"٥"
وألوان البديع عند ابن المعتز خمسة: الاستعارة - التجنيس - المطابقة - رد للعجز على الصدر - المذهب الكلامي.
ويجعل ما عدا ذلك من محاسن الكلام والشعر ويقول أنها كثيرة، ولا يرى حرجًا في إضافة هذه المحاسن أو غيرها إلى البديع١، وذكر من هذه المحاسن: الالتفات، الاعتراض، الرجوع، حسن الخروج، تأكيد المدح بما يشبه الذم، تجاهل العارف، الهزل الذي يراد به الجد، حسن التضمين، التعريض والكناية، الإفراط في الصفة، حسن التشبيه، لزوم ما لا يلزم، حسن الابتداء.
ونحن الآن نتكلم على كل لون من هذه الألوان وتطور البحث البياني فيه بدقة وتفصيل.
_________________
(١) ١ ١٠٦ البديع.
[ ٢٢ ]
١- الاستعارة:
عرَّفها الجاحظ بأنها: تسمية الشيء باسم غيره إذا قام مقام مقامه١، ورجع بعض المثل إليها٢.
وذكرها أرسطو في خطابته فرأى أن "الاستعارة تجعل الشيء غيره والتشبيه٣ يحكم عليه بأنه كغيره"، وقسمها إلى استعارة من الضد واستعارة من التشبيه٣، واستعارة من الاسم وحده، وتكلَّم على بلاغة الاستعارة والمقام الذي تستعمل فيه، ورأى يجب أن تكون غير كثيرة التداخل بألا تدخل الاستعارة في استعارة٤، وأن تؤخذ من جنس مناسب لذلك الجنس محاك له غير بعيد منه ولا خارج عنه٥، وأن تكون المعاني التي يستعار من أجلها لطيفة معروفة وهذه الدراسة لا نظير لها عند الجاحظ، وهي دراسة فيلسوف عميق البحث.
وأشار المبرد إلى الاستعارة في كامله من غير أن يعرج عليها بالدراسة أو التحديد٦، وأشار ابن المدبر إليها إشارة عابرة٧، وذكر ثعلب الاستعارة وقال:
_________________
(١) ١ ١١٦/ ١ البيان. ٢ ١٩٢/ ١ البيان. ٣ وسار على ذلك عبد القاهر في الأسرار ص٦٨، وفي نقد الشعر ص١٠٥ ذكر للاستعارة التي مخرجها مخرج التشبيه. ٤ أخذ ذلك قدامة في نقد الشعر، فجعل فاحش الاستعارة أن يدخل بعض الكلام فيما ليس من جنسه وما هو غير لائق به "١٠٤ نقد الشعر" مما لم يعرف له مجاز "١٠٦ نقد الشعر" وأفاض في شرح ذلك ابن سنان في سر الفصاحة. ٥ وذلك ما سار عليه علماء البيان ١٠٥، ١٠٦ نقد الشعر، ١١٧ الموازنة، ٣٧، ٣٢٤ الوساطة، ٢١٢ أسرار. ويقول ابن رشيق: إنما يستحسنون من الاستعارة القريبة، وعلى ذلك مضى جلة العلماء ٢٣٩، ٢٤٠/ ١ العمدة. ٦ ٣٧، ٥٧، ١٦٧ جـ١ الكامل. ٧ ٦، ٨ الرسالة العذراء.
[ ٢٣ ]
"وهي أن يستعار للشيء اسم غيره أو معنى سواه"١، ويذكر مثلًا كثيرة لها٢.
والاستعارة هي الباب الأول في كتاب البديع، وعرَّفها ابن المعتز بأنها: استعارة الكلمة لشيء لم يعرف بها من شيء قد عرف بها٣، وذكر كثيرًا من شواهدها٤ ومثلًا لقبيحها٥، وبذلك تنتهي دراسته لهذا الباب الذي نهج فيه منهج أستاذه ثعلب في قواعد الشعر.
وقد عقد لها أبو هلال بابًا تأثر فيه خطا ابن المعتز في دراسة الاستعارة٦، وعلى ضوئه سار ابن رشيق٧، وقد ألم بها قدامة في نقد الشعر٨ وفي نقد النثر٩ مع بعد عن اتجاه ابن المعتز في دراستها، وقد قسمها إلى حسن الاستعارة وفاحشها، وفاحش الاستعارة هي الاستعارة غير المفيدة عند عبد القاهر١٠.
