فيجعل غير السائل كالسائل: إذا قدّم إليه ما يلوّح له بالخبر؛ فيستشرف له استشراف الطالب المتردّد؛ نحو: وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (١).
(١/ ٢٤٧) وغير (٢) المنكر كالمنكر: إذا لاح عليه شيء من أمارات الإنكار؛ نحو (٣) [من السريع]:
جاء شقيق عارضا رمحه إنّ بنى عمّك فيهم رماح
(١/ ٢٤٨) والمنكر كغير المنكر (٤): إذا كان معه ما إن تأمّله ارتدع؛ نحو:
لا رَيْبَ فِيهِ (٥).
(١/ ٢٤١) وهكذا اعتبارات النّفى.
ثم الإسناد:
(١/ ٢٥٧) ١ - منه: حقيقة عقلية، وهى: إسناد الفعل- أو معناه- إلى ما هو له عند المتكلّم، فى الظاهر؛ كقول المؤمن: أنبت الله البقل، وقول الجاهل: أنبت الرّبيع البقل، وقولك: جاء زيد، وأنت تعلم أنه لم يجىء.
(١/ ٢٦٣) ٢ - ومنه: مجاز عقلىّ، وهو: إسناده إلى ملابس له غير ما هو له بتأوّل.
وله (٦) ملابسات شتّى: يلابس الفاعل، والمفعول به، والمصدر، والزمان،
_________________
(١) المؤمنون: ٢٧.
(٢) أى ويجعل غير المنكر كالمنكر.
(٣) البيت لحجل بن نضلة الباهلى، وهو شاعر جاهلى، والبيت فى «دلائل الإعجاز» للجرجانى، ص ٣٠٤، ٣١٢ و«الإيضاح» للقزوينى، (٦)، والمصباح لبدر الدين بن مالك (١/ ٢٠).
(٤) أى: ويجعل المنكر كغير المنكر.
(٥) البقرة: ٢.
(٦) أى للفعل، أو معناه.
[ ١ / ١٧ ]
والمكان والسبب:
فإسناده إلى الفاعل أو المفعول به- إذا كان مبنيّا له حقيقة كما مرّ.
وإلى غيرهما- للملابسة-: مجاز؛ كقولهم: عيشة راضية، وسيل مفعم، وشعر شاعر، ونهاره صائم، ونهر جار، وبنى الأمير المدينة.
(١/ ٢٦٨) وقولنا: «بتأوّل»: يخرج ما مرّ من قول الجاهل؛ ولهذا لم يحمل نحو قوله (١) [من المتقارب]:
أشاب الصّغير وأفنى الكبي ر كرّ الغداة ومرّ العشى
على المجاز؛ ما لم يعلم أو يظنّ بأنّ قائله لم يرد ظاهره؛ كما استدلّ على أنّ إسناد «ميّز» فى قول أبى النّجم [من الرجز]:
ميّز عنه قنزعا عن قنزع جذب اللّيالى أبطئ أو أسرعي (٢)
مجاز بقوله عقيبه [من الرجز]:
أفناه قيل الله للشّمس اطلعى
(١/ ٢٧٢) وأقسامه أربعة: لأنّ طرفيه:
إمّا حقيقتان: نحو: أنبت الربيع البقل.
أو مجازان: نحو: أحيا الأرض شباب الزّمان.
أو مختلفان: نحو: أنبت البقل شباب الزمان، وأحيا الأرض الربيع.
(١/ ٢٧٤) وهو فى القرآن كثير: وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا (٣)،
_________________
(١) البيت للصلتان العبدى أورده بدر الدين بن مالك فى المصباح ص ١٤٤ بلا عزو، وعبد القاهر الجرجانى فى أسرار البلاغة ص ٢٤٤.
(٢) أورده بدر الدين بن مالك فى المصباح ص ١٤٥، وفخر الدين الرازى فى نهاية الإيجاز ص ١٨٢، وعزاه لأبى النجم. وميز عنه: أى: عن الرأس. القنزع: أي: الشعر المجتمع فى نواحى الرأس. جذب الليالى: أى: مضيها واختلافها. أبطئ أو أسرعى: حال من الليالى، على تقدير القول، أى: مقولا فيها.
(٣) الأنفال: ٢.
[ ١ / ١٨ ]
يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ (١)، يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما (٢)، يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيبًا (٣)، وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٤).
(١/ ٢٧٥) وهو غير مختصّ بالخبر، بل يجرى فى الإنشاء؛ نحو يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا (٥).
(١/ ٢٧٥) ولا بدّ له من قرينة:
لفظيّة: كما مرّ.
أو معنويّة: كاستحالة قيام المسند بالمذكور:
عقلا: كقولك: محبّتك جاءت بى إليك.
أو عادة: نحو: هزم الأمير الجند.
وكصدوره عن الموحّد فى مثل [من المتقارب]:
أشاب الصّغير
(١/ ٢٧٦) ومعرفة حقيقته:
إمّا ظاهرة: كما فى قوله تعالى: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ (٦) أى: فما ربحوا فى تجارتهم.
وإمّا خفيّة: كما فى قولك: سرّتنى رؤيتك، أى: سرّنى الله عند رؤيتك، وقوله [من مجزوء الوافر]:
يزيدك وجهه حسنا إذا ما زدته نظرا (٧)
أى: يزيدك الله حسنا فى وجهه.
_________________
(١) القصص: ٤.
(٢) الأعراف: ٢٧.
(٣) المزمل: ١٧.
(٤) الزلزلة: ٢.
(٥) غافر: ٣٦.
(٦) البقرة: ١٦.
(٧) البيت لأبى نواس الشاعر، أورده فخر الدين الرازى فى نهاية الإيجاز ص ١٧٧ بلا عزو.
[ ١ / ١٩ ]
(١/ ٢٧٨) وأنكره (١) السكاكىّ؛ ذاهبا إلى: (أنّ ما مرّ ونحوه استعارة بالكناية؛ على أنّ المراد بالربيع الفاعل الحقيقيّ؛ بقرينة نسبة الإنبات إليه، وعلى هذا القياس غيره):
وفيه نظر (٢):
أ- لأنه يستلزم أن يكون المراد ب «عيشة» فى قوله تعالى: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٣): صاحبها؛ كما سيأتى.
- ألّا تصحّ الإضافة فى نحو: «نهاره صائم»؛ لبطلان إضافة الشيء إلى نفسه.
- وألّا يكون الأمر بالبناء لهامان.
- وأن يتوقّف نحو: «أنبت الربيع البقل» على السمع.
واللوازم كلّها منتفية.
ب- ولأنه ينتقض بنحو: «نهاره صائم»؛ لاشتماله على ذكر طرفى التشبيه.