أنه كذلك. وأما احتجاج العبّاس وصاحبه في قوله: «قد زرّ أزراره على القمر»، فعلى طريق الفحوى. فهذا وجه الموافقة، وأما وجه المخالفة، فهو أنّهما ادّعيا الشّمس والقمر بأنفسهما، وادّعى الصابئ بدرا، لا البدر على الإطلاق.
ومن ادّعاه الشمس على الإطلاق قول بشّار (٢): [من الوافر]
بعثت بذكرها شعري وقدّمت الهوى شركا
فلمّا شاقها قولي وشبّ الحبّ فاحتنكا
أتتني الشمس زائرة ولم تك تبرح الفلكا
وجدت العيش في سعدى وكان العيش قد هلكا
فقوله: «ولم تك تبرح الفلكا»، يريك أنه ادّعى الشمس نفسها.
وقال أشجع يرثي الرشيد، فبدأ بالتعريف، ثم نكّر فخلط إحدى الطريقتين بالأخرى، وذلك قوله: [من الرمل]
_________________
(١) علق عليه أبو فهر قائلا: «الوزير هو أبو نصر سابور بن أردشير، انظر اليتيمة ٣/ ١٠٩ - ١١٦، ولم أقف على أبيات الصابئ».
(٢) راجع الإشارات للجرجاني ص ٢٢٤، والإيضاح للقزويني ص ٤٣٥.
[ ٢٢٢ ]
غربت بالمشرق الشم س فقل للعين تدمع
ما رأينا قطّ شمسا غربت من حيث تطلع (١)
فقوله: «غربت بالمشرق الشمس» على حدّ قول بشار: «أتتني الشمس زائرة»، في أنه خيّل إليك شمس السماء. وقوله بعد: «ما رأينا قطّ شمسا»، يفتّر أمر هذا التخييل، ويميل بك إلى أن تكون الشمس في قوله: «غربت بالمشرق الشمس»، غير شمس السماء، أعني غير مدّعى أنها هي، وذلك مما يضطرب عليه المعنى ويقلق، لأنه إذا لم يدّع
الشمس نفسها، لم يجب أن تكون جهة خراسان مشرقا لها، وإذا لم يجب ذلك، لم يحصل ما أراده من الغرابة في غروبها من حيث تطلع. وأظنّ الوجه فيه أن يتأوّل تنكيره للشمس في الثاني على قولهم: «خرجنا في شمس حارّة»، يريدون في يوم كان للشمس فيه حرارة وفضل توقّد، فيصير كأنه قال:
«ما عهدنا يوما غربت فيه الشمس من حيث تطلع، وهوت في جانب المشرق».
وكثيرا ما يتفق في كلام الناس ما يوهم ضربا من التنكير في الشمس كقولهم:
«شمس صيفية»، وكقوله (٢): [من البسيط] والله لا طلعت شمس ولا غربت ولا فرق بين هذا وبين قول المتنبي (٣): [من السريع]
لم ير قرن الشّمس في شرقه فشكّت الأنفس في غربه
ويجيء التنكير في القمر والهلال على هذا الحدّ، فمنه قول بشّار (٤): [من المديد]
أملي لا تأت في قمر بحديث واتّق الدّرعا
وتوقّ الطيب ليلتنا إنّه واش إذا سطعا
_________________
(١) البيتان لأبي الوليد أشجع بن عمرو السلمي يرثي هارون الرشيد. راجع ترجمة الشاعر وأخباره مع الرشيد في الأغاني ١٨/ ٢٥٧ وما قبلها، ويكنيه أبو فهر أبا الشيص ولم أتحقق من هذه الكنية، وأبو الشيص لقب شاعر آخر معاصر لبشار. راجع الأغاني ١٦/ ٤٣٢.
(٢) لم أهتد إليه.
(٣) البيت لأبي الطيب المتنبي في ديوانه ٢/ ٣٢٥ بشرح مصطفى سبيتي، وقرن الشمس أول إشراقها، والمعنى أن من يرى شروق الشمس يتبادر إلى ذهنه غروبها يقينا.
(٤) الدّرع ك (صرد) ثلاث ليال قيل: إنها الليالي البيض، وقيل: الثلاث اللاتي بعدها والواحدة درعة على القياس مثل ظلم، وقال البعض: الواحدة درعاء على غير القياس. راجع لسان العرب ٢/ ١٣٦٢.
[ ٢٢٣ ]
فهذا بمعنى: لا تأت في وقت قد طلع فيه القمر. وهذا قول عمر بن أبي ربيعة (١): [من الطويل]
وغاب قمير كنت أرجو غيوبه وروّح رعيان ونوّم سمّر
ظاهره يوهم أنه كقولك: «جاءني رجل»، وليس كذلك في الحقيقة، لأن الاسم لا يكون نكرة حتى يعمّ شيئين وأكثر، وليس هنا شيئان يعمّهما اسم القمر.
