واعلم أنّ مما اتفق العقلاء عليه، أن «التمثيل» إذا جاء في أعقاب المعاني، أو برزت هي باختصار في معرضه (١)، ونقلت عن صورها الأصلية إلى صورته، كساها أبّهة، وكسبها منقبة، ورفع من أقدارها، وشبّ من نارها، وضاعف قواها في تحريك النّفوس لها، ودعا القلوب إليها، واستثار لها من أقاصي الأفئدة صبابة وكلفا، وقسر الطّباع على أن تعطيها محبّة وشغفا.
فإن كان مدحا، كان أبهى وأفخم، وأنبل في النفوس وأعظم، وأهزّ للعطف،
_________________
(١) يقول إن للتمثيل مظهرين، ويتجلى للأنظار في ثوبين (أحدهما) أن يجيء المعنى ابتداء في صورة التمثيل، وهو النادر القليل. ولكنه على قلته في كلام البلغاء كثير في القرآن العزيز، فمنه قوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا الآية، وقوله بعدها: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ الآية. وقوله ﷿: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً، وقوله ﵎: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا الآية، وقوله: تبارك اسمه أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ الآية. وغير ذلك. (وثانيهما) ما يتأثر المعاني ويجيء في أعقابها لإيضاحها وتقريرها في النفوس وإيداعها التأثير المخصوص، وهو الذي جعله المصنف أولا، مثاله من القرآن قوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ فقد أورده بعد ما قرر أمر التوحيد من أول السورة وشنع على الذين اتخذوا من دونه أولياء يقربونهم إليه زلفى، ونصب الدلائل على نفي هذا الشرك وذكر الجزاء. ومثله من الشعر ما يجيء في ضروب الكلام الآتية. (رشيد).
[ ٨٥ ]
وأسرع للإلف، وأجلب للفرح، وأغلب على الممتدح، وأوجب شفاعة للمادح، وأقضى له بغرّ المواهب والمنائح، وأسير على الألسن وأذكر، وأولى بأن تعلقه القلوب وأجدر (١).
وإن كان ذمّا، كان مسّه أوجع، وميسمه ألذع، ووقعه أشده، وحدّه أحدّ (٢).
وإن كان حجابا، كان برهانه أنور، وسلطانه أقهر، وبيانه أبهر (٣).
_________________
(١) مثاله من القرآن قوله تعالى في وصف الصحابة: وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ ومن الشعر قولنا في المقصورة: وإن قسا وديده لان وإن يكدر عليه راق وردا وصفا يؤمن منه الطيش في شرته والحلم والإغضاء منه يرتجى تواضع عن شمم ورفعة ورقة من غير عجز وونى ألم تر الهواء في رقته ولطفه أوتي شدة القوى يكاد يلمس الثريا رفعه من حيث تلقاه يصافح الثرى والتمثيل في البيتين الأخيرين وهو من النوع الأول، ومنها قول بعضهم: فتى عيش في معروفه بعد موته كما كان بعد السيل مجراه مرتعا (رشيد).
(٢) مثاله من القرآن قوله تعالى في الذي أوتي الآيات فانسلخ منها: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ أي: يخرج لسانه من العطش أو التعب وهو من باب منع، وقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ* وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ومقمحون من أقمح الغل الأسير: ترك رأسه مرفوعا لضيقه، ومن الشعر قوله: رأيتكم تبدون للحرب عدة ولا يمنع الأسلاب منكم مقاتل فأنتم كمثل النخل يشرع شوكه ولا يمنع الخراف ما هو حامل الخراف بالتشديد صيغة مبالغة اسم الفاعل من حرف الثمار إذا جناها ومنه المثل: ولو لبس الحمار ثياب خز لقال الناس يا لك من حمار (رشيد).
(٣) مثاله من القرآن ما تقدم من الآيات في بيان طريقتي التمثيل ومن الشعر قول أبي العتاهية: ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس وقول غيره: ونار لو نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفخ في رماد ومن الأمثال: «إن العوان لا تعلم الخمرة» وهي بكسر المعجمة الهيئة من الخمار والعوان بالفتح النصف من النساء أي التي بين الشابة والعجوز، والمثل يضرب في المجرب العارف المستغني عن التعليم. ومنها كدابغة وقد حلم الأديم، أي: أفسده الحلم وهو بالتحريك دود صغير وقيل: الحلمة الصغيرة من القردان والضخمة ضد. (رشيد).
[ ٨٦ ]
وإن كان افتخارا، كان شأوه أمدّ، وشرفه أجدّ، ولسانه ألدّ (١).
وإن كان اعتذارا، كان إلى القبول أقرب، وللقلوب أخلب، وللسّخائم أسلّ، ولغرب الغضب أفلّ، وفي عقد العقود أنفث، وعلى حسن الرجوع أبعث (٢).
وإن كان وعظا، كان أشفى للصدر، وأدعى إلى الفكر، وأبلغ في التنبيه والزّجر،
_________________
(١) الشأو: السبق والغاية والأمد. وقوله أجد أي: أعظم. والألد: الشديد الخصومة. ما يجيء في القرآن من بيان عظمة الله تعالى وكماله لا يسمى افتخارا ومثال هذا الضرب من الكلام العزيز وإن اختلفت التسمية قوله: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ، سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ومثاله من الشعر قول عبد المطلب: لا ينزل المجد إلا في منازلنا كالنوم ليس له مأوى سوى المقل (رشيد).
(٢) السخائم: الضغائن، وسلها: نزعها واستخرجها، وغرب السيف: حده، وفل السيف: ثلمه، وللنفث في العقد هو النفخ فيها مع إلقاء شيء من الريق عليها لأجل تسهيل حلها. ومنه نفث الراقي في العقدة التي يعقدها ثم يحلها يوهم بذلك الناس أنه أبرم بعقدها رابطة المحبة بين فلان وفلانة وبحلها أنه حل ذلك العقد وأبطل ذلك الارتباط بسحره؟ وإن الكلام البليغ ليفعل بحسن التمثيل في حل عقد العقود ما لا يفعل السحر، وإن من البيان لسحرا. والاعتذار لا يوجد في القرآن إلا حكاية عن أصحاب المعاذير الكاذبة ليكون الاعتذار حجة عليهم فهو اعتذار في الظاهر واحتجاج في المعنى وأثره ما ذكر في الاحتجاج دون ما ذكر هنا كقوله تعالى: وَقالُوا: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ وأما أمثلته في الشعر فكثيرة منها: لا تحسبوا أن رقصي بينكم طرب فالطير يرقص مذبوحا من الألم ومنها في الاعتذار عن صدود الحبيب: بأبي حبيبا زارني في غفلة فبدا الوشاة له قولي معرضا فكأنني وكأنه وكأنهم أمل ونيل حال بينهما القضا ومن الاعتذار بذكر التمثيل ما وقع لأبي تمام في قصيدة يمدح بها أحمد بن المعتصم قيل: إنه كان ينشده إياها فبلغ قوله: إقدام عمرو في سماحة حاتم في حلم أحنف في ذكاء إياس فلامه بعض الناس قائلا: قد شبهت ابن عم النبي ﷺ بأجلاف العرب (أو ما هذا معناه) فأطرق هنيهة وقال ولم يكونا من القصيدة: لا تنكروا ضربي له من دونه مثلا شرودا في الندى والباس فالله قد ضرب الأقل لنوره مثلا من المشكاة والنبراس وعمرو هذا هو ابن جابر بن هلال الفزاري ويقال العمران له ولبدر بن عمرو بن جؤبة الفزاري- ومما يصلح للاعتذار من الأمثال قولهم: «كل امرئ في بيته صبي» يعتذر به عن الدعابة والاسترسال في المباسطة في الخلوة وقولهم: «لو ترك القطا ليلا لنام». (رشيد).
