وهذا نوع آخر في التعليل وهو أن يكون للمعنى من المعاني والفعل من الأفعال علّة مشهورة من طريق العادات والطباع، ثم يجيء الشاعر فيمنع أن تكون لتلك المعروفة، ويضع له علّة أخرى. مثاله قول المتنبي: [من الرمل]
ما به قتل أعاديه ولكن يتّقي إخلاف ما ترجو الذئاب
الذي يتعارفه الناس أن الرجل إذا قتل أعاديه فلإرادته هلاكهم، وأن يدفع مضارّهم عن نفسه، وليسلم ملكه ويصفو من منازعاتهم، وقد ادّعى المتنبي كما ترى أن العلة في قتل هذا الممدوح لأعدائه غير ذلك.
واعلم أن هذا لا يكون حتى يكون في استئناف هذه العلّة المدّعاة فائدة شريفة فيما يتصل بالممدوح، أو يكون لها تأثير في الذمّ، كقصد المتنبي هاهنا في أن يبالغ في وصفه بالسّخاء والجود، وأنّ طبيعة الكرم قد غلبت عليه، ومحبّته أن يصدّق رجاء الراجين، وأن يجنّبهم الخيبة في آمالهم، قد بلغت به هذا الحدّ. فلما علم أنه إذا غدا للحرب غدت الذئاب تتوقّع أن يتسع عليها الرزق، ويخصب لها الوقت من قتلى عداه، كره أن يخلفها، وأن يخيّب رجاءها ولا يسعفها. وفيه نوع آخر من المدح، وهو أنه يهزم العدى ويكسرهم كسرا لا يطمعون بعده في المعاودة، فيستغني بذلك عن قتلهم وإراقة دمائهم، وأنه ليس ممن يسرف في القتل طاعة للغيظ والحنق، ولا يعفو إذا قدر، وما يشبه هذه الأوصاف الحميدة، فاعرفه.
ومن الغريب في هذا الجنس على تعمّق فيه، قول أبي طالب المأموني في قصيدة يمدح بها بعض الوزراء ببخارى: [من الخفيف]
مغرم بالثناء، صبّ بكسب ال مجد، يهتزّ للسّماح ارتياحا
[ ٢١٢ ]
لا يذوق الإغفاء إلّا رجاء أن يرى طيف مستميح رواحا
وكأنه شرط الرّواح على معنى أن العفاة والرّاجين إنّما يحضرونه في صدر النهار على عادة السلاطين. فإذا كان الرواح ونحوه من الأوقات التي ليست من أوقات الإذن قلّوا، فهو يشتاق إليهم فينام ليأنس برؤية طيفهم. والإفراط في التعمّق ربما أخلّ بالمعنى من حيث يراد تأكيده به، ألا ترى أن هذا الكلام قد يوهم أنه يحتجّ له أنه ممن لا يرغب كل واحد في أخذ عطائه، وأنه ليس في طبقة من قيل فيه: [من الطويل]
عطاؤك زين لامرئ إن أصبته بخير، وما كلّ العطاء يزين
وممّا يدفع عنه الاعتراض ويوجب قلّة الاحتفال به، أن الشاعر يهمّه أبدا إثبات ممدوحه جوادا أو توّاقا إلى السّؤّال فرحا بهم، وأن يبرّئه من عبوس البخيل وقطوب المتكلّف في البذل، الذي يقاتل نفسه عن ماله حتى يقال: «جواد»، ومن يهوى الثّناء والثّراء معا، ولا يتمكّن في نفسه معنى قول أبي تمام: [من الطويل]
ولم يجتمع شرق وغرب لقاصد ولا المجد في كفّ امرئ والدراهم
فهو يسرع إلى استماع المدائح، ويبطئ عن صلة المادح. نعم، فإذا سلّم للشاعر هذا الغرض، لم يفكر في خطرات الظنون.
وقد يجوز شيء من الوهم الذي ذكرته على قول المتنبي: [من البسيط]
يعطي المبشّر بالقصّاد قبلهم كمن يبشّره بالماء عطشانا
وهذا شيء عرض، ولاستقصائه موضع آخر، إن وفّق الله.
وأصل بيت «الطيف المستميح»، من نحو قوله: [من الطويل]
وإنّي لأستغشي وما بي نعسة لعل خيالا منك يلقى خياليا
وهذا الأصل غير بعيد أن يكون أيضا من باب ما استؤنف له علّة غير معروفة، إلّا أنه لا يبلغ في القوة ذلك المبلغ في الغرابة والبعد من العادة، وذلك أنه قد يتصوّر أن يريد المغرم المتيّم، إذا بعد عهده بحبيبه، أن يراه في المنام، وإذا أراد ذلك جاز أن يريد النوم له خاصّة، فاعرفه.
ومما يلحق بهذا الفصل قوله (١): [من الكامل]
رحل العزاء برحلتي فكأنني أتبعته الأنفاس للتشييع
_________________
(١) البيت للمتنبي في ديوانه ص ٨٣. وفي الإيضاح تحقيق د. عبد الحميد هنداوي ص ٣٢٤، وفي التبيان ١/ ٤٣٦ وفيه «كما لا ترجع إلى أنفاسي لا يرجع إلي صبري فمعناه ارتحل الصبر عني بارتحالكم».
