اعلم أن معرفة الشيء من طريق الجملة، غير معرفته من طريق التفصيل. فنحن وإن كنّا لا يشكل علينا الفرق بين
التشبيه الغريب وغير الغريب إذا سمعنا بهما، فإنّ لوضع القوانين وبيان التّقسيم في كل شيء، وتهيئة العبارة في الفروق، فائدة لا ينكرها المميز، ولا يخفى أن ذلك أتمّ للغرض وأشفى للنفس.
والمعنى الجامع في سبب الغرابة أن يكون الشّبه المقصود من الشيء مما لا يتسرّع إليه الخاطر، ولا يقع في الوهم عند بديهة النظر إلى نظيره الذي يشبّه به، بل بعد تثبّت وتذكر وفلي للنفس عن الصور التي تعرفها، وتحريك للوهم في استعراض ذلك واستحضار ما غاب منه.
_________________
(١) الأبيات في ديوانه طبعة بيروت، ودلائل الإعجاز ص ٥١٠، تحقيق د. محمود شاكر.
(٢) البيتان في الحماسة الشجرية: ص ٢٩١، وشرح نهج البلاغة ١٩/ ٣٣٧، وابن عساكر ٢/ ٩٧، ودلائل الإعجاز ص ٥١٠، تحقيق د. محمود شاكر.
[ ١١٨ ]
بيان ذلك: أنك كما ترى الشمس ويجري في خاطرك استدارتها ونورها، تقع في قلبك المرآة المجلوّة، ويتراءى لك الشّبه منها فيها.
وكذلك إذا نظرت إلى الوشي منشورا وتطلّبت لحسنه ونقشه واختلاف الأصباغ فيه شبها، حضرك ذكر الرّوض ممطورا مفتّرا عن أزهاره، متبسّما عن أنواره.
وكذلك إذا نظرت إلى السيف الصّقيل عند سلّه وبريق متنه، لم يتباعد عنك أن تذكر انعقاق البرق، وإن كان هذا أقلّ ظهورا من الأوّل، وعلى هذا القياس.
ولكنّك تعلم أن خاطرك لا يسرع إلى تشبيه الشّمس بالمرآة في كفّ الأشلّ، كقوله (١): [من الرجز] والشّمس كالمرآة في كفّ الأشل هذا الإسراع ولا قريبا منه.
ولا إلى تشبيه البرق بإصبع السّارق، كقول كشاجم (٢): [من الرجز]
أرقت أم نمت لضوء بارق مؤتلقا مثل الفؤاد الخافق
كأنّه إصبع كف السّارق وكقول ابن بابك (٣): [من الطويل]
ونضنض في حضني سمائك بارق له جذوة من زبرج اللّاذ لامعه
تعوّج في أعلى السحاب كأنّها بنان يد من كلّة اللّاذ ضارعه
ولا إلى تشبيه البرق في انبساطه وانقباضه والتماعه وائتلافه، بانفتاح المصحف وانطباقه، فيما مضى من قول ابن المعتز (٤): [من المديد]
وكأنّ البرق مصحف قار فانطباقا مرّة وانفتاحا
ولا إلى تشبيه سطور الكتاب بأغصان الشوك في قوله (٥): [من الوافر]
بشكل يأخذ الحرف المحلّى كأن سطوره أغصان شوك
_________________
(١) البيت لجبار بن جزء بن ضرار، ابن أخي الشماخ، والأشل: هو مقدار من الذراع معلوم بالبصرة، يقولون كذا وكذا حبلا، وكذا وكذا أشلاء لمقدار معلوم عندهم، قال الأزهري: وما أراه عربيا. [تاج العروس].
(٢) البيت في ديوانه، وفي نسخة الدكتور محمود شاكر «الفؤاد الخافق» بدلا من «الفؤاد العاشق».
(٣) نضنض أي: تحرك، ونضنض الطائر: حرّك جناحيه ليطير ونضنض لسانه: حركه، الضاد فيه أصل وليست بدلا من صاد كما زعم قوم، الزبرج: الوشي الخفيف، اللاذ: الحرير.
(٤) راجع هامش (١) ص ١١٦.
(٥) البيت في ديوان ابن المعتز، وقبله يصف دفترا: دونكه موشّى نمنمته وحاكته الأنامل أي حوك
[ ١١٩ ]
ولا إلى تشبيه الشّقيق بأعلام ياقوت على رماح زبرجد، كقول الصّنوبريّ (١):
[من الكامل]
وكأنّ محمرّ الشقي ق إذا تصوّب أو تصعّد
أعلام ياقوت نشر ن على رماح من زبرجد
ولا إلى تشبيه النجوم طالعات في السماء مفترقات مؤتلفات في أديمها، وقد مازجت زرقة لونها بياض نورها، بدرّ منثور على بساط أزرق، كقول أبي طالب الرّقّي (٢): [من الكامل]
وكأنّ أجرام النّجوم لوامعا درر نثرن على بساط أزرق
ولا ما جرى في هذا السبيل، وكان من هذا القبيل. بل تعلم أن الذي سبقك إلى أشباه هذه التشبيهات لم يسبق إلى مدى قريب، بل أحرز غاية لا ينالها غير الجواد، وقرطس في هدف لا يصاب إلّا بعد الاحتفال والاجتهاد.
واعلم أنك إن أردت أن تبحث بحثا ثانيا حتى تعلم لم وجب أن يكون بعض الشّبه على الذكر أبدا، وبعضه كالغائب
عنه، وبعضه كالبعيد عن الحضرة لا ينال إلا بعد قطع مسافة إليه، وفضل تعطّف بالفكر عليه فإنّ هاهنا ضربين من العبرة يجب أن تضبطهما أوّلا، ثم ترجع في أمر التشبيه، فإنّك حينئذ تعلم السّبب في سرعة بعضه إلى الفكر، وإباء بعض أن يكون له ذلك الإسراع.
