"٦"
فابن المعتز قد جمع من ألوان البديع ثمانية عشر لونًا، ولقد عاصره قدامة بن جعفر الكاتب الذي جمع منها عشرين نوعًا، اشترك مع ابن المعتز في سبعة منها؛ وهي: الغلو أو الإفراط، التشبيه، الاستعارة، الكناية -ويسميها قدامة الإرداف مريدًا بها المعنى الاصطلاحي للكناية، في حين أن ابن المعتز يريد بها المعنى اللغوي- التكافؤ -وهو عند ابن المعتز المطابقة- المطابق أو المجانس -وهو عنده باب التجنيس- الالتفات.
وانفرد قدامة بثلاثة عشر نوعًا هي: التصريع، المقابلة، المساواة، الإيغال، الاستطراف، صحة التقسيم، صحة التفسير، المبالغة -وهي غير اللغو عن قدامة- الإشارة "الإيجاز"، التمثيل، التتميم، الترصيع -وهو أن تكون أجزاء البيت مسجوعة- التوشيح١.
وهذه الأنواع الثلاثة عشر التي استقل بها قدامة إذا أضيفت إلى السبعة عشر نوعًا التي جمعها ابن المعتز يكون البديع قد وصل في عهد قدامة إلى ثلاثين نوعًا، ثم تتبع الناس هذه الألوان، فجمع أبو هلال منها في الصناعتين سبعة وثلاثين نوعًا، منها ٢٩ نوعًا ذكرها أبو هلال في باب أنواع البديع، ومنها التشبيه الذي ذكره في باب مستقل٢ غير الباب الذي عقده للبديع وإن كان لا يشير إلى أنه من البديع، فيكون الجميع ثلاثين نوعًا يضاف إليها سبعة من زياداته٣؛ وهي: التشطير، المحاورة، الاستشهاد، المضاعفة "التورية"، التطريز، التلطف، المشتق.
ثم جمع ابن رشيق من ألوان البديع مثلما جمع أبو هلال وأضاف إليها
_________________
(١) ١ سماه علي بن هارون المنجم "تسهيمًا"، وسماه ابن وكيع "المطمع"، وسماه المتأخرون "إرصادا"؛ وهو أن يدل صدر البيت على قافيته. ٢ ٢٥٨ صناعتين وما بعدها. ٣ ٢٢٦-٢٤٩ صناعتين.
[ ٤٤ ]
في عمدته خمسة وستين بابًا في بحث الشعر، وتلاه شرف الدين الشاشي فبلغ بها أكثر من ذلك، ثم تكلم فيها ابن أبي الأصبع المصري "م٦٥٤هـ" فأوصلها إلى التسعين في كتابه الجيد "تحرير التحبير في علم البديع"، ثم صنف ابن منقذ كتابه "التفريع في البديع" جمع فيه خمسة وتسعين نوعًا، ثم جاء صفي الدين الحلي "م٧٥٠هـ" فجمع ١٤٠ نوعًا في بديعيته في مدح الرسول التي سماها "الكافية البديعية" وشرحها بنفسه ثم حذا الناس حذوه ونظموا كثيرًا من البديعيات. وأما السكاكي فذكر تسعة وعشرين نوعًا من البديع، وقد ذكر صاحب التلخيص من البديع المعنوي ثلاثين نوعًا ومن اللفظي سبعة، وقد أَلَمَّ بتطور البديع في اختصار كثير من الباحثين١.
"٧"
وابن المعتز قد تأثر في كتابه "البديع" بأستاذه ثعلب وبكتابه "قواعد الشعر"، ويسير على نهجه في العرض، وذكر الأمثلة لبعض الألوان لبديعية ودراساتها؛ كالتشبيه والاستعارة والإفراط ولطافة المعنى "التعريض" وحسن الخروج. أما المطابقة عند ابن المعتز فهي مجاورة الأضداد عند أستاذه. وأما التجنيس عند ابن المعتز فمن ألوانه عند ثعلب "المطابق" واحتذى قدامة في ذلك اللون وفي تسميته حذو أستاذه ثعلب.
