١- كان القرن الثاني الهجري أول عصر شهد نشأة آراء كثيرة أصيلة ومترجمة حول البلاغة١ وعناصرها، بعد فساد الملكات، وقد أخذ العلماء في بحث أصول بلاغات العرب، وفي تدوين آرائهم في معنى كلمة البلاغة والفصاحة. وأهم ما يؤثر من ذلك: وصية بشر بن المعتمر -من زعماء المعتزلة وتوفي نحو عام ٢١٠هـ- في البلاغة٢، وتفسير ابن المقفع للبلاغة٣، وتعريف العتابي لها٤، ووصية٥ أبي تمام للبحتري تدخل في هذا الباب، ويقول البحتري خير الكلام ما قل ودل ولم يمل٦، وفي البيان للجاحظ تحديد البلاغة كما يراها حكيم الهند٧، ويقسمها الكندي فيلسوف العرب المتوفى عام٢٦٠هـ إلى ثلاثة أنواع: فنوع لا تعرفه العامة ولا تتكلم به، ونوع بالعكس،
_________________
(١) ١ لا تجد في العصر الجاهلي كلمات من البلاغة إلا ما روي عن عامر بن الظرب حين سئل من أبلغ الناس؟ فقال: من حلى المعنى المزين باللفظ الوجيز وطبق المفصل قبل التحزيز "٢٠٦ جـ١ العمدة، ٢٨٠ جـ٢ الأمالي" وفي العصر الأموي نجد لمعاوية كلمات في البلاغة ولسواه، روي أن معاوية سأل صحارًا عنها فأجابه "راجع ٨١ جـ١ البيان، ١٨ جـ٢ الكامل". ٢ ١٠٤ وما بعدهاجـ١ البيان. ٣ ٩١ جـ١ البيان، ٢١٤ جـ١ العمدة، ٧٥ جـ١ البيان، ٤٤-٤٦ الرسالة العذراء، ٢ و٣ و٢٢ و٢٣ جـ٣ العقد، ١٤٠-١٥٠ جـ١ زهر الآداب. ٤ ٩٠ و١٥٧ جـ١ البيان. ٥ ١٥١ جـ١ زهر الآداب. ٦ ٣٦ جـ١ المستطرف وتروى عن الثعالبي برواية أخرى: "ماقل ودل" "٢١٨ جـ١ العمدة". ٧ ٧٨ و٧٩ جـ١ البيان، ٢٠-٣٨ الصناعتين، ١٤٤ جـ١ زهر، ٤٤ الرسالة العذراء.
[ ١ / ٤ ]
ونوع تعرفه ولا تتكلم به وهو أحمدها١، وذكر بزر جمهر حكيم الفرس فضائل الكلام ورذائلة في كلمة مترجمة رواها صاحب الموازنة٢. إلى آخر هذه الكلمات والآراء.
٢- ثم ألفت بعد ذلك كتب تجمع كثيرًا من الآراء والدراسات الموجزة حول البلاغة وبحوثها. ومن هذه الكتب: مجاز القرآن لأبي عبيدة م ٢٠٧هـ والفصاحة للدينوري م ٢٨٠هـ٣ والتشبيه والتمثيل للفضل بن نوبخت٤ وصناعة الكلام للجاحظ٥، ونظم القرآن ٦ والتمثيل ٧ له أيضًا، والبلاغة وقواعد الشعر للمبرد٨.. وفي الكامل إشارات لمسائل كثيرة في البلاغة، وكذلك الرسالة العذراء لابن المدبر، والبلاغة للحراني"٩"، وقواعد الشعر لثعلب، وقد نشرته عام ١٩٤٨ بشروح كثيرة، والبلاغة والخطابة للمروزي ١٠ والمطابق والمجانس لابن الحرون ١١ وتهذيب الفصاحة لأبي سعيد الأصفهاني١٢ وإعجاز القرآن في نظمه وتأليفه للواسطي المعتزلي م ٣٠٦هـ، وصنعة البلاغة للباحث، وللسيرافي م ٣٦٨هـ. ونظم القرآن لابن الأخشيد ١٣، وكذلك لابن أبي داود م ٣١٦هـ ١٤ وكتاب الرد على من نفى المجاز في القرآن للحسن بن جعفر ١٥ ومن هذه الكتب أيضًا المفصل في البيان، والفصاحة للمرزباني م ٣٧٨هـ.