فإحدى العبرتين: أنّا نعلم أن الجملة أبدا أسبق إلى النفوس من التفصيل، وأنت تجد الرؤية نفسها لا تصل بالبديهة إلى التفصيل، لكنك ترى بالنّظر الأوّل الوصف على الجملة، ثم ترى التفصيل عند إعادة النظر، ولذلك قالوا: «النظرة الأولى حمقاء»، وقالوا: «لم ينعم النّظر ولم يستقص التأمّل». وهكذا الحكم في السمع وغيره من الحواس، فإنك تتبيّن من تفاصيل الصّوت بأن يعاد عليك حتى تسمعه مرّة
_________________
(١) البيتان للصنوبري، وهما في مفتاح العلوم ص ٤٦١، تحقيق د. هنداوي، وأورده بدر الدين بن مالك في المصباح ص ١١٦، والطيبي في شرحه على المشكاة ١/ ١١٠ تحقيق د. هنداوي، والعلوي في الطراز ١/ ٢٧٥.
(٢) البيت لأبي طالب الرّقّي، وهو في الإيضاح تحقيق د. هنداوي ص ٢١٤، ٢٢٨، ٢٣٦، ومفتاح العلوم ص ٤٤٤ تحقيق د. هنداوي، وأورده الطيبي في التبيان ص ٢٨١، وفيه «نشرن» بدلا من «نثرن»، والطيبي في شرحه على مشكاة المصابيح ١/ ١٠٧، ولعلوي في الطراز، وقبله: ولقد ذكرتك في الظلام كأنه يوم النوى وفؤاد من لم يعشق
[ ١٢٠ ]
ثانية، ما لم تتبيّنه بالسماع الأول، وتدرك من تفصيل طعم المذوق بأن تعيده إلى اللّسان ما لم تعرفه في الذّوقة الأولى، وبإدراك التّفصيل يقع التفاضل بين راء وراء، وسامع وسامع، وهكذا، فأمّا الجمل فتستوي فيها الأقدام. ثمّ تعلم أنّك في إدراك تفصيل ما تراه وتسمعه أو تذوقه، كمن ينتقي الشيء من بين جملة، وكمن يميّز الشيء مما قد اختلط به، فإنك حين لا يهمّك التفصيل، كمن يأخذ الشيء جزافا وجرفا.
وإذا كانت هذه العبرة ثابتة في المشاهدة وما يجري مجراها مما تناله الحاسّة، فالأمر في القلب كذلك: تجد الجمل أبدا هي التي تسبق إلى الأوهام وتقع في الخاطر أوّلا، وتجد التفاصيل مغمورة فيما بينها، وتراها لا تحضر إلا بعد إعمال للرؤية واستعانة بالتذكّر.
ويتفاوت الحال في الحاجة إلى الفكر بحسب مكان الوصف ومرتبته من حدّ الجملة وحدّ التفصيل، وكلّما كان أوغل في التفصيل، كانت الحاجة إلى التوقّف والتذكّر أكثر، والفقر إلى التأمّل والتمهّل أشدّ.
وإذ قد عرفت هذه العبرة، فالاشتراك في الصفة إذا كان من جهة الجملة على الإطلاق، بحيث لا يشوبه شيء من
التفصيل نحو أن كلا الشيئين أسود أو أحمر فهو يقلّ عن أن تحتاج فيه إلى قياس وتشبيه. فإن دخل في التفصيل شيئا نحو: أن هذا السواد صاف برّاق، والحمرة رقيقة ناصعة احتجت بقدر ذلك إلى إدارة الفكر. وذلك مثل تشبيه حمرة الخدّ بحمرة التفّاح والورد، فإن زاد تفصيله بخصوص تدقّ العبارة عنه، ويتعرّف بفضل تأمّل، ازداد الأمر قوّة في اقتضاء الفكر، وذلك نحو تشبيه سقط النار بعين الديك في قوله: [من الطويل] وسقط كعين الدّيك عاورت صحبتي (١) وذلك أنّ ما في لون عينه من تفصيل وخصوص، يزيد على كون الحمرة رقيقة
_________________
(١) البيت لذي الرمة في ديوانه ص ٨٥ من قصيدة مطلعها: لقد جشأت نفس عشية مشرف ويوم لوى حزوى فقلت لها صبرا وهو في الإيضاح ص ٢١٣ تحقيق د. عبد الحميد هنداوي. والسّقط: ما سقط بين الزندين قبل استحكام الورى، وقد شبه النار بعين الديك، عاورت صاحبي: تداولت، فأنا أقدح مرة، وهو يقدح مرة. ثم يقول بعده: مشهّرة لا يمكن الفحل أمّها إذا نحن لم نمسك بأطرافها قسرا
[ ١٢١ ]
ناصعة والسواد صافيّا برّاقا. وعلى هذا تجد هذا الحدّ من المرتبة التي لا يستوي فيها البليد والذكيّ، والمهمل نفسه والمتيقّظ المستعدّ للفكر والتصوّر، فقوله (١):
[من الطويل]
كأنّ على أنيابها كلّ سحرة صياح البوازي من صريف اللّوائك
أرفع طبقة من قوله (٢): [من الطويل]
كأن صليل المرو حين تشذّه صليل زيوف ينتقدن بعبقرا
لأن التفصيل والخصوص في صوت البازي، أبين وأظهر منه في صليل الزيوف.
وكما أن قوله يصف الفرس (٣): [من البسيط]
وللفؤاد وجيب تحت أبهره لدم الغلام وراء الغيب بالحجر
لا يسوّى بتشبيه وقع الحوافر بهزمة الرعد، وتشبيه الصّوت الذي يكون لغليان القدر بنحو ذلك، كقوله (٤): [من الطويل]
لها لغط جنح الظّلام كأنّه عجارف غيث رائح متهزّم
لأنّ هناك من التفصيل الحسن ما تراه، وليس في كون الصوت من جنس اللّغط تفصيل يعتدّ به، وإنما هو كالزيادة
والشدّة في الوصف.
