ومنه التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي، تنبيهًا على تحقق وقوعه. وأن ما هو للوقوع كالواقع، كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْارْضِ إلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْارْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧] وقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّار﴾، وقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَاف﴾ جعل المتوقع الذي لا بد من وقوعه بمنزلة الواقع١.. وعن حسان٢ أن ابنه عبد الرحمن لسعه زنبور وهو طفل فجاء إليه يبكي. فقال له: يا بني مالك قال: لسعتي طوير٣ كأنه ملتف في بردي حبرة، فضمه إلى صدره، وقال: يا بني قد قلت الشعر٤.
ومثل التعبير عنه٥ باسم الفاعل كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِع﴾، وكذا اسم المفعول كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ
_________________
(١) ١ وفي السيد على المطول ص٣٧٥ جعل ذلك من باب الاستعارة. هذا من الخروج على مقتضى الظاهر أيضًا التعبير عن الماضي بلفظ المستقبل إحضارًا للصورة العجيبة كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ [فاطر: ٩] والبابان يحملان على المجاز المرسل وتكون العلاقة ما بين الماضي والمضارع من التضاد، والأولى أن يكونا من مجاز التشبيه وهو أبلغ. ٢ راجع القصة في١٦٧ من أسرار البلاغة. ٣ تصغير طائر -ويستشهد بقول حسان على أن الشعر هو الكلام الذي فيه خيال وتصوير جميل وإن لم يكن موزونًا، وعليه فلا يكون هذا شاهدًا على ما ذكره. ٤ والشاهد "قد قلت الشعر" أي ستقول الشعر، أي أدوات الشعر قد تجمعت فيك وستقوله. ٥ أي عن المستقبل.
[ ٢ / ٩٦ ]
النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] ١.
_________________
(١) ١ قوله تعالى: ﴿لَوَاقِع﴾ أي يقع. وقوله تعالى: ﴿مَجْمُوْعٌ﴾ أي يجمع.. وهنا بحث وهو أن كلا من اسمي الفاعل والمفعول قد يكون بمعنى الاستقبال وإن لم يكن ذلك بحسب أصل الوضع فيكون كل منهما ههنا واقعًا في موقعه واردًا على حسب مقتضى الظاهر.. والجواب عنه أن كلا منهما حقيقة فيما تحقق فيه وقوع الوصف وقد استعمل ههنا فيما لم يتحقق مجازًا، تنبيهًا على تحقق وقوعه.
[ ٢ / ٩٧ ]