[ ٨٧ ]
وأجدر بأن يجلّي الغياية (١)، ويبصّر الغاية، ويبرئ العليل، ويشفي الغليل (٢).
وهكذا الحكم إذا استقريت فنون القول وضروبه، وتتبّعت أبوابه وشعوبه (٣).
_________________
(١) الغياية بياءين مثناتين: كل ما أظلك من فوق رأسك كالسحاب ونحوه.
(٢) مثاله من القرآن الكريم قوله تعالى في وصف نعيم الدنيا: كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا الكفار الزراع لأنهم يكفرون الحب أي: يسترونه بالتراب، وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ الآية. وقوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا وقوله ﷿: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ، وقوله سبحانه: فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ، وقوله: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ، وقوله في الآية الأخرى: كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ، وقوله في تمثيل من يحبط عمله الصالح بالإيذاء أو الرياء: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ، وفي معناه قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ. ومن الأمثال حديث: «إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» وحديث: «حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات»، ومن الشعر قول ابن النبيه: الناس للموت كخيل الطراد فالسابق السابق منها الجواد وقول غيره: وغير تقي يأمر الناس بالتقى طبيب يداوي والطبيب مريض (رشيد).
(٣) يشير المصنف إلى سائر مناحي الكلام كالغزل والرثاء والوصف والشكوى وهي مع الذي ذكر وشائج متشابكة، وأمشاج متمازجة. وأعمها الوصف فهو الطويل الذيل، المتدفق السيل، ومن أمثلته في القرآن قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ومثله قوله تعالى: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي الآية. ومنها قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها ، وقوله بعده: وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ وهكذا الحق يثبت والباطل يزهق. ومن ذلك الرؤى فإنها تمثيل الواقع الذي تعبر به كالرؤى المذكورة في سورة يوسف ﵇. ومثاله من الشعر قول ابن النبيه: والليل تجري الدراري في بحرته كالروض تطفو على نهر أزاهره وقول بعضهم في وصف الكأس يعلوها الحباب والساقي. (أو هذا من تعدد التشبيه): وكأنها وكأن حامل كأسها إذ قام يجلوها على الندماء
[ ٨٨ ]
وإن أردت أن تعرف ذلك وإن كان تقلّ الحاجة فيه إلى التعريف، ويستغنى في
_________________
(١) شمس الضحى رقصت فنقط وجهها بدر الدجى بكواكب الجوزاء وفي وصف الأمير والجيش: يهز الجيش حولك جانبيه كما نفضت جناحيها العقاب ومنه قولنا في المقصورة في وصف الرفاق: لم تختلف في مبتدأ مسألة إلا وكان للوفاق المنتهى كمن على المحيط من دائرة أنى تفارقا فبعد ملتقى وقولنا منه في وصف روضة: والشمس تبدو من خلال دوحها آونة تخفى وطورا تجتلى كغادة وضاحة قد تلعت من خلل السجوف ترنو والكوى تلقى على الروض تثير عسجد فتحسب الروض عروسا تجتلى وقولنا منها: والباسقات رفعت أكفها تستنزل الغيث وتطلب الندى ثبت في العلوم الطبيعية أن الأشجار تكون سببا لنزول المطر فمثلت هنا بحال المستسقين يجاب دعاؤهم. ويليه قولنا: تمتلج الكربون من ضرع الهوا تؤثرنا بالأكسجين المنتقى ومعناه أن الأشجار الباسقة ترضع غاز الكربون وتمتصه من الهواء تتغذى به وهو سام لنا وتترك لنا أكسجين الهواء المطهر للدم في أبداننا باستنشاقنا له في الهواء فمثلت بحال ما يضر الناس ويؤثرهم بما ينفعهم. وقول ابن دريد في وصف النوق: يرسبن في بحر الدجى بالضحى يطفون في الآل إذا الآل طفا ومن أحسن ما يدخل في التمثيل باب الغراميات قول المجنون: وقد كنت أعلو حب ليلى فلم يزل بي النقص والإبرام حتى علانيا وقوله: كأن القلب ليلة قيل يغدى بليلى العامرية أو يراح قطاة عزها شرك فباتت تجاذبه وقد علق الجناح وقول بعضهم: ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت وقع السهام ونزعهن أليم وقول الآخر: إني وإياك كالصادي رأى نهلا ودونه هوة يخشى بها التلفا رأى بعينيه ماء عز مورده وليس يملك دون الماء منصرفا ومن الأمثال التي تدخل من باب الشكوى: «ليس لها راع ولكن حلبة» حلبة بالتحريك جمع حالب، والمثل يضرب للأمة المظلومة. «ولو كويت على داء لم أكره» ويضرب لمن يعاقب غير ذنب. «سال بهم وجاش بنا البحر». (رشيد).
[ ٨٩ ]
الوقوف عليه عن التوقيف فانظر إلى نحو قول البحتري (١): [من الكامل]
دان على أيدي العفاة، وشاسع عن كل ندّ في النّدى وضريب
كالبدر أفرط في العلوّ وضوءه للعصبة السّارين جدّ قريب
وفكّر في حالك وحال المعنى معك، وأنت في البيت الأول لم تنته إلى الثاني ولم تتدبّر نصرته إيّاه، وتمثيله له فيما يملي على الإنسان عيناه، ويؤدّي إليه ناظراه، ثم قسهما على الحال وقد وقفت عليه، وتأمّلت طرفيه، فإنك تعلم بعد ما بين حالتيك، وشدّة تفاوتهما في تمكّن المعنى لديك، وتحبّبه إليك، ونبله في نفسك، وتوفيره لأنسك، وتحكم لي بالصدق فيما قلت، والحقّ فيما ادّعيت وكذلك فتعهّد الفرق بين أن تقول: «فلان يكدّ نفسه في قراءة الكتب ولا يفهم منها شيئا» وتسكت، وبين أن تتلو الآية، وتنشد نحو قول الشاعر (٢): [من الطويل]
زوامل للأشعار لا علم عندهم بجيّدها إلّا كعلم الأباعر
لعمرك ما يدرى البعير إذا غدا بأوساقه أو راح، ما في الغرائر
والفصل بين أن تقول: «أرى قوما لهم بهاء ومنظر، وليس هناك مخبر، بل في الأخلاق دقّة، وفي الكرم ضعف وقلّة» وتقطع الكلام، وبين أن تتبعه نحو قول الحكيم: «أما البيت فحسن، وأما السّاكن فرديء»، وقول ابن لنكك (٣): [من المنسرح]
في شجر السرو منهم مثل له رواء وما له ثمر
وقول ابن الرّومي (٤): [من الخفيف]
فغدا كالخلاف يورق للعي ن ويأبى الإثمار كلّ الإباء
_________________
(١) البيتان في ديوانه، الضريب: المثل والنظير (راجع هامش رقم ٤ ص ١٠١).
(٢) البيتان لمروان بن سليمان بن يحيى بن أبي حفصة. يهجو قوما من رواة الشعر، وهو في دلائل الإعجاز: ٢٥٤، والكامل للمبرد، واللسان (زمل). الزوامل: جمع زاملة: بعير يستظهر به الرجل يحمل عليه متاعه وطعامه. الأوساق: جمع وسق، وهو الحمل. الغرائر: جمع الغرارة: الجوالق.
(٣) البيت هو أحد ثلاثة أبيات ذكرها الثعالبي في يتيمة الدهر ٢/ ٣٢٣، قال: لا تخدعنك اللّحى ولا الصور تسعة أعشار من ترى بقر تراهم كالسحاب منتشرا وليس فيه لطالب مطر في شجر .. والسّرو: شجر، واحدته سروة.