_________________
(١) ١ ٢١ قواعد الشعر لثعلب. ٢ ٢١-٢٣ قواعد الشعر. ٣ ١٧ البديع، و٢٩ حسن التوسل. ٤ ١٩-٥٢ البديع. ٥ ٥٢-٥٤ البديع، ويأخذ ابن المعتز على أبي تمام قبح الاستعارة في كثير من أبيات شعره؛ ولكنه لا يذكر كلمة "استعارة" خلالها في رسالته في أبي تمام. ٦ ٢٥٨-٢٩٧ صناعتين. ٧ ٢٣٩/ ١ وما بعدها العمدة. ٨ ١٠٤-١٠٦ نقد الشعر. ٩ ٦٤-٦٦ نقد الشعر. ١٠ راجع ١٠٤ وما بعدها نقد الشعر، ٢٢-٢٨ أسرار.
[ ٢٤ ]
٢- التجنيس:
يذكره أرسطو في خطابته ويحدده بأن يكون المكرر وإن كان لفظين في المسموع فهو مختلف في المفهوم، وذلك ما ذكره قدامة في تعريفه لهذا اللون الذي سماه المطابق والمجانس١، وسبقه إلى ذلك أستاذه ثعلب؛ حيث ذكر المطابق وعرفه بأنه تكرير اللفظ بمعنيين مختلفين٢، كما بين أرسطو بلاغته وآثاره في الكلام مما احتذاه فيه عبد القاهر في الأسرار٣.
والجاحظ لا يعرف ذلك اللون ولا يذكر شيئًا عنه ويمر بمثال بليغ للتجنيس٤، فلا يذكر عن هذا الاصطلاح شيئًا.
وكان العجاج يُسمِّي هذا الباب عطف الرجز٥، وألف الأصمعي كتاب الأجناس٦، وكان الأصمعي يدفع قول العامة: هذا مجانس لهذا، إذا كان من شكله، ويقول: ليس بعربي خالص. وابن المعتز هو أهم من درس التجنيس وجمعه، قال: التجنيس أن تجيء الكلمة تُجانس أُخرى في بيت شعر أو كلام، والمجانسة أن تشبه اللفظة اللفظة في تأليف حروفها على الوجه الذي ألف الأصمعي كتاب الأجناس عليه، ولم تكن القدماء تعرف هذا اللقب، وقد صنف الناس فيه كتبًا كثيرة وجعلوه أبوابًا متعددة؛ كابن المعتز والحاتمي والقاضي الجرجاني وقدامة وغيرهم٧.
_________________
(١) ١ ٩٦ نقد الشعر، وهو أن تكون في الشعر معانٍ متغايرة قد اشتركت في لفظة واحدة وألفاظ متجانسة مشتقة. ٢ ٢٤ قواعد الشعر. ٣ ٥، ١٢، ١٤ الأسرار. ٤ ٢١٨/ ١ البيان. ٥ ٢٩٩/ ١ العمدة. ٦ ٥٥ البديع. ٧ ٩٨ المثل السائر.
[ ٢٥ ]
ولابن الحرون كتاب المطابق والمجانس١. وحقيقة التجنيس أن يكون اللفظ واحدًا والمعنى مختلفًا كما يقول ابن الأثير٢، ويجعل ابن الأثير أيضًا رد العجز على الصدر ضربًا من التجنيس٣.
وابن المعتز هو الواضع لهذا اللقب، وهو أول من أفرد هذا الباب بالبحث والتأليف٤؛ فقد عرفه٥ وذكر أقسامه٦ وأفاض في ذكر شواهده٧ وذكر مثلًا لمعيبه٨. وبذلك ينتهي الباب وقد تأثر أبو هلال خطا ابن المعتز في هذا الباب٩.
_________________
(١) ١ ٢١٢ الفهرست. ٢ ١٠٠ المثل السائر. ٣ ٢٩٩/ ١ العمدة، و٥٥ البديع. ٤ ٢٩٩/ ١ العمدة. ٥ ٥٥ البديع. ٦ ٥٥ وما بعدها البديع. ٧ ٥٦-٧١ البديع. ٨ ٧١-٧٣ البديع. ٩ ٣١٠-٣٢٨ الصناعتين.
[ ٢٦ ]
٣- المطابقة:
ذكر الأصمعي المطابقة في الشعر فقال: أصلها وضع الرجل موضع اليد في مشي ذوات الأربع، ثم قال: وأحسن بيت قيل لزهير في ذلك:
ليث بعثر يصطاد الرجال إذا ما الليث كذب عن أقرانه١ صدقا
وقال الأصمعي والخليل: يقال: طابقت بين الشيئين إذا جمعتهما على حرف واحد وألصقتهما٢، فذلك هو مساواة المقدار من غير زيادة ولا نقصان، كما قال الرماني: المطابقة مساواة المقدار من غير زيادة ولا نقصان. قال ابن رشيق: هذا أحسن قول سمعته في المطابقة، وهو مشتمل على قول القوم وغيرهم جميعًا٣.