ومثال ذلك مثال أن يكون جسم أعظم من جسم في أنه لا يتجاوز مرتبة الجمل كبير تجاوز، فإذا رأى الرجل شخصا قد زاد على المعتاد في العظم
_________________
(١) راجع ص ٧٠ هامش رقم (٢).
(٢) البيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص ٦٣ من قصيدة قالها في توجهه إلى قيصر ملك الروم مستجدا به على رد ملكه إليه والانتقام من بني أسد، ومطلعها: سما بك شوق بعد ما كان أقصرا وحلّت سليمى بطن قوم فعرعرا كنا فيه باتت وفي الصدر ودها مجاورة غسان والحي يعمرا وصليل المرو: صوت الحجارة. تشذّه: تنحيه. الزيوف: الدراهم الزائفة التي لا فضة فيها. عبقر: واد زعموا أنه كثير الجن، وإليه تنسب نفائس الأشياء وبدائع الفكر، فيقال: هذا بساط عبقري، وهذا رأي عبقري، وهذا رجل عبقري، وذلك لكل حسن مستجاد.
(٣) البيت لتميم بن أبي مقبل في ديوانه. والأبهر: عرق مستبطن في الصلب والقلب متصل به، فإذا انقطع لم تكن معه حياة.
(٤) البيت لعمرو بن أحمر الباهلي في ديوانه، وهو في شرح الحماسة يصف القدور. عجارف: شدة المطر والغيث، المنهزم: المتصوت يقال: تهزمت القوس وتهزم الرعد أي صوتا.
[ ١٢٢ ]
والضخامة، لم يحتجّ في تشبيهه بالفيل أو الجبل أو الجمل أو نحو ذلك إلى شيء من الفكر، بل يحضره ذلك حضور ما يعرف بالبديهة.
والمقابلات التي تريك الفرق بين الجملة والتفصيل كثيرة، ومن اللّطيف في ذلك أن تنظر إلى قوله (١): [من المتقارب]
يتابع لا يبتغي غيره بأبيض كالقبس الملتهب
ثم تقابل به قوله (٢): [من الطويل]
جمعت ردينيّا كأنّ سنانه سنا لهب لم يتّصل بدخان
فإنك ترى بينهما من التفاوت في الفضل ما تراه، مع أن المشبّه به في الموضعين شيء واحد وهو شعلة النار، وما
ذاك إلا من جهة أن الثاني قصد إلى تفصيل لطيف، ومرّ الأوّل على حكم الجمل.
ومعلوم أن هذا التفصيل لا يقع في الوهم في أول وهلة، بل لا بدّ فيه من أن تتثبّت وتتوقّف وتروّى وتنظر في حال كل واحد من الفرع والأصل، حتى يقوم حينئذ في نفسك أن في الأصل شيئا يقدح في حقيقة الشبه، وهو الدّخان الذي يعلو رأس الشعلة، وأنه ليس في رأس السنان ما يشبه ذلك، وأنه إذا كان كذلك، كان التحقيق وما يؤدّي الشيء كما هو، أن تستثني الدّخان وتنفي اتصاله باللهب، وتقصر التّشبيه على مجرّد السّنا، وتصوّر السنان فيه مقطوعا عن الدخان. ولو فرضت أن يقع هذا كلّه على حدّ البديهة من غير أن يخطر ببالك ما ذكرت لك، قدّرت محالا لا يتصوّر، كما أنك لو قدّرت أن يكون تشبيه الثّريا بعنقود ملّاحية حين نوّر، بمنزلة تشبيهها بالنور على الإطلاق، أو تفتّح نور فقط، كما قال (٣): [من الطويل]
كأنّ الثّريا في أواخر ليلها تفتّح نور
_________________
(١) البيت لعنترة بن شداد العبسي في ديوانه ص ١٧، وهو أحد أربعة أبيات قالها في قتل ورد بن حابس نضلة الأسدي. وهو في الإيضاح ص ٢٣٥ تحقيق د. هنداوي. تتابع: توالى، ويروى: «تدارك لا يتقي نفسه» وبهذه الرواية ورد في شعر النصرانية. الأبيض: السيف. القبس: الشعلة تقتبس من معظم النار: يصف سيفه في إيماضه وبريقه.
(٢) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص ١٧٠ يصف رمحه. الردينى: الرمح المقوم، منسوب إلى ردينة، قبيلة من العرب كانت معروفة بتقويم الرماح.
(٣) البيت لابن المعتز في ديوانه، وهو غير كامل وتمامه: أو لجام مفضّض
[ ١٢٣ ]
حتى ترى حاجتهما إلى التأمّل على مقدار واحد، وحتى لا يحوج أحدهما من الرجوع إلى النفس وبحثها عن الصور التي تعرفها، إلا إلى مثل ما يحوج إليه الآخر أسرفت في المجازفة، ونفضت يدا بالصّواب والتحقيق.
والعبرة الثانية: أن ما يقتضي كون الشيء على الذّكر وثبوت صورته في النفس، أن يكثر دورانه على العيون، ويدوم تردّده في مواقع الأبصار، وأن تدركه الحواسّ في كل وقت أو في أغلب الأوقات وبالعكس، وهو أنّ من سبب بعد ذلك الشيء عن أن يقع ذكره بالخاطر، وتعرض صورته في النفس، قلّة رؤيته، وأنه مما يحسّ بالفينة بعد الفينة، وفي الفرط بعد الفرط، وعلى طريق النّدرة، وذلك أن العيون هي التي تحفظ صور الأشياء على النفوس، وتجدّد عهدها بها، وتحرسها من أن تدثر، وتمنعها أن تزول، ولذلك قالوا: «من غاب عن العين فقد غاب عن القلب»،
وعلى هذا المعنى كانت المدارسة والمناظرة في العلوم وكرورها على الأسماع، سبب سلامتها من النّسيان، والمانع لها من التفلّت والذّهاب.