(٤) البيت في ديوانه: والخلاف: الصفصاف، وهو بأرض العرب كثير، ويسمى السّوحر وهو شجر عظام وأصنافه كثيرة، وكلها خوّار خفيف. [لسان العرب: خلف].
[ ٩٠ ]
وقول الآخر: [من الطويل]
فإن طرّة راقتك فانظر فربّما أمرّ مذاق العود والعود أخضر (١)
وانظر إلى المعنى في الحالة الثانية كيف يورق شجره ويثمر، ويفترّ ثغره ويبسم، وكيف تشتار الأري من مذاقته، كما ترى الحسن في شارته.
وأنشد قول ابن لنكك: [من البسيط]
إذا أخو الحسن أضحى فعله سمجا رأيت صورته من أقبح الصور (٢)
وتبيّن المعنى واعرف مقداره، ثم أنشد البيت بعده:
وهبك كالشّمس في حسن، ألم ترنا نفرّ منها إذا مالت إلى الضّرر
وانظر كيف يزيد شرفه عندك؟.
وهكذا فتأمّل بيت أبي تمام: [من الكامل]
وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود (٣)
مقطوعا عن البيت الذي يليه، والتّمثيل الذي يؤدّيه، واستقص في تعرّف قيمته، على وضوح معناه وحسن بزّته، ثم أتبعه إياه:
لولا اشتعال النّار فيما جاورت ما كان يعرف طيب عرف العود
وانظر هل نشر المعنى تمام حلّته، وأظهر المكنون من حسنه، وزينته، وعطّرك بعرف عوده، وأراك النضرة في عوده، وطلع عليك من طلع سعوده، واستكمل فضله في النفس ونبله، واستحقّ التقديم كلّه، إلا بالبيت الأخير، وما فيه من التمثيل والتصوير؟.
وكذلك فرق في بيت المتنبي: [من الوافر]
ومن يك ذا فم مرّ مريض يجد مرّا به الماء الزّلالا (٤)
_________________
(١) البيت في دلائل الإعجاز ص ٥٥٥، غير معروف قائله. والطّرّة: طرة المزادة والثوب: علمها، وقيل: طرة الثوب موضع هدبه، وهي حاشيته التي لا هدب لها، وطرة الجارية: أن يقطع لها في مقدّم ناصيتها كالعلم أو كالطرة تحت التاج، والجمع: طرر وطرار.
(٢) هذا البيت والذي بعده في يتيمة الدهر ٢/ ٢٣٠.
(٣) البيت والذي يليه هما في ديوانه (أ) ص ٢٧٧ (ب) ١/ ٤٠٠. والعمدة ٢/ ١٦٧، سر الفصاحة ١٣٥، المثل السائر ٣/ ٢٤، الإيضاح ٣٣٠، الطراز ١/ ١٩١، الإتقان ٤/ ٢٥٨، معاهد التنصيص ١/ ١٤٢، أخبار أبي تمام للصولي ٧٧، نهاية الأرب ٣/ ٩٦، المصباح ١١٣.
(٤) البيت في ديوانه، والتبيان ص ١٨٣. الزلال: الذي نزل في الحلق لعذوبته مثل السلسال. (المعنى):
[ ٩١ ]
لو كان سلك بالمعنى الظاهر من العبارة كقولك: «إن الجاهل الفاسد الطبع يتصوّر المعنى بغير صورته، ويخيّل
إليه في الصواب أنه خطأ»، هل كنت تجد هذه الروعة، وهل كان يبلغ من وقم الجاهل ووقذه، وقمعه وردعه والتهجين له والكشف عن نقصه، ما بلغ التمثيل في البيت، وينتهي إلى حيث انتهى؟.
وإن أردت اعتبار ذلك في الفنّ الذي هو أكرم وأشرف، فقابل بين أن تقول:
«إن الذي يعظ ولا يتّعظ يضرّ بنفسه من حيث ينفع غيره»، وتقتصر عليه وبين أن تذكر المثل فيه على ما جاء في الخبر من أن النبي ﷺ قال: «مثل الّذي يعلّم الخير ولا يعمل به، مثل السّراج الذي يضيء للناس ويحرق نفسه»، ويروي: «مثل الفتيلة تضيء للناس وتحرق نفسها» (١).
وكذا فوازن بين قولك للرجل تعظه: «إنك لا تجزى السيئة حسنة، فلا تغرّ نفسك» وتمسك، وبين أن تقول في أثره: «إنك لا تجني من الشّوك العنب، وإنما تحصد ما تزرع»، وأشباه ذلك.
وكذا بين أن تقول: «لا تكلّم الجاهل بما لا يعرفه» ونحوه، وبين أن تقول:
«لا تنثر الدّرّ قدّام الخنازير» أو: «لا تجعل الدّرّ في أفواه الكلاب»، وتنشد نحو قول الشافعي ﵀:
أأنثر درّا بين سارحة الغنم (٢) وكذا بين أن تقول: «الدنيا لا تدوم ولا تبقى»، وبين أن تقول: «هي ظلّ زائل، وعاريّة تستردّ، ووديعة تسترجع»، وتذكر قول النبي ﷺ: «من في الدنيا ضيف وما في يديه عاريّة، والضيف مرتحل، والعاريّة مؤدّاة»، وتنشد قول لبيد: [من الطويل]
_________________
(١) هذا مثل ضربه يقول مثلهم كمثل المريض الذي يجد الماء الزلال مرّا من مرارة فيه، يقول: هم يذموني لنقصهم وقلّة معرفتهم بي وبفضلي وبشعري، فالنقص فيهم لا فيّ، ولو صحت حواسهم لعرفوا فضلي، ولقد جود في هذا المعنى لأن المريض يجد كل حلو في فيه مرّا نقصا، فالمرارة من فمه لا من الشيء يدخله، وإنما العيب منه لا من الدواء، فأبو الطيب والأعداء كذلك، وهو من قول الحكيم النفس الكريمة ترى الأشياء كذلك. [التبيان ٢/ ١٨٤].
(٢) بهذا اللفظ رواه الطبراني في معجمه الكبير عن أبي برزة بسند حسن. (رشيد).
(٣) تمام البيت: وأنظم منثورا لراعية الغنم. وهي أبيات قالها بمصر في أثر مجيئه إليها لما كلمه بعض أصحاب مالك، وآخرها: فمن منح الجهال علما أضاعه ومن منع المستوجبين فقد ظلم رواها السبكي في طبقات الشافعية ١/ ٢٩٤.
[ ٩٢ ]
وما المال والأهلون إلّا وديعة ولا بدّ يوما أن تردّ الودائع (١)
وقول الآخر: [من الرمل]
إنّما نعمة قوم متعة وحياة المرء ثوب مستعار (٢)
فهذه جملة من القول تخبر عن صيغ «التمثيل» وتخبر عن حال المعنى معه.
فأما القول في العلّة والسبب، لم كان للتمثيل هذا التأثير؟ وبيان جهته ومأتاه، وما الذي أوجبه واقتضاه، فغيرها.
وإذا بحثنا عن ذلك، وجدنا له أسبابا وعللا، كلّ منها يقتضي أن يفخم المعنى بالتمثيل، وينبل ويشرف ويكمل.
