البحث البلاغي عن أسلوب المجاز العقلي وأطواره ١:
سيبويه وهل أثبت المجاز العقلي؟.
قال صاحب الكتاب: مطر قومك الليل وبالنهار على الظرف، وإن شئت رفعته على سعة الكلام كما يقال صيد عليه الليل والنهار، كما قال جرير:
ونمت وما ليل المطي بنائم
فكأنه في كل هذا جعل الليل بعض الاسم، وكما قال الشاعر:
أما النهار ففي قيد وسلسلة والليل في قعر منحوت من الساج
فكأنه جعل النهار في قيد والليل في جوف منحوت "راجع ٨٠/ ١ سيبويه في: باب من الفعل يبدل فيه الآخر من الأول ويجري الاسم كما يجري أجمعون على الاسم ينصب بالفعل؛ لأنه مفعول".
وقال: تقول سرقت الليلة أهل الدار فتجري الليلة في سعة الكلام، ومثل ما أجري مجرى هذا في سعة الكلام والاستخفاف: "بل مكر الليل والنهار" فالليل والنهار لا يمكران ولكن المكر فيهما "٨٩/ ١ الكتاب لسيبويه".
وقال: باب استعمال الفعل في اللفظ لا في المعنى لاتساعهم في الكلام وللإيجاز والاختصار: فمن ذلك أن نقول: صيد عليه يومان أي صيد عليه الوحش في يومين ولكنه اتسع واختصر، ومما جاء على اتساع الكلام والاختصار. ﴿وَاسْأَلِ القَرْيَةَ التِيْ كُنَّا فِيْهَا وَالْعِيْرَ التِيْ
_________________
(١) ١ هذه البحوث بقلم محمد عبد المنعم خفاجي.
[ ١ / ١٠٤ ]
أَقْبَلْنَا فِيْهَا﴾، إنما يريد أهل القرية فاختصر وعمل الفعل في القرية كما كان عاملًا في الأهل لو كان ها هنا، ومثله بل مكر الليل والنهار المعنى مكركم في الليل والنهار، وقال تعالى ولكن البر من آمن بالله، أي بر من آمن بالله، وهذا أكثر من أن يحصى، وقال الجعدي:
وكيف تواصل من أصبحت خلالته كأبي مرحب
"راجع ١٠٨-١١٠/ ١ من الكتاب".
هذا بعض ما ذكره سيبويه في كتاب عن المجاز العقلي١. وهو يرشدنا إلى رأي شيخ العربية في مثل هذا الأسلوب.. وبالإمعان فيما نقلناه ها هنا عن سيبويه ندرك أنه يحمل هذه الأساليب وما شابهها -مما حمله المتأخرون على المجاز في الكلام أي على المجاز العقلي- يحملها على السعة في الكلام بالإيجاز والحذف والاختصار، وأصلها على تقدير المضاف، وبهذا التقدير تخرج هذه الأساليب عند سيبويه عن معنى المجاز الذي نفهمه من كلام المتأخرين فالمجاز العقلي محمول عنده على السعة في الكلام وحذف مضاف.
وسيأتي نبسط رأي عبد القاهر في ذلك ودفاعه عن أسلوب المجاز العقلي ورده على من يرى أنه محمول على السعة والحذف من علماء العربية كسيبويه ومن نهج نهجه في فهم وتحليل هذا الأسلوب.
_________________
(١) ١ وفي ص١٦٩ جـ١ من الكتاب يقول سيبويه: وإن شئت رفعت "فقلت ولا أناعي" فجاز على سعة الكلام، من ذلك قول الخنساء: ترتع ما رتعت حتى إذا ذكرت فإنما هي إقبال وإدبار فجعلها الإقبال والإدبار فجاز على سعة الكلام كقولك: نهارك صائم وليلك قائم.. ولكنه جاز على السعة فاستخفوا واختصروا، والسيرافي والشنتمري يجعلانه على تقدير مضاف أو تأويل المصدر باسم الفاعل. وهذا بيان لمعنى السعة الذي يقصده صاحب الكتاب.
[ ١ / ١٠٥ ]
المبرد وأسلوب المجاز العقلي:
وقال صاحب الكامل: "ليلة مزؤودة" أي ذات زؤد وهو الفزع وجعل الليلة ذات فزع؛ لأنها يفزع فيها، قال تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ الَّلَيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي مكركم في الليل والنهار، وقال جرير:
ونمت وما ليل المطي بنائم.