على أن أهم الكتب التي تناولت بعض مسائل البلاغة بالبحث،
_________________
(١) ١ ٢١٩ جـ١ العمدة. ٢ ١٨٣ الموازنة. ٣ ١١٦ الفهرست لابن النديم. ٤ ٣٨٣ المرجع. ٥ ٣٨ الجاحظ لمردم. ٦ ٤٠ المرجع. ٧ ٧٦ جـ٦ معجم الأدباء. ٨ ٨٨ فهرست، ١٤٤ جـ٧ معجم الأدباء. ٩ ١٧٨ فهرست. ١٠ ٢١٥ فهرست. ١١ ٢١٢ فهرست. ١٢ ١٩٧ فهرست. ١٣ ٥٧ و٥٨ فهرست. ١٤ ٣٢٤ فهرست. ١٥ ٥٢٠ فهرست.
[ ١ / ٥ ]
أو التي ألفت فيها خاصة هي: كتاب جمهرة أشعار العرب لأبي زيد القرشي، ففي مقدمته بحوث موجزة طريفة تتصل بالبلاغة. وكتاب البيان والتبيين للجاحظ، وهو أهم ماألف في هذا الطور من كتب تتصل ببلاغات العرب نثرًا وشعرًا، وتتعرض لتحديد البلاغة بما حولها من آراء كانت ذائعة في عصر الجاحظ، وفيه كثير من بحوث البلاغة، فهو يعرف الاستعارة١ ويتكلم على السجع٢ ويشير إلى التفصيل والتقسيم٣ والاستطراد والكناية٤ والأمثال٥ والاحتراس٦ والقلب٧ والأسلوب الحكيم ٨، والجاحظ أول من تكلم على المذهب الكلامي٩ ويرى البلاغة في النظم لا في المعاني١٠ وهو ماذهب إليه ابن خلدون ١١، والجاحظ يشيد بالإيجاز١٢، كما يدعو في البيان كثيرًا إلى ترك الوحشي والسوقي، ويحث على الإفهام والوضوح، وعلى ترك التعمق والتهذيب في صناعة الكلام، إلى غير ذلك من شتى مادونه في البيان. ولا يضير الجاحظ أن كانت دراساته موجزة مفرقة كما يقول أبو هلال ١٣، فهي على كل حال ذات أثر كبير في نشأة البيان، وهي التي أوحت إلى كثير أن يعدوا الجاحظ الواضع الأول لعلم البيان. ومن الخطأ التهوين بأثر الجاحظ في البيان كما ذهب إليه بعض الباحثين المحدثين.
_________________
(١) ١ ١١٦ جـ١ البيان. ٢ ١٩٤ جـ١ البيان. ٣ ١٧٠ جـ١ و٩١ جـ٢ البيان. ٤ ١٨٠ جـ و٨ و٢٩ و٣١ و٨٠ جـ٣ البيان. ٨٦٥ و٨٨ و١١٤ و١٨٣ جـ١ و٢٢٤ جـ٢ البيان. ١٦١٦ جـ١ البيان. ٧ ١٨٠ جـ١ البيان. ٢٠١٨ و٢٠٢ جـ٢ البيان. ١٠١٩ البديع لابن المعتز نشر محمد خفاجي، ٧٦ جـ٢ العمدة. ٤٠١٠ جـ٣ الحيوان. ٥٧٧١١ مقدمة ابن خلدون. ويقول شيلر: في الفن الشكل هو كل شيء والمعنى ليس شيئًا مذكورًا. ٨٣١٢ و٨٦ جـ١ ومواضيع أخرى. ١٣ ص٦ و٧ الصناعتين.