فأوّل ذلك وأظهره، أنّ أنس النفوس موقوف على أن تخرجها من خفيّ إلى جليّ، وتأتيها بصريح بعد مكنّى، وأن تردّها في الشيء تعلّمها إياه إلى شيء آخر هي بشأنه أعلم، وثقتها به في المعرفة أحكم نحو أن تنقلها عن العقل إلى الإحساس وعما يعلم بالفكر إلى ما يعلم بالاضطرار والطبع، لأن العلم المستفاد من طرق الحواسّ أو المركوز فيها من جهة الطبع وعلى حدّ الضرورة، يفضل المستفاد من جهة النّظر والفكر في القوة والاستحكام، وبلوغ الثقة فيه غاية التمام، كما قالوا:
«ليس الخبر كالمعاينة» (٣)، و«لا الظنّ كاليقين»، فلهذا يحصل بها العلم هذا الأنس أعني الأنس من جهة الاستحكام والقوة.
_________________
(١) البيت في ديوانه: ص ٨١، من قصيدة في رثاء أخيه، وفي الشعر والشعراء ١/ ٢٧٩، والإيضاح ٢٠٤، ولسان العرب ٤/ ٦٠٣ [عمر]، وتاج العروس [سمم].
(٢) البيت للأفوه الأودي في ديوانه، وفي الطرائف الأدبية للراحكوتي، والحماسة البصرية. والأفوه: لقب، واسمه صلاءة بن عمرو بن مالك بن عوف بن الحارث بن عوف بن منبّه بن أود بن الصعب بن سعد العشيرة، وكان يقال لأبيه عمرو بن مالك فارس الشوهاء. [الأغاني ١٢/ ١٦٩].
(٣) هذه الجملة حديث نبوي رواه الطبراني في الأوسط والخطيب عن أبي هريرة ورويناه مسلسلا بالأشراف عن شيخنا أبي المحاسن القاوقجي، ولا أذكر له رواية بزيادة ولا الظن كاليقين ورواه أحمد والحاكم والطبراني في الأوسط بسند صحيح عن ابن عباس بزيادة «إن الله تعالى أخبر موسى بما صنع قومه في العجل فلم يلق الألواح فلما عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت». (رشيد).
[ ٩٣ ]
وضرب آخر من الأنس، وهو ما يوجبه تقدّم الإلف، كما قيل (١): [من الكامل] ما الحبّ إلّا للحبيب الأوّل ومعلوم أن العلم الأوّل أتى النفس أوّلا من طريق الحواسّ والطباع، ثم من جهة النظر والرّويّة، فهو إذن أمسّ بها رحما، وأقوى لديها ذمما، وأقدم لها صحبة، وآكد عندها حرمة وإذ نقلتها في الشيء بمثله عن المدرك بالعقل المحض
وبالفكرة في القلب، إلى ما يدرك بالحواسّ أو يعلم بالطّبع، وعلى حدّ الضرورة، فأنت إذن مع الشاعر وغير الشاعر إذا وقع المعنى في نفسك غير ممثّل ثم مثّله كمن يخبر عن شيء من وراء حجاب، ثم يكشف عنه الحجاب ويقول: «ها هو ذا، فأبصر تجده على ما وصفت».
فإن قلت: إن الأنس بالمشاهدة بعد الصفة والخبر، إنما يكون لزوال الرّيب والشكّ في الأكثر، أفتقول: إن التمثيل إنما أنس به، لأنه يصحّح المعنى المذكور والصفة السابقة، ويثبت أن كونها جائز ووجودها صحيح غير مستحيل، حتى لا يكون تمثيل إلا كذلك؟.
فالجواب: إن المعاني التي يجيء «التمثيل» في عقبها على ضربين:
غريب بديع يمكن أن يخالف فيه، ويدّعى امتناعه واستحالة وجوده، وذلك نحو قوله: [من الوافر]
فإن تفق الأنام وأنت منهم فإنّ المسك بعض دم الغزال (٢)
وذلك أنه أراد أنه فاق الأنام وفاتهم إلى حدّ بطل معه أن يكون بينه وبينهم مشابهة ومقاربة، بل صار كأنه أصل بنفسه وجنس برأسه. وهذا أمر غريب، وهو أن يتناهى بعض أجزاء الجنس في الفضائل الخاصّة به إلى أن يصير كأنه ليس من ذلك
_________________
(١) البيت لأبي تمام في ديوانه، وصدره: نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى وهو في الإيضاح ٢٠٥، ودلائل الإعجاز: ٤٩٥، كما نسبه ابن جني في كتاب الخصائص للطائي الكبير ص ١١٧.
(٢) البيت للمتنبي في ديوانه، وفي التبيان ص ٣١، والمعنى: يقول إن فضلت الناس وأنت من جملتهم فقد يفضل بعض الشيء الكل جملة كالمسك، وهو بعض دم الغزال، يفضله فضلا كثيرا والمعنى: إن فاق الأنام وهو منهم وفضلهم مع مشاركته في الجنس لهم فالمسك من دم الغزلان في أصله وسائر دم الحيوان يقصر عنه. ورب واحد قد بذّ أمة وبعض قد فات جملة.
[ ٩٤ ]
الجنس، وبالمدّعي له حاجة إلى أن يصحّح دعواه في جواز وجوده على الجملة إلى أن يجيء إلى وجوده في الممدوح. فإذا قال: «فإن المسك بعض دم الغزال»، فقد احتجّ لدعواه، وأبان أن لما ادّعاه أصلا في الوجود، وبرّأ نفسه من ضعة الكذب، وباعدها من سفه المقدم على غير بصيرة، والمتوسّع في الدعوى من غير بيّنة. وذلك أن المسك قد خرج عن صفة الدم وحقيقته، حتى لا يعدّ في جنسه، إذ لا يوجد في الدم شيء من أوصافه الشريفة الخاصة بوجه من الوجوه، لا ما قلّ ولا ما كثر، ولا في المسك شيء من الأوصاف التي كان لها الدم دما البتة.
والضرب الثاني: أن لا يكون المعنى الممثّل غريبا نادرا يحتاج في دعوى كونه على الجملة إلى بيّنة وحجّة وإثبات. نظير ذلك أن تنفي عن فعل من الأفعال التي يفعلها الإنسان الفائدة، وتدّعي أنه لا يحصل منه على طائل، ثم تمثّله في ذلك بالقابض على الماء والرّاقم فيه، فالذي مثّلت ليس بمنكر مستبعد، إذ لا ينكر خطأ الإنسان في فعله أو ظنّه وأمله وطلبه. ألا ترى أن المغزى من قوله (١): [من الطويل]
فأصبحت من ليلى الغداة كقابض على الماء خانته فروج الأصابع (٢)
أنّه قد خاب في ظنّه أن يتمتّع بها ويسعد بوصلها، وليس بمنكر ولا عجيب ولا ممتنع في الوجود، خارج من المعروف المعهود، أن يخيب ظنّ الإنسان في أشباه هذا من الأمور، حتى يستشهد على إمكانه، وتقام البيّنة على صدق المدّعي لوجدانه.
وإذا ثبت أن المعاني الممثّلة تكون على هذين الضربين، فإن فائدة «التمثيل» وسبب الأنس في الضرب الأول بيّن لائح، لأنه يفيد فيه الصّحة وينفي الرّيب والشكّ، ويؤمن صاحبه من تكذيب المخالف، وتهجّم المنكر، وتهكّم المعترض، وموازنته بحالة كشف الحجاب عن الموصوف المخبر عنه حتى يرى ويبصر، ويعلم كونه على ما أثبتته الصّفة عليه موازنة ظاهرة صحيحة.
وأمّا الضرب الثاني: فإن «التمثيل» وإن كان لا يفيد فيه هذا الضرب من الفائدة، فهو يفيد أمرا آخر يجري مجراه. وذلك أن الوصف كما يحتاج إلى إقامة الحجة على صحة وجوده في نفسه، وزيادة التثبيت والتقرير في ذاته وأصله، فقد يحتاج إلى بيان المقدار فيه، ووضع قياس من غيره يكشف عن حدّه ومبلغه في القوة والضعف والزيادة والنقصان. وإذا أردت أن تعرف ذلك، فانظر أوّلا إلى التشبيه
_________________
(١) وفي نسخة: المغزى في قوله.
