(٢/ ١٨٠) والغرض من التشبيه- فى الأغلب- أن يعود إلى المشبّه، وهو: بيان إمكانه؛ كما فى قوله (٣) [من الوافر]:
فإن تفق الأنام وأنت منهم فإنّ المسك بعض دم الغزال
أو حاله؛ كما فى تشبيه ثوب بآخر فى السواد، أو مقدارها؛ كما فى تشبيهه بالغراب فى شدّته، أو تقريرها؛ كما فى تشبيه من لا يحصل من سعيه على طائل بمن يرقم على الماء.
(٢/ ١٨٢) وهذه الأربعة تقتضى أن يكون وجه الشّبه فى المشبّه به أتمّ، وهو به أشهر.
_________________
(١) أى فى التضاد.
(٢) الكهف: ٤٥.
(٣) البيت للمتنبى من قصيدة يرثى فيها والد سيف الدولة، ديوانه ٣/ ١٥١، والإشارات ص ١٨٧.
[ ١ / ٧٨ ]
أو تزيينه؛ كما فى تشبيه وجه أسود بمقلة الظبى، أو تشويهه؛ كما فى تشبيه وجه مجدور بسلحة جامدة قد نقرتها الدّيكة.
أو استظرافه؛ كما فى تشبيه فحم فيه جمر موقد، ببحر من المسك موجه الذهب، لإبرازه فى صورة الممتنع عادة.
(٢/ ١٨٥) وللاستظراف وجه آخر، وهو: أن يكون المشبّه به نادر الحضور فى الذهن: إما مطلقا؛ كما مر.
وإما عند حضور المشبه؛ كما فى قوله [من البسيط] (١):
ولا زورديّة تزهو بزرقتها بين الرّياض على حمر اليواقيت
كأنّها فوق قامات ضعفن بها أوائل النّار فى أطراف كبريت
(٢/ ١٨٧) وقد يعود إلى المشبّه به، وهو ضربان:
أحدهما: إيهام أنه أتم من المشبه؛ وذلك فى التشبيه المقلوب؛ كقوله (٢) [من الكامل]:
وبدا الصّباح كأنّ غرّته وجه الخليفة حين يمتدح
والثانى: بيان الاهتمام به؛ كتشبيه الجائع وجها كالبدر فى الإشراق، والاستدارة بالرغيف؛ ويسمّى هذا إظهار المطلوب.
(٢/ ١٨٨) هذا إذا أريد إلحاق الناقص- حقيقة أو ادعاء- بالزائد، فإن أريد الجمع بين شيئين فى أمر: فالأحسن ترك التشبيه إلى الحكم بالتشابه؛ احترازا من ترجيح أحد المتساويين؛ كقوله [من الطويل]:
تشابه دمعى إذ جرى ومدامتى فمن مثل ما فى الكأس عينى تسكب
فو الله، ما أدرى أبالخمر أسبلت جفونى أم من عبرتى كنت أشرب (٣)
(٢/ ١٩٠) ويجوز التشبيه- أيضا- كتشبيه غرّة الفرس بالصبح، وعكسه،
_________________
(١) البيتان لابن المعتز، أوردهما الطيبى فى التبيان ١/ ٢٧٣ بتحقيقى، والعلوى فى الطراز ١/ ٢٦٧ واللازوردية: البنفسجية، نسبة إلى اللازورد، وهو حجر نفيس.
(٢) البيت لمحمد بن وهيب، الإشارات ص ١٩١، والطيبى فى شرح المشكاة ١/ ١٠٨ بتحقيقي.
(٣) البيتان لأبى إسحاق الصابى فى الإشارات ص ١٩٠، الأسرار ص ١٥٦.
[ ١ / ٧٩ ]
متى أريد ظهور منير فى مظلم أكثر منه.
(٢/ ١٩٠) وهو باعتبار طرفيه:
إمّا تشبيه مفرد بمفرد، وهما غير مقيّدين؛ كتشبيه الخد بالورد. أو مقيّدان؛ كقولهم: هو كالراقم على الماء. أو مختلفان؛ كقولهم [من الرجز]:
والشّمس كالمرآة فى كفّ الأشلّ (١)
وعكسه (٢).