كما جمع ابن المعتز من البيان والتبيين كثيرًا من شواهد البديع من النثر الأدبي، وكذلك أخذ من الحماسة قليلًا من شواهده الشعرية.
"٨"
أما أثر ابن المعتز وكتابه البديع في بحوث البيان وفي الدراسات البيانية وفي علماء البلاغة وكتبها التي أُلفت بعده، فنحن نشير إليها الآن:
_________________
(١) ١ راجع ٩٢ عقود الجمان للسيوطي، ٤٦٧/ ٤ وما بعدها حاشية السبكي على التلخيص، ٤٥/ ٢ تاريخ آداب اللغة لمحمد دياب، وسوى ذلك من المراجع.
[ ٤٥ ]
ابن المعتز وقدامة:
أثر ابن المعتز وكتابه البديع في قدامة قليل، ويتجلَّى فيه:
أ- أن كثيرًا من مثل الاستعارة عند قدامة١ تجدها عند ابن المعتز.
ب- ويذكر قدامة أن المحدثين أكثروا من الطباق وإن كان الأعراب قد أتوا بكثير منه٢، وذلك هو أساس الفكرة التي بسطها ابن المعتز٣ في البديع.
جـ- والالتفات كما عرفه قدامة أخص من تعريف ابن المعتز له، أو هو جزء منه كما يقولون.
ولكن التفاوت بين الكتابين كثير:
أ- فالطباق عند ابن المعتز يسميه قدامة التكافؤ ويذكر مثلًا له لا تجدها في البديع٤.
ب- ويجعل قدامة المطابق نوعًا من أنوع التجنيس٥ كأستاذه ثعلب٦.
جـ- وروح الكتابين ومنهجهما مختلفان كل الاختلاف، ومع أن قدامة كان كابن المعتز تلميذًا لأستاذه ثعلب٧؛ إلا أن الغالب عليه هو تأثره بأرسطو وخطابته، سواء في أفكاره العامة في نقد الشعر التي سبقه إليها الجاحظ وسواه ممن تأثروا بثقافة اليونان، وذلك كدعوته إلى حسن الدلالة ووضوح العبارة وفصاحة اللفظ وخلوه من اللحن واستكراه الإغراب، ومن ذلك آراؤه في: التشبيه
_________________
(١) ١ ١٠٤-١٠٦ نقد الشعر. ٢ ٨٦ نقد الشعر. ٣ ١٦ البديع. ٤ ٧٥ وما بعدها نقد الشعر. ٥ ٩٦ نقد الشعر. ٦ ٢٤ قواعد الشعر. ٧ ويكثر قدامة من ذكره والإشارة إليه "٤٥، ٤٦، ٨٤، ١٠٤، ١١٣ نقد الشعر".
[ ٤٦ ]
والاستعارة والكناية والتجنيس، ونظريته في الفضائل الذي تأثر فيها بأرسطو إلى حد بعيد.
ويمكننا أن نقول: إن بحوث النظم وعناصر البلاغة في نقد الشعر وفي البيان والتبيين هي مدينة لأرسطو كثيرًا. أما بحوث صناعة الشعر فهي أو الكثير منها مما يستقل به ابن المعتز في بديعه، والسبيل الذي سلكه الجاحظ كان خطوة جريئة في سبيل تدوين عناصر البلاغة والنظم، كما كان عمل قدامة في النقد ذائع الأثر كبير القيمة، وكما كان عمل ابن المعتز خطوة جريئة لتدوين البديع، وإني أرجح أن جد قدامة هو قدامة حكيم المشرق الذي ذكره الجاحظ في رسائله عرضًا وروى شعرًا له١. أما والده فهو جعفر بن قدامة صديق ابن المعتز الحميم "م٣١٩هـ". وأما قدامة فقد تتلمذ مع ابن المعتز على ثعلب؛ ولكنه تعمَّق في الفلسفة وفي ثقافة اليونان، وجاء إنتاجه مصطبغًا بصبغة خاصة يدل عليها كتابه نقد الشعر الذي ألف الآمدي كتابًا في نقده وتبيين غلط قدامة فيه٢، كما ألف عبد اللطيف البغدادي "م٦٢٩" كتابًا في شرحه٣.