[ ٢١٣ ]
وذلك أنه علّل تصعّد الأنفاس من صدره بهذه العلة الغريبة، وترك ما هو المعلوم المشهور من السبب والعلة فيه، وهو التحسّر والتأسّف. والمعنى: رحل عنّي العزاء بارتحالي عنكم، أي: عنده ومعه أو به وبسببه، فكأنه لما كان محلّ الصبر الصّدر، وكانت الأنفاس تتصعّد منه أيضا، صار العزاء وتنفّس الصّعداء كأنهما نزيلان ورفيقان، فلما رحل ذاك، كان حقّ هذا أن يشيّعه قضاء لحق الصّحبة.
ومما يلاحظ هذا النوع، يجري في مسلكه وينتظم في سلكه، قول ابن المعتز (١):
[من المنسرح]
عاقبت عيني بالدّمع والسّهر إذ غار قلبي عليك من بصري
واحتملت ذاك وهي رابحة فيك، وفازت بلذّة النّظر
وذاك أن العادة في دمع العين وسهرها أن يكون السبب فيه إعراض الحبيب، أو اعتراض الرقيب، ونحو ذلك من الأسباب الموجبة للاكتئاب. وقد ترك ذلك كله كما ترى، وادّعى أن العلة ما ذكره من غيرة القلب منها على الحبيب وإيثاره أن يتفرّد برؤيته، وأنه بطاعة القلب وامتثال رسمه، رام للعين عقوبة، فجعل ذاك أن أبكاها، ومنعها النوم وحماها.
وله أيضا في عقوبة العين بالدّمع والسهر، من قصيدة أوّلها (٢): [من الخفيف]
قل لأحلى العباد شكلا وقدّا أبجدّ ذا الهجر أم ليس جدّا
ما بذا كانت المنى حدّثتني لهف نفسي أراك قد خنت ودّا
ما ترى في متيّم بك صبّ خاضع لا يرى من الذلّ بدّا
إن زنت عينه بغيرك فاضرب ها بطول السهاد والدّمع حدّا
قد جعل البكاء والسهاد عقوبة على ذنب أثبته للعين، كما فعل في البيت الأول، إلا أنّ صورة الذنب هاهنا غير صورته هناك. فالذنب هاهنا نظرها إلى غير الحبيب، واستجازتها من ذلك ما هو محرّم محظور والذنب هناك نظرها إلى الحبيب
_________________
(١) البيت ليس في ديوان الشاعر.
(٢) الشّكل بالكسر: غنج المرأة وغزلها وحسن دلّها أي: تدللها على زوجها، وذلك أن تريه جراءة عليه في تغنّج وتشكل كأنها تخالفه وليس بها خلاف، وقال ابن الأثير: دلها حسن هيئتها وحديثها. وكل هذا يتحمله المعنى راجع لسان العرب ٢/ ١٤١٣، ٤/ ٢٣١٢. وقال أبو فهر: «هو في ديوانه» ولم أجده.
[ ٢١٤ ]
نفسه، ومزاحمتها القلب في رؤيته، وغيرة القلب من العين سبب العقوبة هناك، فأمّا هاهنا فالغيرة كائنة بين الحبيب وبين شخص آخر، فاعرفه.
ولا شبهة في قصور البيت الثاني عن الأول، وأنّ للأوّل عليه فضلا كبيرا، وذلك بأن جعل بعضه يغار من بعض، وجعل الخصومة في الحبيب بين عينيه وقلبه، وهو تمام الظّرف واللطف. فأمّا الغيرة في البيت الآخر، فعلى ما
يكون أبدا. هذا، ولفظ «زنت»، وإن كان ما يتلوها من أحكام الصنعة يحسّنها، وورودها في الخبر «العين تزني»، ويؤنس بها، فليست تدع ما هو حكمها من إدخال نفرة على النفس.
وإن أردت أن ترى هذا المعنى بهذه الصنعة في أعجب صورة وأظرفها، فانظر إلى قول القائل (١): [من المتقارب]
أتتني تؤنّبني بالبكا فأهلا بها وبتأنيبها
تقول، في قولها حشمة: أتبكي بعين تراني بها؟
فقلت: إذا استحسنت غيركم أمرت الدّموع بتأديبها
أعطاك بلفظة التأديب، حسن أدب اللبيب، في صيانة اللّفظ عما يحوج إلى الاعتذار، ويؤدّي إلى النّفار، إلا أن الأستاذية بعد ظاهرة في بيت ابن المعتز. وليس كل فضيلة تبدو مع البديهة، بل بعقب النّظر والرويّة، وبأن يفكّر في أول الحديث وآخره. وأنت تعلم أنه لا يكون أبلغ في الذي أراد من تعظيم شأن الذنب، من ذكر الحدّ، وأنّ ذلك لا يتمّ له إلّا بلفظة «زنت»، ومن هذه الجهة يلحق الضّيم كثيرا من شأنه وطريقه طريق أبي تمام، ولم يكن من المطبوعين.
وموضع البسط في ذلك غير هذا، فغرضي الآن أن أريك أنواعا من التخييل، وأضع شبه القوانين ليستعان بها على ما يراد بعد من التفصيل والتبيين.
_________________
(١) في البيت الثاني الواو ساقطة والصواب «تقول وفي» وذكر أبو فهر أن الأبيات في معاهد التنصيص: ٣٧٦، ولبعضهم بلا نسبة. وفي رواية وقالت بدل تقول، وفي رواية أخرى: أما تستحي يا قليل الوفاء أتبكي بعين تراني بها وتنسب الأبيات في «أزهار الرياض» لابن العربي، ولكنها أقدم منه، وذلك لأنها من شواهد عبد القاهر، وأبي هلال، وهما قبله، وينسبها شارح شواهد الإيضاح لابن المعتز، راجع نفح الطيب.
[ ٢١٥ ]