فالذي يجب عليه الاعتماد في هذا الفنّ، أن التوهّم على ضربين: ضرب يستحكم حتى يبلغ أن يصير اعتقادا.
وضرب لا يبلغ ذلك المبلغ، ولكنه شيء يجري في الخاطر، وأنت تعرف ذلك وتتصور وزنه إذا نظرت إلى الفرق بين الشيئين يشتبهان الشبه التامّ؛ والشيئين يشبه أحدهما بالآخر على ضرب من التقريب، فاعرفه.
وأما «الحشو» فإنما كره وذمّ وأنكر وردّ، لأنه خلا من الفائدة، ولم يحل منه
_________________
(١) البيت في ديوانه.
[ ٢٤ ]
بعائدة، ولو أفاد لم يكن حشوا، ولم يدع لغوا. وقد تراه مع إطلاق هذا الاسم عليه واقعا من القبول أحسن موقع، ومدركا من الرّضى أجزل حظّ، وذاك لإفادته إيّاك، على مجيئه مجيء ما لا يعوّل في الإفادة عليه، ولا طائل للسامع لديه، فيكون مثله مثل الحسنة تأتيك من حيث لم ترقبها، والنافعة أتتك ولم تحتسبها، وربّما رزق الطّفيليّ ظرفا يحظى به حتى يحلّ محلّ الأضياف الذين وقع الاحتشاد لهم، والأحباب الذين وثق بالأنس منهم وبهم.
وأما التطبيق والاستعارة وسائر أقسام البديع، فلا شبهة أنّ الحسن والقبح لا يعترض الكلام بهما إلّا من جهة المعاني خاصّة، من غير أن يكون للألفاظ في ذلك نصيب، أو يكون لها في التحسين أو خلاف التحسين تصعيد
وتصويب.
أما «الاستعارة»، فهي ضرب من التشبيه، ونمط من التمثيل، والتشبيه قياس، والقياس يجري فيما تعيه القلوب، وتدركه العقول، وتستفتى فيه الأفهام والأذهان، لا الأسماع والآذان.
وأما «التطبيق»، فأمره أبين، وكونه معنويا أجلى وأظهر، فهو مقابلة الشيء بضده، والتضادّ بين الألفاظ المركّبة محال، وليس لأحكام المقابلة ثمّ مجال.
فخذ إليك الآن بيت الفرزدق الذي يضرب به المثل في تعسّف اللفظ: [من الطويل]
وما مثله في الناس إلا مملّكا أبو أمّه حيّ أبوه يقاربه (١)
فانظر أتتصوّر أن يكون ذلك للفظه من حيث إنّك أنكرت شيئا، من حروفه، أو صادفت وحشيّا غريبا، أو سوقيّا ضعيفا؟ أم ليس إلّا لأنه لم يرتّب الألفاظ في الذكر، على موجب ترتيب المعاني في الفكر، فكدّ وكدّر، ومنع السامع أن يفهم الغرض إلّا بأن يقدّم ويؤخّر، ثم أسرف في إبطال النّظام، وإبعاد المرام، وصار كمن رمى بأجزاء تتألّف منها صورة، ولكن بعد أن يراجع فيها بابا من الهندسة، لفرط ما عادى بين أشكالها، وشدّة ما خالف بين أوضاعها.
وإذا وجدت ذلك أمرا بيّنا لا يعارضك فيه شكّ، ولا يملكك معه امتراء، فانظر
_________________
(١) البيت للفرزدق، وموجود في الإشارات والتنبيهات: ١١، الخصائص: ١/ ١٤٦، الإيضاح: ٧٦، الكتاب لسيبويه: ١/ ٣٢، والكامل للمبرد: ١/ ١٨، والموشح للمرزباني: ٩٤، ومعاهد التنصيص للعباسي: ١/ ١٦، ونهاية الإيجاز: ٢٧٩.