وهكذا قول أبي العتاهية: [من الوافر]
تسرّ إذا نظرت إلى هلال ونقصك إذ نظرت إلى الهلال
ليس المنكّر غير المعرّف، على أنّ للهلال في هذا التنكير فضل تمكّن ليس للقمر، ألا تراه قد جمع في قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ [البقرة:
١٨٩]، ولم يجمع القمر على هذا الحدّ.
ومن لطيف هذا التنكير قول البحتري: [من الطويل]
وبدرين أنضيناهما بعد ثالث أكلناه بالإيجاف حتى تمحّقا
ومما أتى مستكرها نابيا يتظلم منه المعنى وينكره، قول أبي تمام: [من الطويل]
قريب النّدى نائي المحلّ كأنّه هلال قريب النّور ناء منازله
سبب الاستكراه، وأنّ المعنى ينبو عنه: أنه يوهم بظاهره أنّ هاهنا أهلّة ليس لها هذا الحكم، أعني أنه ينأى مكانه ويدنو نوره. وذلك محال فالذي يستقيم عليه الكلام أن يؤتى به معرّفا على حدّه في بيت البحتري (٢): [من الكامل]
كالبدر أفرط في العلوّ وضوؤه للعصبة السّارين جدّ قريب
فإن قلت: أقطع وأستأنف فأقول: «كأن هلال» وأسكت، ثم أبتدئ وآخذ في
_________________
(١) البيت من قصيدة مشهورة أنشدها عمر بن أبي ربيعة لعبد الله بن عباس في المسجد الحرام فحفظها، وروّح رعيان: عادوا إلى بيوتهم في المراح، نوّم: نام والتشديد للمبالغة. راجع الأغاني ١/ ٨١، ٩٣.
(٢) قبله: دان على أيدي العفاة وشاسع عن كل ندّ في الندى وضريب راجع شرح عقود الجمان ٢/ ٦، والإشارات والتنبيهات للجرجاني ص ١٧٢، والإيضاح بتحقيقي ص ٢٠٣.
[ ٢٢٤ ]
الحديث عن شأن الهلال بقولي: «قريب النور ناء منازله» أمكنك، ولكنك تعلم ما يشكوه إليه المعنى من نبوّ اللفظ به وسوء ملاءمة العبارة. واستقصاء هذا الموضع يقطع عن الغرض، وحقه أنه يفرد له فصل.
وأعود إلى حديث المجاز وإخفائه، ودعوى الحقيقة وحمل النفس على تخيّلها.
فممّا يدخل في هذا الفنّ ويجب أن يوازن بينه وبين ما مضى، قول سعيد بن حميد: [من الخفيف]
وعد البدر بالزيارة ليلا فإذا ما وفى قضيت نذوري
قلت: يا سيّدي، ولم تؤثر اللي ل على بهجة النهار المنير
قال لي: لا أحبّ تغيير رسمي هكذا الرّسم في طلوع البدور
قالوا: وله في ضدّه: [من الخفيف]
قلت زوري، فأرسلت أنا آتيك سحره
قلت: فالليل كان أخ فى وأدنى مسرّه
فأجابت بحجّة زادت القلب حسره
أنا شمس، وإنما تطلع الشّمس بكره
وينبغي أن تعلم أنّ هذه القطعة ضدّ الأولى، من حيث اختار النهار وقتا للزيارة في تلك، والليل في هذه، فأمّا من حيث يختلف جوهر الشعر ويتّفق، وخصوصا من حيث ننظر الآن، فمثل وشبيه، وليس بضدّ ولا نقيض.
ثم اعلم أنّا إن وازنّا بين هاتين القطعتين وبين ما تقدّم من بيت العباس: [من المتقارب] هي الشمس مسكنها في السماء (١) وما هو في صورته، وجدنا هما أمرا بين أمرين: بين ادّعاء البدر والشمس أنفسهما، وبين إثبات بدر ثان وشمس ثانية، ورأينا الشاعر قد شاب في ذلك الإنكار بالاعتراف، وصادفت صورة المجاز تعرض عنك مرّة، وتعرض لك أخرى. فقوله: «البدر» بالتعريف مع قوله: «لا أحبّ تغيير رسمي»، وتركه أن يقول: «رسم مثلي»، يخيّل إليك البدر نفسه. وقوله: «في طلوع البدور» بالجمع دون أن يفرد فيقول: «هكذا
_________________
(١) سبق تخريجه ص ٢٢٠.
