وأما تقديم بعض معمولاته على بعض: فهو إما؛ لأن أصله٢، التقديم٣ ولا مقتضى للعدول عنه٤ كتقديم الفاعل على المفعول نحو ضرب زيد عمرًا، وتقديم المفعول الأول على الثاني نحو أعطيت زيدًا درهمًا٥ وإما؛ لأن ذكره أهم والعناية به أتم٦، فيقدم المفعول
_________________
(١) ١ المراد بالمعمولات ما يرتبط بالفعل في الجملة الشامل للمسند إليه ولو كان الباب للمعمولات التي هي غير المسند إليه. وراجع هذا البحث في المفتاح ص١٠٢. ٢ أي أصل ذلك البعض المقدم. ٣ أي على البعض الآخر المؤخر. ٤ أي عن الأصل. ٥ فتقديم الفاعل على المفعول؛ لأنه عمدة في الكلام وحقه أن يلي الفعل: وتقديم المفعول الأول على الثاني في نحو أعطيت زيدًا درهمًا؛ لأن المفعول الأول فيه أصله التقديم لما فيه من معنى الفاعلية وهو أنه عاط أي آخذ للعطاء. ٦ جعل الأهمية ههنا قسيمة لكون الأصل التقديم، وجعلها في المسند إليه شاملة له ولغيره. وذكر عبد القاهر أنه ينبغي أن يفسر وجه العناية بشيء يعرف له معنى وقد ظن كثير من الناس أنه يكفي أن يقال قدم للعناية ولكونه أهم من غير أن يذكر من أين كانت تلك العناية وبم كانت أهم"، فمراد المصنف بالأهمية ههنا الأهمية العارضة لاعتناء المتكلم أو السامع بشأنه والاهتمام بحاله لغرض من الأغراض.
[ ٢ / ١٦٦ ]
على الفاعل إذا كان الغرض معرفة وقوع الفعل على من وقع عليه لا وقوعه ممن وقع منه، كما إذا خرج رجل على السلطان وعاث في البلاد وكثر منه الأذى فقتل وأردت أن تخبر بقتله فتقول "قتل الخارجي فلان"، إذ ليس للناس فائدة في أن يعرفوا قاتله وإنما الذي يريدون علمه هو وقوع القتل به ليخلصوا من شره، ويقدم الفاعل على المفعول إذا كان الغرض معرفة وقوع الفعل ممن وقع منه لا وقوعه على من وقع عليه كما إذا كان رجل ليس له بأس ولا يقدر فيه أن يقتل فقتل رجلًا وأردت أن تخبر بذلك فتقول: "قتل فلان رجلًا" بتقديم القاتل؛ لأن الذي يعني الناس من شأن هذا القتل ندوره وبعده من الظن ومعلوم أنه لم يكن نادرًا ولا بعيدًا من حيث كان واقعًا على من وقع عليه بل من حيث كان واقعًا ممن وقع منه. وعليه قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُم﴾، قدم المخاطبين في الأولى دون الثانية؛ لأن الخطاب في الأولى للفقراء بدليل قوله تعالى من إملاق فكان رزقهم أهم عندهم من رزق أولادهم، فقدم الوعد برزقهم على الوعد برزق أولادهم، والخطاب في الثانية للأغنياء بدليل قوله خشية إملاق فإن الخشية إنما تكون مما لم يقع. فكان رزق أولادهم هو هو المطلوب دون رزقهم؛ لأنه حاصل، فكان أهم، فقدم الوعد برزق أولادهم على الوعد برزقهم.
وإما؛ لأن في التأخير إخلالًا:
ببيان المعنى كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَه﴾، فإنه لو أخر ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ عن ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَه﴾ لتوهم أن "من" متعلقة بـ ﴿يَكْتُمُ﴾، فلم يفهم أن الرجل من آل فرعون١.
_________________
(١) ١ الحاصل أنه ذكر للرجل ثلاثة أوصاف، وقدم الأول منها أعني "مؤمن" لكونه أشرف، ثم الثاني لئلا يتوهم خلاف المقصود.
[ ٢ / ١٦٧ ]
أو بالتناسب كرعاية الفاصلة نحو: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ ١.
وإما لاعتبار آخر مناسب٢.
