نشأة البيان العربي:
١- كان للعرب في حياتهم الأولى ذوق وفيهم طبق، كانوا بهما في غنى عن الشرح والتحليل والتوجيه والتعليل لأحكام النقد ولأصول البيان العربي ومذاهبه، وكذلك كانت أصول البيان بعيدة عن البحث والدراسة والتقرير.
وفي ظلال الحياة الإسلامية اختلطت العناصر، وتمازجت الثقافات، فلقحت العقول، وأصابت الألسنة آثار من اللكنة واللحن، وأخذ أئمة العربية يعملون في صبر وعزيمة في وضع أصول النحو العربي، وجمع مواد اللغة العزيزة.. وصحب ذلك وتلاه دراسات أخرى تتناول البيان العربي وأصوله ومذاهبه بالبحث والتحليل، وأخذت تتكون من تلك الدراسات النواة الأولى للبيان العربي، وظل التقدم الفكري والنضوج الأدبي والعلمي يسير بهذه البحوث والدراسات نحو الكمال المنشود بخطوات كبيرة.. وكانت الثقافة البيانية تنمو حين ذاك بجهود ثلاث طبقات:
١- الأولي طبقة رواة وعلماء الأدب من البصريين والكوفيين والبغداديين، من أمثال: خلف والأصمعي وأبي زيد وأبي عبيدة ويحيى بن نجيم وعمرو بن كركرة، وأستاذهم أبو عمر بن العلاء أعلم الناس بالعرب والعربية١، ومن عامة الرواة الذين لا يقفون إلا على البليغ الساحر من الأساليب كما يقول الجاحظ دون النحويين واللغويين والإخباريين الذين لم يتجهوا هذا الإتجاه٢.. وبجوار هؤلاء أئمة الشعراء٣ وغيرهم من الخطباء ورجال الأدب الذين تثقفوا بالثقافة العربية.
_________________
(١) ١ ٢٠٩/ ١ البيان. ٢ ٢٢٤/ ٣ البيان. ٣ ٥٤/ ١ البيان.
[ ١ / ١٣٠ ]
ب- والثانية طبقة الكتاب الذين لم ير الجاحظ قومًا أمثل طريقة في البلاغة منهم والذين التمسوا من الألفاظ ما لم يكن وحشيًّا ولا سوقيًّا١، ورأى الجاحظ البصر بهذا الجوهر من الكلام فيهم أعم٢، وحكم مذهبهم في النقد٣، ومثلهم المعتزلة وفرق المتكلمين الذين رآهم الجاحظ فوق أكثر الخطباء وأبلغ من كثير من البلغاء٤ وكان بعضهم من عناصر عربية وتثقفوا بثقافة أجنبية، والآخرون من عناصر أجنبية تثقفت بالثقافة العربية، مما كان له أثره في فهم أصول البيان وفي توجيه دراسته وبحوثه وفي الدعوة إلى آراء في الأدب توائم ثقافتهم وعقليتهم، وكان بعضهم يلقن مذاهبه الأدبية العامة للتلاميذ وشداة الأدب، كما ترى في محاضرة بشر بن المعتمر المعتزلي م ٢١٠هـ في أصول البلاغة٥، والتي يقول الجاحظ عنها أن بشرًا مر بإبراهيم بن جبلة بن مخرمة٦ وهو يعلم الفتيان الخطابة فوقف بشر فظن إبراهيم أنه إنما وقف ليستفيد فقال بشر: اضربوا عما قال صفحًا ثم دفع إليهم صحيفة من تحبيره وتنميقه في أصول البلاغة وعناصر البيان٧، ومن رجال هذه الطبقة: أبو العلاء سالم مولى هشام وعبد الحميد الكاتب أو الأكبر كما يقول الجاحظ٨ وابن المقفع وسهل ابن هرون٩ والحسن والفضل١٠ ابنا سهل ويحيى البرمكي وأخوه
_________________
(١) ١ ١٠٥/ ١ البيان. ٢ ٢٢٥/ ٣ البيان. ٣ ٢٤٠/ ١ البيان. ٤ ١٠٦/ ١ البيان. ٥ ١٠٤/ ١ وما بعدها البيان، ٢٢٨ وما بعدها صناعتين. ٦ يعده الجاحظ من الخطباء الشعراء ٥٥/ ١ البيان. ٧ ولبشر كتاب في نظم كليلة ودمنة. ٨ ١٥١ جـ١ البيان. ٩ كان سهل يقول: سياسة البلاغة أشد من البلاغة "١٤٤/ ١، البيان، ٣٢/ ٣ العقد". ١٠ ذكر الحصري كثيرًا من بلاغته "١٦-١٩ جـ٢ زهر".
[ ١ / ١٣١ ]
جعفر١ وأيوب بن جعفر وأحمد بن يوسف وعمر بن مسعدة٢ وابن الزيات وسواهم.