وقال آخر:
فنام ليلى وتجلى همي.
"٦٥/ ١ كامل النسخة القديمة".
وقال: العرب تقول نهارك صائم وليلك قائم أي أنت قائم وصائم، كما قال تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ الَّلَيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي في الليل والنهار، وقال: ونمت وما ليل المطي بنائم "١٠٤/ ١ كامل المبرد".
وقال: "وأما خلة فثماني"، سماها بالمصدر مثل فإنما هي إقبال وإدبار، نعتها بالمصدر لكثرته منها، ويجوز أن يكون أراد ذات خلة، ومثله: ولكن البر من آمن بالله "١٣٧ جـ١ كامل المبرد الطبعة القديمة".
وقال: "ويمسي ليله غير نائم" أي في ليلة، جعل الفعل لليل على السعة مثل فإنما هي إقبال وإدبار، وفي القرآن بل مكر الليل والنهار "٢٤٨ جـ٢ كامل المبرد طبعة التجارية".
ذلك ما في كلام المبرد من كلام وتحليل لبعض الأساليب التي جعلها المتأخرون من أسلوب المجاز العقلي.
والمبرد في تحليل هذه الأساليب يجمع بين رأي سيبويه السابق ورأي أخر جديد هو المبالغة، والمبالغة من خصائص المجاز كما نعلم -فيقول في "فإنما هي إقبال وإدبار" نعتها بالمصدر لكثرته منها "١٣٧ جـ١ كامل"، فهو إذًا يجوز في أسلوب "فإنما هي إقبال وإدبار" -وما يشابهه مثله طبعًا- أن يكون على المبالغة كما يقول عبد القاهر أي على المجاز، أو على الحذف كما يقول سيبويه، وإذا هو
[ ١ / ١٠٦ ]
لم يذهب إلى مذهب سيبويه وحده، وقد يكون المبرد قد أراد من المبالغة التشبيه البليغ، هي إقبال، أي شبيهة به. ولكن ذلك بعيد عن الأسلوب وعن مراد المبرد منه كما يخيل لي.
وفي رسالة أخرى للمبرد هي "ما اتفق لفظه واختلف معناه في القرآن" يقول المبرد:
وفي القرآن مختصرات، فإن مجاز كلام العرب يحذف كثيرًا من الكلام إذا كان فيما يبقى دليل على ما يلقى، فمن ذلك: واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها، لما كانت القرية والعير لا يسألان ولا يجيبان علم أن المطلوب غيرهما "ص٣٦"، ولا يجوز على هذا جاء زيد وأنت تريد غلامه؛ لأن المجيء يكون له ولا دليل في مثل هذا على المحذوف. ومثل الأول: ولكن البر من آمن بالله، أي بر من آمن بالله؛ لأن البر لا يكون البار. ونظيره قول الجعدي: ".. أصبحت خلالته كأبي مرحب" أي كخلالة أبي مرحب "٣٢ و٣٣".
ومن المختصر في القرآن قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ﴾ [البقرة: ١٧١] تأويله مثلكم ومثلهم كمثل الناعق بما لا يسمع فاختصر وحذف، كقول النابغة: كأنك من جمال بني أقيش، أي جمل من جمال "٣٥".. والمبرد في ذلك تابع لسيبويه ناقل عنه، ورأيه عندي صحيح.
ابن المدبر والمجاز العقلي:
يرى ابن المدبر أن أسلوب: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَار﴾ من الحذف والاتساع، وأن الكتاب ينبغي أن يتجنبوه. "راجع ص١٨ الرسالة العذراء لابن المدبر نشر الدكتور مبارك".
[ ١ / ١٠٧ ]
نقد النثر والمجاز العقلي:
وكذلك كتاب "نقد النثر" ضئيل الصلة بالمجاز العقلي. قال:
ومن الاستعارة انطاق ما لا ينطق مثل: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ ومثل: امتلأ الحوض وقال قطني -وذكر أيضًا المثال: فللموت ما تلد الوالدة "٦٦ نقد النثر".. ومن المعلوم أن كلامه في هذا قليل جدًّا من ناحية البحث البياني وهو متأثر بخطابه أرسطو، حامل لهذه المثل على الاستعارة، كما صنع عبد القاهر بعد.