[ ٢٥ ]
إلى الأشعار التي أثنوا عليها من جهة الألفاظ، ووصفوها بالسلامة، ونسبوها إلى الدّماثة، وقالوا: كأنّها الماء جريانا، والهواء لطفا، والرياض حسنا، وكأنها النّسيم، وكأنها الرّحيق مزاجها التّسنيم، وكأنها الديباج الخسروانيّ في مرامي الأبصار، ووشي اليمن منشورا على أذرع التّجار، كقوله: [من الطويل]
ولمّا قضينا من منى كلّ حاجة ومسّح بالأركان من هو ماسح
وشدّت على دهم المهارى رحالنا ولم ينظر الغادي الّذي هو رائح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا وسالت بأعناق المطيّ الأباطح (١)
ثم راجع فكرتك، واشحذ بصيرتك، وأحسن التأمّل، ودع عنك التجوّز في الرأي، ثم انظر هل تجد لاستحسانهم وحمدهم وثنائهم ومدحهم منصرفا، إلّا إلى استعارة وقعت موقعها، وأصابت غرضها، أو حسن ترتيب تكامل معه
البيان حتى وصل المعنى إلى القلب مع وصول اللفظ إلى السمع، واستقرّ في الفهم مع وقوع العبارة في الأذن، وإلا إلى سلامة الكلام من الحشو غير المفيد، والفضل الذي هو كالزيادة في التحديد، وشيء داخل المعاني المقصودة مداخلة الطفيليّ الذي يستثقل مكانه، والأجنبيّ الذي يكره حضوره، وسلامته من التقصير الذي يفتقر معه السامع إلى تطلّب زيادة بقيت في نفس المتكلم، فلم يدلّ عليها بلفظها الخاصّ بها، واعتمد دليل حال غير مفصح، أو نيابة مذكور ليس لتلك النّيابة بمستصلح.
وذلك أن أوّل ما يتلقّاك من محاسن هذا الشعر أنه قال:
ولمّا قضينا من منى كلّ حاجة فعبّر عن قضاء المناسك بأجمعها والخروج من فروضها وسننها، من طريق أمكنه أن يقصّر معه اللفظ، وهو طريقة العموم، ثم نبّه بقوله:
_________________
(١) الأبيات في الإيضاح: ١٧٥ - ١٧٦، تحقيق د. عبد الحميد هنداوي. ودلائل الإعجاز: ٧٤، ٧٥، ٢٩٥. وهي تروى لكثير وليزيد بن الطثرية ولعقبة بن كعب بن زهير بن أبي سلمى، وانظر تخريجها في ديوان كثير، وفي هامش المخطوطة في لسان العرب: كل مختار طرف والجمع أطراف، قال ابن سيدة: عنى بأطراف الأحاديث مختاره، وما يتعاطاه المحبون، ويتفاوضه ذوو الصبابة المتيمون، من التعريض والتلويح والإيماء دون التصريح وذلك أحلى وأخف وأغزل وأنسب من أن يكون مشافهة وكشفا ومصارحة وجهرا. وطرائف الحديث: مختاره وهذا نص ما في لسان العرب (طرف)، في شرح هذا البيت، وكل ذلك اختطفه ابن سيدة من كلام ابن جني في الخصائص: ١/ ٢٢٠، ثم انظر أيضا شرح الأبيات في الخصائص لابن جني: ١/ ٢١٧، ٢٢١، وهو فصل جيد جدا. [محمود شاكر].
[ ٢٦ ]
ومسّح بالأركان من هو ماسح على طواف الوداع الذي هو آخر الأمر، ودليل المسير الذي هو مقصوده من الشعر. ثم قال:
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا فوصل بذكر مسح الأركان، ما وليه من زمّ الركاب وركوب الرّكبان، ثم دلّ بلفظة «الأطراف» على الصّفة التي يختصّ بها الرّفاق في السّفر، من التصرف في فنون القول وشجون الحديث، أو ما هو عادة المتظرّفين، من الإشارة والتلويح والرّمز والإيماء، وأنبأ بذلك عن طيب النفوس، وقوّة النشاط، وفضل الاغتباط، كما توجبه ألفة الأصحاب وأنسة الأحباب، وكما يليق بحال من وفّق لقضاء العبادة الشريفة ورجا حسن الإياب، وتنسّم روائح الأحبّة والأوطان، واستماع التهاني والتّحايا من الخلّان والإخوان.