وكان لهذه الطبقة أثرها في بحث عناصر البيان وبلاغة الكلام. ونستطيع أن نعرف آثار هاتين الطبقتين في دراسات البيان بالرجوع إلى آرائهم المبثوثة في شتى أصول الأدب، والتي يمكننا أن نذكر لك هنا طرفًا منها، وإن شئت فاقرأ جواب صحار لمعاوية حين سأله عن البلاغة٣، ويروى قبل هذا بكثير أن عامر بن الظرب سأل حممة بن رافع من أبلغ الناس؟. فقال، من حلى المعنى المزيز باللفظ الوجيز وطبق المفصل قبل التحزيز٤ واقرأ تحديد المفضل الضبي للإيجاز٥، وتفسير ابن المقفع للبلاغة٦، وحوار الشمري لعمرو بن عبيد في البلاغة٧، وتعريف الأصمعي للبليغ٨، ورأي إبراهيم بن محمد في البلاغة٩، وتعريف جعفر البرمكي للبيان١٠، وتعريف العتابي للبلاغة ١١، وتفضيل الجاحظ لرأيه ١٢، ووصف الرشيد للبلاغة ١٣، ورأي شبيب بن شيبة في تفضيل بلاغة جودة القطع أو القافية على جودة الابتداء١٤، ووصف ابن المقفع كلام الأعراب ١٥، الذين أعجب
_________________
(١) ١ وصل الجاحظ بلاغته وأشاد به "٨٥ و٩١/ ١ البيان، ٨١/ ٢ زهر"، وكان يؤثر الإيجاز "٨١/ ١ البيان، ١٧٧/ ١ الكامل"، ونوه به سهل بن هارون "١١/ ٢ زهر". "٢" نوه المأمون ببلاغته "٢٦٤/ ٣ زهر". ٣ ٨١/ ١ البيان، وراجع ١٨/ ٢ الكامل. ٤ ٢١٦/ ١ العمدة، ٢٨٠/ ٢ الأمالي للقالي. ٥ ٨١/ ١ البيان. ٦ ٩١ البيان، ٢١٤/ ١ العمدة، ١٥-١٧ صناعتين. ٧ ٩٠/ ١ البيان، ١٤٢/ ١ زهر، ٤٧ الرسالة العذراء. ٨ ٨٦/ ١ البيان، ٢٢٠/ ١ العمدة. ٩ ٧٥/ ١ البيان. ١٠ ٨٥/ ١ البيان، ٤٢-٤٧ صناعتين. ١١ ٩٠/ ١، و١٥٧/ ١ البيان. ١٢ ١٢١/ ١ البيان. ١٣ ٢٦٤/ ٣ زهر. ١٤ ٨٩/ ١ البيان. ١٥ ١١٨/ ٢ زهر.
[ ١ / ١٣٢ ]
الجاحظ ببلاغتهم١ ووصف الحسن بن وهب بلاغة أبي تمام٢، وتعريف المأمون للبليغ بأنه من كان كلامه في مقدار حاجته ولا يجيل الفكرة في اختلاس ما صعب عليه من الألفاظ ولا يتعمد الغريب الوحشي ولا الساقط السوقي٣، وقول خالد بن صفوان: أبلغ الكلام ما لا يحتاج إلى الكلام إلخ٤، وتعريفه للبلاغة بأنها التقريب من المعنى البعيد أو التباعد عن خسيس الكلام والدلالة بالكبير على الكثير، وتعريف ابن عتبة لها: بأنها دنو المأخذ وقرع الحجة والاستغناء بالقليل عن الكثير، وعرفها الخليل: بأنها ما قرب طرفاه وبعد منتهاه، وعرفها إبراهيم الإمام: بأنها الجزالة والإصابة وعرفها ابن المقفع: بأنها قلة الحصر والجراءة على البشر، إلى غير ذلك من شتى هذه التحديدات٥، ويقول أبو داود الإيادي: رأس الخطابة الطبع وعمودها الدربة وجناحاها رواية الكلام وحليها الإعراب٦ إلخ، ويقول الخليل: كل ما أدى إلى قضاء الحاجة فهو بلاغة فإن استطعت أن يكون لفظ لمعناك طبقًا ولتلك الحال وفقًا وآخر كلامك لأوله مشابهًا وموارده لمصادره موازنة فافعل واحرص أن تكون لكلامك متهمًا وإن ظرف٧، ووصية أبي تمام للبحتري تدخل في هذا الباب٨، ويقول عبد الملك بن صالح ١٩٩هـ: البلاغة معرفة رتق الكلام وفتقه٩، وقال ابن الرومي: البلاغة حسن الاقتضاب عند البداهة والغزارة عند الأصالة١٠، ويقول البحتري: خير الكلام ما قل وجل ودل ولم يمل١١،
_________________
(١) ١ ١١٠/ ١ البيان. ٢ ٢٦٣/ ٣ زهر. ٣ ٤٢٣ صناعيتين. ٤ ٣٥ و٣٦ الرسالة العذراء. ٥ راجع: ٤٤-٤٦ الرسالة العذراء، ٧٥/ ١ البيان، ٢ و٣ و٢٢ ٢٣/ ٣ العقد، ١٤٠-١٥٠/ ١ زهر، ٨٧-٩١/ ٢ ديوان المعاني، ١٠٩، ٢٠٢ إعجاز القرآن، ٢١٣-٢٢١/ ١ العمدة. ٦ ١٤٧/ ١ زهر، ٥١/ ١ البيان. ٧ ٤٨ الرسالة العذراء. ٨ ١٥١/ ١ زهر. ٩ ١٦٨/ ٣ البيان. ١٠ ٤١ الصناعتين. ١١ ٣٦/ ١ المستطرف.
