قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ ٢. وقال: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ ٣. وقال:
_________________
(١) ١ سبق أن عرفها ابن المعتز بأنها: "استعارة الكلمة لشيء لم يعرف بها من شيء قد عرف بها"، وقد عقد لها أبو هلال في الصناعتين بابًا تأثر فيه خطا ابن المعتز في دراسة الاستعارة "الصناعتين ٢٥٨-٢٩٧"، وكذلك فعل ابن رشيق "العمدة ج١ ص٢٣٩ طبعة القاهرة ١٩٣٤"، وألم بها قدامة في نقد الشعر "ص١٠٤-١٠٦" وفي نقد النثر "من ٦٤-٦٦" وذكرها وذكر مثلًا لها ثعلب في كتابه قواعد الشعر "ص٢١-٢٣ طبع ليدن". ٢ سورة آل عمران، آية: ٧. ٣ سورة الإسراء، آية: ٢٤.
[ ٧٦ ]
﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ ١. وقال: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ ٢. وقال: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ ٣.
الأحاديث: فأما أحاديث النبي -ﷺ- فقوله: "خير الناس رجل ممسك بعِنَانِ فرسه في سبيل الله، كلما سمع هيعة طار إليها" ٤. وقوله: "ضموا ماشيتكم حتى تذهب فحمة العشاء" ٥. وقوله: "إنا لا نقبل زبد المشركين" أي: رفدهم. وقال ﷺ: "رب تقبل توبتي واغسل حوبتي" ٦. وقال ﷺ: "غلب عليكم داء الأمم الذين من قبلكم: الحسد والبغضاء، وهي الحالقة، حالقة الدين لا حالقة الشعر".
كلام الصحابة: قال علي بن أبي طالب٧ -﵁- في كتابه إلى ابن عباس٨ وهو عامله على البصرة في بعض كلامه: "أرغِب راغبهم واحلل عُقد الخوف عنهم"٩. وسُئل عن تغيير الشيب١٠ وما رُوي في ذلك عن النبي -ﷺ- في قوله: "غيِّروا الشيب ولا تشبهوا باليهود". فقال علي ﵁: "إنما قال ذلك والدين في قُلٍ١١، فأما وقد اتسع نطاق الإسلام فكل امرئ وما اختار لنفسه". وقال أبوبكر الصديق١٢ -﵁- وذكر الملوك فقال: "إن الملوك إذا ملك أحدهم زهّده الله في ماله، ورغّبه في مال غيره، وأشرب قلبه الإشفاق
_________________
(١) ١ سورة مريم، آية: ٤. ٢ سورة الحج، آية: ٥٥. ٣ سورة يس، آية: ٣٧. ٤ العِنَان: اللجام. الهيعة: الصوت تفزع منه وتخافه من عدو ونحوه، أو هي صوت الصارخ للفزع. المعنى: خير الناس رجل أخذ عِنَان فرسه واستعد للجهاد في سبيل الله كلما دعا داعي الجهاد. استعار الطيران للعدو. ٥ فحمة العشاء: ظلمته. الضم: الجمع والحفظ. ٦ الحوبة: الإثم. ٧ ابن عم رسول الله، تولى الخلافة بعد عثمان، قتل سنة ٤٠هـ. ٨ هو عبد الله بن عباس، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، كان حَبْرَ الأمة وعالمها، وولي البصرة لعلي، وتوفي بالطائف سنة ٦٨هـ. ٩ عقد: جمع عقدة؛ وهي موضع العقد وهو ما عقد عليه. ١٠ أي: بالخضاب. ١١ أي: قلة. ١٢ الخليفة الإسلامي العظيم الأول، توفي سنة ١٣هـ.
[ ٧٧ ]
وهو يحسد على القليل، ويتسخط على الكثير، جذلُ الظاهر، حزين الباطن، فإذا وجبت نفسهُ ونضب عمره وضحًا ظلّه [حاسبه الله ﷿] فأشد حسابه وأقل غفره"١، أراد٢ من هذا نضب عمره، وهو الاستعارة.
ورووا أن عليًا -﵁- سأل كبير فارس عن أحمد سير ملوكهم عندهم فقال: لأردشير٣ فضيلة السبق غير أن أحمدهم سيرة أنوشروان٤، قال: فأي أخلاقه كان أغلب "عليه"؟ قال: الحِلْم والأناة، قال علي ﵁: هما توءمان ينتجهما علو الهمة.
وقال علي ﵁: "العلم قفل مفتاحه السؤال".
ورووا أن عليًا -﵁- قال لبعض الخوارج في حديث طويل: "والله ما عُرفْتَ حتى نعرَ الباطل فنجمت نجوم قرن الماعزة"٥ أردنا قوله: نعر الباطل.
ورووا أن عمر٦ -﵁- لما حصّب المسجد٧ قال له رجل: لِمَ فعلت ذلك؟ قال: هو أغفرُ للنخامة٨.
وقال الشعبيّ٩: "كتب خالد بن الوليد١٠ إلى مرازبة١١ فارس عند مقدمه العراق: أما بعد، فالحمد لله الذي فض خدمتكم
_________________
(١) ١ من خطبة لأبي بكر تراها في البيان والتبيين "٤٧/ ٢" مع اختلاف قليل في الرواية. يتسخط: يستقل من تسخط عطاءه أي استقله، أو من السخط وهو المقت والكراهية والغضب. الجذل: الفرح. وجب الميت والحائط: سقط. ووجبت الشمس: غابت. ضحا ظله: أي مات، من ضحا الظل إذا صار شمسًا، والإنسان إذا صار ظله شمسًا فقد بَطَل. ٢ أي: أبو العباس عبد الله بن المعتز. ٣ من ولد ساسان بن أردشير مؤسس الدولة الساسانية، مكث في الحكم خمسة عشر عامًا. ٤ من الأكاسرة الساسانية، مكث في الحكم ٤٨ عامًا، بلغت فيها فارس ذروة المجد. ٥ نعر: صوَّت وصاح. نجم: ظهر وطلع. ٦ الخليفة الإسلامي الثاني، قتل عام ٢٣هـ. ٧ أي: فرشه بالحصى. ٨ أي: أستر للبصقة إذا سقطت فيه. ٩ راوية كوفي كان نديم عبد الملك بن مَرْوان، وكان محدثًا وفقيهًا وشاعرًا، استقضاه عمر بن عبد العزيز "١٩-١٠٣هـ". ١٠ الصحابي المشهور والقائد الإسلامي الفاتح، مات عام ٢١هـ. ١١ أي: قواد.