(٢) البيت في الإيضاح ص ٢٢١.
[ ٩٥ ]
الصريح الذي ليس بتمثيل، كقياس الشيء على الشيء في اللون مثلا: «كحنك الغراب» (١)، تريد أن تعرّف مقدار الشدة، لا أن تعرّف نفس السواد على الإطلاق.
وإذا تقرر هذا الأصل، فإن الأوصاف التي يردّ السامع فيها بالتمثيل من العقل إلى العيان والحسّ، وهي في أنفسها معروفة مشهورة صحيحة لا تحتاج إلى الدلالة على أنها هل هي ممكنة موجودة أم لا فإنّها وإن غنيت من
هذه الجهة عن التمثيل بالمشاهدات والمحسوسات، فإنها تفتقر إليه من جهة المقدار، لأن مقاديرها في العقل تختلف وتتفاوت. فقد يقال في الفعل: إنه من حال الفائدة على حدود مختلفة في المبالغة والتوسط، فإذا رجعت إلى ما تبصر وتحسّ عرفت ذلك بحقيقته، وكما يوزن بالقسطاس، فالشاعر لمّا قال:
كقابض على الماء خانته فروج الأصابع أراك رؤية لا تشكّ معها ولا ترتاب أنه بلغ في خيبة ظنّه وبوار سعيه إلى أقصى المبالغ، وانتهى فيه إلى أبعد الغايات، حتى لم يحظ لا بما قلّ ولا ما كثر.
فهذا هو الجواب. ونحن (٢) بنوع من التسهّل والتسامح، نقع على أن الأنس الحاصل بانتقالك في الشيء عن الصفة والخبر إلى العيان ورؤية البصر، ليس له سبب سوى زوال الشكّ والرّيب.
فأما إذا رجعنا إلى التحقيق: فإنّا نعلم أن المشاهدة تؤثّر في النفوس مع العلم بصدق الخبر، كما أخبر الله تعالى عن إبراهيم ﵊ في قوله: قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [سورة البقرة: ٢٦٠]، والشواهد في ذلك كثيرة، والأمر فيه ظاهر، ولولا أن الأمر كذلك، لما كان لنحو قول أبي تمام: [من الطويل]
وطول مقام المرء في الحيّ مخلق لديباجتيه فاغترب تتجدّد
فإنّي رأيت الشّمس زيدت محبّة إلى النّاس أن ليست عليهم بسرمد (٣)
معنى، وذلك أنّ هذا التجدّد لا معنى له، إذا كانت الرؤية لا تفيد أنسا من حيث هي رؤية، وكان الأنس لنفيها الشّكّ والرّيب، أو لوقوع العلم بأمر زائد لم يعلم من قبل.
_________________
(١) حنك الغراب بالتحريك: منقاره أو سواده قالهما (رشيد).
(٢) الجملة حالية.
(٣) البيتان في ديوانه، وهما في الإيضاح ٢٠٤. وكذلك في الإشارات والتنبيهات ١٧٢، والبيت الأول في دلائل الإعجاز ٤٩٨، بزيادة واو في صدره، وهما من قصيدة يمدح بها يوسف الطائي مطلعها: سرت تستجير الدمع خوف نوى غد وعاد قتادا عندها كلّ مرقد
[ ٩٦ ]
وإذا كان الأمر كذلك، فأنت إذا قلت للرجل: «أنت مضيع للحزم في سعيك، ومخطئ وجه الرشاد، وطالب لما لا تناله»، إذا كان الطّلب على هذه الصفة ومن هذه الجهة، ثم عقّبته بقولك: «وهل يحصل في كفّ القابض على الماء شيء مما يقبض عليه؟». فلو تركنا حديث تعريف المقدار في الشدة والمبالغة ونفي الفائدة من أصلها جانبا بقي لنا ما تقتضيه الرّؤية للموصوف على ما وصف عليه من الحالة المتجدّدة، مع العلم بصدق الصفة.
يبيّن ذلك، أنه لو كان الرجل مثلا على طرف نهر في وقت مخاطبة صاحبه وإخباره له بأنه لا يحصل من سعيه على شيء، فأدخل يده في الماء وقال: «انظر هل حصل في كفّي من الماء شيء؟ فكذلك أنت في أمرك». كان لذلك ضرب من التأثير زائد على القول والنطق بذلك دون الفعل.
ولو أن رجلا أراد أن يضرب لك مثلا في تنافي الشيئين فقال: «هذا وذاك هل يجتمعان؟»، وأشار إلى ماء ونار حاضرين، وجدت لتمثيله من التأثير ما لا تجده إذا أخبرك بالقول فقال: «هل يجتمع الماء والنار؟». وذلك الذي تفعل المشاهدة من التحريك للنفس، والذي يجب بها من تمكّن المعنى في القلب إذا كان مستفاده من العيان، ومتصرّفه حيث تتصرّف العينان وإلّا فلا حاجة بنا في معرفة أن الماء والنار لا يجتمعان إلى ما يؤكده من رجوع إلى مشاهدة واستيثاق تجربة.
وممّا يدلّك على أن «التمثيل» بالمشاهدة يزيدك أنسا، وإن لم يكن بك حاجة إلى تصحيح المعنى، أو بيان لمقدار المبالغة فيه، أنك قد تعبّر عن المعنى بالعبارة التي تؤدّيه، وتبالغ وتجتهد حتى لا تدع في النفوس منزعا، نحو أن تقول وأنت تصف اليوم بالطول: «يوم كأطول ما يتوهّم» و«كأنّه لا آخر له»، وما شاكل ذلك من نحو قوله: [من البسيط]
في ليل صول تناهى العرض والطّول كأنّما ليله باللّيل موصول (١)
فلا تجد له من الأنس ما تجده لقوله: [من الطويل] ويوم كظلّ الرّمح قصّر طوله (٢)
_________________
(١) البيت لحندج بن حندج المري.
(٢) البيت هو لشبرمة بن الطفيل، وتمامه: دم الزّقّ عنّا واصطفاق المزاهر
[ ٩٧ ]
على أن عبارتك الأولى أشدّ وأقوى في المبالغة من هذا، فظلّ الرّمح على كل حال متناه تدرك العين نهايته، وأنت قد أخبرت عن اليوم بأنه كأنه لا آخر له، وكذلك تقول: «يوم كأقصر ما يتصوّر» و«كأنّه ساعة» و«كلمح البصر» و«كلا ولا»، فتجد هذا، مع كونه تمثيلا، لا يؤنسك إيناس قولهم: «أيام كأباهيم القطا»، وقول ابن المعتزّ: [من الكامل]
بدّلت من ليل كظلّ حصاة ليلا كظلّ الرمح غير موات (١)
وقول آخر: [من الوافر]
ظللنا عند باب أبي نعيم بيوم مثل سالفة الذّباب (٢)
وكذا تقول: «فلان إذا همّ بالشيء لم يزل ذاك عن ذكره وقلبه، وقصر خواطره على إمضاء عزمه، ولم يشغله شيء عنه»، فتحتاط للمعنى بأبلغ ما يمكن، ثم لا ترى في نفسك له هزّة، ولا تصادف لما تسمع أريحيّة، وإنما تسمع حديثا ساذجا وخبرا غفلا، حتى إذا قلت: [من الطويل] إذا همّ ألقى بين عينيه عزمه (٣) امتلأت نفسك سرورا وأدركتك طربة كما يقول القاضي أبو الحسن لا تملك دفعها عنك. ولا تقل إن ذلك لمكان الإيجاز، فإنه وإن كان يوجب شيئا منه، فليس الأصل له، بل لأن أراك العزم واقعا بين العينين، وفتح إلى مكان المعقول من قلبك بابا من العين.
