وإن كان بالإشارة:
فإما لتمييزه أكمل تمييز١ لصحة إحضاره في ذهن السامع بوساطة الإشارة حسًّا، كقوله:
هذا أبو الصقر فردًا في محاسنه "من نسل شيبان بن الضال والسلم"٢
وقوله "أي الحطيئة":
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا إلينا وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
وقوله٣:
وإذا تأمل شخص ضيف مقبل متسربل سربال ليل أغبر
أومأ إلى الكوماء: هذا طارق نحرتني الأعداء إن لم تنحري
_________________
(١) ١ أي تعريف المسند إليه بإيراده اسم إشارة لتمييز المسند إليه أكمل تمييز لغرض من الأغراض كالمدح وغيره. ٢ البيت لابن الرومي يمدح أبا الصقر وزير المعتمد. والضال: جمع ضالة وهو شجر السدر البري. والسلم جمع سلمة وهو شجر ذو شوك من شجر البادية. "وفردا" نصب على المدح أو الحال من الخبر، يعني أن قومه مقيمون بالبادية؛ لأن فقد العز في الحضر. ٣ الكوماء: الناقة العظيمة الضخمة، وقيل أن الأبيات في مدح حاتم الطائي. وينسبان لابن المولى وهو شاعر من مخضرمي الدولتين.
[ ٢ / ١٨ ]
وقوله١:
ولا يقيم على ضيم يراد به إلا الأذلان عير الحي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمته وذا يشج فلا يرثي له أحد
وإما للقصد إلى أن السامع غبي لا يتميز الشيء عنده إلا بالحس كقول الفرزدق:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
وإما لبيان حاله٢ في القرب أو البعد أو التوسط، كقولك: هذا زيد وذاك عمرو وذاك بشر. وربما جعل القرب ذريعة إلى التحقير كقوله تعالى: ﴿وإذَا رآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إن يَتَّخِذُونَكَ إلَّا هُزُوًا أهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾، [الأنبياء: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾، [العنكبوت: ٦٤]، وعليه من غير هذا الباب قوله تعالى: ﴿مَاذَا أرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾؟، [البقرة: ٢٦]، وقول عائشة -﵂- لعبد الله بن عمرو بن العاص: يا عجبًا لابن عمرو هذا، وقول الشاعر٣:
_________________
(١) ١ هما للمتلمس خال طرفة. وهما من شواهد التقسيم في باب البديع كما سيأتي. والعير بفتح العين: الحمار. الرمة: القطعة من الحبل البالي، يشج: يكسر. الضيم: المذلة والهوان. ٢ أي حال المسند إليه. وأمثال هذه المباحث تنظر فيها اللغة من حيث إنها تبين أن هذا مثال للقريب وذاك للمتوسط وذلك للبعيد، ويبحث عنها علم المعاني من حيث إنه إذا أريد بيان قرب المسند إليه المذكور المعبر عنه بشيء يوجب تصوره على أي وجه كان.. ويقول عبد القاهر: علم البلاغة هو على الجملة بحيث ينتفي لك من علم الأعراب خالصة ولبه "ص٣٤ من الدلائل". ٣ هو للهذلول العنبري. ونسبة المبرد في كامله "٢٢ جـ١" إلى أبي مسلم الشيباني رأت المشاعر امرأته وهو يطحن بالرحا لأضيافه فأنكرت عليه. والمتقاعس الذي يدخل ظهره ويخرج صدره ضد الأحدب.
[ ٢ / ١٩ ]
تقول ودقت نحرها بيمينها أبعلي هذا بالرحا المتقاعس؟
وربما جعل البعد ذريعة إلى التعظيم كقوله تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ١-٢] ذهابًا إلى بعد درجته، ونحوه: ﴿وَتِلْكَ الجَنَّةُ التِيْ أُوْرِثْتُمُوْهَا﴾، ولذا قالت: فذلكن الذي لمتنني فيه، لم تقل "فهذا" -وهو حاضر- رفعا لمنزلته في الحسن وتمهيدًا للعذر في الافتتان به. وقد يجعل١ ذريعة إلى التحقير كما يقال: ذلك اللعين فعل كذا.
وإما للتنبيه -إذا ذكر قبل المسند إليه مذكور وعقب بأوصاف- على أن ما يرد بعد اسم الإشارة فالمذكور جدير باكتسابه من أجل تلك الأوصاف، كقول حاتم الطائي٢:
ولله صعلوك يساور همه ويمضي علي الأحداث والدهر مقدما
فتى طلبات لا يرى الخمص ترحة ولا شبعه إن نالها عد مغنما
إذا ما رأى يومًا مكارم أعرضت تيمم كبراهن ثمت صمما
يرى رمحه ونبله ومجنه وذا شطب عضب الضريبة مخذما
وأحناء سرج قاتر ولجامه عتاد أخي هيجا وطرفا مسوما
فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه وإن عاش لم يقعد ضعيفًا مذمما
_________________
(١) ١ أي البعد. هذا وقد بقي من الأقسام القسم الرابع وهو أن يقصد من القرب التعظيم بأن ينزل قربه من ساحة الحضور والخطاب منزلة قرب المسافة فيعبر عنه بهذا كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ . ٢ الصعلوك: الفقير. يساور: يغالب. الهم. الحزن أو الأمل والغاية. الطلبات بكسر اللام جمع طلبة بالكسر أيضًا وهي ما يطلبه الإنسان. الخمص: الجوع. ترحة: شقاء. المغنم: الغنيمة. تيمم: قصد، ثمت أي ثم. التصميم: العزم على الأمر. المجن: الترس. والشطب في السيف: الخطوط في متنه. العضب: القاطع. الضريبة: حد السيف المخذم: القاطع. أحناء السرج جمع حنو بكسر الحاء وهو اسم لكل من قربوسيه المقدم والمؤخر. القاتر: السرج الجيد الواقع على الظهر، العتاد: ما تعده لأمر من الأمور. الهيجا: الحرب. الطرف بكسر الطاء: الجواد الكريم الأصل. المسوم: من سام الخيل أرسلها للرعي أو للإغارة.
[ ٢ / ٢٠ ]
فعدد له كما ترى خصالًا فاضلة من المضاء على الأحداث مقدمًا، والصبر على ألم الجوع، والأنفة من أن يعد الشبعة مغنمًا، وينمم كبرى المكرمات، والتأهب للحرب بأدواتها، ثم عقب ذلك بقوله "فذلك" فأفاد أنه جدير بإنصافه بما ذكر بعده.
وكذا قوله تعالى: ﴿أولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وأولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان: ٥]، أفاد اسم الإشارة زيادة الدلالة على المقصود من اختصاص المذكورين قبله باستحقاق الهدى من ربهم والفلاح١.
وإما لاعتبار آخر مناسب٢.
_________________
(١) ١ فقد عقب المشار إليه وهو "الذين يؤمنون" بأوصاف متعددة من الإيمان بالغيب وإقامة الصلاة وغير ذلك ثم عرف المسند إليه بالإشارة تنبيهًا على أن المشار إليهم أحقاء بما يرد بعد "أولئك" وهو كونهم على الهدى عاجلًا والفوز بالفلاح آجلًا من أجل اتصافهم بالأوصاف المذكورة. ٢ مثل تنزيل المعقول منزلة المحسوس نحو: ﴿تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، و"ذلك هو النبل والشرف". ومثل تنزيل الغائب منزلة الحاضر، ومثل الاعتبارات التي ستأتي في وضع اسم الإشارة المظهر موضع المضمر.
[ ٢ / ٢١ ]