القصر حقيقي وغير حقيقي١.
وكل واحد منهما٢ ضربان:
قصر الموصوف على الصفة٣، وقصر الصفة على الموصوف٤
_________________
(١) ١ لأن تخصيص الشيء بشيء إما أن يكون بحسب الحقيقة وفي نفس الأمر بألا يتجاوزه إلى غيره أصلًا وهو الحقيقي سواء كان الاختصاص أيضًا كذلك أو لم يكن فيعم القصر الحقيقي والادعائي، وأما أن يكون التخصيص بحسب الإضافة إلى شيء آخر بأن لا يتجاوزه إلى ذلك الشيء وإن أمكن أن يتجاوزه إلى شيء آخر في الجملة وهو غير الحقيقي أو قل هو الإضافي، كقولك ما زيد إلا قائم بمعنى أنه لا يتجاوز القيام إلى القعود، لا بمعنى أنه لا يتجاوزه إلى صفة أخرى أصلًا. فإذا كان السلب الذي تضمنه القصر عن كل ما عدا المقصور عليه فهو القصر الحقيقي وإلا فهو الإضافي. والمراد بالحقيقي ليس نسبة إلى الحقيقة بمنى نفس الأمر ولا ضد المجاز، بل المراد ما لوحظ فيه الحقيقة ونفس الأمر بدون ملاحظة حال المخاطب من تردد أو اعتقاد خلاف أو شركة. والإضافي ما لوحظ في الحقيقة ونفس الأمر مع ملاحظة حال المخاطب السابق. فالقصر الحقيقي بمعنى عدم مجاوزة المقصور المقصور عليه إلى غيره أصلًا. والإضافي بمعنى عدم مجاوزة المقصور المقصور عليه إلى شيء آخر وإن أمكن أن يتجاوزه إلى غيره. ٢ أي من الحقيقي وغيره. ٣ وهو ألا يتجاوز الموصوف تلك الصفة إلى صفة أخرى، فإن أراد أي صفة كان القصر حقيقيًّا، وإن أراد إلى صفة معينة كان إضافيًّا، لكن يجوز أن تكون تلك الصفة لموصوف آخر. ٤ وهو ألا يتجاوز تلك الصفة ذلك الموصوف إلى موصوف آخر =
[ ٣ / ٧ ]
والمراد الصفة المعنوية لا النعت١:
_________________
(١) = والمراد جنس الموصوف الصادق بكل موصوف في الحقيقي وببعض معين في الإضافي لكن يجوز أن يكون لذلك الموصوف صفات أخرى. ولإيضاح ذلك الفرق بين قصر الموصوف على الصفة وقصر الصفة على الموصوف نعرض عليك هذين المثالين: إنما يدافع عن الوطن الشباب، وإنما الشباب يدافع عن الوطن، المقصور عليه في إنما هو المؤخر فالمثال الأول المقصور عليه هو الشباب. وفي المثال الثاني المقصور عليه المدافعة عن الوطن، والمثال الأول كما ستعلم بعد قصر صفة على موصوف والمثال الثاني قصر موصوف على صفة. وفي المثال الأول يؤكد المتكلم لمخاطبه استقلال الشباب وحده بالدفاع عن الوطن لا يشترك معهم غيرهم في ذلك الوا جب، وذلك لا يمنع أن يكون للشباب صفات أخرى غير هذه الصفة من الإقدام والبلاغة إلخ. وفي المثال الثاني المقصور عليه المدافعة عن الوطن فالشباب لا يقومون بسواها من الأعمال على أنه من الجائز أن يشترك معهم في الدفاع عن الوطن سواهم. فالجملة الأولى أبلغ في المدح من وجهين: الأول: أنها تفيد استقلال الشباب بالدفاع وعدم اشتراك أحد معهم فيه. والثاني: أنها لا تنفي أن يكون للشباب صفات أخرى غير هذه الصفة. فقصر الصفة على الموصوف أبلغ من قصر الموصوف على الصفة. ١ أي المراد بالصفة هنا الصفة المعنوية أعني المعنى القائم بالغير. لا النعت النحوي وهو التابع الذي يدل على معنى في متبوعه غير الشمول. والمراد نفيه بالكلية أي أنه لا يصح إرادته في باب القصر إذ لا يتأتى قصره بطريق من طرقه. هذا وبين الصفة المعنوية والنعت النحوي في حد ذاتها عموم من وجه لتصادقهما في مثل "أعجبني هذا العلم"، وتفارقهما في "مثل العلم حسن"و"مررت بهذا الرجل"، فالعلم في المثال الأول صفة معنوية ونعت نحوي معًا، والعلم في المثال الثاني صفة معنوية لا نعت نحوي، والرجل في المثال الثالث نعت نحوي لا صفة معنوية. وأما نحو قولك ما الباب إلا ساج وما زيد إلا أخوك وما هذا إلا زيد فمن قصر الموصوف على الصفة تقديرًا إذا المعنى أنه مقصور على الإنصاف بكونه ساجًا وأخًا وزيدًا.