وفي البيان للجاحظ وردت كلمة التطبيق بمعنى إصابة الكلام الغرض المسوق له٤، ويذكر تطبيق الحديث وأنه غير التطبيق الأول٥، وفي كامل المبرد كلمة المطابقة بمعنى الجمع بين الشيء وما يقابله في الكلام٦، وكذلك أراد ابن المعتز هذا المعنى من هذا الاصطلاح، ويسميه ثعلب مجاروة الأضداد٧، ويسميه قدامة التكافؤ٨.
فالمطابقة -إذن- لها معنيان: مساواة المقدارة، والجمع بين الشيء وضده. وأول مَن
_________________
(١) ١ ٦/ ٢ العمدة. ٢ ٦/ ٢ العمدة، ٧٤ البديع. ٣ ٦/ ٢ العمدة. ٤ ٨٧، ٧٩/ ١، ١٣٣/ ٢ البيان. ٥ ١٨٢/ ١ البيان. ٦ ٢٤١/ ١ الكامل. ٧ قواعد الشعر لثعلب ٢٤. ٨ ٨٥ نقد الشعر.
[ ٢٧ ]
سماها هذا الاسم هو الأصمعي مريدًا منه المعنى الثاني، وورد في اشتقاقه كلام عن الخليل والأصمعي رآه ابن رشيق ظاهرًا في المعنى الأول.
ويقول الباقلاني: وأكثر العلماء على أن المطابقة أن يذكر الشيء وضده كالليل والنهار، وإليه ذهب الخليل والأصمعي، ومن المتأخرين ابن المعتز. وقال آخرون: المطابقة أن يشترك معنيان بلفظة واحدة، وإليه ذهب قدامة١، ويذكر الآمدي أن قدامة لقب هذا الباب المتكافئ، وأنه سمى ضربًا من المجانس "المطابق" وينقده في مخالفته للعلماء ولابن المعتز في هذه الاصطلاحات٢، وردَّ الأخفش على قدامة٣، ونقل ابن سينا كلمة الآمدي في نقده وأشاد بها٤.
وقد ذكر ابن المعتز هذا الباب في كتابه البديع وفيه كثير من الشواهد٥، وذكر مثلًا لما عيب منه٦.
ومن الغريب أن يكون أرسطو قد تكلم على المطابقة والمقابلة؛ حيث ذكر التقابل وأن المتقابلات إذا توافقت أحدثت رونقًا لظهور بعضها ببعض، وأن المعتدل "الذي لا يفرط في الصفة حتى يدخل في حيز الكذب الظاهر" وخصوصًا إذا شحن بالمطابقات المأخوذة من المتقابلات لذيذ جدًّا، وأن المتقابلات بعضها أضداد وبعضها كأضداد.
_________________
(١) ١ ٧٩ إعجاز القرآن. ٢ ١٢٤ الموازنة. ٣ ٢٩١/ ١ العمدة. ٤ ٥١/ ١ سر الفصاحة. ٥ ٧٤-٩٠ البديع. ٦ ٩٠-٩٢ البديع.
[ ٢٨ ]
وابن المعتز فوق معرفته بالمطابقة فهو يعرف المقابلة ويذكرها باسمها١، ولم يذكرها في كتابه البديع. وقد ذكر قدامة المقابلة وعرَّفها في نقد الشعر٢ تعريفًا تأثر فيه بأرسطو، وأخذ السكاكي تعريف قدامة رأيًا له في تعريفه للمقابلة. وفي الصناعتين باب للمطابقة تأثير فيه أبو هلال بابن المعتز إلى حد كبير٣، وكذلك فعل ابن رشيق٤.
_________________
(١) ١ رسائل ابن المعتز. ٢ ٧٩ نقد الشعر. ٣ ٢٩٧-٣١٠ صناعتين. ٤ ٥/ ٢ العمدة.
[ ٢٩ ]
٤- رد العجز على الصدر:
وهو اصطلاح جديد لابن المعتز لم يسبق إليه، وقد ذكر ابن المعتز أقسامه١ وشواهد كثيرة له٢، ثم ذكر مثلًا قليلة لما عيب منه٣، وقد سار على نهجه أبو هلال٤.
وابن رشيق يسميه التصدير٥، ونقل فيه كثيرًا من مثل ابن المعتز وشواهده، ويذكر ابن رشيق من مثله نقلًا عن ابن المعتز:
ولم يحفظ مضاع المجد شيء من الأشياء كالمال المضاع٦
وهذا البيت غير موجود في نسخة البديع الموجودة بين أيدينا مما يدل على نقصها. وابن الأثير يجعل رد العجز على الصدر ضربًا من التجنيس٧.