[ ٧٨ ]
وفرَّق كلمتكم. الخدمة: الحلقة المستديرة، ومنه قيل للخلاخيل: خدام، قال الشاعر "من المتقارب":
وتُبْدي لذاك العذارى الخِداما١
وسُئلت عائشة٢ ﵂: هل كان النبي -ﷺ- يفضل بعض الأيام على بعض؟ قالت: كانت عمله ديمة؛ أي: دائمًا.
ولما قتل عثمان٣ -﵁- قال أبو موسى٤: هذه حيصة من حيصات من حيصات الفتن، بقيت المثقلة الرداح٥.
وقال الحجاج٦ يومًا في حديث ذكره الشعبي: دلوني على رجل سمين الأمانة.
ولما عقدت الخوارج٧ الرياسة لعبد الله بن وهب الراسبي٨ أرادوه على الكلام فقال: لا خير في الرأي الفطير والكلام القضيب، فلما فرغوا من البيعة له قال: دعوا الرأي يغب؛ فإن غبوبه يكشف لكم عن فصة٩.
وقال بعض الصالحين في ذمة الدنيا: "دار غرست فيها الأحزان، وسكنها الشيطان، وذمَّها الرحمن،
_________________
(١) ١ الإبداء عن الخدام مثل في صعوبة الأمر وشدة الخطب، وأصله في الروع والهزيمة وتشمير النساء عن سوقهن وإبداء خلاخلهن عند ذلك. ٢ بنت الصديق وزوج الرسول وأم المؤمنين "٩ق. هـ-٥٨هـ". ٣ الخليفة الإسلامي الثالث، قتل سنة ٣٥هـ. ٤ الأشعري الصحابي من الولاة وأحد الحكمين في فتنة علي ومعاوية، كان أحسن الصحابة صوتًا وحدث عن رسول الله، مات بالكوفة عام ٤٤هـ. ٥ الحيصة: الجلبة والضوضاء، وحيصة من حيصات الفتن: أي روغة منها عدلت إلينا، الرداح: الثقيلة العجيزة والضخمة الوركين، أراد: الفتنة الهائلة الثقيلة. ٦ قائد داهية وبليغ مصقع ولي العراق واشتهر بالقسوة وكان خطيبًا مؤثِّرًا، توفي عام ٩٥هـ. ٧ فرقة خرجت على علي بعد التحكيم، وكفَّروا عليًّا ومعاوية، وناضلوا بحد السيوف عن آرائهم طول دولة بني أمية. ٨ أزدي ومن أئمة البياضية، أدرك النبي وخرج على علي وقتل في موقعة النهروان عام ٣٨هـ. ٩ راجع: الرواية في البيان والتبيين ١٤٩/ ١، ٢٦، ٩٣/ ٢. والفطير: العجين الذي لم يختمر. والقضيب: الناقة التي لم تمهر الرياضة أو التي لم ترض، يريد: الكلام المرتجل عن غيره خبرة، والغبوب تدل مادتها على المكث والانتظار، فالغب في سقي الإبل يوم ويوم، وغب كل شيء عاقبته. فص الأمر: مفصله الذي يفصل منه كما يحز العظم من المفصل.
[ ٧٩ ]
وعوقب بها الإنسان. وكان يقال: رأس المآثم الكذب، وعمود الكذب البهتان. وقال ابراهيم النخعي١: الفكر مخ العمل. وقيل لأعرابي: إنك لحسن الكدنة٢، قال: ذلك عنوان نعمة الله عندي. ووصف أعرابي قومًا فقال: كانوا إذا اصطفوا سفرت بينهم السهام، وإذا تصافحوا بالسيوف قعد الحمام٣.
وقال أكثم٤: الحلم دعامة٥ العقل. وسُئل آخر عن البلاغة فقال: دنو المآخذ، ونزع٦ الحجة، وقليل من كثير.
وقال خالد بن صفوان٧ لرجل: رحم الله أباك؛ فإنه كان يقرى العين جمالًا والأذن بيانًا٨. وسئل أعرابي عن صديق له فقال: صفرت عياب٩ الود بيني وبينه بعد امتلائها، واكفهرت وجوه كانت بمائها. وذكر أعرابي رجلًا فقال: إن الناس يأكلون أماناتهم لقمًا وفلان يحسوها حسوًا١٠. وقيل لأعرابية: أين بلغتْ قِدْرك؟ فقالت: حين قام خطيبها١١. وقال بعضهم: من ركب ظهر الباطل نزل دار الندامة. وقيل
_________________
(١) ١ من أكابر التابعين صلاحًا وصدق رواية وحفظًا للحديث، وكان فقيه العراق وإمامًا مجتهدًا صاحب مذهب، وهو من أهل الكوفة، مات عام ٩٦هـ، وقد سبق ذكر له في الشرح. ٢ الكدنة: السنام والشحم والمراد الهيئة. ٣ راجع الرواية في الصناعتين ص٢٧٤. ويروى: فغر فمه: فتحه. وقعد أصوب. ٤ أكثم بن صيفي حكيم العرب في الجاهلية وأحد المعمرين، أدرك الإسلام وقصد المدينة عام ٩هـ مع جماعة من قومه ليسلموا فمات في الطريق "الأغاني ٧٠/ ١٥". ٥ دعامة كل شيء: عماده. ٦ في رواية: وقرع، كما في البيان والصناعتين. ٧ خطيب بليغ ومتكلم فصيح عاصر الدولة الأموية وجالس السفاح، وتوفي في أول عهده عام ١٣٣هـ، وكان بخيلًا مطلاقًا، وقال فيه الجاحظ: هو من الخطباء المشهورين في العوام المقدمين في الخواص وكان يقارض شبيب بن شبيب إلخ "البيان ٢١٩، ٢٢٠/ ١، ٢٢٨/ ٢". ٨ رواية الجاحظ: يملأ العين جمالًا "٢٦٤/ ٣ البيان". ٩ صفرت: خلت. عياب: جمع عيبة وهي الحقيقة. ١٠ اللقم: الابتلاع. وحسا المرق من باب عدا: شربه شيئًا بعد شيء. ١١ تريد صوت مائها وهو يغلي.