وإذا كان هذا أمرا لا يشكّ فيه، بان منه أنّ كل شبه رجع إلى وصف أو صورة أو هيئة من شأنها أن ترى وتبصر أبدا، فالتشبيه المعقود عليه نازل مبتذل، وما كان بالضدّ من هذا وفي الغاية القصوى من مخالفته، فالتشبيه المردود إليه غريب نادر بديع، ثم تتفاضل التشبيهات التي تجيء واسطة لهذين الطّرفين، بحسن حالها منهما، فما كان منها إلى الطّرف الأول أقرب، فهو أدنى وأنزل، وما كان إلى الطّرف الثاني أذهب، فهو أعلى وأفضل، وبوصف الغريب أجدر.
واعلم أن قولنا: «التفصيل» عبارة جامعة، ومحصولها على الجملة أنّ معك وصفين أو أوصافا، فأنت تنظر فيها واحدا واحدا، وتفصل بالتأمّل بعضها من بعض وأنّ بك في الجملة حاجة إلى أن تنظر في أكثر من شيء واحد، وأن تنظر في الشيء الواحد إلى أكثر من جهة واحدة. ثم إنه يقع في أوجه:
أحدها: وهو الأولى والأحقّ بهذه العبارة: أن تفصّل، بأن تأخذ بعضا وتدع بعضا، كما فعل في اللهب حين عزل الدخان عن السّنا وجرّده، وكما فعل الآخر حين فصل الحدق عن الجفون، وأثبتها مفردة فيما شبّه، وذلك قوله: [من الطويل] لها حدق لم تتّصل بجفون (١)
_________________
(١) البيت لابن المعتز في ديوانه ص ٤٤٠، وصدره: فجاءت بها في كأسها ذهبيّة
[ ١٢٤ ]
ويقع في هذا الوجه من التفصيل لطائف، فمنها قول ابن المعتزّ (١): [من الرجز]
بطارح النظرة في كل أفق ذي منسر أقنى إذا شكّ خرق
ومقلة تصدقه إذا رمق كأنّها نرجسة بلا ورق
وقوله (٢): [من المنسرح]
تكتب فيه أيدي المزاج لنا ميمات سطر بغير تعريق
والثاني: أن تفصّل، بأن تنظر من المشبّه في أمور لتعتبرها محلها، وتطلبها فيما تشبّه به، وذلك كاعتبارك، في تشبيه الثريا بالعنقود، الأنجم أنفسها، والشكل منها واللون، وكونها مجتمعة على مقدار في القرب والبعد. فقد نظرت في هذه الأمور واحدا واحدا، وجعلتها بتأمّلك فصلا فصلا، ثم جمعتها في تشبيهك، وطلبت للهيئة الحاصلة
من عدّة أشخاص الأنجم، والأوصاف التي ذكرت لك من الشك واللون والتقارب على وجه مخصوص هيئة أخرى شبيهة بها، فأصبتها في العنقود المنور من الملّاحية ولم يقع لك وجه التشبيه بينهما إلا بأن فصّلت أيضا أجزاء العنقود بالنظر، وعلمت أنها خصل بيض، وأن فيها شكل استدارة النجم، ثم الشكل إلى الصغر ما هو، كما أن شكل أنجم الثريّا كذلك وأنّ هذه الخصل لا هي مجتمعة اجتماع النظام والتلاصق، ولا هي شديدة الافتراق، بل لها مقادير في التقارب والتباعد في نسبة قريبة مما تجده في رأى العين بين تلك الأنجم.
يدلّك على أن التشبيه موضوع على مجموع هذه الأوصاف، أنّا لو فرضنا في تلك الكواكب أن تفترق وتتباعد تباعدا أكثر مما هي عليه الآن، أو قدّر في العنقود أن ينتثر، لم يكن التشبيه بحاله وكذلك الحكم في تشبيه الثريّا باللّجام المفضّض، لأنك راعيت الهيئة الخاصة من وقوع تلك القطع والأطراف بين اتّصال وانفصال، وعلى الشكل الذي يوجبه موضوع اللجام، ولو فرضت أن تركّب مثلا على سنن واحد طولا في سير واحد مثلا ويلصق بعضها ببعض، بطل التشبيه.
_________________
(١) البيتان في ديوانه من أرجوزة في الطرد. والمنسر: منقاره الذي يستنسر به، ومنقار البازي، أبو زيد: منسر الطائر: منقاره بكسر الميم لا غير.
(٢) البيت لابن المعتز في ديوانه، يذكر قدح خمر، وقبله: لا شيء يسلي همي سوى قدح تدمى عليه أوداج إبريق والتعريق: المد الزائد في الحروف كالميم وغيرها من الحروف.
[ ١٢٥ ]
وكذا قوله (١): [من الطويل] تعرّض أثناء الوشاح المفصّل وقد اعتبر فيه هيئة التفصيل في الوشاح، والشكل الذي يكون عليه الخرز المنظوم في الوشاح، فصار اعتبار التفصيل أعجب تفصيل في التشبيه.
والوجه الثالث: أن تفصّل بأن تنظر إلى خاصّة في بعض الجنس، كالتي تجدها في صوت البازي وعين الديك، فأنت تأبى أن تمرّ على جملة أنّ هذا صوت وذاك حمرة، ولكن تفصّل فتقول فيهما ما ليس في كل صوت وكل حمرة.
واعلم أن هذه القسمة في التفصيل موضوعة على الأغلب الأعرف، وإلا فدقائقه لا تكاد تضبط.
ومما يكثر فيه التفصيل ويقوى معناه فيه، ما كان من التشبيه مركّبا من شيئين أو أكثر، وهو ينقسم قسمين:
أحدهما: أن يكون شيئا يقدّره المشبّه ويضعه ولا يكون.