[ ١ / ٦ ]
٣- وقد بدأ التدوين في البلاغة على يد ابن المعتز الذي ألفه كتابه القيم "البديع"١ وثعلب الذي ألف كتابه "قواعد الشعر"، وبعد قليل ظهر نقد النثر كما ظهر نقد الشعر لقدامة بن جعفر المتوفى عام ٣٣٧هـ. ثم كتاب الصناعتين لأبي هلال المتوفى عام ٣٩٥هـ، ثم كتاب الموازنة للآمدي، والوساطة للجرجاني، وإعجاز القرآن للباقلاني، وسر الفصاحة لابن سنان الخفاجي، والعمدة لابن رشيق وهما أكثر الكتب اتصالًا بالبلاغة.
٤- ثم جاء بعد ذلك أبو بكر عبد القاهر الجرجاني شيخ البلاغة العربية والمتوفى عام ٤٧١هـ. فألف في البلاغة كتابين جليلين هما:
١- أسرار البلاغة، وفيه دراسات واسعة تتناول بحوث علم البيان من تشبيه ومجاز واستعارة وفيه شرح للسرقات وبعض ألوان البديع.
٢- دلائل الإعجاز، وفيه بحوث كثيرة هي أصول علم المعاني. كماأنه تحدث فيه عن الكناية وعن التمثيل والمجاز والاستعارة والسرقات أيضًا.
٥ - وبعد عصر الجرجاني بحث الزمخشري في تفسيره، والرازي في كتابه "نهاية الإعجاز"، وابن الأثير صاحب المثل٢ السائر، وبدر الدين بن مالك صاحب المصباح، والتنوخي صاحب "الأقصى القريب"، وكثير من العلماء، في البلاغة والفصاحة.
ومن أهم هؤلاء العلماء في هذا الطور أبو يعقوب السكاكي المتوفى عام ٦٢٦هـ تلميذ الحاتمي٣، الذي ألف كتابه "المفتاح"، وجعله
_________________
(١) ١ على نهجه ألف ابن منقذ المتوفى عام ٨٤هـ كتابه "البديع". ٢ شرحه عز الدين بن أبي الحديد م ٦٦٥هـ في كتابه "الفلك الدائر على المثل السائر". ٣ ٧٣ المفتاح.
[ ١ / ٧ ]
أقسامًا، وخص البلاغة بالقسم الثالث منه، وقسمها إلى ثلاثة أقسام: المعاني -البيان- البديع. وبذلك تميزت علوم البلاغة ومباحث كل علم منها بالتفصيل.
والفلسفة والمنطق تغلب على السكاكي إلى حد كبير، من حيث كان يغلب الذوق والطبع على عبد القاهر.
وبذلك تنتهي مراحل التأليف والابتكار في بحوث البلاغة وتدوينها تدوينًا كاملًا.
٦- وجاء الخطيب القزويني المتوفى عام ٧٣٩ فألف في البلاغة كتابيه: تلخيص١ المفتاح والإيضاح. وقد ألف الإيضاح ليكون كالشرح لتلخيص المفتاح وجمع فيه كثيرًا من آراء عبد القاهر والسكاكي في شيء من التنظيم والشرح.
وعلى متن التلخيص كثرت الشروح والحواشي والتقارير وفي مقدمتها الأطول للعصام، والمطول٢ للسعد وشروح التلخيص وسواها وهذه أهم كتب البلاغة وشروحها في هذا العهد. قوانين البلاغة لعبد اللطيف البغدادي م ٦٢٩هـ، والتبيان لابن الزملكاني م٦٥١هـ، والمعيار للزنجاني م٦٥٤هـ، وبديع القرآن لابن أبي الأصبع م٦٥٤هـ، والفوائد الغياثية للعضد م ٧٥٦هـ وشرحها الكرماني م ٧٨٦هـ والتبيان لشرف الدين الطيبي م٧٤٣هـ، والطراز ليحيى ابن حمزة العلوي م ٧٤٩هـ، وعروس الأفراح للسبكي م ٧٧٣هـ، والسمرقندية للسمرقندي وهي رسالة في الاستعارات، وتوفي السمرقندي عام ٨٨٠هـ.