وإمّا تشبيه مركّب بمركب؛ كما فى بيت بشّار (٣).
وإما تشبيه مفرد بمركّب؛ كما مرّ فى تشبيه الشقيق.
وإما تشبيه مركّب بمفرد؛ كقوله [من الكامل]:
يا صاحبىّ تقصّيا نظريكما تريا وجوه الأرض كيف تصوّر
تريا نهارا مشمسا قد شابه زهر الرّبا فكأنّما هو مقمر (٤)
(٢/ ١٩٥) وأيضا: إن تعدّد طرفاه: فإما ملفوف؛ كقوله (٥) [من الطويل]:
كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا لدى وكرها العنّاب والحشف البالي
أو مفروق؛ كقوله (٦) [من السريع:]
النّشر مسك والوجوه دنا نير وأطراف الأكفّ عنم
(٢/ ١٩٦) وإن تعدّد طرفه الأول: فتشبيه التسوية؛ كقوله [من المجتث]:
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) كتشبيه المرآة فى كف الأشلّ بالشمس.
(٣) يعنى قوله: كأن مثار النقع فوق رءسنا وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
(٤) البيتان لأبى تمام من قصيدة يمدح فيها المعتصم، ديوانه ٢/ ١٩٤ والإشارات ص ١٨٣.
(٥) البيت لامرئ القيس فى ديوانه ص ٣٨، والإشارات ص ١٨٢.
(٦) البيت للمرقش الأكبر ربيعة بن سعد بن مالك، والعنم: شجر لين الأغصان. الإشارات ص ١٨٢، والأسرار ص ١٢٣.
[ ١ / ٨٠ ]
صدغ الحبيب وحالى كلاهما كالّليالى
(٢/ ١٩٦) وإن تعدّد طرفه الثانى: فتشبيه الجمع؛ كقوله (١) [من السريع]:
كأنّما يبسم عن لؤلؤ منضّد أو برد أو أقاح
(٢/ ١٩٨) وباعتبار وجهه:
إمّا تمثيل (٢)، وهو ما وجهه منتزع من متعدّد؛ كما مر (٣)، وقيده السكاكى بكونه غير حقيقي؛ كما فى تشبيه مثل اليهود بمثل الحمار.
(٢/ ٢٠١) وإمّا غير تمثيل، وهو بخلافه.
وأيضا: إمّا مجمل، وهو ما لم يذكر وجهه: فمنه: ما هو ظاهر يفهمه كلّ أحد؛ نحو: «زيد كالأسد»، ومنه: خفى لا يدركه إلا الخاصّة؛ كقول بعضهم: «هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها؟ !» أى: هم متناسبون فى الشرف كما أنها متناسبة الأجزاء فى الصورة.
(٢/ ٢٠٢) وأيضا: منه: ما لم يذكر فيه وصف أحد الطرفين، ومنه: ما ذكر فيه وصف المشبّه به وحده، ومنه: ما ذكر فيه وصفهما؛ كقوله (٤) [من البسيط]:
صدفت عنه ولم تصدف مواهبه عنّى وعاوده ظنّى فلم يخب
كالغيث إن جئته وافاك ريّقه وإن ترحّلت عنه لجّ فى الطّلب
(٢/ ٢٠٣) وإما مفصّل، وهو ما ذكر فيه وجهه؛ كقوله [من المجتث]:
وثغره فى صفاء وأدمعى كالّلآلي
(٢/ ٢٠٣) وقد يتسامح بذكر ما يستتبعه مكانه؛ كقولهم للكلام الفصيح:
_________________
(١) البيت للبحترى، وفى ديوانه: (كأنما يضحك) بدلا من (كأنما يبسم)، والبيت من قصيدة يمدح فيها عيسى بن إبراهيم، ديوانه ١/ ٤٣٥ والإشارات ص ١٨٣.
(٢) السيد يعتبر التركيب فى طرفيه أيضا، والسعد لا يعتبر ذلك، والزمخشرىّ يجعل التمثيل مرادفا للتشبيه، وعبد القاهر يقيد التشبيه بالعقلى.