[ ٢٢٥ ]
الرسم في طلوع البدور» يلتفت بك إلى بدر ثان، ويعطيك الاعتراف بالمجاز على وجه. وهكذا القول في القطعة الثانية لأنّ قوله: «أنا شمس» بالتنكير، اعتراف بشمس ثانية أو كالاعتراف.
ومما يدلّ دلالة واضحة على دعوى الحقيقة، ولا يستقيم إلا عليها قول المتنبي (١): [من الكامل]
واستقبلت قمر السماء بوجهها فأرتني القمرين في وقت معا
أراد: فأرتني الشمس والقمر، ثم غلّب اسم القمر كقول الفرزدق (٢): [من الطويل]
أخذنا بآفاق السّماء عليكم لنا قمراها والنّجوم الطوالع
لولا أنه يخيّل الشمس نفسها، لم يكن لتغليب اسم القمر والتعريف بالألف واللام معنى. وكذلك لولا ضبطه نفسه حتى لا يجري المجاز والتشبيه في وهمه، لكان قوله: «في وقت معا»، لغوا من القول، فليس بعجيب أن يتراءى لك
وجه غادة حسناء في وقت طلوع القمر وتوسّطه السماء، هذا أظهر من أن يخفى.
وأمّا تشبيه أبي الفتح لهذا البيت بقول القائل (٣): [من الكامل]
وإذا الغزالة في السماء ترفّعت وبدا النهار لوقته يترجّل
أبدت لوجه الشمس وجها مثله تلقى السماء بمثل ما تستقبل
فتشبيه على الجملة، ومن حيث أصل المعنى وصورته في المعقول، فأما الصّورة الخاصّة التي تحدث له بالصنعة، فلم يعرض لها.
ومما له طبقة عالية في هذا القبيل وشكل يدلّ على شدّة الشكيمة وعلوّ المأخذ، قول الفرزدق: [من الطويل]
_________________
(١) البيت في ديوانه ١/ ١٦٢ من قصيدة مطلعها: أركائب الأحباب إن الأدمعا تطس الخدود كما تطسن اليرمعا والقمرين: الشمس والقمر وأراد وجهها.
(٢) البيت في ديوانه ١/ ٤١٩ من قصيدة مطلعها: منّا الذي اختير الرجال سماحة وخيرا إذا هب الرياح الزعازع
(٣) ترجلت الشمس: ارتفعت وترجل النهار: ارتفع ومنه قول الشاعر: وهاج به لما ترجّلت الضّحى. راجع لسان العرب ٣/ ١٦٠٠.
[ ٢٢٦ ]
أبي أحمد الغيثين صعصعة الذي متى تخلف الجوزاء والدّلو يمطر
أجار بنات الوائدين ومن يجر على الموت يعلم أنه غير مخفر (١)
أفلا تراه كيف ادّعى لأبيه اسم الغيث ادّعاء من سلّم له ذلك، ومن لا يخطر بباله أنه مجاز فيه، ومتناول له من طريق التشبيه، وحتى كأنّ الأمر في هذه الشهرة بحيث يقال: «أيّ الغيثين أجود؟» فيقال: «صعصعة»، أو يقال: «الغيثان»، فيعلم أنّ أحدهما صعصعة، وحتى بلغ تمكّن ذلك في العرف إلى أن يتوقّف السامع عند إطلاق الاسم، فإذا قيل: «أتاك الغيث!»، لم يعلم أيراد صعصعة أم المطر.
وإن أردت أن تعرف مقدار ما له من القوّة في هذا التخييل، وأن مصدره مصدر الشيء المتعارف الذي لا حاجة به إلى مقدّمة يبنى عليها نحو أن تبدأ فتقول: «أبي نظير الغيث وثان له، وغيث ثان»، ثم تقول: «وهو خير الغيثين» لأنه لا يخلف إذا أخلفت الأنواء، فانظر إلى موقع الاسم، فإنك تراه واقعا موقعا لا سبيل لك فيه إلى حلّ عقد التثنية،
وتفريق المذكورين بالاسم. وذلك أن «أفعل» لا تصحّ إضافته إلى اسمين معطوف أحدهما على الآخر، فلا يقال: «جاءني أفضل زيد وعمرو»، ولا:
«إنّ أعلم بكر وخالد عندي»، بل ليس إلا أن تضيف إلى اسم مثنّى أو مجموع في نفسه، نحو: «أفضل الرّجلين»، و«أفضل الرجال». وذلك أنّ أفعل التفضيل بعض ما يضاف إليه أبدا، فحقّه أن يضاف إلى اسم يحويه وغيره. وإذا كان الأمر كذلك، علمت أنه اللّفظ بالتشبيه، والخروج عن صريح جعل اللّفظ للحقيقة متعذر عليك، إذ لا يمكنك أن تقول: «أبي أحمد الغيث والثاني له والشبيه به»، ولا شيئا من هذا النحو، لأنك تقع بذلك في إضافة «أفعل» إلى اسمين معطوف أحدهما على الآخر.