_________________
(١) ١ لزكريا الأنصاري م ٩٢٦هـ "مختصر تلخيص المفتاح": وللعباسي م ٩٦٣ شرح لشواهد التلخيص سماه معاهد التنصيص. ٢ عليه كتاب في شرح شواهده اسمه عقود الدرر في حل أبيات المطول والمختصر، وهو مطبوع طبعة حجر عام ١٣٠٧هـ في ١٦٦ صفحة.
[ ١ / ٨ ]
٩- شروح المفتاح للسكاكي.
أ- شرحه بتمامه المولى حسام.
ب- وشرح القسم الثالث منه: الشيرازي م ٧١٠هـ في "مفتاح الفتاح"، والترمذي وهو معاصر للشيرازي، والخلخالي م ٧٤٥هـ، والسعد "٧١٢-٧٩١هـ"، والسيد م ٨١٦هـ في "المصباح" الذي ألفه عام ٨٠٣ "١"هـ، وعماد الدين الكاشي. وله رسالة في حل المتشابهات التي أوردها الخطيب على المفتاح، والأبهري سلطان شاه، وطاشكبري زاده م ٩٦٢هـ، وشيخ زاده م ٩٥١هـ، والشربيني م ٧٦٩هـ، والخوارزمي، وقد فرغ منه عام ٦٤٢هـ، والفناري م٨٣٤، وله على شرحي السعد والسيد تعليقات، وابن كمال باشام ٩٤٠، وسواهم.
ج- واختصر القسم الثالث منه:
المعانيجي م ٩٩٠هـ، والقزويني ٦٦٦-٧٣٩هـ، والأيجي م٧٥٦هـ في الفوائد الغياثية، وبدر الدين ابن مالك م ٦٨٦هـ في "المصباح في اختصار المفتاح" ونظم "المصباح" المراكشي، ثم شرحه وسماه "ضوء المصباح على ترجيز المصباح"، واختصر هذا المختصر ابن النحوية م ٧١٨هـ، وسماه "ضوء الصباح"، ثم شرحه في مجلدين في كتاب أسفار المصباح عن ضوء المصباح، ولمحمد بن خضر "مصباح الزمان في شرح المصباح".
هذا وقد ألف السعد "المطول على تلخيص المفتاح للخطيب القزويني" وانتهى من تأليفه عام ٧٤٨هـ، كما انتهى من تأليف مختصر المطول عام ٧٥٦هـ.. وفرع ابن يعقوب من تأليف شرحه على مختصر
_________________
(١) ١ على شرح السيد حواش: للبسطامي م ٨٧١هـ، وللمولى اللطفي م ٩٠٠هـ، ولحميد الدين م ٩٠٨هـ، ولأسعد الناجي م ٩٢٢، ولمحيي الدين الفنري م ٩٥٤، وللشهاب الخفاجي م ١٠٦٩هـ.
[ ١ / ٩ ]
السعد في مكناسة في المحرم ١١٠٨هـ.. وانتهى ابن السبكي من تأليف شرحه "عروس الأفراح" على مختصر السعد في جمادى الأولى عام ٧٥٨هـ.. وانتهى الدسوقي من كتابة شرحه على مختصر السعد في شوال عام ١٢١٠هـ.