[ ٣ / ٨ ]
القصر الحقيقي:
والأول١ من الحقيقي كقولك: "ما زيد إلا كاتب" إذا أردت أنه لا يتصف بصفة غير الكتابة. وهذا لا يكاد يوجد في الكلام٢؛ لأنه ما من متصور إلا وتكون له صفات تتعذر الإحاطة بها أو تتعسر.
والثاني منه٣ كثير، كقولنا: "ما في الدار إلا زيد"٤.
والفرق بينهما٥ ظاهر، فإن الموصوف في الأول٦ لا يمتنع
_________________
(١) ١ راجع ٢٦٦ من الدلا ئل، وقوله "الأول" أي قصر الموصوف على الصفة. ٢ أي حقيقة نعم يوجد ادعاء بتنزيل غير الصفة المثبتة كالعدم، بل هذا "قصر الموصوف على الصفة قصرًا حقيقيًّا" محال؛ لأن للصفة المنفية نقيضًا وهو من الصفات التي لا يمكن نفيها ضرورة امتناع ارتفاع النقيض. مثلًا إذا قلنا "ما زيد إلا كاتب" وأردنا أنه لا يتصف بغيره لزم ألا يتصف بالقيام ولا بنقيضه وهو محال. ٣ "الثاني" أي قصر الصفة على الموصوف، "منه" أي من القصر الحقيقي. ٤ على معنى أن الحصول في الدار المعينة مقصور على زيد. ٥ أي بين قصر الموصوف على الصفة وقصر الصفة على الموصوف في الحقيقي. ٦ وهو "زيد" في "ما زيد إلا كاتب".
[ ٣ / ٩ ]
أن يشاركه غيره١ في الصفة المذكورة٢، وفي الثاني٣ يمتنع٤. وقد يقصر به٥ المبالغة٦ لعدم الاعتداد بغير المذكور فينزل منزلة المعدوم٧.
_________________
(١) ١ من علي وخالد وعمرو. ٢ وهي الكتابة. ٣ أي وفي المثال الثاني وهو ما في الدار إلا محمد. ٤ أي يمتنع مشاركة غيره له في الحصول في الدار. وهذا فرق واحد بين قصر الموصوف على الصفة وعكسه في القصر الحقيقي، والفرق الثاني أن قصر الموصوف على الصفة ينفي أن يكون للموصوف صفات أخرى غير الصفة المذكورة وقصر الصفة لا ينفي ذلك. ٥ "به" أي بالثاني وهو قصر الصفة على الموصوف قصرًا حقيقيًّا، فيكون القصر الادعائي خاصًّا بذلك القسم فلا يوجد في الإضافي ولا في قصر الموصوف على الصفة قصرًا حقيقيًّا. أو "به" أي بالقصر الحقيقي مطلقًا قصر صفة على موصوف أو قصر موصوف على صفة. فالقصر الحقيقي قسمان: حقيقي تحقيقي، وحقيقي ادعائي. أو به أي بالقصر مطلقًا: حقيقيًّا أو إضافيًّا، قصر موصوف على صفة أو قصر صفة على موصوف. فكل من هذه الأقسام إما قصر تحقيقي وإما قصر ادعائي هذا ورجوع الضمير المجرور إلى القسم الثاني من الحقيقي كما اختاره السعد أقرب وأنسب بحسب اللفظ والسياق، وإرجاع الضمير إلى الحقيقي مطلقًا أصح وأشمل بحسب المعنى والفائدة لتناوله قسمي الحقيقي معًا، بل إرجاع الضمير إلى مطلق القصر أصح إذ لا مانع من اعتبار الإدعائي في الإضافي. وقيل القصر الإدعائي من مجاز التركيب والأصح أنه حقيقة. ٦ أي في كما ل الصفة في ذلك الموصوف فتنفي عن غيره على العموم. كما يقصد بقولنا ما في الدار إلا زيد أن جميع من في الدار ممن عدا زيدًا في حكم العدم فيكون قصرًا حقيقيًّا ادعائيًّا. والفرق بين الادعائي والقصر الغير الحقيقي "الإضافي" هو أن القصر الإضافي لا يجعل فيه غير المذكور بمنزلة المعدوم بل يكون المراد أن الحصول في الدار مقصور على زيد بمعنى أنه ليس حاصلًا لعمرو وإن كان حاصلًا لبكر وخالد.