وهاهنا، إذا تأمّلنا، مذهب آخر في بيان السبب الموجب لذلك، هو ألطف مأخذا، وأمكن في التحقيق، وأولى بأن يحيط بأطراف الباب. وهو أنّ لتصوير الشبه
_________________
(١) البيت هو في ديوانه.
(٢) البيت هو في الأزمنة والأمكنة غير منسوب. والسّالفة: أعلى العنق، وقيل: ناحية مقدّم العنق من لدن معلّق القرط إلى قلت الترقوة، والسالف: أعلى العنق، وقيل هي ناحيته من معلق القرط إلى الحاقنة، وحكى اللحياني: إنها لوضاحة السوالف، جعلوا كل جزء منها سالفة. [لسان العرب: سلف].
(٣) البيت لسعد بن ناسب المازني، وتمامه: ونكّب عن ذكر العواقب جانبا في شرح الحماسة ١/ ٣٥، وانظر دلائل الإعجاز ٢٢٠، تحقيق محمود شاكر- طبعة المدني.
[ ٩٨ ]
من الشيء في غير جنسه وشكله، والتقاط ذلك له من غير محلّته، واجتلابه إليه من الشّقّ البعيد، بابا آخر من الظّرف واللّطف، ومذهبا من مذاهب الإحسان لا يخفى موضعه من العقل.
وأحضر شاهدا لك على هذا: أن تنظر إلى تشبيه المشاهدات بعضها ببعض، فإن التشبيهات سواء كانت عامّية مشتركة، أم خاصيّة مقصورة على قائل دون قائل تراها لا يقع بها اعتداد، ولا يكون لها موقع من السامعين، ولا تهزّ ولا تحرّك حتى يكون الشبه مقرّرا بين شيئين مختلفين في الجنس، فتشبيه العين بالنّرجس، عامّيّ مشترك معروف في أجيال الناس، جار في جميع العادات، وأنت ترى بعد ما بين العينين وبينه من حيث الجنس وتشبيه الثريّا بما شبّهت به من عنقود الكرم المنوّر، واللجام المفضّض، والوشاح المفصّل، وأشباه ذلك، خاصّيّ، والتباين بين المشبّه والمشبّه به في الجنس على ما لا يخفى.
وهكذا إذا استقريت التشبيهات، وجدت التباعد بين الشيئين كلما كان أشدّ، كانت إلى النفوس أعجب، وكانت النفوس لها أطرب، وكان مكانها إلى أن تحدث الأريحيّة أقرب. وذلك أن موضع الاستحسان، ومكان الاستظراف، والمثير للدفين من الارتياح، والمتألّف للنافر من المسرة، والمؤلّف لأطراف البهجة أنك ترى بها الشيئين مثلين متباينين، ومؤتلفين مختلفين، وترى الصورة الواحدة في السماء ولأرض، وفي خلقة الإنسان وخلال الروض، وهكذا، طرائف تنثال عليك إذا فصّلت هذه الجملة، وتتبّعت هذه اللّحمة. ولذلك تجد تشبيه البنفسج في قوله: [من البسيط]
ولازورديّة تزهو بزرقتها بين الرّياض على حمر اليواقيت
كأنّها فوق قامات ضعفن بها أوائل النار في أطراف كبريت (١)
أغرب وأعجب وأحقّ بالولوع وأجدر من تشبيه النرجس: «بمداهن درّ حشوهن عقيق»، لأنه أراك شبها لنبات غضّ يرفّ، وأوراق رطبة ترى الماء منها يشفّ، بلهب نار في جسم مستول عليه اليبس، وباد فيه الكلف.
_________________
(١) البيتان لابن المعتز في الإيضاح (تحقيق د. عبد الحميد هنداوي) والتبيان ١/ ٢٧٣ تحقيق الدكتور عبد الحميد أيضا، والعلوي في الطراز ١/ ٢٦٧، ويرجح الدكتور محمود شاكر أنهما للزاهي أبي القاسم علي بن إسماعيل بن خلف البغدادي، كما نسبهما إليه أيضا ابن خلكان في ترجمته ٣/ ٣٧٢. اللازوردية: البنفسجية، نسبة إلى اللازورد، وهو حجر نفيس.
[ ٩٩ ]
ومبنى الطباع وموضوع الجبلّة، على أن الشيء إذا ظهر من مكان لم يعهد ظهوره منه، وخرج من موضع ليس بمعدن له، كانت صبابة النفوس به أكثر، وكان بالشّغف منها أجدر. فسواء في إثارة التعجّب، وإخراجك إلى روعة المستغرب، وجودك الشيء من مكان ليس من أمكنته، ووجود شيء لم يوجد ولم يعرف من أصله في ذاته وصفته. ولو أنه شبّه البنفسج ببعض النبات، أو صادف له شبها في شيء من المتلوّنات، لم تجد له هذه الغرابة، ولم ينل من الحسن هذا الحظ.
وإذا ثبت هذا الأصل، وهو أنّ تصوير الشّبه بين المختلفين في الجنس، مما يحرّك قوى الاستحسان، ويثير الكامن من الاستظراف، فإن «التمثيل» أخصّ شيء بهذا الشأن، وأسبق جار في هذا الرهان، وهذا الصّنيع صناعته التي هو الإمام فيها، والبادئ لها والهادي إلى كيفيتها، وأمره في ذلك أنك إذا قصدت ذكر ظرائفه، وعدّ محاسنه في هذا المعنى، والبدع التي يخترعها بحذقه، والتأليفات التي يصل إليها برفقه، ازدحمت عليك، وغمرت جانبيك، فلم تدر أيّها تذكر، ولا عن أيّها تعبّر، كما قال: [من الرجز]
إذا أتاها طالب يستامها تكاثرت في عينه كرامها (١)
وهل تشكّ في أنه يعمل عمل السحر في تأليف المتباينين حتى يختصر لك بعد ما بين المشرق والمغرب، ويجمع ما بين المشئم والمعرق. وهو يريك للمعاني الممثّلة بالأوهام شبها في الأشخاص الماثلة، والأشباح القائمة، وينطق لك الأخرس، ويعطيك البيان من الأعجم، ويريك الحياة في الجماد، ويريك التئام عين الأضداد، فيأتيك بالحياة والموت مجموعين، والماء والنار مجتمعين، كما يقال في الممدوح هو حياة لأوليائه، موت لأعدائه، ويجعل الشيء من جهة ماء، ومن أخرى نارا، كما يقال: [من الخفيف]
أنا نار في مرتقى نظر الحا سد، ماء جار مع الإخوان (٢)
وكما يجعل الشيء حلوا مرّا، وصابا عسلا وقبيحا حسنا، كما قال: [من الخفيف]
_________________
(١) البيت هو في الأغاني ٥/ ٣٦٤ بلا نسبة.
(٢) البيت لم يقف عليه الدكتور محمود شاكر.