ثم زان ذلك كلّه باستعارة لطيفة طبّق فيها مفصل التشبيه، وأفاد كثيرا من الفوائد بلطف الوحي والتنبيه، فصرّح أوّلا بما أومأ إليه في الأخذ بأطراف الأحاديث، من أنهم تنازعوا أحاديثهم على ظهور الرّواحل، وفي حال التوجّه
إلى المنازل، وأخبر بعد بسرعة السير، ووطاءة الظّهر، إذ جعل سلاسة سيرها بهم كالماء تسيل به الأباطح، وكان في ذلك ما يؤكّد ما قبله، لأن الظّهور إذا كانت وطيئة وكان سيرها السّير السهل السريع، زاد ذلك في نشاط الرّكبان، ومع ازدياد النشاط يزداد الحديث طيبا.
ثم قال: «بأعناق المطيّ»، ولم يقل «بالمطيّ»، لأن السرعة والبطء يظهران غالبا في أعناقها، ويبين أمرهما من هواديها وصدورها، وسائر أجزائها تستند إليها في الحركة، وتتبعها في الثّقل والخفّة، ويعبّر عن المرح والنشاط، إذا كانا في أنفسها، بأفاعيل لها خاصّة في العنق والرأس، وتدلّ عليهما بشمائل مخصوصة في المقاديم.
فقل الآن: هل بقيت عليك حسنة تحيل فيها على لفظة من ألفاظها حتى إنّ فضل تلك الحسنة يبقى لتلك اللفظة لو ذكرت على الانفراد، وأزيلت عن موقعها من نظم الشاعر ونسجه وتأليفه وترصيفه، وحتى تكون في ذلك كالجوهرة التي هي، وإن ازدادت حسنا بمصاحبة أخواتها، واكتست بهاء بمضامّة أترابها، فإنها إذا جليت للعين فردة، وتركت في الخيط فذّة، لم تعدم الفضيلة الذاتية، والبهجة التي في نفسها مطويّة والشّذرة من الذهب تراها بصحبة الجواهر لها في القلادة، واكتنافها لها في عنق الغادة، ووصلها بريق جمرتها والتهاب جوهرها، بأنوار تلك الدّرر التي
[ ٢٧ ]
تجاورها، ولألاء اللآلئ تناظرها تزداد جمالا في العين، ولطف موقع من حقيقة الزين. ثم هي إن حرمت صحبة تلك العقائل، وفرّق الدهر الخئون بينها وبين هاتيك النفائس، لم تعر من بهجتها الأصيلة، ولم تذهب عنها فضيلة الذّهبية. كلّا، ليس هذا بقياس الشعر الموصوف بحسن اللفظ، وإن كان لا يبعد أن يتخيّله من لا ينعم النظر، ولا يتمّ التدبّر، بل حقّ هذا المثل أن يوضع في نصرة بعض المعاني (١) الحكمية والتشبيهية بعضا، وازدياد الحسن منها بأن يجامع شكل منها شكلا، وأن يصل الذّكر بين متدانيات في ولادة العقول إياها، ومتجاورات في تنزيل الأفهام لها.
واعلم أن هذه الفصول التي قدّمتها وإن كانت قضايا لا يكاد يخالف فيها من به طرق، فإنه قد يذكر الأمر المتّفق عليه، ليبنى عليه المختلف فيه. هذا وربّ وفاق من موافق قد بقيت عليه زيادات أغفل النظر فيها، وضروب من التلخيص والتهذيب لم يبحث عن أوائلها وثوانيها، وطريقة في العبارة عن المغزى في تلك الموافقة لم يمهّدها، ودقيقة في الكشف عن الحجة على مخالف لو عرض من المتكلفين لم يجدها، حتى تراه يطلق في عرض كلامه ما يبرز به وفاقا في معرض خلاف، ويعطيك إنكارا وقد هم باعتراف، وربّ صديق والاك قلبه، وعاداك فعله، فتركك مكدودا لا تشتفي من دائك بعلاج، وتبقى منه في سوء مزاج.