[ ٣ / ١٠ ]
_________________
(١) ملاحظة: القصر الادعائي والقصر الإضافي: يشتركان معًا في جواز اتصاف الموصوف بصفات أخرى غير التي قصر الموصوف عليها "وذلك في قصر الموصوف على الصفة- ما محمد إلا كاتب". ويفترقان في: ١ الادعائي يعتبر في مفهومه سلب سائر الصفات عن الموصوف "في قصر الموصوف على الصفة". والإضافي يعتبر فيه سلب بعض ما عدا تلك الصفة عنه. ٢ الادعائي لا يعتبر فيه اعتقاد المخاطب بأي نحو ووجه من الوجوه والإضافي يعتبر فيه ذلك. ٣ الادعائي يقتضي عدم الاعتداد بسائر الصفات. والإضافي لا يقتضي ذلك. ملاحظة: بناء على أن القصر الادعائي من أقسام القصر الحقيقي مطلقًا "قصر صفة على موصوف أو قصر موصوف على صفة" يكون القصر الحقيقي قسمين: حقيقي تحقيقي، وحقيقي ادعائي "وهو الحقيقي مبالغة". وقصر الموصوف على الصفة قصر حقيقيًّا ادعائيًّا موجود قطعًا، بخلاف قصر الصفة على الموصوف قصرًا حقيقيًّا تحقيقيًّا، هذا وقصر الموصوف على الصفة قصرًا حقيقيًّا ادعائيًّا يمكن اعتباره هنا بناء على عدم الاعتداد بباقي الصفات، والأصح كما سبق أن القصر الادعائي كما يكون في الحقيقي يكون في الإضافي وكما يكون في قصر الموصوف على الصفة يكون في قصر الصفة على الموصوف. فتخصيص بعض العلماء له بقصر الصفة على الموصوف قصرًا حقيقيًّا لا مرجح له. وهذه هي أمثلة القصر الادعائي: ١ هل الجود إلا أن نجود بأنفس على كل ماضي الشفرتين صقيل قصر موصوف على صفة قصر حقيقيًّا ادعائيًّا. ٢ إنما الشاعر شوقي لا حافظ ولا مطران. قصر صفة على موصوف قصرًا إضافيًّا ادعائيًّا. ٣ إنما شوقي شاعر لا كاتب.
[ ٣ / ١١ ]
القصر الإضافي:
والأول١ من غير الحقيقي تخصيص أمر بصفة دون أخرى٢ أو مكان أخرى.