_________________
(١) ١ ٩٣ البديع. ٢ ٩٤-١٠٠ البديع. ٣ ١٠٠ البديع. ٤ ٣٧٧-٣٨٠ الصناعتين. ٥ ٣/ ٢ العمدة. ٦ ٥/ ٢ العمدة. ٧ ١٠٠ المثل السائر.
[ ٣٠ ]
٥- المذهب الكلامي:
وهو إيراد حجة على المطلوب على طريقة أهل المنطق، وهي أن تكون المقدمات مستلزمة للمطلوب. والجاحظ هو الذي سماه هذا الاسم١، وابن المعتز يذكر أنه ليس في القرآن منه شيء، وأنه ينسب للتكلف٢، وقد نقده أبو هلال؛ لأنه عد هذا الباب من البديع مع أنه نسبه إلى التكلف٣، وابن المعتز يذكر شواهد له٤ ومثلًا للمعيب منه٥، واحتذاه أبو هلال٦ وابن رشيق٧.
_________________
(١) ١ ١٠١ البديع، ٧٥/ ٢ العمدة. ٢ ١٠١ البديع. ٣ ٣٩٨ الصناعتين. ٤ ١٠١-١٠٤ البديع. ٥ ١٠٥، ١٠٦ البديع. ٦ ٣٩٣-٣٣٩ الصناعتين. ٧ ٧٥/ ٢ وما بعدها العمدة.
[ ٣١ ]
٦- الالتفات:
أشار إليه صاحب الجمهرة فذكر أن العرب تخاطب الشاهد مخاطبة الغائب١، وكذلك فعل المبرد٢ فذكر أن العرب تترك مخاطبة الغائب إلى مخاطبة الشاهد وبالعكس٣.
وحُكي عن إسحاق الموصلي قال: قال لي الأصمعي: أتعرف التفاتات جرير؟ قلت: وما هي؟ فأنشدني:
أتنسى إذا تودعنا سليمي بعود بشامة سقى البشام؟
ثم قال: ألا تراه مقبلًا على شعره إذا به التفت إلى البشام فدعا له٤.
والالتفات هو الاعتراض عند قوم -منهم صاحب العمدة٥- ولذلك ذكر ابن رشيق في عمدته بعض مثل للالتفات ذكرها ابن المعتز في باب الاعتراض٦، كما نقل ابن رشيق مثلًا للالتفات ذكرها ابن المعتز في باب الالتفات٧، وقال آخرون: هو الاستدراك، وحكاه قدامة وسبيله أن يكون الشاعر آخذًا في معنى ثم يعرض له معنى غيره فيعدل عن الأول إلى الثاني فيأتي به، ثم يعود إلى الأول من غير أن يخل في شيء مما يشد الأول٨.
_________________
(١) ١ ٣ جمهرة أشعار العرب. ٢ ٢٧١/ ١، ٣٠/ ٢ الكامل. ٣ ٣٠/ ٢ الكامل. ٤ ٤٤/ ٢ العمدة. ٥ ٤٢/ ٢ العمدة. ٦ راجع ٤٢-٤٤/ ٢ العمدة، ١٠٨ البديع. ٧ ٤٤/ ٢ العمدة، ١٠٧ البديع. ٨ ٤٢/ ٢ العمدة، ٨٧ البديع.
[ ٣٢ ]
وعرفه ابن المعتز بأنه انصراف المتكلم عن المخاطبة إلى معنى آخر١، ويستحسن ابن رشيق هذا التعريف٢، وتبع أبو هلال قدامة٣، وكذلك الباقلاني٤ قال: ومتى خرج عن الكلام الأول ثم عاد إليه على وجه يلطف كان ذلك التفاتًا، فللالتفات معنيان: ما ذهب إليه صاحب الجمهرة والمبرد، وما ذهب إليه قدامة وأبو هلال والباقلاني، وقد عرفه ابن المعتز بتعريف يجمع المعنيين وصاحب نقد النثر يسمي الالتفات الصرف٥.
يعرف ابن المعتز هذا اللون٦ ويذكر شواهد له٧، وقد تبعه ابن رشيق فأفاض في الحديث عنه٨.
_________________
(١) ١ ١٠٦ البديع، ٨٠ حسن التوسل. ٢ ٤٤/ ٢ العمدة. ٣ ٣٨٣-٣٨٥ الصناعتين. ٩٠٤ إعجاز القرآن. ٥ ٧١ نقد النثر. ٦ ١٠٦ البديع. ٧ ١٠٧ البديع. ٨ ٤٢/ ٢ وما بعدها العمدة.