وقسم السكاكي التقديم للعناية مطلقًا٣ قسمين: أحدهما أن يكون أصل ما قدم في الكلام هو التقديم ولا مقتضى للعدول عنه، كالمبتدأ المعرف فإن أصله التقديم على الخبر نحو زيد عارف، وكذا الحال المعرف فإن أصله التقديم على الحال نحو جاء زيد راكبًا وكالعامل فإن أصله التقديم على معموله نحو عرف زيد عمرًا وكان زيد عارفًا وإن زيدًا عارف، وكالفاعل فإن أصله التقديم على المفعولات وما يشبهها من الحال والتمييز نحو ضرب زيد الجاني بالسوط يوم الجمعة أمام بكر ضربًا شديدًا تأديبًا له ممتلئا من الغضب، وامتلأ الإناء ماء، وكالذي يكون في حكم المبتدأ من مفعولي باب "علمت" نحو علمت زيدًا منطلقًا، أو في حكم الفاعل من مفعولي باب أعطيت وكسوت نحو أعطيت زيدًا درهمًا وكسوت عمرًا جبة، وكالمفعول المتعدي إليه بغير واسطة فإن أصله التقديم على المتعدي إليه بواسطة نحو ضربت الجاني بالسوط وكالتوابع فإن أصلها أن تذكر بعد المتبوعات.
وثانيهما أن تكون العناية بتقديمه والاعتناء بشأنه:
١- لكونه في نفسه نصب عينك، والتفات خاطرك إليه في التزايد
_________________
(١) ١ بتقديم الجار والمجرور والمفعول على الفاعل؛ لأن فواصل الآي على الألف. ٢ ومن ذلك إفادة الاختصاص كما ذهب إليه ابن الأثير في نحو جاء راكبًا وخالفه فيه الجمهور. ٣ أي سواء كان من معمولات الفعل أو غيرها.
[ ٢ / ١٦٨ ]
كما تجدك قد منيت بهجر حبيبك، وقيل لك ما تتمنى؟ تقول: "وجه الحبيب١ أتمنى". وعليه قوله٢ تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاء﴾ أي على القول بأن لله شركاء مفعولًا جعلوا.
٢- أو لعارض يورثه ذلك٣ كما إذا توهمت أن مخاطبك ملتفت الخاطر إليه٤ ينتظر أن تذكره، فيبرز في معرض أمر يتجدد في شأنه التقاضي ساعة فساعة، فمتى تجد له مجالًا للذكر صالحًا أوردته نحو قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾، قدم فيه المجرور٥ لاشتمال ما قبله على سوء معاملة أهل القرية الرسل. من إصرارهم على تكذيبم فكان مظنة أن يلعن السامع على مجرى العادة تلك القرية ويبقى مجيلًا في فكره أكانت كلها كذلك أم كان فيها قطر دان أم قاص منبت خير، منتظرًا لإلمام الحديث٦ به بخلاف ما في سورة القصص أو كما إذا وعدت ما تبعد٧ وقوعه من جهتين إحداهما أدخل في تبعيده من الأخرى فإنك حال التفات خاطرك إلى وقوعه باعتبارهما تجد تفاوتًا في إنكارك إياه قوة وضعفًا بالنسبة، ولامتناع إنكاره بدون القصد إليه يستتبع تفاوته ذلك تفاوتًا في القصد إليه والاعتناء بذكره، فالبلاغة توجب أنك إذا أنكرت تقول في الأول "شيء" حالة في البعد عن الوقوع هذه أنى يكون؟ لقد وعدت هذا.
_________________
(١) ١ بتقديم المفعول على الفعل. ٢ والشاهد تقديم اسم الجلالة هنا وتقديم وجه الحبيب في المثال السابق؛ لأن ذكرهما أهم لكونهما في نفسهما نصب عينك -راجع ٢٢١ الدلائل، ١٠٣ المفتاح. ٣ اسم الإشارة يرجع إلى كونه نصب عينك. ٤ أي إلى المعمول الذي يجب تقديمه. ٥ أي على الفاعل وهو "رجل". ٦ فهذا العارض جعل المجرور نصب العين بخلاف ما في سورة القصص ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ فإنه ليس فيه ذلك العارض. ٧ في المفتاح "تستبعد".