الآمدي وأسلوب المجاز العقلي:
قال الآمدي في موازنته: المصادر قد تجعل أوصافًا في مكان أسماء الفاعلين وإنما تكون أوصافًا على وجه من الوجوه وطريقة من اللفظ، وهي قولهم إنما زيد دهره أكل ونوم وإنما عمرو أبدًا قيام وقعود، فتقيم المضاف إليه مقام المضاف؛ لأنه يدل عليه أو تجعل زيدًا نفسه الأكل والنوم وعمرًا القيام والقعود على المبالغة؛ لأن ذكل كثير منهما كما قالت: "فإنما هي إقبال وإدبار"، فجعلت الناقة هي الإقبال والإدبار؛ لأن ذلك كثير منها، وإن شئت كان المعنى ذات إقبال وإدبار فأقمت المضاف إليه مقام المضاف فهذه طريقة الوصف بالمصادر على ما ذكرته، فيقال هند الحسن كله ودعد الجمال أجمعه وزيد الهرم أقصاه وعبد الله التيه بعينه: إن شئت كان المعنى هند صاحبة الحسن كله ودعد ذات الجمال أجمعه وزيد أخو الهرم وعبد الله ذو التيه فأقمت المضاف إليه مقام المضاف مثل واسأل القرية، وإن شئت جعلت هندًا هي الحسن ودعد هي الجمال على المبالغة لما كانتا متناهيتين في هذين الوصفين "٧٦ الموازنة طبعة صبيح".
ورأى صاحب الموازنة قد حلله أتم تحليل وإن كان لا يخرج عن رأي المبرد في كثير ولا قليل.. فإن هذه الأساليب كلها بعيدة عن
[ ١ / ١٠٨ ]
المجاز العقلي إنما هي على الحذف والاختصار، أما ما ذكره في الكامل من الأساليب من مثل: نهارك صائم وليلك قائم فقد حملهما على المبالغة أو على الحذف كما سبق: وسيبويه يحملها كلها على الحذف.
ومن تتمة الفائدة: أن ننقل هذا النص عن المبرد وإن لم يكن وثيق الصلة بالمجاز العقلي، قال المبرد: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ مجاز مصيره على ذا كقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] وهم لا يتلقطونه مقدرين فيه ذلك ولكن تقديره: فكان مصيره إلى عداواتهم وحزنهم، ومثله: ودورهم بخراب الموت نبنيها، أي إلى هذا تصير، ومثل قول ابن الزبعري فللموت ما تلد الوالدة، أي أن هذا مصيرهم "٢٦-٢٨ ما اتفق لفظه للمبرد".
خطابة أرسطو والمجاز العقلي:
وقد ترجمت في القرن الثالث الهجري ولم يتأثر بها أئمة البيان كثيرًا في فهم هذا الأسلوب، وإنما كان جل تأثرهم بآراء علماء العربية كسيبويه والمبرد وابن فارس، وليس فيها إلا كلام قريب الصلة بالمجاز العقلي: قال:
"ومن التغيرات الاستعارية اللذيذة أن ينسب الأمر إلى صفة الفاعل مثل الشيخوخة تفعل الخير بدل الشيخ".. وقال: ومن أنواع الاستعارة اللفظية أن تجعل أفعال الأشياء غير المتنفسة كأفعال ذوات الأنفس مثل الغضب لجوج "راجع باب العبارة في فن الخطابة في الشفاء لابن سينا".
فهو ها هنا يجعل هذه الأساليب استعارة فقط، لا حذفًا كما ذهب إليه سيبويه. وصنيع الخطابة في هذا هو صنيع عبد القاهر، فقد جعل ما شابه هذه الأساليب مجازًا عقليًّا ورد أن تكون من الحذف بسبيل.
[ ١ / ١٠٩ ]
ابن فارس وأسلوب المجاز العقلي:
قال ابن فارس: ومن اللامات لام العاقبة: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ لم يلتقطوه لذلك ولكن صارت العاقبة ذلك "٨٧ الصاحبي لابن فارس".
وقال: ومن سنن العرب الحذف والاختصار، ومنه "واسأل القرية" أراد أهلها، وبنو فلان يطؤهم الطريق أي أهله، ومنه نطأ السماء أي مطرها، وعلى خوف من فرعون: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ﴾ أي ضعف عذابها "١٧٥ الصاحبي".
وقال: ومن سنن العرب إضافة الفعل إلى ما ليس فاعلًا في الحقيقة مثل جدارًا يريد أن ينقض وهو في شعر العرب كثير "١٧٩ و١٨٠ الصاحبي".