والثاني٣ منه٤ تخصيص صفة بأمر دون آخر أو مكان
_________________
(١) = قصر موصوف على صفة قصرًا إضافيًّا ادعائيًّا. ٤ وما سافرت في الأفارق إلا ومن جدولك راحلتي وزادي قصر صفة على موصوف قصرًا حقيقيًّا ادعائيًّا. ٥ وما البأس إلا حمل نفس على السرى وما العجز إلا نومة وتشمس قصر موصوف على صفة قصرًا حقيقيًّا ادعائيًّا. ١ وهو قصر الموصوف على الصفة. ٢ دون صفة أخرى. ٣ وهو قصر الصفة على الموصوف. ٤ أي من غير الحقيقي. ٥ أي دون أمر آخر. وقوله دون آخر معناه متجاوزًا عن الصفة الأخرى فإن المخاطب اعتقد اشتراكه في صفتين والمتكلم يخصصه بإحداهما ويتجاوز عن الأخرى. ومعنى دون في الأصل أدنى مكان من الشيء، يقال هذا دون ذلك إذا كان أحط منه قليلًا ثم استعير للتفاوت في الأحوال والرتب نحو زيد دون عمر في الشرف ثم اتسع فيه فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد وتخطي حكم إلى حكم. ولقائل أن يقول: أن أريد بقوله دون أخرى ودون آخر دون صفة واحدة أخرى ودون أمر واحد آخر فقد خرج عن ذلك ما إذا اعتقد المخاطب اشتراك ما فوق الاثنين، كقولنا ما زيد إلا كاتب لمن اعتقده كاتبًا وشاعرًا ومنجمًا، وقولنا ما كاتب إلا زيد لمن اعتقد أن الكاتب زيد وعمر وبكر، وإن أريد الأعم من الواحد وغيره فقد دخل في هذا التفسير القصر الحقيقي وكذا الكلام على مكان أخرى ومكان آخر: ويمكن الجواب بأن المراد بدون أخرى ودون آخر دون معين سواء كان واحدًا أو أكثر مع تعيين، فخرج غير المتعين مما هو مصدوق القصر الحقيقي. هذا والقصر الإضافي ما لوحظ فيه عدم تجاوز المقصور المقصور عليه إلى بعض معين مما عدا ذلك المقصور عليه وإن أمكن أن يتجاوزه إلى بعض آخر. أما الحقيقي فهو ما لوحظ فيه عدم تجاوز المقصور المقصور عليه إلى جميع ما عدا المقصور عليه.
[ ٣ / ١٢ ]
آخر فكل واحد منهما١ ضربان٢.
قصر الأفراد:
والمخاطب بالأول٣ من ضربي كل٤- أعني تخصيص أمر بصفة دون أخرى، وتخصيص صفة بأمر دون آخر- من يعتقد الشركة٥، أي اتصاف ذلك الأمر٦ بتلك الصفة وغيرها جميعًا في
_________________
(١) هذا والقصر الإضافي ما لوحظ فيه عدم تجاوز المقصور المقصور عليه إلى بعض معين مما عدا ذلك المقصور عليه وإن أمكن أن يتجاوزه إلى بعض آخر. أما الحقيقي فهو ما لوحظ فيه عدم تجاوز المقصور المقصور عليه إلى جميع ما عدا المقصور عليه. ١ أي من قصر الموصوف على الصفة وقصر الصفة على الموصوف. ٢ هما التخصيص بشيء دون شيء. والتخصيص بشيء مكان شيء. ٣ وهو التخصيص شيء دون شيء - وراجع في ذلك ص١٢٥ من المفتاح. ٤ أي من قصر الموصوف على الصفة وقصر الصفة على الموصوف كما شرحه الخطيب. ٥ أي شركة صفتين في موصوف واحد في قصر الموصوف على الصفة، وشركة موصوفين في صفة واحدة في قصر الصفة على الموصوف. فالمخاطب بقولنا "ما زيد إلا كاتب" من يعتقد اتصافه بالشعر والكناية، وبقولنا "ما كاتب إلا زيد من يعتقد اشتراك زيد وعمر في الكتابة. ملاحظات: ١ المقصور عليه هو ما بعد إلا دائمًا. ٢ قوله "والمخاطب بالأول. ومن يعتقد الشركة أي غالبًا وقد يخاطب به من يعتقد أن المتكلم يعتقد الشركة ولو كان المخاطب معتقدًا للانفراد كأن يعتقد مخاطب اتصاف زيد بالشعر فقط ويعلم أنك تعتقد اتصافه بالشعر والكتابة فتقول ما زيد إلا شاعر لتعلمه أنك لا تعتقد اتصافه بالشعر والكتابة فتقول ما زيد إلا شاعر لتعمله أنك لا تعتقد ما يعتقده فيك. وهذا بناء على أن الخبر الغرض منه إفادة الحكم أو أن المخاطب عالم بالحكم -الفائدة أو لازم الفائدة- وفي الأطول "يعتقد الشركة أو يجوزها". ٦ وهو الموصوف الواقع مقصورًا في مثل ما زيد إلا عالم وقوله بتلك الصفة أي الواقعة مقصورًا عليه.
[ ٣ / ١٣ ]
الأول١، واتصاف ذلك الأمر٢ وغيره جميعًا بتلك الصفة٣ في الثاني٤.
