وأما تنكيره١: فللإفراد٢ كقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى ﴾ أي: فرد من أشخاص الرجال.
أو للنوعية٣، كقوله تعالي: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَة﴾، أي نوع من الأغطيه غير ما يتعارفه الناس، وهو غطاء التعامي عن آيات
_________________
(١) ١ أي الإتيان به نكرة سواء كان مفردًا أو مثنى أو جمعًا. ٢ أي القصد إلى فرد مما يقع عليه اسم الجنس.. هذا ودلالة النكرة على المفرد ظاهرة إذا قلنا إنها موضوعة للفرد المنتشر، أما إذا قلنا أنها موضوعة للحقيقة من حيث هي فأفادتها الأفراد باعتبار الاستعمال الأصلي؛ لأن الحقيقة يكفي في تحققها فرد واحد. ٣ أي القصد إلى نوع منه؛ لأن التنكير كما يدل على الوحدة شخصًا يدل عليها نوعًا.
[ ٢ / ٣٥ ]
الله١.
ومن تنكير غير المسند إليه للأفراد قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر: ٢٩] ٢، وللنوعية قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة: ٩٦]، أي نوع من الحياة مخصوص، وهو الحياة الزائدة، كأنه قيل "ولتجدنهم أحرص الناس -وإن عاشوا ما عاشوا- على أن يزدادوا إلى حياتهم في الماضي والحاضر حياة في المستقبل، فإن الإنسان لا يوصف بالحرص على شيء إلا إذا لم يكن ذلك الشيء موجودًا له حال وصفه بالحرص عليه، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاء﴾ يحتمل الأفراد والنوعية، أي خلق كل فرد من أفراد الدواب من نطفة معينة، أو كل نوع من أنواع الدواب من نوع من أنواع المياه٣.
أو للتعظيم والتهويل. أو للتحقير٤، أي ارتفاع شأنه أو انحطاطه إلى حد لا يمكن معه أن يعرف، كقول ابن أبي السمط٥:
فتى لا يبالي المدلجون بنوره إلى بابه ألا تضيء الكواكب
له حاجب في كل أمر يشينه وليس له عن طالب العرف حاجب
_________________
(١) ١ وفي المفتاح أن التنكير للتعظيم أي غشاوة عظيمة تحجب أبصارهم بالكلية وتحول بينها وبين الإدراك. ٢ الشاهد في تنكير "رجلًا" للأفراد، وغير مسند إليه، ومتشاكسون أي مختلفون متنازعون. "وسلمًا" أي خالصًا. ٣ فتنكير: كل من "دابة" و"ماء" يحتمل الأفراد أو النوعية وكل منهما ليس مسندًا إليه. ٤ أي تنكير المسند إليه قد يكون للتعظيم أو للتحقير. ٥ في زهر الآداب أن البيت لأبي السمط بن أبي حفصه وجده مروان بن أبي حفصه الأكبر. ومثله: ولله مني جانب لا أضيعه وللهو مني والخلاعة جانبه والحاجب: المانع. يشين: يعيب.
[ ٢ / ٣٦ ]
أي له حاجب أي حاجب، وليس له حاجب ما.
أو للتكثير كقولهم "أن له لابلا" و"أن له لغنما"١، يريدون الكثرة. وحمل الزمخشري التنكير في قوله تعالي: ﴿قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ عليه٢.
أو للتقليل كقوله تعالي: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢]، أي وشيء ما من رضوانه أكبر من ذلك كله؛ لأن رضا الله سبب كل سعادة وفلاح؛ ولأن العبد إذا علم أن مولاه راض عنه فهو أكبر في نفسه مما وراءه من النعم وإنما تهنأ له برضاه، كما إذا علم بسخطه تنغصت عليه ولم يجد لها لذة وإن عظمت.
وقد جاء التعظيم والتكثير جميعًا٣، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤]، أي رسل ذوو عدد كثير وآيات عظام. وأعمار طويلة ونحو ذلك.