وقال: باب المفعول يأتي بلفظ الفاعل، تقول سر كاتم أي مكتوم، وفي القرآن لا عاصم اليوم من أمر الله أي لا معصوم، ومن ماء دافق، وعيشة راضية أي مرضي بها، وحرمًا آمنًا أي مأمونًا فيه.. قيل ويأتي الفاعل بلفظ المفعول به كقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ . أي آتيا "١٨٧ و١٨٨ الصاحبي".
وقال: ومن سنن العرب وصف الشيء بما يقع أو يكون منه كقولهم يوم عاصف أي عاصف الريح؛ لأن عصوف ريحه يكون فيه، ومثله ليل نائم، وليل ساهر؛ لأنه ينام فيه ويسهر، قال أوس: خذلت على ليلة ساهرة، وقال عمرو بن براق: "وليلك من ليل الصعاليك نائم". ومثله، "وما ليل المطي بنائم". ويقولون: لا يرقد وسادة يريدون متوسد الوساد "١٨٨ الصاحبي".. وقال: ومن سنن العرب التوهم والإيهام وهو أن يتوهم أحدهم شيئًا ثم يجعله كالحق كمساءلة الرسوم "١٩٢".. وقال: ومن سنن العرب الإضمار:
[ ١ / ١١٠ ]
إضمار الأسماء، وإضمار الأفعال، وإضمار الحروف "١٩٦-١٩٨ الصباحي"- والعرب تضمر الفعل فيشتبه المعنى حتى يعتبر فيوقف على المراد مثل "فإني لا ألام على دخول" أي على ترك دخول، وقال الأعشى: أأزمعت من آل ليلى ابتكارا، أي من أجل آل ليلى "ص١٩٨ و١٩٩". وقال: باب إضافة الشيء إلى ما ليس له مثل سرج الفرس وثمرة الشجرة وغنم الراعي "ص٢٠٥". وقال: باب اقتصارهم على ذكر بعض الشيء. وهم يرديون كله ومنه: ويبقى وجه ربك إلخ. "٢١٢ و٢١٣".
وبالتأمل فيما ذكره ابن فارس في الصاحبي نجده يفرق بين باب الحذف وباب المبالغة والمجاز، فيذكر مثل الحذف ويجعلها من الحذف، ويذكر مثل المبالغة كليل نائم ويجعلها من وصف الشيء بما يقع فيه أو يكون منه.
وابن فارس في هذا جد دقيق متحر للصواب فيما يرى ويقول.
ابن الأثير والمجاز العقلي:
كذلك لم يعرض ابن الأثير في المثل السائر للمجاز العقلي، وإنما جعل المجاز ثلاثة أقسام: توسع في الكلام وتشبيه واستعارة:
فالتوسع يكون العدول فيه عن الحقيقة إلى المجاز لغير مشاركة بين المنقول والمنقول إليه لطلب التوسع في الكلام، وهو ضربان:
١- ما يرد على وجه الإضافة واستعماله قبيح، لبعد ما بين المضاف والمضاف إليه، وذلك؛ لأنه يلتحق بالتشبيه المضمر الأداة، وإذا ورد التشبيه ولا مناسبة بين الطرفين، كان ذلك قبيحًا مثل بح صوت المال وماء الملام.
[ ١ / ١١١ ]
٢- ما يرد على غير وجه الإضافة، وهو حسن لا عيب فيه مثل: قالتا أتينا طائعين، فنسبة القول إلى السماء من باب التوسع؛ لأنهما جماد لا ينطق، وعلى هذا ورد مخاطبة الطلول وهذا النوع الثاني قريب من أسلوب المجاز العقلي، وابن الأثير يعده من التوسع الذي هو قسم من أقسام المجاز.
عبد القاهر والمجاز العقلي:
ليس عبد القاهر أول من تكلم على أسلوب المجاز العقلي، فقد تقدمه كثير من العلماء: كسيبويه والمبرد والآمدي وابن فارس.. وفي هذا ما يبطل الرأي القائل بأن المجاز الحكمي -العقلي- من ابتداع عبد القاهر وحده، وهو رأي ذهب إليه الدكتور طه حسين في مقدمته لكتاب نقد النثر.
وبلاغة المجاز العقلي كما فهمها عبد القاهر سبق إلى بيانها باختصار وفي خفية المبرد والآمدي.
وجملة ما ذكره عبد القاهر في كتابيه الأسرار والدلائل عن المجاز العقلي.. هي:
١- إثبات وجود المجاز العقلي وبيان سر الفروق بينه وبين المجاز في الكلمة.