وإذ قد عرفت هذا، فانظر إلى قول الآخر (٢): [من المنسرح]
قد أقحط الناس في زمانهم حتى إذا جئت جئت بالدّرر
غيثان في ساعة لنا اتّفقا، فمرحبا بالأمير والمطر
فإنك تراه لا يبلغ هذه المنزلة، وذلك أنه كلام من يثبته الآن غيثا ولا يدّعي فيه
_________________
(١) البيتان من قصيدة بعنوان «أبي أحمد الغيثين». راجع ديوانه ١/ ٣٧٩، وفي الرواية «أبي أحد الغيثين» بدل أحمد.
(٢) الدّرر جمع الدّرّة: وهي هنا بمعنى المتابعة في المطر، ومنه قول النّمر بن تولب: سلام الإله وريحانه ورحمته وسماء درر قحط الناس، وأقحطوا: كرهها بعضهم. راجع لسان العرب ٢/ ١٣٥٧ - ٥/ ٣٥٣٦.
[ ٢٢٧ ]
عرفا جاريا، وأمرا مشهورا متعارفا، يعلم كل واحد منه ما يعلمه، وليس بمتعذّر أن تقول: «غيث وثان للغيث اتفقا»، أو تقول: «الأمير ثاني الغيث والغيث اتّفقا».
فقد حصل من هذا الباب: أن الاسم المستعار كلما كان قدمه أثبت في مكانه، وكان موضعه من الكلام أضنّ به، وأشدّ محاماة عليه، وأمنع لك من أن تتركه وترجع إلى الظاهر وتصرّح بالتشبيه، فأمر التخييل فيه أقوى، ودعوى المتكلم له أظهر وأتمّ.
واعلم أن نحو قول البحتري: [من الكامل]
غيثان إن جدب تتابع أقبلا وهما ربيع مؤمّل وخريفه
لا يكون مما نحن بصدده في شيء، لأنّ كلّ واحد من الغيثين في هذا البيت مجاز، لأنه أراد أن يشبّه كل واحد من الممدوحين بالغيث، والذي نحن بصدده، هو أن يضمّ المجاز إلى الحقيقة في عقد التثنية، ولكن إن ضممت إليه قوله (١): [من الطويل]
فلم أر ضرغامين أصدق منكما عراكا، إذا الهيّابة النكس كذّبا
كان لك ذلك، لأن أحد الضرغامين حقيقة والآخر مجاز.
فإن قلت: فهاهنا شيء يردّك إلى ما أبيته من بقاء حكم التشبيه في جعله أباه الغيث، وذلك أن تقدير الحقيقة في المجاز إنما يتصوّر في نحو بيت البحتري:
فلم أر ضرغامين من حيث عمد إلى واحد من الأسود، ثم جعل الممدوح أسدا على الحقيقة قد قارنه وضامّه. ولا سبيل للفرزدق إلى ذلك، لأن الذي يقرنه إلى أبيه هو الغيث على الإطلاق، وإذا كان الغيث على الإطلاق، لم يبق شيء يستحقّ هذا الاسم إلا ويدخل تحته. وإذا كان كذلك، حصل منه أن لا يكون أبو الفرزدق غيثا على الحقيقة.
فالجواب أن مذهب ذلك ليس على ما تتوهّمه، ولكن على أصل هو التشبيه، وهو أن يقصد إلى المعنى الذي من أجله يشبّه الفرع بالأصل كالشجاعة في الأسد، والمضاء في السيف، وينحّي سائر الأوصاف جانبا. وذلك المعنى في الغيث هو النّفع العامّ، وإذا قدّر هذا التقدير، صار جنس الغيث كأنه عين واحدة وشيء واحد. وإذا
_________________
(١) الهيّابة: كثير الخوف مبالغة من هاب، والنكس بكسر النون المشددة: الرجل الضعيف المقصّد عن غاية النجدة والكرم. راجع لسان العرب ٦/ ٤٥٤١، ٤٧٣٠.
[ ٢٢٨ ]
عاد بك الأمر إلى أن تتصوّره تصوّر العين الواحدة دون الجنس، كان ضمّ أبي الفرزدق إليه بمنزلة ضمّك إلى الشمس رجلا أو امرأة تريد أن تبالغ في وصفهما بأوصاف الشمس، وتنزيلهما منزلتها، كما تجده في نحو قوله (١): [من البسيط]
فليت طالعة الشّمسين غائبة وليت غائبة الشّمسين لم تغب