[ ٣٣ ]
٧- الاعتراض:
في خطابة أرسطو يجعل إدخال كلام في كلام -وهو الاعتراض الطويل بين الكلام المتصل بعضه ببعض- من الأشياء المفسدة لرونق النظم.
ويعرف ابن المعتز الاعتراض بأنه اعترض كلام في كلام لم يتم معناه ثم يعود إليه فيتمه في بيت واحد١، وقد تبعه أبو هلال٢.
٨- الرجوع:
عرفه ابن المعتز بأن تقول شيئًا وترجع عنه٣، وذكر شواهد له٤.
وابن المعتز أول مَن ابتكر هذا القلب له، فكانت الرواة تعيب مثل هذا الاسلوب؛ لأن الشاعر يكذب نفسه. كان أستاذه الأسدي يشتد في نقد زهير في قوله: "بلى وغيرها الأرواح والديم"٥، ويرد صاحب العقد على هذا النقد٦، وابن المعتز يعده من ألوان البديع.
_________________
(١) ١ ١٠٨ البديع. ٢ ٣٨٥ صناعتين. ٣ ١٠٨ البديع. ٤ ١٠٨، ١٠٩ البديع، وراجع ٣٦٧ خزانة الأدب. ٥ ٣٥، ٣٦ الموشح. ٦ ٣١٦/ ٣ العقد.
[ ٣٤ ]
٩- حسن الخروج:
قال ابن رشيق: هو عندهم شبيه بالاستطراد وليس به؛ لأن الخروج هو أن تخرج من نسيب إلى مدح أو غيره بلفط تحيل ثم تستمر فيما خرجت إليه١، والاستطراد أن يبني الشاعر كلامًا كثيرًا على لفظة من غير ذلك النوع يقطع عليه الكلام وهو مراده دون جميع ما تقدم، ويعود إلى كلامه الأول وكأنه عثر بتلك اللفظة من غير قصد، فحسن الخروج على هذا الرأي هو حسن التخلص. ويقول ابن رشيق: ومن الناس من يسمي الخروج تخلصًا وتوسلًا٢.
وعلى هذا الرأي سار ثعلب في قواعد الشعر، وهو أول من لقبه هذا اللقب، قال: حسن الخروج من بكاء الطلل ووصف الإبل وتحمل الأظعان وفراق الجيران بغير "دع ذا" "عد عن ذا" و"اذكر ذا" بل من صدر إلى عجز لا يتعداه إلى سواه٣. وقد سار ابن المعتز على نهج أستاذه ثعلب في اللقب، وعرفه بأنه حسن الخروج معنى إلى معنى٤.
ويرد على ذلك أن المثل التي ذكرها له منها مثل واضح فيه الاستطراد؛ كقول الشاعر:
إذا ما اتقى الله وأطاعه فليس به بأس وإن كان من جرم
ومثل أخرى واضح فيها حسن التخلص؛ كقول الشاعر:
وأحببت من حبها الباخلين حتى ومقت ابن سلم سعيدا
فالظاهر أن ابن المعتز يريد بحسن الخروج ما يشمل التخلص والاستطراد، والحاتمي يسمي الخروج استطرادًا اتساعًا -كما يقول ابن رشيق٥- وعلى أي حال
_________________
(١) ١ ٢٠٦/ ١ العمدة. ٢ ٢٠٨/ ١ العمدة. ٣ ٢٣ قواعد الشعر. ٤ ١٠٩ البديع. ٥ ٣٨/ ٢ العمدة.
[ ٣٥ ]
فالاستطراد قريب من التخلص، وكان شبيب بن شيبة يقول: الناس موكلون بتفضيل جودة القطع وبمدح صاحبه١، وجودة القطع هي حسن التخلص؛ فإذن كان القداء يعرفون هذا المعنى ولا يسمونه تخلصًا. أما الاستطراد فقط أشار إليه الجاحظ في بيانه ولم يلقبه هذا اللقب٢، وهو ضرب من البديع يظهر الشاعر أنه يذهب لمعنى فيعن له آخر فيأتي به كأنه على غير قصد وعليه يبنى وإليه كان مغزاه، وقد أكثر المحدثون منه، ومنه قول أبي تمام يصف فرسًا:
أيقنت أن لم تثبت أن حافره من صخر تدمر أو من وجه عثمان
واحتذى البحتري هذا الحذو في حمدويه الأحول، قال في فرس:
ما إن يعاف قذى ولو أوردته يومًا خلائق حمدويه الأحول
وهذا المعنى "الاستطراد" أعجب به المحدثون وقد وقع لمن قبلهم، قال الفرزدق:
كأن فقاح الأسد حول ابن مسمع إذا جلسوا أفواه بكر بن وائل
وأتى جرير بهذا النوع فقال:
لما وضعت على الفرزدق ميسمي وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل
وأول من ابتكره السموءل -وكل أحد تابع له- فقال:
وأنا أناس لا نرى القتل سبة إذا ما رأته عامر وسلول٣
ولإسحاق الموصلي:
فما ذر قرن الشمس حتى كأننا من العي نحكي أحمد بن هشام
ومن الاستطراد قول ابن المعتز:
علت بماء بارد فكأنما علت ببرد قصيدة ابن سعيد
_________________
(١) ١ ٨٩/ ٢ العمدة. ٢ ١٠٥/ ٢ العمدة، ١٣٨/ ٣ البيان. ٣ راجع ١٤٩-١٥١/ ٢ زهر، ٣٨٨-٣٩١/ ٢ الذخيرة.