(٣) من تشبيه الثريا، وتشبيه مثار النقع مع الأسياف، وتشبيه الشمس بالمرآة فى كف الأشل.
(٤) البيت لأبى تمام فى ديوانه ١/ ١١٣، من قصيدة يمدح فيها الحسن بن سهل، ريّقه: أفضله.
[ ١ / ٨١ ]
«هو كالعسل فى الحلاوة»؛ فإنّ الجامع فيه لازمها، وهو ميل الطبع.
(٢/ ٢٠٥) وأيضا: إما قريب مبتذل، وهو ما ينتقل من المشبّه إلى المشبّه به من غير تدقيق نظر؛ لظهور وجهه فى بادئ الرأي؛ لكونه أمرا جمليّا؛ فإنّ الجملة أسبق إلى النفس. أو قليل التفصيل مع غلبة حضور المشبّه به فى الذهن: إما عند حضور المشبّه؛ لقرب المناسبة؛ كتشبيه الجرّة الصغيرة بالكوز، فى المقدار والشكل. أو مطلقا؛ لتكرّره على الحس؛ كالشمس بالمرآة المجلوّة فى الاستدارة والاستنارة؛ لمعارضة كلّ من القرب والتفصيل.
(٢/ ٢٠٧) وإما بعيد غريب، وهو بخلافه؛ لعدم الظهور: إما لكثرة التفصيل؛ كقوله: والشمس كالمرآة، أو ندور حضور المشبّه به: إمّا عند حضور المشبّه؛ لبعد المناسبة؛ كما مر. وإمّا مطلقا؛ لكونه وهميّا، أو مركبا خياليّا، أو عقليّا؛ كما مر. أو لقلّة تكرّره (١) على الحس؛ كقوله: والشمس كالمرآة؛ فالغرابة فيه من وجهين (٢).
(٢/ ٢٠٨) والمراد بالتفصيل: أن تنظر فى أكثر من وصف، ويقع على وجوه، أعرفها: أن تأخذ بعضا، وتدع بعضا؛ كما فى قوله (٣) [من الطويل]:
حملت ردينيّا كأنّ سنانه سنا لهب لم يختلط بدخان
(٢/ ٢١٠) وأن تعتبر الجميع؛ كما مرّ من تشبيه الثريا. وكلّما كان التركيب من أمور أكثر، كان التشبيه أبعد.
والبليغ: ما كان من هذا الضّرب؛ لغرابته، ولأنّ نيل الشيء بعد طلبه ألذّ.
وقد يتصرف فى القريب بما يجعله غريبا؛ كقوله (٤) [من الكامل]:
لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا إلّا بوجه ليس فيه حياء
_________________
(١) أى المشبه به.
(٢) أحدهما كثرة التفصيل فى وجه الشبه، والثانى قلة التكرر على الحس.
(٣) البيت لامرئ القيس وليس فى ديوانه، الإشارات ص ١٩٦، ويروى (يتصل) بدلا من (يختلط). الردينى: الرمح منسوب لامرأة تسمى ردينة اشتهرت بصناعة الرماح.
(٤) البيت للمتنبى.
[ ١ / ٨٢ ]
وقوله (١) [من الكامل]:
عزماته مثل النّجوم ثواقبا لو لم يكن للثّاقبات أفول
ويسمّى هذا: التشبيه المشروط.
(٢/ ٢١٢) وباعتبار أداته: إما مؤكّد، وهو ما حذفت أداته؛ مثل قوله تعالى: وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ (٢)، ومنه نحو [الكامل]:
والرّيح تعبث بالغصون وقد جرى ذهب الأصيل على لجين الماء
أو مرسل، وهو بخلافه؛ كما مر.
(٢/ ٢١٤) وباعتبار الغرض:
إما مقبول، وهو الوافى بإفادته؛ كأن يكون المشبّه به أعرف شيء بوجه الشبه فى بيان الحال. أو أتمّ شيء فيه فى إلحاق الناقص بالكامل. أو مسلّم الحكم فيه معروفه عند المخاطب فى بيان الإمكان. أو مردود؛ وهو بخلافه.