فالمخاطب بقولنا "ما زيد إلا كاتب" من يعتقد أن زيدًا كاتب وشاعر، وبقولنا "ما شاعر إلا زيد" من يعتقد أن زيدًا شاعر لكن يدعي أن عمرًا أيضًا شاعر. وهذا يسمى قصر أفراد، لقطعة الشركة بين الصفتين في الثبوت للموصوف٥ أو بين الموصوف وغيره في الاتصاف بالصفة٦.
_________________
(١) ١ أي في قصر الموصوف على الصفة. ٢ وهو الموصوف الواقع مقصورًا عليه في مثل ما عالم إلا زيد. ٣ أي الواقعة مقصورًا. ٤ أي في قصر الصفة على الموصوف. ٥ في قصر الموصوف على الصفة. ٦ في قصر الصفة على الموصوف. الخلاصة: ١ قصر الأفراد قصر قصد به الرد على من يعتقد ثبوت المقصور لكل من المقصور عليه وبعض ما عداه، أو قل هو قصر قصد به الرد على من يعتقد الشركة. ٢ قصر الأفراد. أما قصر موصوف على صفة أو قصر صفة على موصوف. ٣ قصر الأفراد فيه تخصيص بشيء دون شيء، تخصيص موصوف بصفة دون صفة أخرى أو تخصيص صفة بموصوف دون موصوف آخر. ٤ ومما سبق أن ذكرناه في القصر الادعائي نقول القصر الادعائي كما يوجد في الحقيقي يكون في الإضافي فالقصر الإضافي إما قصر إضافي حقيقة وإما قصر إضافي مبالغة وادعاء. ملاحظة: راجع مقام القصر في ص٨٥ و١٠٠ و١٠١ و١٠٢ من المفتاح ويقول السكاكي: الحالة المقتضية للقصر هي أن يكون عند السامع حكم مشوب بصواب وخطأ وأنت تريد تقرير صوابه ونفي خطئه ص٨٥ من المفتاح.
[ ٣ / ١٤ ]
قصر القلب ١ والتعيين:
والمخاطب بالثاني٢ من ضربي كل٣ أعني تخصيص أمر بصفة مكان أخرى وتخصيص صفة بأمر مكان آخر.
أما من يعتقد العكس٤، أي اتصاف ذلك الأمر بغير تلك الصفة عوضًا عنها في الأول٥، واتصاف غير ذلك الأمر بتلك الصفة عوضًا عنه في الثاني٦ وهذا يسمى قصر قلب لقلبه حكم السامع٧.
_________________
(١) ١ هو التخصيص بشيء مكان شيء آخر. ٢ من القصرين قصر الموصوف على الصفة وقصر الصفة على الموصوف. ٣ من القصرين قصر الموصوف على الصفة وقصر الصفة على الموصوف. ٤ أي عكس الحكم الذي أثبته المتكلم، فالمخاطب بقولنا "ما زيد إلا قائم" من اعتقد اتصافه بالقعود بدلًا من القيام، وبقولنا "ما شاعر إلا زيد" من اعتقد أن الشاعر عمرو لا زيد. وقوله: "من يعتقد العكس" أي أو يعتقد أن المتكلم يعتقد العكس وإن كان هو لا يعتقد العكس، وذلك في لازم الفائدة. وقيل: المراد بالاعتقاد ما يشمل التجويز. ٥ أي في قصر الموصوف على الصفة مثل ما محمد إلا كاتب. ٦ أي في قصر الصفة على الموصوف مثل ما كاتب إلا محمد. ٧ أي كله: أما في الأفراد فالقلب فيه ليس لكل حكم المخاطب بل فيه إثبات البعض ونفي البعض.
[ ٣ / ١٥ ]
وأما من تساوى الأمران عنده، أي اتصاف ذلك الأمر بتلك الصفة واتصافه بغيرها في الأول١ واتصافه بها واتصاف غيره بها في الثاني٢، وهذا يسمى قصر تعيين.
فالمخاطب بقولنا "ما زيد إلا قائم" من يعتقد أن زيد قاعد لا قائم٣ أو يعلم أنه إما قاعد أو قائم ويعلم ولا يعلم أنه بماذا يتصف منهما بعنيه٤.
وبقولنا "ما قائم إلا زيد" من يعتقد أن عمرًا قائم لا زيد٥. أو يعلم أن القائم أحدهما دون كل واحد منهما، لكن لا يعلم من هو بعينه٦.
