(١/ ٥١١) الفعل مع المفعول كالفعل مع الفاعل، فى أنّ الغرض من ذكره معه (١) إفادة تلبّسه به، لا إفادة وقوعه مطلقا؛ فإذا لم يذكر (٢) معه، فالغرض إن كان إثباته لفاعله أو نفيه عنه مطلقا (٣): نزّل منزلة اللازم، ولم يقدّر له مفعول؛ لأن المقدّر كالمذكور، وهو ضربان؛ لأنه إما أن يجعل الفعل مطلقا كناية (٤) عنه متعلقا بمفعول مخصوص، دلّت عليه قرينة أو لا (٥).
(١/ ٥١٣) الثانى: كقوله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٦).
السّكّاكىّ: ثم إذا كان المقام خطابيّا (٧) لا استدلاليّا (٨)، أفاد ذلك (٩) مع التعميم (١٠)؛ دفعا للتحكّم (١١):
والأول (١٢): كقول البحترىّ فى المعتزّ بالله [من الخفيف]:
شجو حسّاده وغيظ عداه أن يرى مبصر ويسمع واعي (١٣)
أى: أن يكون ذو رؤية، وذو سمع، فيدرك محاسنه وأخباره الظاهرة الدالّة على استحقاقه الإمامة دون غيره؛ فلا يجدوا إلى منازعته سبيلا.
_________________
(١) أى: من ذكر كل من الفاعل والمفعول مع الفعل، أو ذكر الفعل مع كل منهما.
(٢) أى: المفعول به مع الفعل المتعدى.
(٣) أى: من غير اعتبار عموم فى الفعل أو خصوص فيه، ومن غير اعتبار تعلقه من وقع عليه.
(٤) أى عن ذلك الفعل.
(٥) أى أو لا يجعل ذلك.
(٦) الزمر: ٩.
(٧) أى يكتفى فيه بمجرد الظن.
(٨) يطلب فيه اليقين البرهانى.
(٩) أى كون الغرض ثبوته لفاعله أو نفيه عنه مطلقا.
(١٠) أى فى أفراد الفعل.
(١١) اللازم من حمله على فرد دون آخر.
(١٢) وهو أن يجعل الفعل مطلقا كناية عنه متعلقا بمفعول مخصوص.
(١٣) البيت أورده محمد بن على الجرجانى فى الإشارات ص ٨١.
[ ١ / ٤٣ ]
وإلا (١) وجب التقدير بحسب القرائن.
(١/ ٥١٨) ثم الحذف: إمّا للبيان بعد الإبهام- كما فى فعل المشيئة- ما لم يكن تعلقه به غريبا؛ نحو: فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (٢) بخلاف نحو [من الطويل]:
ولو شئت أن أبكى دما لبكيته
وأما قوله (٣) [من الطويل]:
ولم يبق منّى الشّوق غير تفكّرى فلو شئت أن أبكى بكيت تفكّرا
فليس منه؛ لأنّ المراد بالأول البكاء الحقيقىّ.
(١/ ٥٢٠) وإمّا لدفع توهّم إرادة غير المراد ابتداء؛ كقوله (٤) [من الطويل]:
وكم ذدت عنّى من تحامل حادث وسورة أيّام حزرن إلى العظم!
إذ لو ذكر اللحم، لربّما توهّم قبل ذكر ما بعده أن الحزّ لم ينته إلى العظم.
(١/ ٥٢١) وإما لأنه أريد ذكره ثانيا على وجه يتضمّن إيقاع الفعل على صريح لفظه؛ إظهارا لكمال العناية بوقوعه (٥) عليه (٦)؛ كقوله (٧) [من الخفيف]:
قد طلبنا فلم نجد لك فى السّؤ دد والمجد والمكارم مثلا
ويجوز أن يكون السبب ترك مواجهة الممدوح بطلب مثل له.
(١/ ٥٢٢) وإمّا للتعميم مع الاختصار؛ كقولك: قد كان منك ما يؤلم، أى: كلّ أحد؛ وعليه: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ (٨).
_________________
(١) أى وإن لم يكن الغرض عند عدم ذكر المفعول المتعدى المسند إلى فاعله إثباته لفاعله أو نفيه عنه مطلقا بل قصد تعلقه بمفعول غير مذكور.