[ ٣٦ ]
وأول من سماه استطرادًا أبو تمام.
قال البحتري: أنشدني أبو تمام بيته: "أيقنت أن لم تثبت أن حافره إلخ" ثم قال لي: ما هذا الشعر؟ قلت: لا أدري، قال: هذا المستطرد والاستطراد، يرى أنه يريد وصف الفرس وهو يريد هجاء عثمان قال الصولي: فاقتدى البحتري في هذا بأبي تمام فقال: ما إن يعاف البيت١، وقال صاحب حسن التوسل: الاستطراد هذه التسمية نقلها البحتري عن ابن تمام وسماه ابن المعتز الخروج٢. وقد تكلم على الاستطراد أبو هلال٣ وابن فارس٤.
_________________
(١) ١ راجع ٦٨ أخبار أبي تمام، ٣٨/ ٢ العمدة، ٩٣ إعجاز القرآن، ٤ مقدمة ديوان البحتري. ٢ ٨١ حسن التوسل. ٣ ٣٨٩ صناعتين. ٤ ٢٢٦ الصاحبي.
[ ٣٧ ]
١٠- تأكيد المدح بما يشبه الذم:
وهو من ابتكار ابن المعتز واصطلاحه، ويجعله أبو هلال ضربًا من أضرب نوع من البديع يسميه الاستثناء١، وكذلك فعل ابن رشيق٢.
١١- تجاهل العارف:
وهو من ابتكار ابن المعتز واصطلاحه٣، وتبعه أبو هلال٤.
١٢- الهزل يراد به الجد ٥:
وهو من ابتكار ابن المعتز واصطلاحه، وفي الجاحظ مثل تصلح أن تكون من هذا النوع٦.
١٣- حسن التضمين للشعر:
وهو أن يضمن الشاعر شيئًا من شعر الغير مع التنبيه عليه إن لم يكن مشهورًا، وقد عرف هذا المعنى من قبل ابن المعتز؛ ولكنهم لم يلقبوه هذا اللقب، وقد نقد عبد الله بن طاهر أبا تمام في اقتباسه من القرآن في شعر له، ورأى أن القرآن أجل من أن يستعار شيء من ألفاظه للشعر٧، ويذكر ابن المدبر حسن الأخذ من الشعر والأمثال٨، ويقول المبرد في أبي العتاهية: لا يكاد يخلو شعره مما تقدم من الأخبار والآثار٩، ويقول ابن سلام: إن الزِّبْرِقَان أخذ بيت النابغة:
تعدو الذئاب على من لا كلاب له وتتقي حومة المستنفر العادي
في شعره كالمثل حين جاء في موضعه لا مجتلبًا له، وقد تفعل العرب ذلك لا يريدون به السرقة١٠.
_________________
(١) ١ ٣٩٦ صناعتين. ٢ ٤٥/ ٢ العمدة. ٣ راجع ١١١، ١١٢ البديع. ٤ ٣٨٧-٣٨٩ صناعتين. ٥ ١١٢، ١١٣ البديع. ٦ ٢٤٥/ ٢ العمدة. ٧ ٢١١ أخبار أبي تمام. ٨ ٧ الرسالة العذراء. ٩ ٢٣٨/ ٢ الكامل. ١٠ ٢٧ طبقات الشعراء لابن سلام.
[ ٣٨ ]
ويذكر ابن المعتز شواهد لهذا الباب١، واحتذاه أبو هلال٢ وابن رشيق٣.
١٤- التعريض والكناية:
التعريض أن يكنى عن الشيء ويعرض به ولا يصرح على حسب ما عملوا باللحن والتورية عن الشيء٤.
والكناية قسمان: لغوية، اصطلاحية.