[ ٨٠ ]
لأعرابي: كم أهلك؟ قال: أب وأم وثلاثة أولاد، أنا سبيل عيشهم. وقيل لرؤبة١: كيف خلَّفت ما رواءك؟ قال: المراد يابس والمال عابس٢.
ومن الاستعارة قول امرئ القيس٣ "من الطويل":
وليل كموج البحر أرخى سدوله عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطَّى بصلبه وأردف أعجازًا وناء بكلكل٤
هذا كله من الاستعارة؛ لأن الليل لا صلب له ولا عجز، وقال "من الطويل:
يضيء سناه أو مصابيح راهب أمال السليط بالذبال المفتل٥
أردنا من البيت قول: "أمال السليط". وقال زهير٦ "من الطويل":
_________________
(١) ١ يعرف الأدب العربي بهذا الاسم ثلاثة "١٢١، ١٢٢ المؤتلف للآمدي" وأشهرهم رؤبة بن العجاج التميمي، راجز فصيح مشهور من مخضرمي الدولتين، كان أكثر إقامته في البصرة، وأخذ عنه كثيرون من رجال اللغة، وكانوا يرون إمامته فيها ويحتجون بشعره، ولما مات قال الخليل: دفنا الشعر واللغة والفصاحة، مات بالبادية عام ١٤٥هـ. ٢ رواية الجاحظ: قال عتبة بن هارون قلت لرؤبة: كيف خلفت ما وراءك؟ قال: التراب يابس والمرعى عابس "٨٣، ١٢٦/ ٢ البيان". المراد: المكان الذي يذهب فيه ويجاء، والمراد: الأرض التي كانت تهيأ للإنبات. يريد: قلة الماء وانعدام النبات وظهور الجدب. ٣ إمام الشعراء ورأس الطبقة الأولى من الجاهليين، مات نحو عام ٥٤٠م. ٤ السدول: الستور. الابتلاء: الاختبار. تمطى: تمدد. الإرداف: الإتباع. الأعجاز: المآخير. الكلكل: الصدر. ناء: بعد. المعنى: رب ليل شبيه بأمواج البحر في هوله أرخى عليَّ سدول ظلامه مع أنواع الأحزان ليختبرني أأصبر أم أجزع حتى تمنيت أن ينكشف الليل وينجلي بنور الصباح لما أفرط طوله وبعدت أوائله وازدادت أواخره طولًا. يفتخر بالصبر والجلد وتحمل آلام الأحزان في ظلام الليالي الطوال. ٥ السنا: الضوء. السليط: الزيت. الذبال: الفتيل. المعنى: أن هذا البرق يتلألأ ضوؤه وهو شبيه في لمعانه بمصابيح الراهب إذا أفعم صب الزيت عليها فتكون أشد إضاءة. ٦ من فحول الطبقة الأولى من الشعراء الجاهليين وصاحب هرم بن سنان، وشعره مختار مهذَّب بعيد عن الحوشية والمعاظلة، ومات قبل الإسلام.
[ ٨١ ]
إذا لقحت حرب عوان مضرة ضروس تهر الناس أنيابها عصل١
تهر: أي تحملهم على أن يكرهوا، يقال: هرّ فلان كذا إذا كرهه، وأهررته أنا: حملته عليه، وهرير الكلب صوت يردده إلى جوفه إذا كره الشيء أو الشتاء لشدّة البرد أو لغيره، وقال أبو سعيد٢: القول تهر ومن قال: تهر الناس أراد أنها أساءت أخلاقهم لشدتها، وتهر كأنها تنبح في وجوههم. وقال أيضًا "من الطويل":
صحا القلب عن سلمى واقصر باطله وعرى أفراس الصبا ورواحله٣
وقال أيضًا "من الوافر":
إذا سدت به لهوات ثغر يشار إليه جانبه سقيم٤
_________________
(١) ١ لقحت: حملت، والمراد: اشتدت، وضرب اللقاح مثلًا لشدتها. العوان: الحرب التي قوتل فيها مرة بعد مرة. الضروس: العضوض السيئة الخلق. تهر الناس: قال الأعلم الشنتمري: أي تصيرهم يهرونها أي يكرهونها. العصل: الكالحة المعوجة، وضربها مثلًا لقوة الحرب وقدمها. وقال قدامة: أراد أن هذه الحرب قديمة قد اشتد أمرها كما يكون ناب البعير أعصل إذا طال عمره واشتد "١٠٥ نقد الشعر". ٢ أبو سعيد عبد الملك بن قريب الأصمعي، راوية العرب وأحد علماء اللغة، ولد ومات بالبصرة عام ٢١٦هـ، وكان وثيق الصلة بالرشيد. ٣ المعنى: صحا القلب عن حب سلمى وكف باطله أي صباه ولهوه، وتعرية أفراس الصبا مثل ضربه أي أنه ترك الصبا وركوب الباطل، والتقدير: وعرى أفراس ورواحل كنت أركب بها في الصبا وطلب اللهو. ٤ لهوات الثغر: مداخله جمع لهاة؛ وهي مدخل الطعام في الحلق استعارة لمدخل الثغر. والثغر: الموضع المخوف الذي ينفذ منه الأعداء، ويشار إليه صفة لثغر أي يهتم به ويذكره، وجانبه سقيم: أي جانب الثغر مخوف يخشى القوم أن يؤتوا منه فجعله سقيمًا لذلك، وسداد الثغر: تحصينه ومنع العدو منه، هذا رأي الأعلم الشنتمري، وأرى أن "يشار إليه" جواب الشرط أي يهتف به ويشار إليه، وهو مع ذلك لا يرى ما أتى به من بطولة شيئًا يستحق أن يزهى به، فهو سقيم من الحياء والتواضع.