[ ١ / ١٣٣ ]
ويقول الثعالبي بعد: خير الكلام ما قل وجل ولم يمل١، ويقول ابن الأعرابي: البلاغة التقرب من البغية ودلالة قليل على كثير٢.
جـ- وأما الطبقة الثالثة فهي طبقة المفكرين والمثقفين الذين تثقفوا بثقافة أجنبية واسعة، وتأثروا كل التأثر بآداب الأمم الأخرى، وترجموا آراءهم في البيان ومناهجه إلى اللغة العربية، أو ألفوا كتبًا تبحث في هذه الاتجاهات، وهؤلاء قد عاشوا في البيئة الإسلامية وأثروا في النقد والأدب والبيان ودراساته وتطوره تأثيرًا واضحًا كبيرًا، يمكننا أن نذكر شيئًا عن مجهود هذه الطبقة في خدمة البيان.
أهم عمل علمي قامت به هذه الطبقة: هو ترجمة كتابي الخطابة والشعر لأرسطو إلى العربية، فأما الخطابة فهو أصل البلاغة ودراساتها، وقد "أصيب بنقل قديم ونقله إسحاق بن حنين م ٢٩٨هـ وكذلك نقله إبراهيم بن عبد الله وفسره الفارابي ٣٣٩هـ" ٣، وأما كتاب الشعر فقد اختصره الكندي م ٢٥٣هـ، ونقله يحيى بن عدي ومتى في القرن الرابع من السريانية إلى العربية٤ وقد ألفوا في صناعة الشعر وللكندي رسالة في صناعة الشعر٥، ولأبي زيد البلخي كتاب بعنوان "صناعة الشعر" أيضًا٦، وكذلك لأبي هفان٧.
_________________
(١) ١ ٢١٨/ ١ العمدة. ٢ ٢١٧/ ١ العمدة. ٣ ٣٤٩ فهرست. ٤ ٣٤٩ و٣٥٠ فهرست، وتجد تحليلًا كاملًا للكتاب في "٦٤-١٣٦ قواعد النقد الأدبي"، وهو لم يصل إلينا كاملًا وليس من شك في أن للكتاب جزءًا ثانيًا قد فقد "٦٨ المرجع"، ونكاد نجزم أن أرسطو أراد بكتابه هذا أن يكون ردًّا على أفلاطون في رأيه الذي ذهب إليه وهو أن الشعر عمل غير جدير بمقام الذكاء البشري وأنه من أشد بواعث الفساد "٧١ المرجع"، ويقول أرسطو في أوله: "سأتكلم هنا عن فن الشعر وأنواعه المختلفة ووظائف كل نوع وفي البناء الصحيح للمنظومة وعدد أجزائها وخصائص كل منها" "٧٩ المرجع"، وترجمة ابن سينا وابن رشد "٢٤ وما بعدها مقدمة فقد النثر". ٥ ٣٥٩ فهرست. ٦ ١٩٨ فهرست. ٧ ٢٠٧ فهرست.
[ ١ / ١٣٤ ]
وهناك آراء كثيرة مأثورة عن هذه الطريقة في البلاغة وعناصرها وهي متفرقة في شتى كتب الأدب ومصادره، وتجد في البيان والعمدة وسواهما أن صاحب اليونانيين عرف البلاغة بأنها تصحيح الأقسام واختيار الكلام، وعرفها الرومي بأنها وضوح الدلالة وانتهاز الفرصة وحسن الإشارة، وعرفها الفارسي بأنها معرفة الوصل من الفصل، وعرفها الهندي بأنها البصر بالحجة والمعرفة بمواضع الفرصة إلخ، وعرفها أرسطو بأنها حسن الاستعارة، ويعرفها جالينوس بأنها إيضاح المفصل وفك المشكل، واقرأ البلاغة كما يراها حكيم الهند١، ويقول حكيم: البلاغة معرفة السليم من المعتل وفرق ما بين المضمن والمطلق وفصل ما بين المشترك والمفرد٢، ويعرفها سقراط بأنها استشكاف الحقائق٣، ويقسمها الكندي ثلاثة أنواع: فنوع لا تعرفه العامة ولا تتكلم به، ونوع بالعكس، ونوع تعرفه ولا تتكلم به وهو أحمدها٤، ويقول: يجب للبليغ أن يكون قليل اللفظ كثير المعاني٥، وذكر بزرجمهر فضائل الكلام ورذائله فقال: فضائله أن يكون صدقًا وأن يقع موقع الانتفاع به وأن يتكلم به في حينه وأن يحسن تأليفه وأن يستعمل منه مقدار الحاجة، ورذائله بالضد٦ إلخ، وقال أبرويز لكاتبه: الكلام أربعة: سؤالك الشيء وسؤالك عن الشيء وأمرك بالشيء وخبرك عنه، فإذا طلبت فأسجع وإذا سألت فأوضح وإذا أمرت فأحكم وإذا أخبرت فحقق، وقال أيضًا: واجمع الكثر مما تريد في القليل٧، ولعل ثعلبًا حين ذكر في صدر كتابه "قواعد الشعر" أقسام الشعر وأنها أمر ونهي وخبر واستخبار ٨ قد تأثر بذلك الرأي.