[ ١٠٠ ]
حسن في وجوه أعدائه أق بح من ضيفه رأته السوام (١)
ويجعل الشيء أسود أبيض في حال، كنحو قوله: [من الطويل]
له منظر في العين أبيض ناصع ولكنّه في القلب أسود أسفع (٢)
ويجعل الشيء كالمقلوب إلى حقيقة ضدّه، كما قال: [من الخفيف]
غرّة بهمة، ألا إنما كن ت أغرّ أيّام كنت بهيما (٣)
ويجعل الشيء قريبا بعيدا معا، كقوله: [من الكامل] دان على أيدي العفاة وشاسع (٤) وحاضرا وغائبا، كما قال: [من المتقارب]
أيا غائبا حاضرا في الفؤاد سلام على الحاضر الغائب (٥)
ومشرّقا مغرّبا، كقوله: [من المنسرح]
له إليكم نفس مشرّقة أن غاب عنكم مغرّبا بدنه (٦)
_________________
(١) البيت هو للمتنبي في ديوانه، والتبيان للعكبري ٣٧٦. والسّوام: المال الراعي، وسامت الراعية والماشية والغنم تسوم سوما: رعت حيث شاءت فهي سائمة. [لسان العرب: سوم]. والمعنى: يقول هو أقبح في عيون أعدائه من ضيفه في عيون ماله الراعي لأنه ينحر إبله للأضياف فهي تكرههم، وهذا كما قيل في الضيف.
(٢) البيت لأبي تمام في ديوانه، والإيضاح ٣٠٤، تحقيق الدكتور عبد الحميد هنداوي. مؤسسة المختار. الأسفع: السّفعة والسّفع: السواد والشحوب، وقيل نوع من السواد ليس بالكثير، وقيل السواد مع لون آخر، وقيل السواد المشرب حمرة، الذكر أسفع، الأنثى سفعاء. [اللسان: سفع].
(٣) البيت لأبي تمام في ديوانه. الغرة: الشعر الأبيض، البهمة: يعني السواد المظلم. يصف الشيب بأنه غرة شديدة، وإنما كان أغر في الوقت الذي كان فيه بهيما أي: أسود الشعر.
(٤) البيت للبحتري، وتمامه: عن كل ند في الندى وضريب وهو في الإيضاح ص ٢٠٣، تحقيق الدكتور عبد الحميد هنداوي. (طبعة: مؤسسة المختار). وشرح عقود الجمان ٢/ ٦، وأوردهما محمد بن علي بن محمد الجرجاني في كتابه الإشارات والتنبيهات ص ١٧٢، منسوب للبحتري. والعفاة جمع عاف، وهو طالب الفضل أو سائل الرزق.
(٥) البيت قيل إنه على قافية الراء «سلام على الغائب الحاضر» في كتاب سندبان للسمرقندي: ١٨٥ مع أبيات للوأواء الدمشقي على تلك القافية، وليس البيت في ديوانه المطبوع.
(٦) البيت هو للبحتري في ديوانه.
[ ١٠١ ]
وسائرا مقيما، كما يجيء في وصف الشعر الحسن الذي يتداوله الرواة وتتهاداه الألسن، كما قال القاضي أبو الحسن: [من المتقارب]
وجوّابة الأفق موقوفة تسير ولم تبرح الحضرة (١)
وهل يخفى تقريبه المتباعدين، وتقريبه بين المختلفين، وأنت تجد إصابة الرجل في الحجّة، وحسن تخليصه للكلام، وقد مثّلت تارة بالهناء ومعالجة الإبل الجربى به، وأخرى بحزّ القصّاب اللحم وإعماله السكّين في تقطيعه وتفريقه في قولهم:
يضع الهناء مواضع النقب (٢) و«يصيب الحزّ» و«يطبّق المفصل»، فانظر: هل ترى مزيدا في التناكر والتنافر على ما بين طلاء القطران، وجنس القول والبيان؟ ثم كرّر النظر وتأمّل: كيف حصل الائتلاف، وكيف جاء من جمع أحدهما إلى الآخر، ما يأنس إليه العقل ويحمده الطبع؟ حتى إنّك لربما وجدت لهذا المثل إذا ورد عليك في أثناء الفصول، وحين تبيّن الفاضل في البيان من المفضول قبولا، ولا ما تجد عند فوح المسك ونشر الغالية، وقد وقع
ذكر «الحزّ» و«التطبيق» منك موقع ما ينفى الحزازات عن القلب، ويزيل أطباق الوحشة عن النفس.
وتكلّف القول في أن للتمثيل في هذا المعنى الذي لا يجارى إليه، والباع الذي لا يطاول فيه، كالاحتجاج للضّرورات، وكفى دليلا على تصرفه فيه باليد الصّناع، وإيفائه على غايات الابتداع، أنه يريك العدم وجودا والوجود عدما، والميّت حيّا
_________________
(١) البيت للقاضي أبي الحسن شيخه علي بن عبد العزيز الجرجاني صاحب الوساطة.
(٢) شطر بيت لدريد بن الصمة في ديوانه ٤٣، والأغاني ١٥/ ٧٢، قال صاحب الأغاني: مر دريد بن الصمة بالخنساء بنت عمرو بن الشريد، وهي تهنأ بعيرا لها، وقد تبذلت حتى فرغت منه، ثم نضّت عنها ثيابها فاغتسلت، ودريد بن الصمة يراها، وهي لا تشعر به فأعجبته فانصرف إلى رحله وأنشأ يقول: حيوا تماضر واربعوا صحبي وقفوا فإن وقوفكم حسبي أخناس قد هام الفؤاد بكم وأصابه قبل من الحب ما إن رأيت ولا سمعت بمثله كاليوم طالي أينق جرب متبذّلا تبدو محاسنه يضع الهناء مواضع النقب النّقب: القطع المتفرقة من الجرب، الواحدة نقبة، وهي أول ما يبدو من الجرب عامة، وعجز البيت الأخير مثل يضرب لمن يضع الشيء في موضعه فيكون ماهرا مصيبا، أو للذي لا يتكلم إلا فيما يجب الكلام.
[ ١٠٢ ]
والحيّ ميّتا أعني جعلهم الرجل إذا بقي له ذكر جميل وثناء حسن بعد موته، كأنه لم يمت، وجعل الذكر حياة له، كما قال:
ذكر الفتى عمره الثّاني (١) وحكمهم على الخامل الساقط القدر الجاهل الدنيء بالموت، وتصييرهم إياه حين لم يكن ما يؤثر عنه ويعرف به، كأنه خارج عن الوجود إلى العدم، أو كأنه لم يدخل في الوجود.