[ ٨٢ ]
وقال النابغة١ "من الطويل":
وصدر أراح الليل عازب همه تضاعف فيه الحزن من كل جانب٢
أراد قوله: أراح الليل عازب همه، هذا مستعار من إراحة الراعي الإبل إلى مباءتها: أي موضع تأوي إليه. وقال أيضًا "من الطويل":
على أن حجليها إذا قلت أوسعا صموتان من ملء وقلة منطق٣
وقال الأعشى٤ "من الكامل":
إذ لمتى سوداء أتبع ظلها غزلًا قعود بطالة أمشى ددا٥
وقال أيضًا "من الطويل":
سما لابن هر في العثار بطعنة تفور على سرباله نعراتها٦
_________________
(١) ١ شاعر ذبيان في الجاهلية، كان من أشراف قومه، وتكسب بالشعر، وقصد به ملوك الحيرة والغساسنة، وهو من الطبقة الأولى من فحول الجاهليين، واشتهر باعتذارياته، وشعره محكم قوي، مات قبل البعثة بقليل. ٢ أراح: رد. والعازب: البعيد الماضي المنصرف. ٣ الحجل: الخلخال. المعنى: خلخالاها لا يتحركان من امتلاء ساقيها فهما في قدميها ضيقان مع سعتهما. ٤ ميمون بن قيس صناجة العرب وأحد رجال الطبقة الأولى من الجاهليين، أستاذ الأخطل وأبي نواس في خمرياته، وكان لشعره دوي بين العرب، قصد الرسول فأغرته قريش بالمال، فعاد إلى بلده ومات في الطريق. ٥ اللمة: الشعر الذي يجاوز شحمة الأذن. غزل: أي صاحب غزل. القعود: ما يقتعده الراعي في كل حاجة، والمعنى: ملازم بطالة. الدد: اللهو واللعب. المعنى: أنه كان كلفا بالنساء حين كان في نضارة الشباب يسير وفق لذاته ومآربه، صاحب غزل، وخدن لهو ولعب. ٦ المعنى: أن هذا الممدوح سما -أي نهض وعلا- لهذا الرجل الشجاع فطعنه طعنة مميتة تركته تفور وتتدفق على قميصه الدماء المتصببة منها. والنعرة: صوت في الخيشوم جمعها نعرات، ونعر الجرح بالدم إذا فار، ونعر العرق فار منه الدم. العثار: الحرب. السربال: القميص.
[ ٨٣ ]
وقال أيضًا "من الوافر":
فإن الحرب أمسى فحـ ـلها في الناس مغتلما١
وقال أوس٢ بن حجر "من الطويل":
وإني امرؤ أعددت للحرب بعدما رأيت لها نابًا منالشر أعصلا٣
وقال عنترة٤ بن معاوية العبسي "من الكامل":
جادت عليه كل بكر حرة فتركن كل قرارة كالدرهم٥
البكر: أول السحاب، أراد أنها لم تمطر قبل ذلك.
وقال مهلهل٦ "من الكامل":
تلقى فوارس تغلب ابنة وائل يستطعمون الموت كل همام٧
_________________
(١) ١ المعنى: أنها ضربت واشتدت وازدادت تماديًا، وكأن فحلها هائج ثائر تدفعه شهوة الحيوان لأن يقضي حاجاتها وأوطارها. ٢ شاعر تميم في الجاهلية طويلًا ولم يدرك الإسلام، وفي شعره حكمة ورقة وجودة، مات قبل الهجرة بقليل. ٣ ناب أعصل: كالح معوج كناية عن شدتها، ومفعول أعددت ذكره في أبيات تالية "قوسا ونبلًا ودرعًا وسيفًا وطرفًا إلخ". ٤ أشهر فرسان العرب في الجاهلية ومن شعرائها المعدودين ومن أصحاب المعلقات، مات قبل الهجرة بأكثر من عشرين عامًا. ٥ البكر من السحاب التي لم تمطر قبل، وفي شرح المعلقات أنها ما سبق مطره. الحرة: الخالصة من البرد والريح. والمعنى: مطرت على هذه الروضة كل سحابة سابقة المطر لا برد ولا ريح حتى تركت كل حفرة كالدرهم لاستدارتها بالماء وبياض مائها وصفائه. ٦ عدي بن ربيعة أخو كليب وائل الذي هاج بمقتله حرب البسوس، وهو شاعر مجيد وخال امرئ القيس من بني تغلب، وكان الشعر في الجاهلية في ربيعة ومهلهل هذا أولهم، ولقب مهلهلًا لأنه أول من هلهل الشعر: أي رققه، وينكر ذلك المعري في رسالة الغفران "ص١٠٥". ٧ يصف أبطال تغلب -من قومه- بالشجاعة والقوة والظفر، فهم يناضلون ويذيقون الموت كل سيد كريم.
[ ٨٤ ]
وقال الأفوه الأودى١ "من الرمل":
ملكنا ملك لقاح أول وأبونا من بني أود خيار٢
قال أبو سعيد: اللقاح من العرب الذين لا يدينون للملوك، وهو مأخوذ من لقاح الإبل؛ أي: هم مستغنون بما عندهم من العز عن غيرهم. وقال علقمة بن عبدة٣ "من البسيط":
بل كل قوم وإن عزوا وإن كرموا عرفهم بأثافي الشر مرجوم٤
وقال المسيب بن علس٥ "من المتقارب":
وإنهم قد دعوا دعوة يتبعها ذنب أهلب٦
وقال الأسود بن يعفر٧ "من الوافر":
_________________
(١) ١ شاعر جاهلي قديم، ورائيته -التي منها هذا البيت- في هجاء الجرهميين، جمعها صاحب الطرائف الأدبية. ٢ يفخر بحسب عشيرته ومجدهم وعزهم. واللقاح من العرب: هم الذين لا يدينون للملوك، وهو مأخوذ من لقاح الإبل؛ لأن الناقة إذا لقحت لم تطاوع الفحل. ٣ من بني تميم شاعر جاهلي عاصر امرأ القيس ومات قبل الهجرة بنحو سبعين عامًا. ٤ العريف: سيد القوم وهو النقيب دون الرئيس. الأثافي: هي الحجارة يحمل عليها القدر واحدتها أثفية واستعار للشر أثافي، يريد: أن الموت لا يترك زعيمًا ولا سيدًا مهما كان مجده ومنعة قومه، ويروى بدل الشر: الدهر. ٥ شاعر جاهلي قديم اسمه زهير بن علس والمسيب لقب له، وله في المفضليات قصيدة عينية مختارة "ص١٧ المفضليات". ٦ لعل المعنى أنهم أحدثوا بدعة لها عواقبها الوخيمة. والهلب: كثرة الشعر، والأهلب: الذي لا شعر له أيضًا. ٧ أعشى بني نهشل بن دارم شاعر جاهلي مشهور، وله قصيدتان مختارتان في المفضليات، وجمع ما بقي من شعره في ذيل ديوان الأعشى، وهو من سادات تميم ومن قوم الفرزدق، مات قبل الهجرة بأكثر من عشرين عامًا، وشعره فيه قوة وجزالة وطبع وحكمة.
