(١/ ٣٨٤) ووافقه السّكّاكىّ على ذلك؛ إلا أنه قال: التقديم يفيد الاختصاص إن:
١ - جاز تقدير كونه (١) فى الأصل مؤخّرا على أنه فاعل معنى فقط؛ نحو:
(أنا قمت).
٢ - وقدّر (٢).
وإلّا فلا يفيد إلا تقوّى الحكم، سواء جاز كما مر ولم يقدّر، أو لم يجز؛ نحو:
«زيد قام».
واستثنى المنكّر، بجعله من باب: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا (٣) أى:
على القول بالإبدال من الضمير؛ لئلا ينتفى التخصيص إذ لا سبب له سواه؛ بخلاف المعرّف.
(١/ ٣٨٦) ثم قال: «وشرطه ألّا يمنع من التخصيص مانع؛ كقولنا: «رجل جاءني» على ما مرّ، دون قولهم: «شرّ أهرّ ذا ناب»:
_________________
(١) أى المسند إليه.
(٢) السعد: التقديم يفيد الاختصاص إن جاز تقدير كونه (أى المسند إليه) فى الأصل مؤخرا على أنه فاعل معنى فقط (لا لفظا) نحو أنا قمت (فإنه يجوز أن يقدر أن أصله: قمت أنا فاعلا معنى تأكيدا لفظا) وقدر (عطف على جاز يعنى أن إفادة التخصيص مشروطة بشرطين أحدهما جواز التقدير، والآخر أن يعتبر ذلك، أى يقدر أنه كان فى الأصل مؤخرا).
(٣) الأنبياء: ٣.
[ ١ / ٢٩ ]
أمّا على التقدير الأول (١): فلامتناع أن يراد: المهرّ شرّ لا خير.
وأمّا على الثاني (٢): فلنبوّه عن مظانّ استعماله.
وإذ قد صرّح الأئمة بتخصيصه، حيث تأوّلوه ب: (ما أهّر ذا ناب إلا شرّ):
فالوجه تفظيع شأن الشرّ بتنكيره:
(١/ ٣٨٧) وفيه نظر:
١ - إذ الفاعل اللفظى والمعنوى سواء فى امتناع التقديم، ما بقيا على حالهما؛ فتجويز تقديم المعنوى دون اللفظى تحكّم.
٢ - ثم لا نسلّم انتفاء التخصيص لولا تقدير التقديم؛ لحصوله بغيره؛ كما ذكره.
٣ - ثم لا نسلّم امتناع أن يراد: «المهرّ شرّ لا خير».
(١/ ٣٨٩) ثم قال: «ويقرب من (هو قام): (زيد قائم) فى التقوّى؛ لتضمّنه الضمير، وشبّهه (٣) بالخالى عنه (٤): من جهة عدم تغيّره فى التكلّم والخطاب والغيبة؛ ولهذا لم يحكم بأنه جملة، ولا عومل معاملتها فى البناء».
(١/ ٣٩١) وممّا يرى تقديمه كاللازم: لفظ «مثل» و«غير» فى نحو: (مثلك لا يبخل)، و: (غيرك لا يجود) بمعنى: أنت لا تبخل، و(أنت تجود) من غير إرادة تعريض لغير المخاطب (٥)، لكونه أعون على المراد (٦) بهما.
(١/ ٣٩٣) قيل: وقد يقدّم؛ لأنه دالّ على العموم؛ نحو: (كلّ إنسان لم
_________________
(١) يعنى تخصيص الجنس.
(٢) يعنى تخصيص الواحد.
(٣) أى السكاكى.
(٤) أى: عن الضمير.
(٥) لغير المخاطب هكذا فى بعض النسخ، وفى البعض الآخر بغير المخاطب بالباء، والمراد أنه لا يراد بالمثل والغير إنسان آخر مماثل للمخاطب، أو غير مماثل، بل المراد نفى البخل عنه على طريق الكناية.
(٦) أى بهذين التركيبين لأن الغرض منهما إثبات الحكم بطريق الكناية التى هى أبلغ من التصريح والتقديم لإفادته التقوى أعون على ذلك.
[ ١ / ٣٠ ]
يقم)؛ بخلاف ما لو أخّر؛ نحو: (لم يقم كلّ إنسان)؛ فإنه يفيد نفى الحكم عن جملة الأفراد، لا عن كلّ فرد؛ وذلك لئلا يلزم ترجيح التأكيد على التأسيس؛ لأن الموجبة المهملة المعدولة المحمول فى قوّة السالبة الجزئيّة المستلزمة نفى الحكم عن الجملة دون كلّ فرد، والسالبة المهملة فى قوة السالبة الكليّة المقتضية للنفى عن كلّ فرد؛ لورود موضوعها فى سياق النفى:
(١/ ٣٩٧) وفيه نظر:
١ - لأنّ النفى عن الجملة فى الصورة الأولى (١)، وعن كلّ فرد فى الثانية (٢):
إنما أفاده الإسناد إلى ما أضيف إليه «كلّ» (٣)، وقد زال ذلك الإسناد؛ فيكون تأسيسا لا تأكيدا.
٢ - ولأنّ الثانية (٤) إذا أفادت النفى عن كل فرد، فقد أفادت النفى عن الجملة، فإذا حملت على الثانى لا يكون «كلّ» (٥) تأسيسا، ولأنّ النكرة المنفيّة إذا عمّت، كان قولنا «لم يقم إنسان» كلية لا مهملة.
(١/ ٤٠٠) وقال عبد القاهر: «إن كانت كلمة «كلّ» داخلة فى حيّز النفى بأن أخّرت عن أداته؛ نحو [من البسيط]»:
ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه (٦)
أو معمولة للفعل المنفيّ؛ نحو: «ما جاءنى القوم كلّهم»، أو: «ما جاءنى كلّ القوم»، أو: «لم آخذ كلّ الدراهم»، أو: «كلّ الدراهم لم آخذ» -:
توجّه النفى إلى الشمول خاصّة، وأفاد ثبوت الفعل أو الوصف لبعض، أو تعلّقه به.
_________________
(١) وهى كل إنسان لم يقم.
(٢) وهى لم يقم كل إنسان.
(٣) وهو لفظ إنسان.
(٤) وهى لم يقم كل إنسان.
(٥) فى بعض النسخ، حذفت «كل».
(٦) عجز البيت للمتنبى، وعجزه: تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن
[ ١ / ٣١ ]
وإلّا عمّ: كقول النبي ﷺ: لمّا قال له ذو اليدين (١): أقصرت الصّلاة أم نسيت؟ ! -: «كلّ ذلك لم يكن» (٢)، وعليه قوله [من الرجز]:
قد أصبحت أمّ الخيار تدّعى علىّ ذنبا كلّه لم أصنع (٣)