٢- بيان أن المجاز في الإثبات عقلي وفي الكلمة المثبتة لغوي.
٣- بيان حد هذين النوعين من المجاز "المجاز الحكمي والمجاز في المفرد".
٤- بيان القرينة على التجوز في المجاز العقلي والفرق بينه وبين الأحاديث الكاذبة.
[ ١ / ١١٢ ]
٥- الكلام على بلاغة المجاز العقلي ودرجاته في البلاغة -من العامية والخاصية- وأن تقدير الحقيقة في الإسناد المجازي قد لا يتأتى في الأسلوب، وتوضيح سر دقة الأساليب الخاصية في المجاز العقلي، وتأويل نظرية علماء النحو التي يذهبون فيها إلى أن أسلوب المجاز الحكمي على تقدير مضاف، والدفاع عن بلاغة المجاز الحكمي التي يهتضمها مثل هذا التقدير الحائف والتأويل البعيد.
وهذه الآراء مبسوطة في كتابي "عبد القاهر، والبلاغة العربية" بسطًا وافيًا، فليرجع إليها من أراد.
الراغب الأصفهاني والمجاز العقلي:
أكثر الأسباب التي يحتاج الفعل إليها في وجوده كما يقول الراغب عشرة: فاعل يصدر عنه كالنجار وعنصر يعمل فيه كالخشب وعمل كالنجر، وزمان ومكان يعمل فيهما، وآلة يعمل بها كالمنجر، وغرض قريب كاتخاذ النجار، وغرض بعيد كتحصين البيت به، ومثال يعمل عليه ويقتدي به، ومرشد يرشده.. وكل قد ينسب إليه الفعل فيقال أعطاني زيد إذا باشر الإعطاء وأعطاني الله لما كان هو الميسر له وربما جمع بين السببين: البعيد والقريب فيقال: أعطاني الله وزيد، قال الشاعر:
حبانا به جدنا والإله وضرب لنا أجذم صارم
فنسب إلى الأول وهو الله وإلى السبب المتأخر وهو الضرب وإلى المتوسط وهو الجد.. وقال: الله يتوفى الأنفس حين موتها، فأسند إلى الآمر به، قل يتوفاكم ملك الموت، فأسند إلى المباشر له، وقال الشاعر:
وألبسنيه الهالكي..
وقال:
كساهم محرق١
فنسب
_________________
(١) ١ للحصين المري "راجع ص١٩ من المفضليات".
[ ١ / ١١٣ ]
الفعل إلى عاملها وفي الثاني إلى مستعملها، وقال في صفة نبال: كستها ريشها مضرحية، فنسب كسوتها إلى الطائر الذي أخذ ريشه فجعل لها: وقيل يداك أوكتا وفوك نفخ، فنسب الفعل إلى الآلة المتصلة.
ويقال سيف قاطع فنسب إلى الآلة المنفصلة. وقيل ضرب قاطع وطعن جائف فنسب إلى الحدث. وسر كاتم وعيشة راضية، فنسب إلى المفعول. وقال تعالى: حرمًا آمنا. فنسب إلى المكان. وقيل يوم صائم وليل ساهر، وما ليل المطي بنائم، فنسب إلى الزمان.. ولما كانت أفعالنا على ذلك صح في الفعل الواحد أن ينسب إلى أحد الأسباب مرة وينفي عنه مرة بنظرين مختلفين. وقال:
أعطيت من لم تعطه ولو انقضى حسن اللقاء حرمت من لم تحرم
فأثبت له الفعل ونفاه عنه بنظرين مختلفين.. وهذا فصل من تأمله لم يعتمد في تثبيت المعاني على مثلها من الألفاظ فينظر من اللفظ إلى المعنى، بل ينظر في مثل هذا من المعنى إلى اللفظ. ومن أجل هذا قال قوم من المحصلين لا فاعل في الحقيقة لأي شيء من الأفعال إلا الله تعالى فإن فعله يستغني عن الزمان والمكان والمادة، ومن عداه من الفاعلين فإن له من كل ذلك وبعضه، ولهذا لا يصح أن ينسب الإبداع إلى غيره تعالى لا حقيقة ولا مجازًا ويصح أن ينسب فعل الله تعالى إلى كل ما تقدم ذكره "١٨٠-١٨٢ الذريعة إلى مكارم الشريعة".