[ ٨٥ ]
فأدِّ حقوق قومك واجتنبهم ولا يطمح بك العز الفطير١
قال أبو سعيد: أراد عزًا ليس بالمحكم، كما أن الفطير من العجين ليس بمستحكم، والفطير في غير ذا: الجلد الذي لم يدبغ. وقال طفيل٢ "من الكامل":
وجعلت كوري فوق ناجية يقتات شحم سنامها الرحل٣
وقال أيضًا "من الطويل":
جذت حول أطناب البيوت وسوفت مرادًا فإن تقرع عصا الحرب تركب٤
سوفت: شمت. مرادها: الموضع الذي ترود فيه. وقال الحارث بن حلزة٥ "من الكامل":
حتى إذا التفع الظباء بأطراف الظلال وقلن في الكنس٦
قال أبو سعيد: التفع من اللفاع وهو اللحاف الذي يلتفع به ثم صار كل ثوب
_________________
(١) ١ كل شيء أعجلته عن إدراكه فهو فطير. والمعنى: أدِّ لقومك ما لهم عليك من حقوق مع اجتنابهم وعدم انتظار شيء منهم، ثم لا يطمح بك العز الذي لم يستحكم أمره إلى غايات لا يستطيع الوصول بك إليها. ٢ طفيل الغنوي شاعر جاهلي شجاع، وأوصف العرب للخيل، وربما سمي طفيل الخيل لكثرة وصفه لها، عاصر النابغة زهيرًا ومات نحو ١٣ ق هـ. ٣ الكور: الرحل بأداته. الناجية: الناقة الكريمة. يذكر سفره على ناقة كريمة قد أضناها السفر وأذاب شحم سنامها ملازمة الرحل لها في الظعن والارتحال. وفي الأصل: لحم بدل شحم. ٤ جذ: ثبت قائمًا أو قام على أطراف أصابعه. التسويف: الشم. المراد: الموضع الذي يراد فيه أي يجاء ويذهب. وقرع عصا الحرب كناية عن الدعوة إليها. يصف فرسه بأنها واقفة حول أطناب الخيام، فإذا دعا داعي الوغى امتطيت وسير عليها إلى الميدان، والمراد: الافتخار بالبطولة والاستعداد الدائم للحرب. ٥ أحد أصحاب المعلقات، ويعد في الطبقة الثالثة من الجاهليين، مات سنة ٥ ق هـ. ٦ الظلال: ما يظلل الإنسان من شجر ونحوه، القائلة: الظهيرة أو النوم فيها وقال فهو قائل. الكنس: جمع كناس وهو موضع الظبي في الشجر يكتن فيه ويستتر.
[ ٨٦ ]
يجلل١ به الإنسان لفاعًا. وقال عمرو بن كلثوم٢ "من الطويل":
ألا ابلغ النعمان عني رسالة فمجدك حولي ولؤمك قارح٣
وقال النابغة الجعدي٤ "من المتقارب":
إذا أغلق الأمر أبوابه وعىّ ذوو الحزم بالمذهب
علا بهم لجة مهلكًا وإن يطف أصحابه يرسب٥
وقال الحطيئة٦ "من الطويل":
ألا من لقب عارم النظرات يقطع طول الليل بالزفرات٧
وقال أبو ذؤيب الهذلي٨ "من الكامل":
_________________
(١) ١ أي: يغطي. ٢ شاعر جاهلي ساد قومه شابًّا وعمر طويلًا وقتل الملك عمرو بن هند، وأشهر شعره معلقته النونية، وفي شعره سهولة واعتداد بالنفس والقبيلة، مات عام ٤٠ ق هـ. ٣ يقول: إن مجده ناشئ ضئيل -والحولي من الإبل ما أتى عليها حول- ولؤمه قديم متأصل كهل، والقارح من الإبل ما أتى عليها خمس سنين. ٤ أبو ليلى حسان بن قيس بن عبد الله الجعدي العامري، شاعر مفلق صحابي معمر، واشتهر في الجاهلية وسمي النابغة لنبوغه في الشعر بعد سن عالية، وفد على الرسول فأنشده فدعا له، وشهد صفين مع علي ثم سكن الكوفة، فسيره معاوية إلى أصبهان مع أحد ولاتها فمات فيها نحو عام ٨٠هـ، وقد جاوز المائة بكثير. ٥ أغلق الأمر أبوابه: كناية عن إشكال الأمر والتباسه وعدم تبين الطريق فيه، عي بالأمر: لم يهتد لوجهه. المذهب: الطريق والرأي. علا في المكان من باب سما. رسب: سفل. لجة الماء: معظمه. المهلك: هو الهلاك. طفا: رسب، يصف ممدوحه بثقوب الرأي وسداده حين تشتبه الأمور وتظلم وجوه الرأي ويعي أولو الحزم بطريق السداد. ٦ شاعر مخضرم مجيد كان راوية زهير، وفي شعره قوة طبع وشدة أسر ويكاد يكون الفذ في طبقته، مات نحو سنة ٣٠هـ. ٧ العارم: الخبيث النظر. ٨ شاعر مخضرم ومرثيته -في أبنائه الخمسة الذين هاجروا إلى مصر في عهد عثمان فماتوا في عام واحد- رائعة، وهو راوية ساعدة بن جؤبة الهذلي، وخرج مع عبد الله بن الزبير في غزوة فمات في خلافة عثمان "راجع ص١٩ المؤتلف، و١٥٤ الشعر والشعراء".