(٢) الأنعام: ١٤٩.
(٣) هو للجوهرى من شعراء الصاحب بن عباد.
(٤) البيت للبحترى، أورده محمد بن على الجرجانى فى الإشارات ص ٨٢.
(٥) أى الفعل الثانى.
(٦) أى على المفعول.
(٧) البيت للبحترى التخريج السابق.
(٨) يونس: ٢٥.
[ ١ / ٤٤ ]
(١/ ٥٢٣) وإمّا لمجرّد الاختصار عند قيام قرينة؛ نحو: أصغيت إليه، أى:
أذني؛ وعليه: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ (١) أى: ذاتك.
(١/ ٥٢٤) وإما للرعاية على الفاصلة نحو: ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٢).
(١/ ٥٢٤) وإما لاستهجان ذكره؛ كقول عائشة ﵂: (ما رأيت منه؛ ولا رأى منّي) (٣) أى: العورة.
(١/ ٥٢٤) وإما لنكتة أخرى.
(١/ ٥٢٥) - وتقديم مفعوله، ونحوه عليه: لردّ الخطأ فى التعيين؛ كقولك:
«زيدا عرفت» لمن اعتقد أنك عرفت إنسانا، وإنه غير زيد، وتقول لتأكيده لا غيره؛ ولذلك (٤) لا يقال: «ما زيدا ضربت ولا غيره»، ولا: «ما زيدا ضربت، ولكن أكرمته».
وأما نحو: «زيدا عرفته» فتأكيد إن قدّر المفسّر قبل المنصوب؛ وإلا فتخصيص.
وأمّا نحو: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ (٥): فلا يفيد إلا التخصيص؛ وكذلك قولك: «بزيد مررت».
(١/ ٥٢٨) والتخصيص لازم للتقديم غالبا؛ ولهذا يقال فى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٦) معناه: نخصّك بالعبادة والاستعانة، وفى: لَإِلَى اللَّهِ
_________________
(١) الأعراف: ١٤٣.
(٢) الضحى: ٣.
(٣) أخرجه الطبرانى فى «الصغير» (ص ٢٧) ومن طريقه أبو نعيم (٨/ ٣٤٧) والخطيب (١/ ٢٢٥) وفى سنده «بركة بن محمد الحلبي»، ولا بركة فيه، فإنه كذاب وضاع. وقد ذكر الحافظ ابن حجر له هذا الحديث فى «اللسان» (٢/ ١٣) وقال: تفرد به بركة، وعدّه من أباطيله. وقال ابن عدى فى «مختصر الكامل» ص ١٩٤: «وسائر أحاديث بركة مناكير باطلة كلها لا يرد بها غيره، وله من الأحاديث البواطل عن الثقات غير ما ذكرته، وهو ضعيف كما قال عبدان» راجع آداب الزفاف للشيخ الألبانى ص ٣٤.
(٤) فى بعض النسخ «ولهذا».
(٥) فصلت: ١٧.
(٦) الفاتحة: ٥.
[ ١ / ٤٥ ]
تُحْشَرُونَ (١) معناه: إليه لا إلى غيره.
ويفيد فى الجميع- وراء التخصيص- اهتماما بالمقدّم؛ ولهذا يقدّر فى (باسم الله) مؤخّرا. وأورد: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ (٢): وأجيب: بأنّ الأهمّ فيه القراءة، وبأنّه متعلّق ب (اقرأ) الثانى، ومعنى الأول: أوجد القراءة.
(١/ ٥٣٠) وتقديم بعض معمولاته على بعض لأنّ أصله التقديم، ولا مقتضى للعدول عنه؛ كالفاعل فى نحو: «ضرب زيد عمرا»، والمفعول الأوّل فى نحو:
«أعطيت زيدا درهما». أو لأنّ ذكره أهمّ؛ كقولك: «قتل الخارجىّ فلان». أو لأنّ فى التأخير إخلالا ببيان المعنى؛ نحو: وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ (٣) فإنه لو أخّر مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ عن قوله: يَكْتُمُ إِيمانَهُ- لتوهّم أنه من صلة (يكتم)؛ فلا يفهم أنه منهم.
أو بالتناسب كرعاية الفاصلة؛ نحو: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (٤).