له أيضا في باب الجناس كثير من الجناس المزدوج، نورد الأبيات الآتية على سبيل المثال وقد سمى هذه الأبيات بالمتائيم وهي:
زُيّنت زينب بِقدّ يُقد وتلاه ويلاه نهد يَهُدّ
جندها جيدها وظرف وطرف ناعس تاعس بحد يَحُدّ
قدرها قد زها وتاهت وباهت واعتدت واغتدت بخد يخد
فارقتَني فأرّقتني وشطّت وسطت ثم نَمّ وجد وُجِد
فدنت فُدّيت وحنّت وحيّت مغضبا مغضِيا يَود يُود
يبدون أن كلمات هذه الأبيات في حاجة إلى الشرح؛ فانظر الهامش i.
هذا والظاهر أن الرجل قد تكلف وألزم نفسه ما ليس بلازم؛ لكي يأتي بهذا اللون المزدوج.
وعلى كل حال فقد أظهر القدرة الفنية وإن كانت بصورة معقدة التي تغضب شيخ البلاغة عبد القاهر الجرجاني، ولعل مثل هذا التكلف هو الذي دعاه إلى القول بأن المعاني ينبغي أن تترك على سجيتها، لأنها إذا تركت ستكتسي بالألفاظ الملائمة لها وعند ذلك تحسن.
_________________
(١) i بقد يقد: قد: قوام يقد: ينقطع لرقة خصره، فقد جاء بلفظ (يقد) مكان ينقطع لضرورة الازدواج. تلاه: تبعه. ويلاه: دعا لنفسه بالويل والخسران؛ لأنه رأى نهدا لا يستطيع أن يصبر عنه. الظرف: الرشاقة. والطرف: العين. الناعس: الفاتر النظر. والناعش: الذي ينعش من ينظر إليه ويروى تاعس. كما في هذا البيت بمعنى مهلك. ويقال إن معنى ناعش: بالشين حامل للناظر على النعش، وعلى كل معناه يدور حول القتل ماعدا المعنى الأول الذي ذكره الشريشي. يحد: بضم الحاء: يمنع أي يمنع من رآه من التسلي عنه. زها: تكبر. تاهت: زهت وهو ضرب من الكبر. باهت فاخرت وعظمت. اعتدت: ظلمت. يخد: بضم الخاء يقطع في القلوب. شطت: بعدت. سطت: بطشت. نم: بالنون: أفشى ما به من الحب. وجد: حزن من الحب. جد: اجتهاد. مغضيا: متغافلا. يود: يتمنى. يود: يحب. الأول بالبناء على الفاعل والثاني على المفعول. المعنى: لما أفشى لها وجدي ما أكنه لها من حب وأبصرت ما فعله من هجرانها بي، دنت مني عند ذلك شفقة وحيتني وأنا الغضبان المتغافل المتناسي لما سلف منها من الهجران.
[ ٣٠٥ ]
وللحريري مثل هذا الازدواج في النثر أيضا، ونورد هنا مثالا يسيرا منه.
قال في المقامة الثالثة الدينارية: "يا أخائر الذخائر، وبشائر العشائر، عموا صباحا وانعموا اصطباحا، وانظروا إلى من كان ذا ندي وندى، وجِدة وجدا، وعَقار وقُرى، ومقار وقِرى؛ فما زال به قطوب الخطوب، وحروب الكروب، وشرر شر الحسود، وانتياب النوب السود، حتى صفرت الراحة وقرعت الساحة "i ومثل هذا كثير في كلام صاحبنا.
وللحريري لون آخر من التجنيس، وهو أن يفصل بين الكلمة وأختها بكلمة واحدة.
يقول في ذلك: "أرعى الجار ولو جار، وأبذل الوصال لمن صال، وأحتمل الخليط ولو أبدى التخليط، وأود الحميم ولو جرعني الحميم، وأفضل الشفيق على الشقيق، وأفي للعشير وإن لم يكافئ بالعشير، وأستقل الجزيل للنَّزيل، وأغمر الزميل بالجميل، وأنزِّل سميري منزلة أميري، وأحلّ أنيسي محل رئيسي.." وهكذا، إلى أن قال: "ولا أبالي بمن صرم حبالي، ولا أداري من جهل مقداري، ولا أعطي زمامي من يخفر ذمامي.."ii
وهذا الأسلوب كثير ومتنوع في نثره يطول الكلام في تتبعه والجري وراءه.
ينبغي هنا أن نشير إلى ذلك الجناس المركب الذي جاء به الحريري في البيتين المطرفين المشتبهي الطرفين الذين وصفهما بأنهما أُمِنا أن يعززا بثالث، فأورد الجناس في أول كل بيت مع آخره، وهما في المقامة السادسة والأربعين قال:
سم سمة تحسن آثارها واشكر لمن أعطى ولو سمسمة
والمكر مهما استطعتَ لا تأته لتقتني السؤدد والمكرمة
فجانس بين: سم سمة وسمسمة، وبين المكر والمكرمة.
أما من حيث الادعاء بأن البيتين لا يعززان ببيت ثالث فلم يكن الحريري الوحيد الذي قال بذلك فقد سبقه في ذلك أبو دلف في بيتيه:
_________________
(١) i ندي: مجلس. ندى: كرم. جدى: عطية. عقار وقرى: العقار: المال الذي لا ينقل كالمباني والنخيل، والقرى: جمع قرية. المقار: الجفان لإطعام الضيف. قطوب: عبوس. الخطوب: الشدائد. الكروب: الهموم، قال النبي ﷺ: "مما أعلم أنه لا يقوله مكروب إلا فرج الله عنه كلمة أخي يونس": ﴿فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت..﴾ الآية. انتياب: نزول. النوب: النوازل. صفرت: خلت. قرعت: خلت من المال. ii أرعى: أحفظ. جار: تعدى ومال عن الحق. أبذل: أعطي. صال: صاح مخوفا. الخليط: الصاحب ويقع للواحد والاثنين والجمع بلفظ واحد. الحميم: الأول الصديق والثاني: الماء الحار. أفي للعشير: أعامل الصاحب بالوفاء. يكافئ بالعشير: يجازى بالعشر من فعلي. أميري: الحاكم علي. الأنيس الذي يؤنسك بحديثه. ورئيس القوم أفضلهم وأعزهم. صرم حبالي: قطع أسباب وصالي. أداري: أسوس وأحسن صحبته. يخفر ذمامي: ينقض عهدي.
[ ٣٠٦ ]
أنا أبو دلف المهدي بقافية جوابها يهلك الزاهي من الغيظ
من زاد فيها له رحلي وراحلتي وخاتمي والمدى فيها إلى القيظ
إلا أننا إذا قرنا قول الحريري بقول أبي دلف، ظهرت لنا سلاسة النظم وسهولته عند الحريري، حتى أن التكلف يكاد يختفي وراء هذه البراعة، والمعنى عنده سهل واضح سام على خلاف ما يبدو في لي البيتين الأخيرين.
[ ٣٠٧ ]