[ ٨٧ ]
وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع١
وقال أبو خرش الهذلي٢ "من الطويل":
أراد شجاع البطن قد تعلمينه وأوثر غيري من عيالك بالطعم٣
وقال لبيد٤ "من الكامل":
فبتلك إذا رقص اللوامع بالضحى واجتاب أردية السراب إكامها٥
وقال أيضًا "من الكامل":
وغداة ريح قد كشفت وقرة إذا أصبحت بيد الشمال زمامها٦
_________________
(١) ١ أنشبت: أعلقت، ونشب في الشيء: علق فيه. التميمة: عوذة تعلق على الإنسان. المنية: الموت. ألفى: وجد. ٢ شاعر مخضرم أدرك الجاهليةوالإسلام وأسلم يوم حنين، وقصيدته الضادية في الحماسة "٢٣٢/ ١". ٣ الشجاع: الثعبان، وشجاع البطن كناية عن ألم الجوع، وهو خرافة كانت تتحدث به العرب. ٤ لبيد بن ربيعة العامري أحد الشعراء الفرسان الأشراف الأجواد، وأحد أصحاب المعلقات، أسلم وترك الشعر، وسكن الكوفة وعمر طويلًا، وهو في شعره بدوي يصف حياة البادية والصحراء، وفيه جزالة وقوة غرابة واستقصاء للمعاني، وإشادة بنفسه وقومه، وفي شعره في كهولته حكمة وقوة شعور ديني، مات سنة ٤١هـ عن ١٥٧سنة. ٥ المعنى: أقضي حوائجي بتلك الناقة في وقت الحر الشديد. ورقصت لوامع السراب: أي تحركت، وهو كناية عن احتدام الهواجر، وكذلك قوله: لبست الأكام "جمع أكمة". أردية: "جمع رداء" من السراب. ٦ القرة: البرد. المعنى: كم من غداة تهب فيها الشمال -وهي أبرد الرياح- وبرد قد ملكت الشمال زمامه، قد كففت عادية البرد -الذي يلازمه الجدب- عن الناس بنحر الجزور وإطعام الطعام.
[ ٨٨ ]
وقال أوس بن مغراء١ يهجو بني عامر٢ "من الطويل":
يشيب على لؤم الفعال كبيرها٣ ويغذى بثدي اللؤم فيها وليدها
وقال مزرد٤ "من الطويل":
عسوف السرى خبازة في عشائها رءوس الأفاعي بين خف ومنسم٥
هو٦ ضربها بيدها، ومنه أخذ الخبز لإلصاقه بالتنور. وقال الأخطل٧ "من الطويل":
وأهجر هجرانًا جميلًا وينتحى لنا من ليالينا الأوائل أول٨
وقال جرير٩ "من الطويل":
_________________
(١) ١ شاعر جاهلي أدرك الإسلام. ٢ هم بنو عامر بن صعصعة من قيس عيلان. ٣ أنث الضمير لرجوعه على القبيلة. ٤ من غطفان واسمه يزيد، وهو أخو الشماخ، ولقب مزرد لبيت قاله، وهو طويل النفس في شعره، وفي شعره جزالة وجودة سبك وكثرة افتنان، وله قصيدتان في المفضليات. ٥ العسف: الأخذ على غير الطريق، والعسوف: الظلوم. خبازة: صيغة مبالغة من الخبز. العشاء: عدم الإبصار ليلًا والإبصار نهارًا. الأفاعي: الحيات. الخف: واحد أخفاف البعير. والمنسم: خف البعير. يصف ناقته بالجلد والقوة واحتمال آلام السير بالليل ورغم ظلامه وما يصاحب السائر فيه من ضعف البصر والتعرض للأذى. ٦ أي قوله: "خبازة". ٧ تغلبي نصراني، ولد في أوائل خلافة عمر، وكان شاعر عبد الملك بن مَرْوان السياسي، واشترك في ملحمة جرير والفرزدق، ومات سنة ٩٥هـ، ويمتاز بتنقيح الشعر وجودة المدح ووصف الخمر. ٨ نحا بصره عنه: عدله. ٩ من كليب من يربوع من تميم، ولد في خلافة عثمان باليمامة من أسرة شاعرة، ثم نظم القريض ونبغ فيه وهجا كثيرًا من الشعراء فأخملهم، وهاجى الفرزدق عشر سنين وهو مقيم باليمامة، ثم انحدر إلى البصرة مقيمًا بها، واتصل بولاة العراق ومات سنة ١٠٠هـ، وهو عميد الشعراء الإسلاميين، وشعره شعر الطبع المتدفق، وامتاز برقة النسيب وسطوة الهجاء وروعة المدح وبقوة شعره السياسي.
[ ٨٩ ]
لحقت وأصحابي على كل حرة مروح تباري الأخنسي المكاريا١
وقال المرار الفقعسي٢ "من البسيط":
والقوم قد طلحوا والعيس رازحة كأن أعينها نزح القوارير٣
وقال الفرزدق٤ "من الطويل":
ليغمز عزًا قد عسا عظم رأسه قراسية كالفحل يصرف بازله٥
ومن البديع والاستعارة من كلام المحدثين وأشعارهم قول مالك بن دينار٦:
_________________
(١) ١ ناقة حرة: أي كريمة. مروح: ذات نشاط في السير. تباري: تعارض. الخنساء: البقرة الوحشية، والخنس: الظباء والبقر. والمكاري: الذي يكرو في مشيته: أي يثب وثبًا. ٢ إسلامي كثير الشعر "١٧٦ المؤتلف، ٤٠٨ معجم الشعراء". ٣ طلح: أضناه السفر. العيس: الإبل يخالط بياضها شيء من الشقرة. رازحة: مجدة في السفر مهزولة منه، ورزحت الناقة: سقطت إعياء أو هزالًا. أعين: جمع عين. نزحت الدار: بعدت. القوارير: جمع قارورة؛ وهي حدقة العين. ٤ تميمي دارمي، ولد عام ١٤هـ بالبصرة، وهاجى جريرًا أكثر من نصف قرن، ومات عام ١١٠هـ، وفي شعره بعض غرابة وتعقيد، وقد ضمنه كثيرًا من أخبار العرب وشعرها، والهجاء والفخر والمدح هي الفنون التي غلبت عليه، وشعره في أسلوبه حصيف قوي الأسر. ٥ نسب قدامة البيت إلى المخبل "١٠٦ نقد الشعر". يغمز: يصيب ويطعن. عسا الشيء: يبس وصلب. القراسية: الضخم الشديد من الإبل أو البعير الأضجم والضجم اعوجاج في الفم كما يقول الجاحظ "٥٧/ ١ البيان" الفحل: معروف. البازل: الناب يطلع في سن التاسعة. يقول: عزنا قديم ثابت راسي الدعائم لا ينال منه الطاعن عليه منالًا. ٦ بصري عالم ناسك زاهد ورع محدث، توفي عام ١٣١هـ.