[ ٢ / ١٦٩ ]
أنا وأبي وجدي فتقدم المنكر١ على المرفوع، وفي الثاني "لقد وعدت أنا وأبي وجدي هذا" فتؤخر: وعليه قوله تعالى في سورة النمل: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا﴾، وقوله تعالى في سورة المؤمنين: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا﴾، فإن ما قبل الأولى: ﴿إذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون﴾، وما قبل الثانية: ﴿أإذا متنا وكنا ترابا وعظامًا أئنا لمبعوثون﴾ فالجهة المنظور فيها هناك كونهم أنفسهم وآباؤهم ترابًا، والجهة المنظور فيها هنا كونهم ترابًا وعظامًا، ولا شبهة أن الأولى أدخل عندهم في تبعيد البعث.
٣- أو كما إذا عرفت في التأخير مانعًا٢ كما في قوله تعالى في سورة المؤمنين: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُم﴾ بتقديم المجرور٣ على الوصف٤؛ لأنه لو أخر عنه وأنت تعلم أن تمام الوصف بتمام ما يدخل في صلة الموصول وتمامه: ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ لاحتمل أن يكون ٥ من صلة الدنيا٦ واشتبه الأمر في القائلين أنهم من قومه أم لا بخلاف قوله تعالى في موضع آخر منها: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوامِنْ قَوْمِهِ﴾ . فإنه جاء على الأصل لعدم المانع. وكما في قوله تعالى في سورة طه: ﴿آمَنَّا بَرَبِّ هَارُونَ وَمُوْسَى﴾، للمحافظة على الفاصلة بخلاف قوله تعالى في سورة الشعراء: ﴿رَبِ مُوْسَى وَهَرُوْنَ﴾ . "انتهى كلام السكاكي". وفيما ذكره نظر من وجوه.
_________________
(١) ١ وهو "هذا"؛ لأنه راجع إلى منكر وهو شيء. وربما كانت "المنكر" من الإنكار. ٢ أي مثل الإخلال بالمقصود. ٣ وهو "من قومه". ٤ وهو "الذين". ٥ أي "من قومه". ٦ لأنها ههنا اسم تفضيل من الدنو وليست اسمًا، والدنو يتعدى بمن.
[ ٢ / ١٧٠ ]
أحدها: أنه جعل تقديم لله على شركاء للعناية والاهتمام وليس كذلك، فإن الآية مسوقة للإنكار التوبيخي، فيمتنع أن يكون تعلق "جعلوا" بالله منكرًا من غير اعتبار تعلقه بشركاء، إذ لا ينكر أن يكون جعل ما متعلقًا به، فيتعين أن يكون إنكار تعلقه به باعتبار تعلقه بشركاء وتعلقه بشركاء كذلك منكر باعتبار تعلقه بالله، فلم يبق فرق بين التلاوة وعكسها١. وقد علم بهذا أن كل فعل متعد إلى مفعولين لم يكن الاعتناء بذكر أحدهما إلا باعتبار تعلقه بالآخر، إذا قدم أحدهما على الآخر لم يصح تعليل تقديمه٢ بالعناية.
وثانيهما: أنه جعل التقديم للاحتراز عن الإخلال ببيان المعنى والتقديم للرعاية على الفاصلة من القسم الثاني، وليسا منه٣.
وثالثها: أن تعلق من قومه بـ"الدنيا" على تقدير تأخره غير معقولًا إلا على وجه بعيد٤.
_________________
(١) ١ أي لا فرق بين تقديم "لله" وتأخيره. ٢ والجواب على هذا الاعتراض أنه ليس في كلامه ما يدل على أن المنكر تعلق جعلوا بالله من غير اعتبار تعلقه بشركاء، بل كلامه أن المنكر تعلقه بهما لكن العناية بالله أتم وإيراده في الذكر أهم لكونه في نفسه نصب عين المؤمن، ولا يخفى أنه لا يرد على هذا ما ذكره. ٣ أجيب عن هذا الأعتراض بالمنع فإن الاحتراز المذكور أمر عارض أوجب -لما تقدم- أن يكون نصب العين. ٤ أي أن تعلق من قومه بالدنيا على تقدير تأخره وإن كان صحيحًا من جهة اللفظ بناء على أن الدنيا وصف والدنو يتعدى بمن لكنه غير معقول من جهة المعنى إذ لا معنى لقولنا أترفنا الكفرة ونعمناهم في الحياة التي دنت من حياة قوم نوح أي كانت قريبة من حياتهم. وهذا الاعتراض وإن كان مناقشة في المثال لكنه حق واضح.
[ ٢ / ١٧١ ]