_________________
(١) ١ ٧٨ و٧٩/ ١ البيان، ٢٠-٣٨ صناعتين، ١٤٤/ ١ زهر. ٢ ٨٨/ ٢ البيان والتبيين. ٣ أصول النقد الأدبي للشايب. ٤ ٢١٩/ ١ العمدة. ٥ ٣٥/ ١ المستطرف. ٦ ١٨٣، الموازنة. ٧ ١٠ أدب الكاتب. ٨ ص١١ قواعد الشعر.
[ ١ / ١٣٥ ]
وبعد فقد تعاونت هذه الطبقات في خدمة البيان، ولها جميعًا أثرها في نشأته وتطوره.
٢- ومن الكتب الأولى التي ألفت في دراسات البيان وموضوعاته: مجاز القرآن لأبي عبيدة، وكتاب البيان لابن السكيت١ وكتاب الفصاحة للدينوري٢، وكتاب التشبيه والتمثيل
للفضل بن نوبخت٣، وصناعة الكلام للجاحظ٤، وكتاب التمثيل له٥، ونظم القرآن أيضًا٦ وقواعد الشعر وكتاب البلاغة للمبرد٧، وللحراني كتاب في البلاغة٨، ولثعلب قوا عد الشعر، ولابن مقسم تلميذه كتاب المدخل إلى صناعة الشعر٩، وللمروزي كتاب البلاغة والخطابة١٠ ولابن الحرون كتاب المطابق والمجانس ١١، ولأبي سعيد الأصفهاني كتاب تهذيب الفصاحة١٢، وللباحث كتاب صنعة البلاغة ١٣ ولمحمد بن يزيد الواسطي المعتزلي م ٣٠٦هـ كتاب إعجاز القرآن في نظمه وتأليفه ولابن الأخشيد كتاب نظم القرآن١٤ وكذلك لابن أبي داود ٣١٦هـ ١٥ وللحسن بن جعفر كتاب في الرد على من نفى المجاز في القرآن١٦.
٣- وبعد فقد كان البيان العربي في القرن الثالث مزيجًا من
_________________
(١) ١ ٢٠٨/ ١ كشف الظنون. وقد يكون في هذا الكتاب عرض للأدب وألوانه كالبيان والتبيين. ٢ ١١٦ فهرست. ٣ ٣٨٣ فهرست. وهو فارسي خدم المنصور والمهدي. ٤ ٢٨ الجاحظ لمردم. ٥ ٤١ المرجع، ٧٩/ ٦ معجم الأدباء. ٦ ٤٠ الجاحظ لمردم. ٧ ٨٨ فهرست، ١٤٤/ ٧ معجم الأدباء. ٨ ١٧٨ فهرست. ٩ ٢٦ بغية الوعاة. ١٠ ٢١٥ فهرست. ١١ ٢١٢ فهرست. ١٢ ١٩٧ فهرست. ١٣ ٥٧ و٥٨ فهرست. ١٤ ٣٢٤ فهرست. ١٥ ٥٢ الفهرست. ١٦ فهرست أيضًا.
[ ١ / ١٣٦ ]
ثقافات وآراء مختلفة عربية وغير عربية مؤلفة ومترجمة، ومن حيث كاد في القرن الثاني أن يكون عربيًّا خالصًا. وهنا سؤالان لابد من الجواب عليهما وهما: متى نشأ البيان العربي، وهل تأثر بثقافة أجنبية؟
أما نشأة البلاغة والبيان فالآراء فيها كثير ة. فالدكتور طه حسين يرى أن البلاغة نشأت في عهد متأخر والجاحظ في رأيه أول من اهتم بها وهو مؤسس البيان العربي حقًّا١، ويرى آخر أن نشأة البلاغة قديمة قد سبقت القرآن وتطورت بعده٢ وأكثر الفنون الأدبية أخذت شواهدها من القرآن٣ وينقد باحث هذا الرأي٤.. ومن الضروري أن نفرق بين أمرين، نطق العرب في آثارهم الأدبية بأساليب لغتهم المختلفة من استعارة وتشبيه وكناية ومجاز وقصر وفصل ووصل وطباق وتجنيس إلخ، ومعرفتهم العلمية بأوضاع هذه الأساليب ونواحيها البلاغية، فالأول كان موجودًا عند العرب قبل القرآن وفي عصر القرآن وبعده، والثاني لم يوجد إلا في القرن الثالث الهجري كما ذهب إليه أكثر الباحثين، فقواعد البلاغة قد سنها الفكر أولًا ليجري عليها الأدب بل إن طبيعة الأدب موجودة من قبل سواء بحثت أو لم تبحث٥، فالأدب وخواصه الأدبية موجودان من قديم وأما معرفة هذه الخصائص ودراستها وبحثها على أنها علم وأصول وقواعد فلم يوجد إلا بعد القرن الثاني الهجري، "فعلم البلاغة إسلامي لا عهد للجاهليين به"٦، والبلاغة باعتبارها فنًّا مدروسًا أي التحليل العلمي للأساليب البلاغية ليست من علوم العصر الجاهلي إنما هي دراسة متأخرة في نشأتها على أنه لا شك كان هناك في العصر.