[ ٩٠ ]
القلب إذا لم يكن فيه فكرة خرب. ورأى المأمون١ بعض ولده في يده دفتر فقال: ما هذا يا بني؟ فقال: بعض ما يشحذ٢ الفطنة ويؤنس في الوَحْدَة، فقال المأمون: الحمد لله الذي أراني من ذريتي من ينظر بعين عقله.
وقال المنصور٣ لمحمد بن عمران التيمي٤ قاضي المدينة: بلغني أنك بخيل، قال: والله ما أجمد في حق ولا أذوب في باطل. وقال إسحاق بن ابراهيم الموصلي٥: حدثني أبو دلف٦ قال: دخلت على الرشيد٧ وهو في طارمة٨، وإذا بباب الطارمة شيخ جليل على طنفسة٩، فلما سلمت قال لي الرشيد: كيف أرضك؟ قلت: خراب يباب، خربها الأعراب والأكراد، فقال قائل: هذا آفة الجبل١٠ هو أفسده، فقلت: فأنا أصلحه، فقال الرشيد: وكيف ذاك؟ قلت: أفسدته وأنت عليَّ فأصلحه وأنت معي١١، فقال الشيخ
_________________
(١) ١ الخليفة العباسي المشهور، ولي الخلافة عام ١٩٨ ومات عام ٢١٨. ٢ شحذ السكين: حدها. ٣ ثاني خلفاء بني العباس، ولي الخلافة عام ١٣٦ ومات عام ١٥٨هـ. ٤ تجد بعض أخباره في الأغاني "١٥٢/ ١، ٩٠/ ٤، ٨٧/ ٦" وهو مدني من رجال العلم والفقه والفتيا بها على عهد المنصور، وتوفي في عهد المهدي، وله ابن يسمى عبد الله ولاه الرشيد قضاء المدينة ومكة ثم عزله ومات بالري عام ١٨٩هـ "٦١/ ١٠ تاريخ بغداد". ٥ علم في الغناء والموسيقى، وكان شاعرًا عالمًا أديبًا، ولد ومات ببغداد، ونادم كثيرًا من الخلفاء "١٥٥-٢٣٥هـ". ٦ قائد عباسي كان في جيش الرشيد، وقربه المأمون، وتوفي عام ٢٢٥هـ. ٧ الخليفة العباسي الخامس العظيم، ولي الخلافة عام ١٧٠هـ بعد أخيه الهادي بن المهدي، ومات بطوس سنة ١٩٣هـ. ٨ بيت من خشب فارس معرب. ٩ بالفتح والكسر واحدة الطنافس. ١٠ إقليم بين أذربيجان وعراق العرب. ١١ راجع: الرواية في زهر الآدب "١٣١، ١٣٢/ ١".
[ ٩١ ]
إن همته لترمي به من وراء نسه مرمى بعيدًا١، فسألت عنه فقيل لي: العباس بن الحسن العلوي٢. ووقع بين أحمد٣ بن يوسف وبين رجل شر بين يدي المأمون، فقال أحمد للمأمون: قد -والله- رأيته يا أمير المؤمنين يستملي عن عينيك ما يلفاني٤ به. وقال الرشيد وقد أنشده النمري٥ "من البسيط":
ما كنتُ أوفي شبابي كنه غرته حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع٦
وما خير الدنيا لا يخطر٧ فيها برداء الشباب. وكتب خالد بن برمك٨ إلى ابنه يحيى٩ لعمرو١٠ بن عثمان التيمي: عافانا الله وإياك من السوء برحمته، قد عرفت حال عمرو بن عثمان التيمي، وتقادم وده، وانخراطه في سلكنا، فتول
_________________
(١) ١ وكان أبو دلف في ذلك الوقت شابًّا، وهذه الجملة يسندها الحصري إلى الرشيد. ٢ هو العباس بن الحسن بن عبيد الله بن عباس بن علي بن أبي طالب، شريف هاشمي شاعر أديب، عاصر الرشيد والمأمون وقرباه لسنه وأدبه "١٣٠/ ١ زهر الآداب" وقد حرف ناشر زهر الآداب اسم والده فجعله الحسين، وفي الإمتاع والمؤانسة كلمة بليغة له "١٤٤، ١٤٥/ ٢". ٣ كاتب بليغ اشتهر في زمن المأمون، وله كتب ورسائل في نهاية البلاغة، وله ترجمة كبيرة في الأوراق للصولي قسم أخبار الشعراء "ص٢٠٦- ٢٣٦" ومات عام ٢١٣هـ. ٤ في الأصل: تلقاني. ٥ منصور النمري شاعر عباسي رقيق، مدح الرشيد وكان يتعصب للعلويين، وهو من فحولة الشعراء في عصر الرشيد، وكان تلميذ التعابي وراويته، وقربه العتابي من البلاط العباسي، ثم حدثت بينهما جفوة فتهاجيا، وشعره -كما يقول إسحاق الموصلي فيه- غريب المبنى قريب المعنى سهل الكلام صعب المرام سليم المتون كثير العيون "٦٥-٦٩/ ١٣ تاريخ بغداد". ٦ كنه الشيء: نهايته. الغرة: الغلفة وقلة التجربة. ٧ خطر الرجل: اهتز في مشيه وتبختر. ٨ من أسرة فارسية عريقة "٩٠-١٦٣هـ"، وزر للسفاح والمنصور "٣٥٨/ ٢ الخزانة تصحيح محيي الدين"، ومدحه بشار عام ١٥٨هـ وهو والٍ على الموصل. ٩ ابن خالد، ووالد الرشيد رضاعًا ومربيه ووزر للرشيد "١٢٠-١٩٠هـ". ١٠ من أنصار البرامكة، وكان قاضي البصرة في عهد المهدي، وله أخبار مع أبي نواس "ص٤/ ١٨ الأغاني"، وفيه يذكر اسمه عمر لا عمرو، ولعله تحريف.