وبهذا نرى أن الراغب ينفي المجاز العقلي كافة، ولكن في نظري أنه إنما ينظر إلى المعاني كما قال في آخر كلمته، ويوجه الألفاظ في دلالتها إلى ما تقتضيه المعاني، ولا ينظر إلى النظم والأسلوب وكيفية أدائه للمعنى من حقيقة أو مجاز، فهو عن هذا في واد بعيد، وشغل شاغل.
[ ١ / ١١٤ ]
صاحب المصباح١ وأسلوب المجاز العقلي:
وقد تأثر بدر الدين في كتابه في بحث المجاز العقلي بالسكاكي:
قال: المجاز العقلي هو الكلام المزال إسناده عما هو له عند المتكلم إلى غيره بضرب من التأويل والمراد بما الإسناد له عند المتكلم ما يعتقد قيام الفعل به أو صدوره عنه، ولم أقل بغير العقل؛ لأنا لم نرهم يحملون نحو "أشاب الصغير البيت" على المجاز ما لم يعلموا أو يظنوا صدوره عن غير جهل، أوما ترى كيف استدلوا على أن إسناد "ميز" إلى الجذب في قوله:
ميز عنا قنزعا عن قنزع جذب الليالي أبطئي أو أسرعي
مجاز بأن أتبعه قوله: "أفناه قيل الله إلخ" الشاهد لنزاهته أنه يريد الظاهر، وقولي بضرب من التأويل مخرج للكذب. وسمي هذا الضرب مجازًا عقليًّا لتعدي الحكم فيه عن مكانه الأصلي من غير تغيير للوضع. ومن شرط هذا المجاز أن يكون للمسند إليه شبه بالمتروك في تعلقه بالعامل "٦٩ و٧٠ المصباح".
فهو يثبت المجاز العقلي ويفسره ويبين شروطه ويفرق بينه وبين الكذب.
"حسن التوسل في صناعة الترسل" والمجاز العقلي:
وهذا الكتاب متأثر في بحث أسلوب المجاز العقلي بعبد القاهر، قال: المجاز مفعل من جاز يجوز إذا تعداه. فإذا عدل باللفظ عما يوجبه أصل اللغة وصف بأنه مجاز بمعنى أنهم قد جاوزوا به موضعه الأصلى أو جاز هو مكانه الذي وضع فيه أولًا؛ لأنه ليس بموضع أصلي لهذا
_________________
(١) ١ هو بدر الدين ابن ابن ملك المتوفى عام ٦٤٩هـ.
[ ١ / ١١٥ ]
اللفظ ولكنه مجازه ومتعداه يقع فيه كالواقف بمكان غيره ثم يتعداه إلى مكانه الأصلى١.. وحدهما -الحقيقة والمجاز- في المفرد: أن كل كلمة أريد بها ما وضعت له فهي حقيقة "١١٧ المرجع المذكور" كالأسد للحيوان واليد للجارحة، وإن أريد بها غيره لمناسبة بينهما فهي مجاز كالأسد للشجاع واليد للنعمة أو القوة، وحدهما في الجملة: أن كل جملة كان الحكم الذي دلت عليه كما هو في العقل فهي حقيقة مثل خلق الله الخلق، وكل جملة أخرجت الحكم المفاد بها عن موضعه في العقل لضرب من التأويل فهي مجاز، كما إذا أضيف الفعل إلى شيء يضاهي الفاعل كالمفعول به في عيشة راضية. أو المصدر في شعر شاعر، أو الزمان في ليلة نائم، أو المكان في طريق سائر، أو المسبب في بنى الأمير المدينة، أو السبب في وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا، فمجاز المفرد لغوي ويسمى مجازًا في المثبت ومجاز الجملة عقلي ويسمى مجازًا في الإثبات، فالمجاز قد يكون في المثبت وحده مثل: فأحيينا به الأرض بعد موتها، وقد يكون في الإثبات وهو أن يضيف الفعل إلى غير الفاعل الحقيقي كما ذكرنا. وقد يكون فيهما جميعا كقولك آنستني رؤيتك أي سرتني فجعل المسرة حياة، وأسندها إلى الرؤية وهو مجاز في الإثبات "١١٨ حسن التوسل".