_________________
(١) ١ ٣ و٣٠ و٣١ مقدمة نقد النثر. ٢ ٤٨/ ١ النثر الفني، ومن قبل رأي الصاحبي أن النحو والعروض نشأ من قديم "٨ وما بعدها الصاحبي". ٣ ٥٦/ ١ النثر الفني. ٤ ١٦ وما بعدها تأريخ البلاغة العربية مخطوط بمكتبة كلية اللغة. ٥ ٨ قواعد النقد الأدبي. ٦ ٢٩ تأريخ البلاغة العربية.
[ ١ / ١٣٧ ]
الجاهلي وصدر الإسلام بعض الخصائص والأساليب البلاغية المتعارف عليها١، وهذا كله مما لا سبيل إلى الشك فيه.
وأما الأمر الثاني وهو هل تأثرت البلاغة العربية في نشأتها الأولى ببلاغة الأمم الأخرى؟ فيمكننا بسط الحديث فيه:
يذكر ابن الأثير أن الشعر والخطابة في الأدب العربي لم يتأثرا بثقافة اليونانية البيانية "فهذا شيء لم يكن ولا علم أبو نواس شيئًا منه ولا مسلم ولا أبو تمام ولا البحتري ولا المتنبي ولا غيرهم وكذلك جرى الحكم في أهل الكتابة كعبد الحميد وابن العميد"، ثم ينفي أن يكون هو قد تأثر في رسائله ومكاتباته بما ذكره علماء اليونان في حصر المعاني ويذكر أنه اطلع على ما كتبه ابن سينا في الخطابة والشعر فلم يوافق ذوقه واستجهله ورأى أن ما ذكره لغو لا يستفيد به صاحب الكلام العربي شيئًا٢، ويرى باحث محدث أنه كان للبلاغة اليونانية أثر في علم البلاغة العربي٣، ويرى باحث آخر أن أرسطو المعلم الأول للمسلمين في علم البيان٤، وأن الكتاب والمتكلمين الذين عاشوا في القرن الثاني وأثروا في البيان وتطوره جلهم من الأعاجم٥ وأن متكلمي المعتزلة كانوا بتضلعهم في الفلسفة اليونانية من مؤسسي البيان العربي٦ وأنه حتى منتصف القرن الثالث لم يوجد إلا بيان عربي واحد كان لا يزال في دور الطفولة وكان خصبًا جامعًا للروح العربي والفارسي واليوناني ثم وجد من ذلك الوقت بيانان: عربي بحت، ويوناني يجهر بالأخذ عن أرسطو، على أن البيان العربي الصرف قد تأثر باليونان٧. وترجم كتاب الخطابة في النصف الثاني من القرن.
_________________
(١) ١ ص٤ و٥ مجلة الأدب والفن نوفمبر ١٩٤٥ من مقال للأستاذ جب. ٢ ٢٠ المثل السائر. ٣ ١٧٧/ ١ ضحى الإسلام. ٤ ٣١ مقدمة نقد النثر. ٥ ص٦ المرجع نفسه. ٦ نفس المرجع. ٧ ١١ وما بعدها نفس المرجع.
[ ١ / ١٣٨ ]
الثالث، وجاء قدامة فاستفاد من كتاب الخطابة وفهم منه كل ما يمكن أن ينتفع به وطبقة على الشعر العربي وكان يجهل كتاب الشعر١ وقد درس قدامة الفلسفة وخاصة المنطق٢، على أن تشريع الفلسفة للأدب في رأي الدكتور يظهر أول مرة في "نقد الشعر"٣ ثم في "نقد النثر" الذي هو مستمد من آراء أرسطو في الجدل والقياس والخطابة٤.
على أننا قد بسطنا القول في ذلك فيما سبق ورأينا أن المشتغلين بالفلسفة قد اشتركوا مع الجماعات الأخرى في خدمة البيان العربي وإنشائه والتأليف فيه وكان اتجاههم الأول إلى البيان اليوناني فأخذوا يدأبون على الإفادة منه في بحوث البيان العربي ودراساته وتلقيحه بما يمكن أن يلقح به من عناصر ومناهج علمية سلكها ومهد سبيلها اليونان، فهم قد استعانوا بطرقهم في دراسة البيان على فهم وتحليل أصول البيان العربي والتأليف فيه.
٤- ونحن الآن نعرض عليك خلاصة وافية لأهم الكتب التي تناولت بعض مسائل البلاغة بالبحث والتي ألفت فيها خاصة.
١- جمهرة أشعار العرب لأبي زيد القرشي: وفي مقدمتها نجد آراء متفرقة في البلاغة والبيان، فهو يعرف الالتفات ويشير إلى أن العرب تخاطب الشاهد مخاطبة الغائب٥، ويعرف مجاز الحذف ويفيض في شرحه٦.
ب- الجاحظ وكتابه "البيان والتبيين":
والجاحظ إمام الكتاب وشيخ البيان وعلم من أعلام الأدب
_________________
(١) ١ ١٧ المرجع. ٢ ١٦ المرجع. ٣ ١٦ وما بعدها مقدمة نقد النثر. ٤ ١٧ وما بعدها المرجع. ٥ ص٣ جمهرة أشعار العرب. ٦ ص٢ المرجع.