ابن المعتز والآمدي:
والموازنة للآمدي تتخذ البديع مصدرًا كبيرًا من مصادرها العلمية، تأخذ منه وتعتمد عليه إلى حد كبير:
١- فنشأة البديع وأن المحدثين وأبا تمام ليسوا أول السابقين إلى اختراعه يفيض في شرحها الآمدي٤، نقلًا عن ابن المعتز.
_________________
(١) ١ ٦٦ رسائل الجاحظ. ٢ ١٢٥ الموازنة، ٥٨/ ٣ معجم الأدباء. ٣ ٧/ ٢ فوات، وللبغدادي كتاب قوانين البلاغة وله اختصار الصناعتين "٧، ٨/ ٢ فوات"، وفي كشف الظنون يذكر كتابي تكملة الصلة في شرح نقد قدامة "٢٤٦/ ١" وكشف الظلامة عن قدامة "٤٠/ ٢ كشف الظنون" وينسب الأول لعبد اللطيف بن يوسف، ولعله هو شرح البغدادي لنقد الشعر، والكتاب الثاني لعله رد على مَن نقد قدامة كالآمدي وسواه. ٤ ٦-٨ الموازنة.
[ ٤٧ ]
٢- وذكر الآمدي أبا تمام وإفساده لشعره بالبديع نقلًا عن كتاب ابن المعتز١.
٣- ويشيد بفضل ابن المعتز وعلمه بالشعر وحسن اختياراته في كتاب البديع٢.
٤- ويذكر الآمدي مثلًا كثيرة للتجنيس بعضها مأخوذ من كتاب البديع، وصرح بذلك الآمدي أيضًا٣، وينقد الآمدي قدامة في مخالفته لابن المعتز في تسميته الطباق تكافؤًا٤، إلى غير ذلك من مظاهر التأثر والاحتذاء.
ابن المعتز وصاحب العمدة:
وابن رشيق في عمدته يرجع إلى البديع ويحتذيه:
١- فهو يشير إلى الكتاب وينوه به٥.
٢- وينقل عنه تعريف ابن المعتز للتجنيس ويقول: وهو أول مَن نحا هذا النحو وجمعه٦.
٣- وباب التصدير "رد العجز على الصدر" في العمدة٧ تأثر فيه بابن المعتز إلى حد كبير، ونقل فيه من البديع وأشار إليه٨.
_________________
(١) ١ ٨، ٩، ٦١ الموازنة. ٢ راجع ١٤ موازنة في شرح بيت البحتري "تخفي الزجاجة لونها"، وهو في البديع "ص١٢٩". ٣ ١٢١، ١٢٢ الموازنة. ٤ راجع ١٢٤ الموازنة. ٥ ٢٣٥ جـ١ وما بعدها العمدة. ٦ ١٩٩/ ١ العمدة. ٧ ٣-٥ العمدة. ٨ ٥٠٤/ ٢ العمدة.
[ ٤٨ ]
٤- والالتفات عند ابن رشيق هو الاعتراض؛ ولذلك ذكر من شواهده الشواهد التي ذكرها ابن المعتز للاعتراض١.
ويقول ابن رشيق: وقد أحسن ابن المعتز في العبارة عن اللالتفات بقوله: هو انصراف المتكلم من الإخبار إلى المخاطبة ومن المخاطبة إلى الإخبار٢.
٥- والاستثناء عند ابن رشيق هو توكيد المدح بما يشبه الذم٣.
٦- والمذهب الكلامي في العمدة منقول من البديع٤.
٧- وبعض شواهد باب التضمين مأخوذة من البديع٥.