_________________
(١) ١ ذلك مأخوذ عن عبد القاهر وقد سبق ابن فارس في كتابه "الصاحبي" إلى بيان ذلك قال: باب سنن العرب في حقائق الكلام والمجاز": الحقيقة من حق الشيء إذا وجب. وهي الكلام الموضوع موضعه ليس باستعارة ولا تمثيل ولا تقديم فيه ولا تأخير. كقول القائل "أحمد الله على نعمه وإحسانه" وهذا أكثر الكلام. وأما المجاز فمأخوذ من جاز يجوز إذا استن ماضيًا. نقول جاز بنا فلان وجاز علينا فارس. هذا هو الأصل. ثم نقول يجوز أن تفعل كذا أي تنفذ ولا يرد ولا يمنع، ونقول عندنا دراهم وضع وازنة وأخرى تجوز جواز وازنة. أي هي وإن لم تكن وازنة فهي تجوز مجازها وجوازها لقربها منها، فهذا تأويل قلونا مجاز. أي أن الكلام الحقيقي يمضي لسنته لا يعترض عليه أو قد يكون غيره يجوز جوازه لقربه منه إلا أن فيه من تشبيه واستعارة ما ليس في الأول، ١٦٧-١٦٩ الصاحبي".
[ ١ / ١١٦ ]
الزمخشري والمجاز العقلي:
قال في الكشاف في تفسير الآية الكريمة: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ ما نصه: ويجوز أن يستعار الإسناد نفسه من غير الله لله فيكون الختم مسندًا إلى الله على سبيل المجاز وهو لغيره حقيقة، تفسير هذا أن للفعل ملابسات شتى يلابس الفاعل والمفعول به والمصدر والزمان والمكان والمسبب له فإسناده إلى الفاعل حقيقة، وقد يسند إلا هذه الأشياء على طريق المجاز المسمى استعارة وذلك لمضاهاتها الفاعل في ملابسته الفعل١ كما يضاهي الرجل الأسد في جراءته فيستعار له اسمه، فيقال في المفعول به: عيشة راضية وماء دافق وفي عكسه: سيل مفعم وفي المصدر شعر شاعر وذيل ذائل وفي الزمان نهاره صائم وليله قائم، وفي المكان طريق سائر ونهر جار، وأهل مكة يقولون: صلى المقام، وفي المسبب بنى الأمير المدينة، وقال الشاعر:
إذا رد عافى القدر من يستعيرها.
فالشيطان هو الخاتم في الحقيقة أو الكافر إلا أن الله لما أقدره ومكنه أسند إليه الختم كما يسند الفعل إلى المسبب.
وقال في الأية الكريمة: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تَجَارَتُهُمْ﴾ ما نصه: فإن قلت كيف أسند الخسران إلى التجارة وهو لأصحابها. قلت: هو من الإسناد المجازي وهو أن يسند الفعل إلى شيء يتلبس بالذي هو في الحقيقة له كما تلبست التجارة بالمشترين.
_________________
(١) ١ فالزمخشري يجعل هذا مجازًا في الإسناد على تشبيه الفاعل غير الحقيقي بالفاعل الحقيقي فهو عنده كالاستعارة في التشبيه والعلاقة.. فهو ينظر إلى المجاز في الإسناد من جهة الفاعل غير الحقيقي وأنه على تشبيهه بالفاعل الحقيقي.
[ ١ / ١١٧ ]
الشهاب الخفاجي وأسلوب المجاز العقلي:
جاء في طراز المجالس للشهاب الخفاجي م سنة ١٠٦٩هـ ما نصه:
قال الأبهري في شرح العضد: الفاعل لا بد أن يكن سببًا قابليًّا لفعله ليصح الإسناد إليه لغة، فإذا أسند فعل إلى ما لا يكون سببًا قابليا له يجعل مجازًا عن فعل آخر مناسب١ له يكون الفاعل قابليًّا٣ له، ويكفي في هذا التسبب أن يعد الفاعل سببًا قابليًّا له في عرف العرب وعادتهم ولا يجب أن يكون محلًّا له في الحقيقة، فإنهم لا ينظرون في الإسناد إلى ذلك، ويرون جهة الإسناد -في نحو: سرتني رؤيتك ومات زيد وضرب عمرو- واحدة من حيث أن الفاعل فيها سبب قابل لأفعاله عادة وإن كان موجدها هو الله حقيقة، فقول الشيخ عبد القاهر: "الإسناد في سرتني رؤيتك مجاز إذ فاعله في الحقيقة هو الله والمعنى سرني الله عند رؤيتك، وفي الآخرين حقيقة" بعيد؛ لأن موجد الضرب أيضًا هو الله لما ثبت من قاعدة خلق الأفعال، وكذا محدث الموت اتفاقًا لكن العرب لا يخطر ببالهم عند إسناد الضرب إلى عمرو والمسرة للرؤية أن فاعلها غير المذكور. قال الشهاب: وهذا كلام دقيق، ولكن فيه بحث من وجهين:
١- كيف يتم قوله: إذا أسند فعل إلى ما لا يكون سببًا قابليًّا له يجعل مجازًا عن فعل آخر مناسب له يكون الفاعل قابليًّا له، فإنه يقتضي أنه لو أسند إلى الموجد الحققي كخلق الله السموات والأرض يكون مجازًا، وهذا يأباه العقل والنقل، وكون هذا لا بد فيه من التجوز في
_________________
(١) ١ هو هنا يجعل الإسناد غير حقيقة، ويؤول المجاز فيجعله في الفعل، من حيث أول الزمخشري فجعله في الفاعل، وعبد القاهر والسكاكي والخطيب فجلعوه في الإسناد. ٢ يرد عبد القاهر في الأسرار على نظرية أن المجاز في الفعل وحده ردا مفصلًّا.