[ ١ / ١٣٩ ]
والنقد، وهو من أئمة المعتزلة، تتلمذ على النظام وسواه من فحول عصره فخرج واسع الثقافة عميق التفكير كثير الإحاطة والإطلاع على شتى المؤلفات والتراجم المنقولة من جميع اللغات إلى العربي.
اتصل الجاحظ باليونان وثقافتهم من كتبهم المترجمة وعن طريق المتكلمين وبمجالسته لكثير من المثقفين باليونانية١، كما أنه حذق الثقافة الفارسية من كتب ابن المقفع وسواه، وتوسع في الثقافات كلها بما كان يقرؤه من الكتب٢، وتأثر بخطابة أرسطو إلى حد بعيد ومن المشابهة بينه وبين أصحاب الخطابة في الأسلوب استعماله القياس المضمر وهو المذهب الكلامي عند البديعيين٣، ونقد الجاحظ التراجم والمترجمين من اليونانية وخاصة كتاب المنطق بأنه في أسلوب سقيم، فالجاحظ ولاشك قد تأثر "بالخطابة" لأرسطو كثيًرا٤، وأنكر باحث آخر أن يكون كتاب البيان متأثرًا بخطابة أرسطو أو صدى له؛ لأن الجاحظ لم يره٥ ولم ما يؤيده الدكتور طه حسين٦.
ومن البدهي أن الجاحظ ألم بالثقافة الفارسية المترجمة إلمامًا واسعًا، ويبدو لي أنه كان يعرف اللغة الفارسية، ففي البخلاء يحكي الجاحظ كلام بخيل من أهل مرو تجاهل رجلًا زاره من أهل العراق: لو خرجت من جلدك لم أعرفك، قال الجاحظ: وترجمة هذا الكلام بالفارسية "كراز بوستت بارون ببائي نشناسيم"٧:
_________________
(١) ١ ٤٠١/ ١ ضحى الإسلام. ٢ ٣٨٧/ ١ المرجع. ٣ ٦٢٠ و٦٢١ الرسالة عدد ١٩٦ من محاضرة للأستاذ حمودة في أسبوع الجاحظ، وإذا كان الجاحظ ينكر أن يكون لليونانيين خطابة "١٥/ ٣ البيان" فليس لك إلا في مقام الرد على الشعوببين وقد يكون الجاحظ لم يطلع على نصوص خطابية لليونان. ٤ راجع ٦٢١ الرسالة العدد ١٩٦. ٥ راجع ٦٢٢ المرجع السابق. ٦ ص٣ مقدمة نقد النثر. ٧ ص١٩ البخلاء.
[ ١ / ١٤٠ ]
وأثر ثقافته الفارسية واضح في كتبه وفي مؤلفه "البيان"، أما أثر ثقافته اليونانية فواضح أيضًا في الحيوان وفي كتابه البيان١، قرأ الجاحظ من كتب أرسطو المترجمة كتاب الحيوان واستدل برأي لأرسطو فيه"٢" وكان مصدرًا كبيًرا له في كتابه "الحيوان"، والجاحظ يذكر تعريف صاحب المنطق للإنسان كثيًرا٣ ويذكر صاحب المنطق وأنه كان بكئ اللسان مع علمه بتمييز الكلام وتفضيله ومعانيه وبخصائصه، ٤ ويذكر تعاريف البلاغة عند الأمم المختلفة ومنها اليونان٥ ويذكر كتب اليونان في المنطق وأن الحكماء جعلتها معيارًا للتفكير٦، ويذكر نوادر ريسموس اليوناني٧ ويرى أن لليونان فلسفة وصناعة منطق وليس لفلاسفتهم في الخطابة ذكر٨، وأقسام الدالة عند الجاحظ٩ هي من تفكير أرسطو، ويذكر أن للفرس رسائلها وخطبها وألفاظها ومعانيها ولليونان رسائلها وخطبها وعللها وحكمها وكتبها في المنطق وللهند حكمها وسيرها وعللها ويرى أنها لا توازن بما للعرب من بيان وبلاغة وصناعة وخطابة١٠، وللجاحظ رسالة في نقد الكندي١١.
ويذكر الجاحظ في البيان "صناعة الكلام" ويعني بها حينًا علم الكلام١٢، وحينًا آخر البيان١٣، ويذكر اصطلاحات أخرى كصناعة المنطق١٤ وصناعة الخطابة ويذكر أحيانًا "أصحاب الخطابة والبلاغة"١٥.
_________________
(١) ١ وذلك في مواضع كثيرة. ٢ ٦١/ ١ البيان. ٣ ٦٩ و١٢٨/ البيان. ٤ ١٥/ ٣ البيان. ٥ ٧٥/ ١ البيان. ٦ ٧/ ٣ البيان. ٧ ١٦٥ جـ٢ البيان. ٨ ١٥/ ٣ البيان، الظاهر أن الجاحظ لم يطلع على شيء من خطابتهم. ٩ ٦٩/ ١ البيان، وهي في٤٠ الرسالة العذراء، ٩ نقد النثر. ١٠ ٧/ ٣ البيان. ١١ ٤٢ الجاحظ لمردم. ١٢ ٦٩/ ١ البيان. ١٣ ١٠٨/ ١ البيان. ويشيد الجاحظ بصناعة الكلام. "٣ جـ٤ زهر". ١٤ ٧٩/ ١ البيان. ١٥ ١٨٣/ ١ البيان.