ومثال ذلك تشبيه النرجس بمداهن درّ حشوهنّ عقيق، وتشبيه الشّقيق بأعلام ياقوت نشرت على رماح من زبرجد، لأنك في هذا النحو تحصّل الشبه بين شيئين تقدّر اجتماعهما على وجه مخصوص وبشرط معلوم، فقد حصّلته في النرجس من شكل المداهن والعقيق، بشرط أن تكون الداهن من الدرّ، وأن يكون العقيق في الحشو منها وكذلك اشترطت هيئة الأعلام، وأن تكون من الياقوت، وأن تكون منشورة على رماح من زبرجد فبك حاجة في ذلك إلى مجموع أمور، لو أخللت بواحد منها لم يحصل الشّبه. وكذلك لو خالفت الوجه المخصوص في الاجتماع والاتصال بطل الغرض، فكما بك حاجة إلى أن يكون الشكل شكل المدهن، وأن يكون من الدّرّ وأن يكون معه العقيق، فبك أيضا فقر إلى أن يكون العقيق في حشو المداهن، وعلى هذا القياس.
_________________
(١) البيت لامرئ القيس في معلقته الشهيرة وصدره: إذا ما الثريا في السماء تعرّضت وهو في ديوانه ص ١١٤، والمعنى: كان تجاوزي الأحراس، وتقحمي المعاشر إليها، وقت تعرض الثريا في السماء. وقد زعموا أنه لم يرد الثريا وإنما أراد الجوزاء، لأن الثريا لا تتعرض مع أن لها اعتراضا عند السقوط، فإنها تأخذ وسط السماء كما يأخذ الوشاح وسط المرأة. وأثناء الوشاح: ثناياه. والمفصل: الذي فصل بين كل خرزتين منه بلؤلؤة.
[ ١٢٦ ]
والقسم الثاني: أن تعتبر في التشبيه هيئة تحصل من اقتران شيئين، وذلك الاقتران مما يوجد ويكون، ومثاله قوله (١): [من الوافر]
غدا والصبح تحت اللّيل باد كطرف أشهب ملقى الجلال
قصد الشبه الحاصل لك إذا نظرت إلى الصبح والليل جميعا، وتأمّلت حالهما معا، وأراد أن يأتي بنظير للهيئة المشاهدة من مقارنة أحدهما الآخر، ولم يرد أن يشبّه الصبح على الانفراد والليل على الانفراد، كما لم يقصد الأول أن يشبّه الدارة البيضاء من النرجس بمدهن الدّر، ثم يستأنف تشبيها للثانية بالعقيق، بل أراد أن يشبّه الهيئة الحاصلة من مجموع الشكلين، من غير أن يكون بين في البين. ثم إن هذا الاقتران الذي وضع عليه التشبيه مما يوجد ويعهد، إذ ليس وجود الفرس الأشهب قد ألقى الجلّ، من المعوز فيقال إنه مقصور على التقدير والوهم. فأما الأوّل فلا يتعدّى التوهم وتقدير أن يصنع ويعمل، فليس في العادة أن تتّخذ صورة أعلاها ياقوت على مقدار العلم، وتحت ذلك الياقوت قطع مطاولة من الزبرجد كهيئة الأرماح والقامات وكذلك لا يكون هاهنا مداهن تصنع من
الدرّ، ثم يوضع في أجوافها عقيق. وفي تشبيه الشّقيق زيادة معنى يباعد الصورة من الوجود، وهو شرطه أن تكون أعلاما منشورة، والنّشر في الياقوت وهو حجر، لا يتصوّر موجودا.
وينبغي أن تعلم أن الوجه في إلقاء الجلّ، أن يريد أنه أداره عن ظهره، وأزاله عن مكانه، حتى تكشّف أكثر جسده، لا أنه رمى به جملة حتى انفصل منه، لأنه إذا أراد ذلك، كان قد قصد إلى تشبيه الصّبح وحده من غير أن يفكّر في الليل، ولم يشاكل قوله في أول البيت: «والصبح تحت الليل باد».
وأمّا قوله (٢): [من الرجز]
إذا تفرّى البرق فيها خلته بطن شجاع في كثيب يضطرب
_________________
(١) البيت لابن المعتز في ديوانه ص ٣٨١، وهو من قصيدة «مأثور المقال» ومطلعها: أعاذل قد أبحت اللهو مالي وهان عليّ مأثور المقال دعيني، هكذا خلقي، دعيني فما لك حيلة فيه، ولا لي الطرف: الفرس الكريم. الأبلق: ما فيه سواد وبياض. والجلال: جمع جلّ وهو لباس الفرس يلبسه ليصان به. وهو في الإيضاح: تحقيق د. عبد الحميد هنداوي ص ٢٢٧.
(٢) البيتان لابن المعتز في ديوانه ص ٤٤، وقبله: جاءت بجفن أكحل وانصرفت مرهاء من إسبال دمع منسكب وتفرّى البرق: تلألأ في السحاب، الشجاع: ضرب من الحيات دقيق لطيف، الأبلق: من الخيل ما فيه سواد وبياض.
[ ١٢٧ ]
وتارة تبصره كأنّه أبلق مال جلّه حين وثب
فالأشبه فيه أن يكون القصد إلى تشبيه البرق وحده ببياض البرق، دون أن يدخل لون الجلّ في التشبيه، حتى كأنّه يريد أن يريك بياض البرق في سواد الغمام، بل ينبغي أن يكون الغرض بذكر الجلّ أن البرق يلمع بغتة، ويلوح للعين فجأة، فصار لذلك كبياض الأبلق إذا ظهر عند وثوبه وميل جلّه عنه.
وقد قال ابن بابك في هذا المعنى (١): [من السريع]
للبرق فيها لهب طائش كما يعرّى الفرس الأبلق
إلّا أن لقول ابن المعتزّ: «حين وثب»، من الفائدة ما لا يخفى.
وقد عني المتقدّمون أيضا بمثل هذا الاحتياط، ألا تراه قال (٢): [من الخفيف]
وترى البرق عارضا مستطيرا مرح البلق جلن في الأجلال
فجعلها تمرح وتجول، ليكون قد راعى ما به يتمّ الشّبه، وما هو معظم الغرض من تشبيهه، وهو هيئة حركته وكيفية لمعه.