[ ١ / ١١٨ ]
الفعل أيضًا لا وجه له لجواز التجوز في الإسناد، فما وجه الحصر؟.
٢- كيف يشترط في الإسناد الحقيقي أن يكون الفاعل سببًا قابليًّا، دائمًا في اللغة. بناء على أن الفاعل اللغوي غير الفاعل الحقيقي، مع أن اللغة واستعمال العرب يشهد بخلافه في مواضع كثيرة: منها ما ذكر من الإسناد للموحد، ومنها أن الفعل يوضع للإعدام الصرفة كفقد وعدم وقد يسند للرجل حقيقة ما يقبله غيره ويقوم به مثل قطف، وهذا كله يقتضي أن الحقيقة والمجاز. يدوران على اعتبار اللغة وواضعها.
والذي تحرر عندي وهو ما رد به الأبهري: أن الفاعل الواقع في التخاطب لا سيما في اللسان العربي هو من تلبس بالفعل وقام به أو كان سببًا قابليًّا عاديًا في الإثبات، أو ما هو في حكمه، وليس هذا على الإطلاق بل إذا كان الشيء موجدًا وفاعلًا حقيقيًّا. وكان له أمر آخر قام به أو نسب له على الوجه المذكور فإنه يسند حقيقة إلى الثاني دون الأول، فإن لم يكن إلا الأول كخلق الله السموات يسند حقيقة إلى الموجد، وإنما الكلام ومحل النزاع هو الأول، ثم السبب القابل ليس المراد به ما هو كذلك حقيقة بل هو وما جرى مجراه، ولذا عول فيه على عادة العرب في عرف تخاطبهم، ومن كان له دراية وطالع أساس البلاغة للعلامة وفقه اللغة للثعالبي وقف على سر هذا "٢٠٤-٢٠٦ طراز المجالس".
[ ١ / ١١٩ ]
والخلاصة:
أن أسلوب المجاز العقلي قد اختلف فيه العلماء:
١- فسيبويه ومن تابعه يقولون: هو على تقدير محذوف -نقام ليلي أي نمت في ليلي.
٢- وأناس يقولون: المجاز في الفعل وحده وهو "نام" فهو فيه مجاز لغوي لا غير، ويرد عبد القاهر هذا الرأي ردًّا مطولًا في كتابه "الأسرار". ولكن الأبهري اتخذ ذلك مذهبًا في شرحه على العضد، ورد على ذلك الخفاجي في "طراز المجالس".
٣- وأخرون يقولون: المجاز في الفاعل وحده وأنه على تشبيهه بالفاعل الحقيقي، وعبد القاهر يرد على ذلك، ولكن الزمخشري يلوح كلامه باعتقاده هذا الرأي، والسكاكي ذهب إليه وحده، وجعله مذهبًا له في التخلص من المجاز العقلي.
٤- وعبد القاهر يرى أن المجاز في الإسناد، وأن تشبيه الفاعل غير الحقيقي بالفاعل الحقيقي إنما هو عبارة على العلاقة في هذا التجوز العقلي وأن تقدير المضاف في أسلوب المجاز العقلي صار كالشريعة المنسوخة، فهو غير منظور إليه الآن
ولا شك أن رأي عبد القاهر هو أمثل هذه الآراء في فهم بلاغة هذا الأسلوب.
[ ١ / ١٢٠ ]