ولطيفة أخرى له في هذا المعنى، هي، إذا نظرت، أعجب، والتعجّب بها أحقّ ومنها أوجب، وذلك جعل الموت نفسه حياة مستأنفة حتى يقال: إنه بالموت استكمل الحياة في قولهم: «فلان عاش حين مات»، يراد الرجل تحمله الأبيّة وكرم النفس والأنفة من العار، على أن يسخو بنفسه في الجود والبأس، فيفعل ما فعل كعب بن مامة في الإيثار على نفسه، أو ما يفعله الشجاع المذكور من القتال دون حريمه، والصبر في مواطن الإباء، والتصميم في قتال الأعداء، حتى يكون له يوم لا يزال يذكر، وحديث يعاد على مرّ الدهور ويشهر، كما قال ابن نباتة (٢): [من الكامل]
بأبي وأمّي كلّ ذي نفس تعاف الضّيم مرّة
ترضى بأن ترد الرّدى فيميتها ويعيش ذكره
وإنه ليأتيك من الشيء الواحد بأشباه عدة، ويشتقّ من الأصل الواحد أغصانا في كل غصن ثمر على حدة، نحو أن «الزّند» بإيرائه يعطيك شبه الجواد، والذكيّ الفطن، وشبه النجح في الأمور والظفر بالمراد وبإصلاده شبه البخيل لا يعطيك شيئا،
_________________
(١) شطر البيت للمتنبي في ديوانه وتمامه: ذكر الفتى عمره الثاني، وحاجته ما قاته، وفضول العيش أشغال
(٢) البيتان يمدح صمصام الدولة عند ورود القرامطة إلى الكوفة ويحرضه على لقائهم. الظاهر أن يقال فيفعل كما فعل كعب بن مامة قال شيخنا: هو الأباذي المشهور آثر رفيقه السعدي بالماء حتى مات عطشا ونجا السعدي وله يقول حبيب: يجود بالنفس إذ ضن البخيل بها والجود بالنفس أقصى غاية الجود وقال له ولحاتم الطائي: كعب وحاتم اللذان تقسما خطط العلى من طارف وتليد وهذا الذي خلف السحاب ومات ذا في الجهد ميتة خضرم صنديد إلا يكن فيها الشهد فقومه لا يسمحون له بألف شهيد (رشيد)
[ ١٠٣ ]
والبليد الذي لا يكون له خاطر ينتج فائدة ويخرج معنى وشبه من يخيب سعيه، ونحو ذلك ويعطيك من «القمر» الشهرة في الرجل والنباهة والعزّ والرفعة، ويعطيك الكمال عن النقصان، والنقصان بعد الكمال، كقولهم: «هلا نما فعاد بدرا»، يراد بلوغ النجل الكريم المبلغ الذي يشبه أصله من الفضل والعقل وسائر معاني الشرف، كما قال أبو تمام (١): [من الكامل]
لهفي على تلك الشواهد منهما لو أمهلت حتى تصير شمائلا
لغدا سكونهما حجى، وصباهما كرما، وتلك الأريحيّة نائلا
إنّ الهلال إذا رأيت نموّه أيقنت أن سيصير بدرا كاملا
وعلى هذا المثل بعينه، يضرب مثلا في ارتفاع الرجل في الشرف والعزّ من طبقة إلى أعلى منها، كما قال البحتري (٢): [من الكامل]
شرف تزيّد بالعراق إلى الذي عهدوه بالبيضاء أو ببلنجرا
مثل الهلال بدا فلم يبرح به صوغ اللّيالي فيه حتى أقمرا
ويعطيك شبه الإنسان في نشئه ونمائه إلى أن يبلغ حدّ التمام، ثم تراجعه إذا انقضت مدّة الشباب، كما قال (٣): [من البسيط]
المرء مثل هلال حين تبصره يبدو ضئيلا ضعيفا ثم يتّسق
يزداد حتّى إذا ما تمّ أعقبه كرّ الجديدين نقصا ثم ينمحق
وكذلك يتفرّع من حالتي تمامه ونقصانه فروع لطيفة، فمن غريب ذلك قول ابن بابك (٤): [من الكامل]
وأعرت شطر الملك ثوب كماله والبدر في شطر المسافة يكمل
_________________
(١) الأبيات في ديوانه في مرثية ابنين لعبد الله بن طاهر، ماتا صغيرين، والإيضاح: ٢٠٦، تحقيق الدكتور هنداوي، ومنسوبة لأبي تمام في الإشارات والتنبيهات لمحمد بن علي الجرجاني ص ١٧٣.
(٢) البيتان هما في ديوانه من قصيدة قالها في مدح إسحاق بن كنداج الخزري القائد الكبير عند ما توج وقلد السيفين، البيضاء، بلنجر: مدينتان في بلاد الخزر.
(٣) البيتان لمحمد بن يزداد بن سويد الكاتب المروزي وزير المأمون. اتسق القمر: استوى، وفي التنزيل: وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ، وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ. قال الفرّاء: وما وسق أي: وما جمع وضم، واتساق القمر: امتلاؤه واجتماعه واستواؤه ليلة ثلاث عشرة وأربع عشرة، وقال الفراء: إلى ستّ عشرة فيهن امتلاؤه واتساقه. [اللسان: وسق].
(٤) البيت هو في الإيضاح تحقيق الدكتور هنداوي ومنسوب لابن بابك في الإشارات والتنبيهات ص ١٧٤.
[ ١٠٤ ]
قاله في الأستاذ أبي علي، وقد استوزره فخر الدولة بعد وفاة الصاحب وأبا العباس الضبيّ وخلع عليهما وقول أبي بكر الخوارزمي (١): [من الطويل]
أراك إذا أيسرت خيّمت عندنا مقيما وإن أعسرت زرت لماما
فما أنت إلا البدر إن قلّ ضوؤه أغبّ، وإن زاد الضياء أقاما
المعنى لطيف، وإن كانت العبارة لم تساعده على الوجه الذي يجب، فإن الإغباب أن يتخلل وقتي الحضور وقت يخلو منه، وإنما يصلح لأن يراد أن القمر إذا نقص نوره، لم يوال الطلوع كل ليلة، بل يظهر في بعض الليالي، ويمتنع من الظهور في بعض. وليس الأمر كذلك، لأنه على نقصانه يطلع كل ليلة حتى يكون السّرار، وقال ابن بابك
في نحوه: [من المتقارب]
كذا البدر يسفر في تمّه فإن خاف نقص المحاق انتقب
وهكذا ينظر إلى مقابلته الشّمس واستمداده من نورها، وإلى كون ذلك سبب زيادته ونقصه وامتلائه من النور والائتلاق، وحصوله في المحاق، وتفاوت حاله في ذلك، فتصاغ منه أمثال، وتبيّن أشباه ومقاييس، فمن لطيف ذلك قول ابن نباتة (٢):
[من الخفيف]
قد سمعنا بالعزّ من آل ساسا ن ويونان في العصور الخوالي
والملوك الألى إذا ضاع ذكر وجدوا في سوائر الأمثال
مكرمات إذا البليغ تعاطى وصفها لم يجده في الأقوال
وإذا نحن لم نضفه إلى مد حك كانت نهاية في الكمال
إن جمعناهما أضرّ بها الجم ع وضاعت فيه ضياع المحال
فهو كالشمس بعدها يملأ البد ر، وفي قربها محاق الهلال
_________________
(١) البيتان في الإيضاح ص ٢٠٦، تحقيق الدكتور هنداوي (طبعة مؤسسة المختار)، والإشارات والتنبيهات ص ١٧٤، ويتيمة الدهر ٢/ ٢٢٤، وزهر الآداب ٢/ ٩٩. (لماما) بالكسر: الإلمام النزول، وقد ألمّ به أي نزل به. ابن سيدة: لمّ به وألمّ والتمّ نزل به، وألمّ به: زاره غبّا، الليث: الإلمام الزيارة غبّا، والفعل ألممت به، وألممت عليه، ويقال: فلان يزور فلانا لماما أي: في الأحايين. والغبّ: الإتيان في اليومين، ويكون أكثر، وأغبّ القوم وغب عنهم: جاء يوما وترك يوما، وأغبّ عطاؤه إذا لم يأتنا كل يوم، وأغبت الإبل إذا لم تأت كل يوم بلبن وأغبنا فلان: أتانا غبا. [اللسان: لمم، غبب].
(٢) الأبيات في مدح عضد الدولة من قصيدته في تاريخ اثنتين وسبعين وثلاثمائة، مطلع القصيدة: دفع الله نائبات الليالي عنك، يا حامل الخطوب الثقال
[ ١٠٥ ]
وغير ذلك من أحواله: كنحو ما خرج من الشّبه من بعده وارتفاعه، وقرب ضوئه وشعاعه، في نحو ما مضى من قول البحتري:
دان على أيدي العفاة ومن ظهوره بكل مكان، ورؤيته في كل موضع، كقوله (١):
كالبدر من حيث التفتّ رأيته يهدي إلى عينيك نورا ثاقبا
في أمثال لذلك تكثر. ولم أعرض لما يشبّه به من حيث المنظر، وما تدركه العين، نحو تشبيه الشيء بتقويس الهلال ودقّته، والوجه بنوره وبهجته، فإنّا في ذكر ما كان «تمثيلا»، وكان الشّبه فيه معنويّا.