ابن المعتز والباقلاني:
وأبو بكر الباقلاني "م٤٠٣هـ" يعتمد في كتابه "إعجاز القرآن" على بديع ابن المعتز اعتمادًا كبيرًا:
فهو ينقل منه مثلًا للبديع٦، ويذكر معنى المطابقة عند ابن المعتز٧، وينقل عنه تعريفه للتجنيس٨ وسواه.
_________________
(١) ١ ٤٢-٤٤/ ٢ العمدة، ١٠٨ البديع. ٢ ٤٤/ ٢ العمدة، ١٠٦ البديع. ٣ ٤٥/ ٢ العمدة، ١١١ البديع. ٤ ٧٥، ٧٦/ ٢ العمدة، ١٠١ البديع. ٥ ٨٣/ ٢ العمدة، ١١٤ البديع. ٦ ٦٩-٧٢ إعجاز القرآن. ٧ ٧٩ إعجاز القرآن. ٨ ٨١ المرجع، ٥٥ البديع.
[ ٤٩ ]
ابن المعتز وأبو هلال:
وكتاب الصناعتين لأبي هلال في الباب التاسع الذي وقفه على دراسة أنواع البديع١، وفي دراسته لباب التشبيه أيضًا٢، يكاد يكون صورة مطابقة لبديع ابن المعتز، فهو يعرض اللون البديعي كما عرضه ابن المعتز، وينقل كثيرًا من شواهد كتاب البديع، ولا يزيد عليها إلا القليل من شعر الشعراء المتأخرين عن عصر ابن المعتز.
وعلى أي حال فقد اطلع أبوهلال على البديع وأخذ منه٣.
ابن المعتز وعلماء البلاغة:
وكثير من علماء البلاغة المتأخرين قد اعتمدوا على كتاب ابن المعتز اعتمادًا وثيقًا:
أ- فالحلبي "م٧٢٩هـ" صاحب "حسن التوسل على صناعة الترسل" ينقل عنه تعريف ابن المعتز للاستعارة٤ وللالتفات٥، ويشير إلى الاستطراد وأن ابن المعتز يسميه الخروج٦، وينقل عنه شواهد كثيرة٧.
ب- وكذلك ينقل عنه ابن مالك في المصباح كثيرًا٨.
جـ- وكذلك ينقل عنه الحموي "م٨٣٧هـ" في خزانة الأدب كثيرًا٩.
د- وينوه به صاحب كشف الظنون وبأثره في مؤلفات البديع١٠.
هـ- كما ذكره ونوَّه به وبقيمته العلمية كثير من الباحثين١١، وللأمير أسامة بن منقذ كتاب سماه "البديع" أيضًا١٢، ولم نطلع عليه لنرى منه أثر ابن المعتز فيه، وكثير من شواهد البديع عند علماء البلاغة المتأخرين هي من شواهد ابن المعتز في كتاب البديع.
_________________
(١) ١ ٢٥٧-٣٩٩ الصناعتين. ٢ ٢٢٦ وما بعدها المرجع. ٣ راجع ٣٩٨ صناعتين. ٤ ٢٩ حسن التوسل. ٥ ٨٠ المرجع. ٦ ٨١ المرجع. ٧ راجع مثلًا ٨٧ حسن التوسل، ١١٤ البديع، ٨٦ حسن التوسل، ١٣٣ البديع. ٨ راجع مثلًا ص١٠٣، ١٢٤ المصباح. ٩ راجع مثلًا ص٣، ٥٦، ٤١، ٢٢٥، ٣٦٧ الخزانة. ١٠ ١٤٨/ ١ كشف الظنون. ١١ ١٦٣/ ٢ زيدان، ٢٧٦ الزيات وسواهما. ١٢ ١٤٩/ ١ كشف الظنون، ومنه نسخة خطية بمكتبة بلدية الإسكندرية رقم ١٣٤٤ب في ١٢٩ ورقة كتبت عام ٧١١هـ.
[ ٥٠ ]