ثم اعلم أن هذا القسم الثاني الذي يدخل في الوجود يتفاوت حاله، فمنه ما يتسع وجوده، ومنه ما يوجد في النادر، ويبين ذلك بالمقابلة، فأنت إذا قابلت قوله (٣):
[من الكامل]
وكأن أجرام النجوم لوامعا درر نثرن على بساط أزرق
بقول ذي الرّمة (٤): [من البسيط] كأنّها فضّة قد مسّها ذهب علمت فضل الثاني على الأول في سعة الوجود، وتقدّم الأول على الثاني في
_________________
(١) الضمير في «فيها» للسحابة.
(٢) البيت لكثير في ديوانه. والبلقة: مصدر الأبلق، ارتفاع التحجيل إلى الفخذين. الأجلال: جمع «جلّ» شراع السفينة.
(٣) راجع هامش ٢ ص ١٢٠.
(٤) البيت في ديوانه ص ١٢، وصدره: كحلاء في برج، صفراء في نعج والبيت في الإيضاح: تحقيق د. هنداوي، وفيه «حوراء» بدلا من «كحلاء». والبرج في العين: أن يكون بياض العين محدقا بالسواد كله. النّعج: البياض الخالص.
[ ١٢٨ ]
عزّته وقلّته، وكونه نادر الوجود، فإنّ الناس يرون أبدا في الصياغات فضّة قد أجري فيها ذهب وطليت به، ولا يكاد يتفق أن يوجد درّ قد نثر على بساط أزرق.
وإذ قد عرفت انقسام المركّب من التشبيه إلى هذين القسمين، فاعتبر موضعهما من العبرتين المذكورتين، فإنك تراهما بحسب نسبتهما منهما، وتحقّقهما بهما، قد أعطتاهما لطف الغرابة، ونفضتا عليهما صبغ الحسن، وكستاهما روعة الإعجاب، فتجد المقدّر الذي لا يباشر الوجود، نحو قوله (١):
أعلام ياقوت نشر ن على رماح من زبرجد
وكقوله في النيلوفر (٢): [من الخفيف]
كلّنا باسط اليد نحو نيلوفر ندي
كدبابيس عسجد قضبها من زبرجد
قد اجتمع فيه العبرتان جميعا، وتجد العبرة الثانية قد أتت فيه على غاية القوة، لأنه لا مزيد في بعد الشيء عن العيون على أن يكون وجوده ممتنعا أصلا حتى لا يتصوّر إلا في الوهم.
وإذا تركت هذا القسم ونظرت إلى القسم الثاني الذي يدخل في الوجود نحو قوله:
درر نثرن على بساط أزرق وجدت العبرة الثانية لا تقوى فيه تلك القوة، لأنه إذا كان مما يعلم أنه يوجد ويعهد بحال وإن كان لا يتّسع بل يندر ويقلّ فقد دنا من الوقوع في الفكر والتعرّض للذكر دنوّا لا يدنوه الأول الذي لا يطمع أن يدخل تحت الرؤية للزومه العدم، وامتناعه أن يجوز عليه إلّا التوهّم. ولا جرم، لمّا كان الأمر كذلك، كان للضرب الأول من الروعة والحسن، لصاحبه من الفضل في قوة الذّهن، ما لم يكن ذلك في الثاني، وقوي الحكم بحسب قوة العلة، وكثر الوصف الذي هو الغرابة، بحسب الجالب له.
وفي هذا التقرير ما تعلم به الطريق إلى التشبيه من أين تفاوت في كونه غريبا؟
ولم تفاضل في مجيئه عجيبا؟ وبأي سبب وجدت عند شيء منه من الهزّة ما لم
_________________
(١) راجع هامش ١ ص ١٢٠.
(٢) البيتان للصنوبري في ديوانه، وهما في الإيضاح ص ٢٠٧ تحقيق د. هنداوي.
[ ١٢٩ ]
تجده عند غيره علما يخرجك عن نقيصة التّقليد، ويرفعك عن طبقة المقتصر على الإشارة، دون البيان والإفصاح بالعبارة.
واعلم أن العبرة الثانية التي هي مرور الشيء على العيون، هو معنى واحد لا يتكثّر، ولكنه يقوى ويضعف كما مضى. وأما العبرة الأولى، وهي التفصيل، فإنها في حكم الشيء يتكثر وينضمّ فيه الشيء إلى الشيء. ألا ترى أن أحد التفصيلين يفضل الآخر بأن تكون قد نظرت في أحدهما إلى ثلاثة أشياء، أو ثلاث جهات، وفي الآخر إلى شيئين أو جهتين؟ والمثال في ذلك قول بشّار (١): [من الطويل]
كأنّ مثار النّفع فوق رءوسنا وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
مع قول المتنبي (٢): [من الطويل]
يزور الأعادي في سماء عجاجة أسنّته في جانبيها الكواكب
أو قول كلثوم بن عمرو (٣): [من الكامل]
تبني سنابكها من فوق أرؤسهم سقفا كواكبه البيض المباتير
التفصيل في الأبيات الثلاثة كأنه شيء واحد، لأن كل واحد منهم يشبّه لمعان السيوف في الغبار بالكواكب في الليل، إلّا أنك تجد لبيت بشّار من الفضل، ومن كرم الموقع ولطف التأثير في النفس، ما لا يقلّ مقداره، ولا يمكن إنكاره، وذلك لأنه راعى ما لم يراعه غيره، وهو أن جعل الكواكب تهاوى، فأتمّ الشّبه، وعبّر عن هيئة السيوف وقد سلّت من الأغماد وهي تعلو وترسب، وتجيء وتذهب، ولم يقتصر
_________________
(١) البيت في ديوانه، والإيضاح ص ٢١٣، تحقيق د. هنداوي، والمصباح ص ١٠٦، والشعر والشعراء ص ٧٥٩، ودلائل الإعجاز ص ٩٦، تحقيق د. محمود شاكر، والتبيان ص ١٩٨، والمفتاح ص ٣٣٧، ويروى «رءوسهم» بدلا من «رءوسنا». مثار النقع: الغبار الذي أثاره المتحاربون. تهاوى: أصلها تتهاوى خفف بحذف إحدى التاءين: تتساقط.