[ ١ / ١٤١ ]
ومهما يكن فالجاحظ فيما ذكره من أصول البلاغة العربية قريب من روح أرسطو، فدعوته إلى ترك الوحشي والسوقي١ له نظير عند أرسطو الذي دعا إلى "هجر الألفاظ الخسيسة التي لا يستعملها إلا العامة٢ وقال "ينبغي ألا تكون الألفاظ سفسافة ولا مجاوزة الحد في المتانة مبلغ الأمر الذي يدل عليه فلا تبلغ درجة العامية ولا تحوج إلى الكلفة المنشوءة"، ودعوة الجاحظ إلى الوضوح٣ لها نظير عند أرسطو حيث يذكر "حسن الدلالة ووضوح العبارة وأن الأغراب مستنكره وأنه يجب ألا تمعن في الإغرابات بل يجب أن تكون العبارة بحيث يفهمها الأماثل دون أسقاط الجمهور"، واللحن وخروجه عن حد البلاغة٤ موجود في خطابة أرسطو حيث يوجب أن "يكون اللفظ فصيحًا لا لحن فيه"، ويذكر الجاحظ استعمال المبسوط في مواضعه والمقصور "المحذوف الموجز" في مواضعه٥، والإيجاز والإطناب يوم الإطناب٦، وأرسطو أول من أشار إلى ذلك كله فذكر الإيجاز والإسهاب وأشار إلى أن لكل منهما مقامًا، وعلى أي حال فمرجع هذا التشابه في الأفكار أرجح إن سببه نقل الجاحظ كثيرًا عن الذين ألموا بثقافة اليونان وكتب أرسطو في النقد وعلى الأخص الخطابة والشعر.
ومع ذلك فالجاحظ يجهل كثيرًا من النظريات التي شرحها أرسطو في كتابيه، فأنواع البيان والأساليب البلاغية الأنيقة التي ألم بها.
_________________
(١) ١ ١٠٥ و١١٠ و١٧٦ جـ١ البيان. ٢ راجع الشفاء لابن سينا وكل المنصوص المنقولة هنا عن أرسطو فهي منقولة من الشفاء. ٣ ٦٨ و١١٠ و١٧٦/ ١ البيان. ٤ ١٢١/ ١ البيان. ٥ ٥١/ ١ البيان، ويشير إلى ذلك في مواضع أخرى في كتابه ١٤١ و١٤٧ و١٦١ و١٨٠/ ١ البيان" ٦ ١٢٠ رسائل الجاحظ، وتبعه ابن قتيبة فذكر أن للإيجاز مواضعه وللإطالة مواضعها "مقدمة أدب الكاتب".
[ ١ / ١٤٢ ]
أرسطو١ لا يشير إليها الجاحظ في بيانه، وهو على العموم لم يطلع على كتابي أرسطو، ولا نشك في أنه أفاد من أستاذه النظام ومن علوم الفلسفة والمنطق التي شاعت في عصره كثيرًا، ونقل عمن اطلعوا على خطابه أرسطو، ويكفينا ذلك التحقيق في هذا المقام.
وبعد فللجاحظ في البيان العربي آثار كثيرة: كرسالته في تفضيل النطق على الصمت٢، وكتابه البيان والتبيين.
والبيان "أول كتاب ظهر في الأدب جامعًا لفنون كثيرة من ضروبه٣"، ويشيد به أبو هلال٤، ويعده ابن خلدون من أركان الأدب٥، والكتاب يبحث في فنون الأدب والبلاغة ويتناول النقد واللغة ويأتي على ذكر الخطباء والأدباء والشعراء والمنشئين وآثارهم الأدبية وهو من أجل وثائق الأدب في الجاهلية والإسلام٦، ويذكر ابن رشيق أنه لا يبلغ جودة وفضلًا٧، ويذكر أبو أحمد العسكري مثلًا من تصحيف الجاحظ فيه٨، وينقد ابن شهيد الكتاب٩ ورد عليه بعض المعاصرين١٠ والكتاب يجمع بين دفتيه الكثير من بلاغة العرب وسحرهم في البيان كما يجمع آراء كثيرة في أصول النقد الأدبي
_________________
(١) ١ كدراسته للاستعارة، وللرباطات "حروف العطف" وأنها تجعل الكلام الكثير كالواحد، وللجناس وسواه، ونظرية أرسطو في الوصل، وهي التي يفيض عبد القاهر في شرحها في الدلائل.. ونصيب في نقده في نقده للكميت في قوله "تكامل فيها الأنس والشنب"؛ لأنه باعد في القول "١٣٤/ ١ الأغاني، ٣٥٥/ ١ الكامل" لا ينم ذلك عن معرفته بأسرار هذه الدراسات البيانية. ٢ تجدها ٨ ١٤٨-١٥٤ رسائل الجاحظ. ٣ ٨٠ العصر العباسي للأسكندري. ٤ ٦ و٧ الصناعتين. ٥ ٥٥٣ مقدمة ابن خلدون. ٦ ٣٥ الجاحظ لمردم. ٧ ٢٢٧/ ١ العمدة. ٨ ٥٣ و٥٤ التصحيف والتحريف. ٩ ١٩٨/ ١ ذخيرة. ١٠ ٥٠/ ٢ للنثر الفني.