فاللغوية ذكرها المبرد في الكامل وذكر أقسامها٥، ويشير إلى مثل للكناية الاصطلاحية٦، وكلامه يفهم منه أنه يسميها إيماء ويسميها قدامة الأرداف٧، وكذلك أبو هلال٨، ويسميها ابن رشيق التتبع٩، ويقول الجاحظ في البيان عن أبي عبيدة: العارضة كناية عن البذاء، وإذا قالوا: فلان مقتصد، فتلك كناية عن البخل إلخ١٠، وقال شريح: الحدة كناية عن الجهل، وذكر أمثلة أخرى١١، وذكر الجاحظ أنه يستعمل الناس الكناية وربما وضعوا الكلمة بدل الكلمة يريدون أن يظهر المعنى بألين لفظ إما تمويهًا وإما تفصيلًا كما سموا المعدول مصروفًا والبخيل مقتصدًا١٢.
_________________
(١) ١ ١١٤ البديع. ٢ راجع ٣٨ الصناعتين. ٣ ٨٠/ ٢ العمدة. ٤ ٣٦٠ صناعتين. ٥ ٥، ٦/ ٢ الكامل. ٦ ٧٧، ١٦٦/ ١ و٩٢، ٢٨١/ ٢ الكامل. ٧ ٩٢ نقد الشعر. ٨ ٣٤١ الصناعتين. ٩ ٢٨٢/ ١ العمدة. ١٠ ١٨٠/ ١ البيان. ١١ ٢٩-٣١/ ٢ البيان. ١٢ ١٣٣/ ١ رسالة النساء للجاحظ بهامش الكامل للمبرد.
[ ٣٩ ]
وفي خطابة أرسطو: ومن حسن أدب الخطيب إذا حاول العبارة عن معنى فاحش ألا يصرح؛ بل يستعير له ويقيم شيئًا بدله، وذلك أساس لبحث الكناية التي ذكرها الجاحظ في بيانه. وقد ذكر ثعلب لطافة المعنى وعرفها بأنها: هي الدلالة بالتعريض على التصريح١، وذكر مثلًا لها٢، وفي العقد باب الكناية والتعريض٣، وفي الصاحبي أيضًا٤، ويذكر صاحب نقد النثر اللحن بمعنى التعريض والكناية٥.
١٥- الإفراط في الصفة:
ذكره أرسطو في خطابته؛ فذهب إلى أنه لا يحسن استعمال اللفظ المفرط في الصفة حتى لا يدخل في حيز الكذب، ولا يفرط أيضًا تقصيرًا لسلب الصفة رونقها، ويقول: ومن الإفراطات التي تقال للتعظيم مع العلم بكذب من يدعيها قول القائل: ولو أعطيت مثل هذه المرأة ذهبًا لما رضيت في نكاحها.
فهذه ليست أمثالًا ولا تشبيهات؛ بل هي أكاذيب ظاهرة ويؤاخذ المبرد
_________________
(١) ١ ١٩ قواعد الشعر. ٢ ١٩ المرجع. ٣ ١٠-١٤/ ٢ العقد. ٤ وينقد ابن الأثير الجاحظ لعده بيتًا لنصيب من الكناية؛ وهو: فعالجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب ويرى أن البيت من التشبيه المضمر الأداء الخارج عن الكناية ٢٤٩ وما بعدها. ٥ ٥٩ نقد النثر.
[ ٤٠ ]
الشعراء على إفراطهم في شعر لهم١، ويذكر ثعلب الإفراط في الإغريق وشواهد له٢، وذكره ابن قتيبة في الشعر والشعراء٣.
وقد ذكره ابن المعتز مع شواهد له٤، وذكره الصاحبي٥، واستحسن قدامة السرف والمبالغة في الشعر؛ لأن أرسطو ذكر أن الكذب فيه أكثر من الصدق٦، ويذكر قدامة الغلو في المعنى والإفراط فيه ويستحسنه ويؤثره على الاقتصار على الحد الوسط٧، ويذكر البيت "وأخفت أهل الشرك إلخ" ويستحسنه٨، وذكره صاحب العقد واعتذر عن إفراطه فيه٩، كما اعتذر عن النابغة في إفراطه في وصف السيف١٠، وفي نقد النثر باب للمبالغة١١.
ويقول صاحب الخزانة: وتسمية المبالغة منسوبة إلى قدامة ومنهم من سمى هذا النوع التبليغ وسماه ابن المعتز الإفراط في الصفة، وهذه التسمية طابقت المسمى؛ ولكن الناس رغبوا في تسمية قدامة لخفتها١٢.