(٢) البيت في ديوانه ١/ ١١٩، والإيضاح ص ٢٣٦، تحقيق د. هنداوي، والتبيان للعكبري ١/ ٨٠. العجاجة: الغبار، الأسنة: أطراف الرماح، ضمير جانبيها للسماء أسنته مبتدأ خبره الكواكب. يقول: إن العجاجة لما ارتفعت في الهواء حجبت السماء فصارت سماء، وبدت الأسنة لامعة فيها كالكواكب فشبه العجاجة بالسماء، والأسنة بالكواكب، وهو كثير في أشعارهم.
(٣) البيت لعمرو بن كلثوم ويروى لكلثوم بن عمرو العتابي، من ولد عمرو بن كلثوم صاحب المعلقة في مطبوعة د. محمود شاكر وهو في الإيضاح ص ٢٣٦ تحقيق د. هنداوي.
[ ١٣٠ ]
على أن يريك لمعانها في أثناء العجاجة كما فعل الآخران، وكان لهذه الزيادة التي زادها حظّ من الدقة تجعلها في حكم تفصيل بعد تفصيل.
وذلك أنّا وإن قلنا إن هذه الزيادة وهي إفادة هيئة السيوف في حركاتها إنما أتت في جملة لا تفصيل فيها، فإنّ حقيقة تلك الهيئة لا تقوم في النّفس إلا بالنظر إلى أكثر من جهة واحدة، وذلك أن تعلم أنّ لها في حال احتدام الحرب، واختلاف الأيدي بها في الضرب، اضطرابا شديدا، وحركات بسرعة. ثم إن لتلك الحركات جهات مختلفة،
وأحوالا تنقسم بين الاعوجاج والاستقامة والارتفاع والانخفاض، وأنّ السيوف باختلاف هذه الأمور تتلاقى وتتداخل، ويقع بعضها في بعض ويصدم بعضها بعضا، ثم أن أشكال السيوف مستطيلة. فقد نظم هذه الدّقائق كلها في نفسه، ثم أحضرك صورها بلفظة واحدة، ونبّه عليها بأحسن التنبيه وأكمله بكلمة، وهي قوله: «تهاوى»، لأن الكواكب إذا تهاوت اختلفت جهات حركاتها، وكان لها في تهاويها تواقع وتداخل. ثم إنها بالتهاوي تستطيل أشكالها، فأمّا إذا لم تزل عن أماكنها فهي على صورة الاستدارة.
ويشبه هذا الموضع في زيادة أحد التشبيهين مع أن جنسهما جنس واحد، وتركيبهما على حقيقة واحدة بأنّ في أحدهما فضل استقصاء ليس في الآخر، قول ابن المعتزّ في الآذريون (١): [من الطويل]
وطاف بها ساق أديب بمبزل كخنجر عيّار صناعته الفتك
وحمّل آذريونة فوق أذنه ككأس عقيق في قرارتها مسك
مع قوله (٢): [من الرجز]
مداهن من ذهب فيها بقايا غالية
_________________
(١) البيت الأول في ديوانه ص ٣٥٣، طبعة دار صادر وقبله: فقد خفيت من صفوها، فكأنها بقايا يقين كاد يدركه الفتك والبيت الثاني في الإيضاح تحقيق د. هنداوي ص ٢٣٧. والكلام في الخمر، والمنزل: كمنبر وما يصفى به الشراب. الآذريون: ورد له أورق حمر في وسطه سواد.
(٢) البيت في ديوانه، وقبله: سقيا الروضات لنا من كل نور حاليه عيون آذريونها للشمس فيها كاليه والبيت في الإيضاح ص ٢٣٧ تحقيق د. هنداوي. والمداهن: جمع مدهن، بالضم لا غير: وهو آلة الدهن، وهو أحد ما شذّ من هذا الضرب على مفعل مما يستعمل من الأدوات.
[ ١٣١ ]
الأول ينقص عن الثاني شيئا، وذلك أن السواد الذي في باطن الآذريونة الموضوع بإزاء الغالية والمسك، فيه أمران:
أحدهما: أنه ليس بشامل لها، والثاني: أن هذا السواد ليس صورته صورة الدّرهم في قعرها، أعني أنه لم يستدر
هناك، بل ارتفع من قعر الدائرة حتى أخذ شيئا من سمكها من كلّ الجهات، وله في منقطعه هيئة تشبه آثار الغالية في جوانب المدهن، إذا كانت بقيّة بقيت عن الأصابع. وقوله: «في قرارتها مسك» يبيّن الأمر الأوّل، ويؤمن من دخول النقص عليه، كما كان يدخل لو قال: «ككأس عقيق فيها مسك»، ولم يشترط أن يكون في القرارة.
وأمّا الثاني: من الأمرين، فلا يدلّ عليه كما يدلّ قوله: «بقايا غالية»، وذلك من شأن المسك والشيء اليابس إذا حصل في شيء مستدير له قعر، أن يستدير في القعر ولا يرتفع في الجوانب الارتفاع الذي تراه في سواد الأذريونة. وأما الغالية فهي رطبة، ثم هي تؤخذ بالأصابع، وإذا كان كذلك، فلا بدّ في البقيّة منها من أن تكون قد ارتفعت عن القرارة، وحصلت بصفة شبيهة بذلك السواد، ثم هي لنعومتها ترقّ فتكون كالصبغ الذي لا جرم له يملك المكان، وذلك أصدق للشّبه.
