ومن خلاف المقتضى٢ ما سماه السكاكي الأسلوب الحكيم، وهو تلقي المخاطب٣ بغير ما يترقب٤ بحمل كلامه على خلاف مراده٥ تنبيها على أنه الأولى بالقصد، أو السائل٦بغير ما يتطلب بتنزيل سؤاله منزلة غيره تنبيها على أنه الأولى بحاله أو المهم له:
أما الأول فكقول القبعثري للحجاج لما قال له متوعدًا بالقيد: لأحملنك على الأدهم "مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب"، فإنه أبرز وعيده في معرض الوعد، وأراه بألطف وجه أن من كان على
_________________
(١) ١ راجع ١٤٠ من المفتاح. ويدخل فيه الضرب الثاني من القول بالموجب ويدخل فيه بعض مثل المشاكلة كما يرى السبكي. ٢ أي من خلاف مقتضى الظاهر وإن لم تكن من مباحث المسند إليه. ٣ من إضافة المصدر للمفعول أي تلقي المتكلم للمخاطب أي تلقي المتكلم بالكلام الثاني للمخاطب به "وهو المتكلم بالكلام الأول"، والتلقي المواجهة. ٤ أي المخاطب. والباء في بغيره للتعدية، وفي "بحمل كلامه" للسببية. ٥ أي يحمل الكلام الصادر عن المخاطب على خلاف مراد المخاطب. ٦ عطف على المخاطب أي تلقي السائل. والفرق بينه وبين تلقي المخاطب. أن هذا مبني على السؤال بعكس ذلك. والأول قريب من أسلوب تجاهل العارف ومن أسلوب القول بالموجب.
[ ٢ / ٩٤ ]
صفته في السلطان وبسطه اليد فجدير أن يصفد لا أن يصفد١، وكذا قوله له لما قال له في الثانية "إنه حديد"، لأن يكون حديدًا خير من أن يكون بليدًا، وعن سلوك هذه الطريفة في جواب بالمخاطب عبر من قال مفتخرًا.
أنت تشتكي عندي مزاولة القرى وقد رأت الضيفان ينحون منزلي
فقلت كأني ما سمعت كلامها:
هم الضيف جدي في قراهم وعجلي٢
وسماه الشيخ عبد القاهر مغالطة:
وأما الثاني فكقوله تعالى: ﴿يَسْألونَكَ عَنِ الْأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٨] قالوا: ما بال الهلال يبدو دقيقًا مثل الخيط ثم يتزايد قليلًا قليلًا حتي يمتلئ ويستوي ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ؟ ٣ وكقوله تعالى: ﴿يَسْألونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ٢١٤]، سألوا عن بيان ما ينفقون فأجيبوا ببيان المصرف٤.
_________________
(١) ١ أي جدير به أن يعطي لا أن يقيد. أصفد: أعطى. وصفد: أوثق. ٢ البيتان لحاتم، القرى: إطعام الضيف. ينو: يقصد. ٣ سألوا عن السبب في اختلاف القمر في زيادة ضوئه ونقصانه فأجيبوا ببيان الحكمة من ذلك. ٤ رواية سبب النزول أنهم سألوا عنه وعن المصرف فلا تكون الآية على هذا من تلقى السائل بغير ما يتطلب. وسأل رجل بلالًا -وقد أقبل من الحلبة فقال له: من سبق؟ قال: سبق المقربون، قال: إنما أسألك عن الخيل قال: وأنا أجيبك عن الخير- فترك بلال جوابه بلفظه إلى خير هو به أنفع له كما يقول الجاحظ "٢٠١/ ٢ بيان". واستقبل عامر بن عبد القيس رجل في يوم حلبة فقال: من سبق يا شيخ؟ قال: المقربون "٩٤/ ٣ بيان".
[ ٢ / ٩٥ ]