_________________
(١) ١ أي في قصر الموصوف على الصفة. ملاحظة: قصر الأفراد والقلب والتعيين خاصة بالقصر الإضافي ولا تجري في الحقيقي كما نص عليه السعد. والعصام كما في الأطوال يرى أن هذه الأقسام الثلاثة يمكن أن تكون في قصر الصفة على الموصوف قصرًا حقيقيًّا ومثل له بنحو "إنما النجيب من أو لاد على سعيد. ورأي العصام ضعيف لا يعتد به. ٢ في قصر القلب قصر موصوف على صفة. ٣ أي ي قصر التعيين -قصر موصوف على صفة. ٤ أي في قصر القلب -قصر صفة على موصوف. ٥ وهذا في قصر التعيين -قصر صفة على موصوف. ٦ الخلاصة:
(٢) قصر القلب قصر قصد به الرد على من يعتقد عكس الحكم الموجود في صيغة القصر.
[ ٣ / ١٦ ]
_________________
(١) ٢ قصر التعيين قصر قصد به تعيين مبهم عند المخاطب وتخصيصه بواحد معين. ٣ قصر القلب والتعيين يشتركان في أن: أكلا منهما إما قصر موصوف على صفة أو قصر صفة على موصوف. ب وكلا منهما على مذهب الخطيب في الإيضاح فيه تخصيص بشيء مكان شيء. فالحاصل على رأي الإيضاح أن التخصيص بشيء دون شيء آخر قصر أفراد أما التخصيص بشيء مكان شيء فإن اعتقد المخاطب فيه العكس فهو قصر قلب وإن تساويا عنده فقصر تعيين. فقصر الأفراد هو التخصيص بشيء دون شيء، وقصر القلب هو التخصيص بشيء مكان شيء، أما قصر التعيين ففيه خلاف: هل فيه تخصيص بشيء مكان شيء أو فيه تخصيص بشيء دون شيء، فالخطيب في الإيضاح يسير على الأول أي أن في قصر التعيين -كالقلب- تخصيصًا بشيء مكان شيء آخر فهو عنده يشترك مع القلب في أن في كل منهما تخصيصًا بشيء مكان شيء، والفرق بينهما أن المخاطب في القلب يعتقد العكس والمخاطب في التعيين متردد. أما السكاكي فيرى في قصر التعيين تخصيصًا بشيء دون شيء ولذلك يجعل التخصيص بشيء دون شيء مشتركًا بين الأفراد والتعيين، أما تخصيص الشيء مكان شيء فهو عنده قصر القلب فقط، والفرق بين قصر الأفراد والتعيين على رأي السكاكي أن قصر الأفراد المخاطب فيه يعتقد الشركة وقصر التعيين المخاطب فيه متردد. أما ابن يعقوب فيجوز أن يصدق على قصر التعيين تعريف قصري الأفراد والقلب، فيكون التعريفان شاملين لقصر التعيين فقصر التعيين عنده كما أن فيه تخصيصًا بشيء مكان شيء ففيه تخصيص بشيء دون شيء. ورجح السعد رأي السكاكي ونقد رأي الخطيب في الإيضاح بما حاصله أننا لو سلمنا أن في قصر التعيين تخصيصًا شيء بشيء مكان شيء فلا يخفى. أن فيه تخصيص شيء بشيء دون آخر فإن قولنا ما زيد إلا قائم لمن يردده بين القيام والقعود تخصيص له بالقيام دون القعود. هذا وكلام الخطيب في متن التلخيص لا يمنع أن يكون قصر التعيين مشتركًا مع قصر الأفراد في أن في كل منهما تخصيصًا بشيء دون شيء حيث قال: "والمخاطب بالأول من ضربي كل من يعتقد الشركة ويسمى قصر أفراد وبالثاني من يعتقد العكس ويمسي قصر قلب أو تساويًا عنده ويسمي قصر تعيين فإذا عطفنا أو تساويا على "يعتقد العكس" كان موافقًا لكلامه في الإيضاح في أن كلا من القلب والتعيين فيه تخصيص بشيء مكان شيء، أما إذا عطفنا "أو تساويا على يعتقد الشركة كان موافقًا لرأي السكاكي -ومخالفًا لكلامه في الإيضاح- في أن كلا من الأفراد والتعيين فيه تخصيص بشيء دون شيء. وأقرب هذه الآراء رأي السكاكي.
[ ٣ / ١٧ ]