والسكاكي لم يفرق بين التعظيم والتكثير ولا بين التحقيير والتقليل. ثم جعل التنكير في قولهم "شر أهر ذا ناب" للتعظيم، وفي قوله تعالى:
_________________
(١) ١ هذا من تنكير غير المسند إليه، إلا إذا نظرنا إلى أن اسم أن أصله المبتدأ. ٢ أي على الكثير. هذا والفرق بين التكثير والتعظيم أن التكثير باعتبار الكميات والمقادير تحقيقًا كما في قوله: "إن لنا لإبلًا" أو تقديرًا كما في قوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبر﴾، وأما التعظيم فبحسب ارتفاع الشأن وعلو الطبقة وكذا التحقير والتقليل. ٣ وقد ينكر للتحقير والتقليل معا مثل "حصل لي منه شيء" أي شيء حقير قليل.
[ ٢ / ٣٧ ]
﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾ [الأنبياء: ٤٦] . لخلافه١، وفي كليهما٢ نظرًا أما الأول فلما سيأتي٣، وأما الثاني فلأن خلاف التعظيم مستفاد من البناء للمرة ومن نفس الكلمة؛ لأنها إما من قولهم "نفحت" الريح إذا هبت أي هبة، أي من قولهم "نفح الطيب" إذ فاح أي موحة كما يقال شمة، واستعماله بهذا المعنى٤ في الشر استعارة إذ أصله أن يستعمل في الخير، يقال "له نفحة طيبة" أي هبة من الخير٥..
وذهب٦ أيضًا إلى أن قول تعالى: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [مريم: ٤٥] بالإضافة، أما للتهويل أو لخلافه٧، والظاهر أنه لخلافة وإليه ميل الزمخشري، فإنه ذكر أن إبراهيم ﷺ لم يخل هذا الكلام من حسن الأدب مع أبيه، حيث لم يصرح فيه أن العذاب لاحق له لاصق به، ولكنه قال: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [مريم: ٤٥]، فذكر الخوف والمس ونكر العذاب.
وأما التنكير في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاة﴾ فيحتمل
_________________
(١) ١ أي للتحقير، راجع ص٨٣ من المفتاح.. والمثل "شر أهر ذا ناب" يضرب في ظهور أمارات الشر ومخايله. وذا الناب: السبع والمراد به هنا كلب. ٢ أي في كلا الجعلين. ٣ أي في بحث تقديم المسند إليه. ٤ وهو أن تكون "نفحة" من "نفح الطيب". ٥ وجواب الاعتراض على كلام السكاكي في "نفحة" أنه إن أراد أن لبناء المرة مدخلًا في إفادة التحقيق فهذا لا ينافي كون التنكير للتحقير؛ لأنه مما يقبل الشدة والضعف، وإن أراد أن التحقير المستفاد من الآية مفهوم من بناء المرة ونفس الكلمة بحيث لامدخل للتنكير أصلًا فممنوع للفرق الظاهر بين التحقير في "نفحة من عذاب" وبينه في نفحة العذاب بالإضافة. ٦ أي السكاكي. ٧ أي للتحقير.
[ ٢ / ٣٨ ]
النوعية والتعظيم، أي ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة، لمنعه عما كانوا عليه من قتل جماعة بواحد متى اقتدروا، أو نوع من الحياة وهو الحاصل للمقتول والقاتل بالارتداع عن القتل للعلم بالاقتصاص، فإن الإنسان إذا هم بالقتل تذكر الاقتصاص فارتدع فسلم صاحبه من القتل وهو من القود، فتسبب لحياة نفسين.
ومن تنكير غير المسند إليه للنوعية ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾، أي وأرسلنا عليهم نوعًا من المطر عجيبًا، يعني الحجارة، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِين ﴾ وللتحقير ١ ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًَّا﴾ ٢.
_________________
(١) ١ أي ومن تنكير غير المسند إليه للتحقير. ٢ أي ظنًّا حقيرًا ضعيفًا إذا الظن مما يقبل الشدة والضعف، فالمفعول المطلق ههنا للنوعية مع التأكيد لا للتأكيد المجرد وبهذا الاعتبار صنح وقوعه بعد الاستثناء مفرغًا مع امتناع "ما ضربته إلا ضربًا" على أن يكون المصدر للتأكيد؛ لأن مصدر ضربته لايحتمل غير الضرب والمستثنى منه يجب أن يكون متعددًا يحتمل المستثنى وغيره. هذا وكما أن التنكير الذي في معنى البعضية يفيد التعظيم فكذلك صريح لفظ البعض، مثل: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾، أراد محمدًا ﷺ، ففي هذا الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفى.
[ ٢ / ٣٩ ]