ومن أبلغ الاستقصاء وعجيبه قول ابن المعتز: [من الطويل]
كأنّا وضوء الصّبح يستعجل الدّجى نطير غرابا ذا قوادم جون (١)
شبّه ظلام الليل حين يظهر فيه الصبح بأشخاص الغربان، ثم شرط أن تكون قوادم ريشها بيضا، لأن تلك الفرق من الظلمة تقع في حواشيها، من حيث تلا معظم الصبح وعموده لمع نور يتخيّل منها في العين كشكل قوادم إذا كانت بيضا.
وتمام التدقيق والسّحر في هذا التشبيه في شيء آخر، وهو أن جعل ضوء الصبح، لقوّة ظهوره ودفعه لظلام الليل، كأنه يحفز الدجى ويستعجلها ولا يرضى
_________________
(١) البيت في ديوانه ص ٤٤٠ طبعة دار صادر، وقبله: فجاءت بها في كأسها ذهبيّة لها حدق لم تتصل بجفون والبيت في الإيضاح ص ٢٣٤، تحقيق د. هنداوي. القوادم: قوادم ريش الطائر: ضد خوافيها، الواحدة: قادمة وخافية. ابن سيدة: القوادم: أربع ريشات في مقدم الجناح، والواحدة: قادمة، وهي القدامى، والمناكب اللواتي بعدهن إلى أسفل الجناح والخوافي ما بعد المناكب، والأباهر من بعد الخوافي. والجون: الأبيض. وأيضا الأسود المشرب حمرة. فهو من الأضداد.
[ ١٣٢ ]
منها بأن تتمهّل في حركتها. ثم لما بدأ بذلك أوّلا اعتبره في التشبيه آخرا فقال:
«نطير غرابا»، ولم يقل: «غراب يطير» مثلا، وذلك أن الغراب وكلّ طائر إذا كان واقعا هادئا في مكان، فأزعج
وأخيف وأطير منه، أو كان قد حبس في يد أو قفص فأرسل، كان ذلك لا محالة أسرع لطيرانه وأعجل وأمدّ له وأبعد لأمده، فإنّ تلك الفزعة التي تعرض له من تنفيره، أو الفرحة التي تدركه وتحدث فيه من خلاصه وانفلاته، ربما دعته إلى أن يستمرّ حتى يغيب عن الأفق ويصير إلى أن يستمرّ حتى يغيب عن الأفق ويصير إلى حيث لا تراه العيون، وليس كذلك إذا طار عن اختيار، لأنه يجوز حينئذ أن يصير إلى مكان قريب من مكانه الأوّل، وأن لا يسرع في طيرانه، بل يمضي على هينته، ويتحرّك حركة غير المستعجل، فاعرفه.
ومما حقّه أن يكون على فرط الاستقصاء في التشبيه وفضل العناية بتأكيد ما بدئ به، قول أبي نواس في صفة البازي: [من الرجز]
كأنّ عينيه إذا ما أتأرا فصّان قيضا من عقيق أحمرا
في هامة غلباء تهدي منسرا كعطفة الجيم بكفّ أعسرا (١)
أراد أن يشبّه المنقار بالجيم، والجيم خطّان: الأول: الذي هو مبدأه وهو الأعلى، والثاني: وهو الذي يذهب إلى اليسار، وإذا لم توصل فلها تعريق ٤ كما لا يخفى، والمنقار إنّما يشبه الخطّ الأعلى فقط. فلما كان كذلك قال: «كعطفة الجيم» ولم يقل: «كالجيم»، ثم دقّق بأن جعلها بكف أعسر، لأن جيم الأعسر قالوا أشبه بالمنقار من جيم الأيمن. ثم إنه أراد أن يؤكّد أنّ الشبه مقصور على الخط الأعلى من شكل الجيم فقال: [من الرجز]
يقول من فيها بعقل فكّرا ولو زادها عينا إلى فاء ورا (٢)
فاتّصلت بالجيم صارت جعفرا فأراك عيانا أنه عمد في التشبيه إلى الخط الأول من الجيم دون تعريقها، ودون
_________________
(١) البيتان في ديوانه ص ٢١٥ وهما من عدة أبيات قالها أبو نواس في نعت البازي، وقبلهما: أبرش بطنان الجناح أقمرا أرقط ضاحي الدفتين أنمرا كأن شدقيه إذا تضورا صدغان من عرعرة تفطرا أثأر: أدرك ثأره، قضّا: شقا. المنسر: منقار البازي.
(٢) البيتان لأبي نواس في ديوانه ص ٢١٥، وهما من تمام الأرجوزة وتمام البيت الثاني: فالطير يلقاه مدقا مدسرا
[ ١٣٣ ]
الخط الأسفل. أما أمر «التعريق» وإخراجه من التشبيه فواضح، لأن الوصل يسقط التعريق أصلا، وأما الخط الثاني
فهو، وإن كان لا بد منه مع الوصل. فإنه إذ قال:
«لو زادها عينا إلى فاء ورا» ثم قال: «فاتصلت بالجيم»، فقد بيّن أن هذا الخط الثاني خارج أيضا من قصده في التشبيه، من حيث كانت زيادة هذه الحروف ووصلها هي السبب في حدوثه. وينبغي أن يكون قوله: «بالجيم»، يعني بالعطفة المذكورة من الجيم. ولأجل هذه الدقة قال: «يقول من فيها بعقل فكّرا»، فمهّد لما أراد أن يقول، ونبّه على أنّ بالمشبّه حاجة إلى فضل فكر، وأن يكون فكره فكر من يراجع عقله ويستعينه على تمام البيان.
وجملة القول أنك متى زدت في التشبيه على مراعاة وصف واحد أو جهة واحدة، فقد دخلت في التفصيل والتركيب، وفتحت باب التفاضل، ثم تختلف المنازل في الفضل، بحسب الصّورة في استنفادك قوّة الاستقصاء، أو رضاك بالعفو دون الجهد.