٨- يمتاز الإيضاح للخطيب القزويني بعدة ميزات ظاهرة: فهو أوفى كتاب في بحوث البلاغة، وهو أوضح الكتب المؤلفة فيها نظامًا وأسلوبًا، وهو كثير البحث والتعمق والاستنباط لأسرار البلاغة العربية، فوق أنه كتاب تطبيقي جميل في البلاغة، وينقد القزويني فيه كثيرًا من آراء السكاكي، وإن كان يعتمد الخطيب فيه على عبد القاهر والسكاكي كثيرًا. ومع ذلك فالخطيب يجمع في كتابه خلاصات لبحوث علماء البلاغة في شتى العصور حتى عصره، والكتاب بعد ذلك غزير المادة، كبير الفائدة في الأدب والنقد والبلاغة والبيان١.
وهناك مؤلفات جديدة ظهرت في البلاغة في عصر الحواشي، ومن بينها عقود الجمان للسيوطي. كما ظهرت في العصر الحديث عدة مؤلفات في البلاغة فيها لون من التهذيب والتنسيق وحسن الأخذ والاختيار.
وبذلك تنتهي مراحل التأليف في البلاغة منذ نشأتهاحتى الآن.
_________________
(١) ١ شرحه الاقصرائي م ٨٠٠هـ وحيدرة م ٨٢٠هـ، والأستاذ الصعيدي والأستاذ التنوخي.
[ ١ / ١٠ ]
الخطيب وأثره في البلاغة العربية:
والخطيب القزويني١ هو "جمال الدين أبو المعالي محمد بن عبد الرحمن، ابن خطيب دمشق" كما يقول جورجي زيدان، وبتفصيل أوسع هو "الشيخ الإمام العالم العلامة خطيب الخطباء، مفتي المسلمين، جلال الدين، أبو عبد الله، محمد، ابن قاضي القضاة سعد الدين أبي محمد عبد الرحمن، ابن إمام الدين أبي حفص عمر، القزويني الشافعي" كما يقول تلاميذه أو هو نفسه في مقدمة كتابه "الإيضاح" فهو من أسرة علمية ودينية كبيرة، كان لها ولاشك أثرها في حياته وتفكيره وروحه.
ولد عام ٦٦٦هـ، وتعلم الفقه، وتولى القضاء، وانتقل إلى دمشق، وتولى الخطابة في مسجدها، ثم تولى القضاء بمصر، وتمكن نفوذه فيها أيام الملك الناصر، اكتسب مالًا طائلًا، ثم جاء إلى دمشق وتوفي فيها. وأشهر مؤلفاته تلخيص المفتاح، والإيضاح في المعاني والبيان٢، وكانت وفاته عام ٧٣٩هـ، كمايقول صاحب الدرر الكامنة.
وتدل مؤلفات الخطيب في البلاغة على ثقافة بلاغية وأدبية واسعة وقراءة مستفيضة لأهم المؤلفات في البلاغة وفي مقدمتها: "أسرار البلاغة" و"دلائل الإعجاز" لعبد القاهر، والمفتاح للسكاكي.
ألف الخطيب مختصرًا صغيرًا للمفتاح في البلاغة، أو للقسم
_________________
(١) ١ شذرات الذهب، الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، وسواها. ٢ وقد حرف جورجي زيدان اسمه فذكره "الإفصاح" بدل الإيضاح ""٤٤ جـ٣ تاريخ أدب اللغة العربية".
[ ١ / ١١ ]
الثالث بعبارة أوضوح، وسماه "تلخيص المفتاح١" لخص فيه ذلك السفر القيم وقدم فيه وأخر، وحذف واختصر، وفيه بعض آراء له لم يرتضها جهابذة هذه الفنون، "ومن العجيب أن يسمي كتابه بهذا الاسم، وهو في رأي أحد الباحثين ليس بالتلخيص له وحده، بل أشبه بأن يكون تلخيصًا لكتابي أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز لعبد القاهر ولسر الفصاحة لابن سنان الخفاجي.. وروح التلخيص من الكتاب الأخير واضح كل الوضوح في مقدمته"٢ وقد يكون في هذا الرأي لون من المبالغة، فمتن التلخيص ليس تلخيصًا للأسرار ودلائل وسر الفصاحة في قليل ولا كثير، إنما هو تلخيص للقسم الثالث من المفتاح وحده، وما فيه من روح التأثر بعبد القاهر فمرجعه إلى المفتاح نفسه، الذي اعتمد فيه السكاكي على عبد القاهر إلى حد بعيد. وقد يستساغ ذلك في الإيضاح لا في "تلخيص المفتاح".