_________________
(١) ١ ١٧٣/ ١ و٤٤، ٤٦، ٧٦، ٧٧/ ٢ الكامل. ٢ ١٨، ١٩ قواعد الشعر. ٣ ٩٩، ١٠٦، ١٨٦ الشعر والشعراء. ٤ ١١٦-١٢١ البديع. ٥ ٢٢٤ الصاحبي. ٦ ٩٠ نقد النثر وابن سنان أيضًا حمد المبالغة والغلو "٢٥٦ سر الفصاحة"، وراجع تعريف أبي هلال للغلو "٣٤٨ الصناعتين" وللمبالغة ٣٥٦ الصناعتين، وقد ذكر قدامة المبالغة "٨٤ نقد الشعر" وكذلك الباقلاني ٨٤ إعجاز القرآن. ٧ ٣٥-٣٨ نقد الشعر، وراجع ٤١ نقد الشعر أيضًا. ٨ ٣٦ نقد الشعر. ٩ ٢٠، ٢١/ ١ و٤١٨/ ٣ العقد. ١٠ ٩١/ ١ العقد. ١١ ٧٠، ٧١ نقد النثر. ١٢ ٢٢٥ خزانة الأدب للحموي.
[ ٤١ ]
١٦- حسن التشبيه:
ذكره أرسطو ورأى أن الشعراء يقبحون في التشبيه إذا أبعدوا وفرق بينه وبين الاستعارة.
وأشار إليه الجاحظ عابرة؛ حيث ذكر مثلًا له١، وعقد له المبرد في كامله بابًا مستقلًّا٢، وكذلك فعل ثعلب٣ وابن المعتز٤.
والإصابة في التشبيه معدودة من أسباب جودة الشعر٥، وذكر ابن قتيبة التشبيه في مواضع كثيرة من كتابه٦، ورأى أن المشبه به يجب أن يكون أقوى من المشبه في وجه الشبه٧، ذكر قدامة أيضًا بابًا مستقلًّا للتشبيه٨، وكذلك صاحب العمدة وأبو هلال وسواهم من العلماء.
ولقد كان اهتمام ابن المعتز بالتشبيه وعده له من ألوان البديع متمشيًا مع فطرته وذوقه الأدبي الذي شغف بهذا الصبغ البياني شغفًا خاصًّا.
١٧- إعنات الشاعر نفسه في القوافي ٩:
وهو باب لزوم ما يلزم، وهو من إفراد ابن المعتز١٠، وإذا كان ابن المعتز يسميه إعناتًا فكيف يعده من البديع؟
١٨- حسن الابتداء ١١:
سمى ابن المعتز براعة الاستهلال حسن الابتداء، وأورد في هذا الباب قول النابغة: "كليني لهم يا أميمة ناصب"، قال ابن أبي الأصبع: ولقد أحسن ابن المعتز الاختيار١٢، ويقول الحلبي: وحسن الابتداء تسمية ابن المعتز وأراد بها ابتداء القصائد، وقد فرع المتأخرون من هذه التسمية براعة الاستهلال١٣.
_________________
(١) ١ ٢٢٩/ ٢ و٢٤٣/ ٣ البيان. ٢ ٣٥-١٠١/ ٢ الكامل. ٣ ١٤-١٨ قواعد الشعر. ٤ ١٢١-١٣١ البديع. ٥ ٢٠ الشعر والشعراء. ٦ ٢٠، ٢١، ١٠٦ الشعر والشعراء. ٧ ٣١٧ المرجع. ٨ ٦٥-٧٠ نقد الشعر. ٩ ١٣٢-١٣٣ البديع. ١٠ ٨٦ حسن التوسل. ١١ ١٣٣-١٣٥ البديع. ١٢ ص٣ خزانة الأدب. ١٣ ٩٣ حسن التوسل.
[ ٤٢ ]
وقد ذكر أرسطو أنه يحسن في صدر الخطب الإشارة إلى الغرض المقصود، وذكر أن للكلام الخطابي صدرًا واقتصاصًا وخاتمة، وأشار ابن المدبر إلى حسن الابتداء١، وذكر ابن المقفع أنه يجب أن يكون في صدر كلامك دليل على حاجتك٢، وشرح ذلك الجاحظ شرحًا وافيًا مقررًا بلاغة هذا اللون أحسن تقرير٣؛ ولكن ابن المعتز هو الذي سبق إلى هذه التسمية، وأفاض في ذكر شواهد هذا الباب مما احتذاه فيه أبو هلال وسواه، وبهذا تنتهي ألوان البديع ومحاسن الشعر التي ضمنها ابن المعتز كتابه "البديع".
_________________
(١) ١ الرسالة العذراء. ٢ ٩١/ ١ البيان. ٣ ٩٢/ ١ المرجع.
[ ٤٣ ]