[ ١ / ١٤٣ ]
وقوانين البلاغة العربية وأنواعها وعناصرها ومذاهبها واتجاهاتها وأثرها، سواء كانت هذه الآراء من جمع الجاحظ وروايته أم من رأيه وتفكيره، وحسبك أن تقرأ فيه البلاغة كما تتحدث عنها صحيفة هندية مكتوبة١، أو كما يصورها بشر بن المعتمر٢، أو كما يراها ابن المقفع٣، ولهذه النصوص قيمة كبيرة، وقد عد بعض الباحثين الجاحظ مؤسس البيان العربي لما جمعه من النصوص التي توضح لنا كيف كان العرب إلى منتصف القرن الثالث يتصورون البيان العربي وتعطينا صورة مجملة لنشأته٤.
وفي الكتاب كثير من بحوث البلاغة، فهو يعرف الاستعارة٥، ويتكلم على السجع٦، ويشير إلى التفصيل والتقسيم٧، والاستطراد، والكناية٨، والأمثال٩، والاحتراس١٠ والقلب ١١ والأسلوب الحكيم١٢، والجاحظ فوق ذلك هو أول من لقب المذهب الكلامي بهذا الاصطلاح١٣، ويرى الجاحظ أن البلاغة في النظم لا في المعاني قال: والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي وإنما الشأن في إقامة الوزن وتحيز اللفظ وسهولة المخرج وفي صحة الطبع وجودة السبك ١٤، وهو ما ذهب إليه.
_________________
(١) ١ ٧٩/ ١ البيان. ٢ ١٠٤/ ١ وما بعدها البيان. ٣ ٩١/ ١ البيان. ٤ ٣ مقدمة نقد النثر. ٥ ١١٦/ ١ البيان. ٦ ١٩٤/ ١ البيان. ٧ ١٧٠/ ١ و٩١/ ٢ البيان، وهو باب من أبواب البديع عند كثير من علماء البلاغة راجع ٧٨ نقد الشعر، ٣٣٢ صناعتين. ٨ ١٨٠/ ١ و٢٩ و٣١ و٨٥/ ٣ البيان. ٩ ٨٦ و٨٨ و١١٤ و١٨٣/ و٢٢٤/ ٢ البيان. ١٠ ١٦١/ ١ وما بعدها البيان. ١١ ١٨٠/ ١ البيان. ١٢ ٢٠١ و٢٠٢ جـ٢ البيان، ويقرب من الأسلوب الحكيم ما يسميه الجاحظ "اللغز في الجواب" "١١٦/ ٢ البيان". ١٣ ١٠١ البديع ٧٦/ ٢ العمدة. ١٤ ٤٠/ ٣ الحيوان.
[ ١ / ١٤٤ ]
ابن خلدون١، ويقول شيلر، في الفن الشكل هو كل شيء والمعني ليس شيئًا مذكورًا.. وفي البيان نصوص كثيرة استغلها علماء البيان والبديع في اختيار شواهد أساليب البلاغة منها، مما لا داعي إلى ذكره هنا خوفًا من كثرة الإسهاب، والجاحظ يشيد بالإيجاز ويدعو إليه كثيرًا في بيانه٢، وفي الحديث عن رسول الله: إذا قلت فأوجز وإذا بلغت حاجتك فلا تتكلف٣، ويحث على ترك الوحشي والسوقي وعلى الإفهام والوضوح، وعلى ترك التعمق والتهذيب في صناعة الكلام، وعلى أي حال فالبيان والتبيين أثر أدبي وعلمي نفيس، والجاحظ يده على البيان العربي لا تجحد، ويعده ابن خلدون من السابقين في التأليف فيه٤.
وبعد فالجاحظ أظهر من خص البيان بالتأليف وهو أعظم السابقين إلى جمع وتدوين آراء رجال البيان والبلاغة، وله مع ذلك آراء كثيرة وصل إليها بفكرة وذوقه وملكته البيانية الدقيقة الإحساس بالأساليب البلاغية ودقائقها، ولا يضير الجاحظ أن كانت دراساته في كتاب البيان موجزة مفرقة كما يقول أبو هلال٥، فهي على كل حال ذات أثر كبير في نشأة البيان.
جـ- وقد كتب بعد الجاحظ كثير من العلماء في مسائل تتصل بالبلاغة والبيان: كالمبرد في كامله، وإبراهيم بن المدبر في الرسالة العذراء، وثعلب في قواعد الشعر، وابن عبد ربه في العقد، وسوى هؤلاء مما يطول الحديث لو فصلنا القول فيه.
_________________
(١) ١ ٥٧٧ مقدمة ابن خلدون. ٢ ٨٠ و٨٦ و١١٤ و١٥٢ و١٨٧ و١٩٨/ ٢ البيان. ٣ ٥/ ١ الكامل للمبرد. ٤ ٥٥٢ مقدمة ابن خلدون. ٥ ٦ الصناعتين.
[ ١ / ١٤٥ ]