ثم ألف الخطيب كتابه الإيضاح في البلاغة على ترتيب التلخيص، وبسط القول فيه ليكون كالشرح له، فأوضح مواضعه المشكلة، وفصل معانيه المجملة، واعتمد على المفتاح والأسرار والدلائل وغير هذه المؤلفات في بحوثه ودراساته فيه، كما يشير إليه الخطيب نفسه في مقدمة الإيضاح. والكتاب "فيه أمهات مسائل هذه الفنون بعبارة واضحة فيها روح من أسلوب عبد القاهر الجامع بين التحقيق العلمي والرصانة الأدبية٣.
_________________
(١) ١ شرحه الخلخالي م ٧٤٥، وناظر الجيش م ٧٧٨هـ والبابرتي م ٧٨٦، وشمس الدين القونوي م ٧٨٨هـ، التيزيتي م ٧٩٣هـ، والسيد عبد الله م ٨٠٠هـ، وعصام الدين م ٩٥١هـ، والسعد م ٧٩١هـ وعلى شرح السعد شروح: ليسن الحمصي م ٩٦١، ولابن يعقوب م ١١٠٨هـ وللدسوقي هـ ١٢٣٠هـ. ٢ ٦٢، ١٣٧ بحوث وآراء في علوم البلاغة للأستاذ المرحوم أحمد المراغي. ٣ ٦٣ المراجع.. وفي المكتبة الأزهرية حاشية مخطوطة على أبيات الإيضاح، وهي نسخة في مجلد بقلم فارسي في ١٢٦ ورقة بنمرة "٤٣" ١٠٩٥ وفيها نسخة أخرى في مجلد بقلم معتاد بخط محمد حسن سنة ١٣٦٥ في ١٥٠ ورقة بنمرة "٢١١٠" ٥٢٨٦ شرح مخطوط على الإيضاح، بدار الكتب المصرية.
[ ١ / ١٢ ]
وعلى "تلخيص المفتاح للخطيب" كثير من الشروح والحواشي والتقارير ممايدل على مدى شهرته العلمية عند الباحثين. ولا يزال منهج الخطيب في البلاغة وفي تلخيصه بالذات هو المنهج العلمي في علوم البلاغة إلى عصرنا الراهن.
وكتاب الإيضاح عمل جليل في البلاغة سواء في ترتيبه وتقسيمه وتنظيم بحوثه، أم في استيعابه واستقصائه وتحليله، أم في جمعه واستمداده من شتى المصادر والمراجع، أم في أسلوبه الأدبي وروحه وكثرة تطبيقاته الأدبية، وهو أهم كتاب دراسي في البلاغة في العصر الحاضر.
وهذا شرح جديد للإيضاح، يتناول بالبحث والتحليل والدراسة والتعليق والشرح جميع مسائله وشواهده، ويشير إلى مصادره ومراجعه التي ألف منهاالخطيب هذا الكتاب. وهو عمل سيكون له أثره في البلاغة العربية، وفي خدمة الإيضاح وتذليل صعوبات البحث فيه بتوفيق الله.
ويمتاز هذا الشرح بدقة البحث. وطول المراجعة، وكثرة الشرح والتفصيل، والإلمام بكل رأي، وتحليل كل مذهب ما عليه وماله، وبعرض آراء جديدة في شتى بحوث البلاغة وعلومها.. كما يمتازا بمقدمته التي هي تأريخ للبلاغة ونشأتها وأطوار التأليف فيها، وغير ذلك مما يحتوي عليه من مميزات، وقد وضعنا للكتاب بعض العناوين المساعدة على فهمه وإيضاحه.
[ ١ / ١٣ ]