[ ٩٢ ]
من أمره ما يشبهك أو يشبهه، فأمر له يحيى بألف ألف درهم. وقال إسحاق١: قلت للعباس بن الحسن٢: إني لأحبك، فقال: رائد٣ ذاك معي، وذكر له رجلًا فقال: دعني أتذوَّق فراقه، فهو والله لا تشجي٤ به النفس، ولا تكثر في أثره الالتفات. وكتبت إلى بعضهم: إنما قلبي نجى٥ ذكرك ولساني خادم شكرك.
وكتبت في بعض الكتاب: قد طالت علتك أو تعالك واشتد شوقنا إليك فعافاك الله مما بك من مرض في بدنك أو إخائك ولا أعدمناك. وقال عبد الله٦ بن إدريس قال: كان لي جار معتوه فقلت له يومًا: ما أجود الشعر؟ فقال: ما لم يحجبه عن القلب شيء، انظر إلى قوله "من الطويل":
ألا أيها النيام ويحكمو هبوا٧
وأنشده بصوت جهير، ثم قال: أعرابي استأذن على القلب فلم يؤذن له، ثم أنشد "من الطويل":
أسائلكم هل يقتل الرجل الحب٨
_________________
(١) ١ هو إسحاق الموصلي الذي مرت ترجمته. ٢ مرت ترجمته. ٣ الرائد: الذي يتقدم القوم في طلب الماء والكلأ. ٤ شجاه: حزنه، أشجاه: أغصه. وتذوقه: ذاقه مرة بعد مرة وشيئًا بعد شيء. ٥ النجي: الذي تساره واحدًا أو جماعة. ٦ كوفي محدث ورع أراد الرشيد أن يوليه القضاء فأبَى، مات عام ١٩٣هـ وهو غير ابن إدريس الشافعي م سنة ٢٠٤هـ. ٧ شطر بيت لجميل بين معمر العذري "وراجع ١٣، ١٤ الشعر والشعراء، وص١٣ من فصول التماثيل لابن المعتز، و٧/ ٤ العقد الفريد طبع القاهرة ١٩٢٨". ٨ عجز الشطر السابق وهو لجميل، والبيت تجده في الأمالي "٢٩٨/ ٢".
[ ٩٣ ]
بصوت لين، ثم قال: هذا مخنث استأذن على القلب فأذن له. وقال أبو عبد الله الزبيري١: ما سمع النبي -ﷺ- أحدًا يحمد الله إلا جاذبه الحمد. وقال عمر٢ بن عبد العزيز: وجبت حجة الله على ابن الأربعين، وأنشد "من الطويل":
إذا المرء وفى الأربعين ولم يكن له دون ما يأتي حياء ولا ستر
فدعه ولا تنفس عليه الذي مضى وإن مد أسباب الحياة له العمر٣
يقال: نفست بالشيء على فلان أنفس: إذا بخلت به عليه. وكان رجل من أهل أدب له أصحاب يشرب معهم وينادمهم فدعوه فلم يجبهم فقالوا: ما منعك؟ قال: دخلت البارحة في الأربعين، وأنا استحي من سني. وحج المهدي٤ فمر ببلاد بني جعفر٥، فقالت امرأة منهم: أي شرف وجمال لو أن الله دعمه٦ بأم جعفرية. وقال يحيى بن خالد: العقل خادم للجهل. وقال بعضهم في رسالة: وحصن الله وليه، وأوقع بأسه بجرثومة٧ الضلال، ومناخ٨ الشرك،
_________________
(١) ١ لعله أبو عبد الله الزبير بن بكار من أحفاد الزبير بن العوام، وكان عالمًا راوية ولي قضاء مكة وتوفي بها عام ٢٥٦هـ، ويقال لمصعب بن الزبير: الزبيري "١١٠/ ١٢ الأغاني، ١٥ الأوراق للصولي قسم أشعار أولاد الخلفاء ط ١٩٣٦" ومصعب مدني نسابة وهو عم الزبير بن بكار ومات عام ٢٣٦هـ. وقال في المرزباني: إنه كان شاعرًا راوية. ٢ الخليفة الأموي العادل المتوفَّى سنة ١٠١هـ. ٣ هما -كما في سر العربية للثعالبي- للأقيشر الأسدي، وهو أحد مجان الكوفة وشعرائهم، هجا عبد الملك ورثى مصعب بن الزبير "راجع: ٥٦ المؤتلف، ٣٦٩ معجم الشعراء"، وينسبان لأيمن بن خريم كما في الأمالي، وهما في البيان والتبيين "٢١٥/ ٣" مع تغيير في الرواية. ٤ الخليفة العباسي الثالث، ولي الخلافة بعد أبيه المنصور عام ١٥٨هـ وتوفي عام ١٦٩. ٥ هم بنو جعفر بن كلاب العامري، وبلادهم كانت بنجد. ٦ دعم الشيء: جعل له دعامة، والدعامة: أساس البيت. ٧ جرثومة الشيء: أصله. ٨ المناخ: موضع الإناخة والبرك.
[ ٩٤ ]
ومركز الظلم، بعد طول الإملاء١، وقلة المراقبة والارعواء٢. وقال آخر: الاستطالة٣ لسان الجهالة. وقال ذو الرياستين٤: الطب استدامة الصحة، ومرمة٥ السقم.
وكتب ابن مكرم٦ في تعزيته أحمد بن٧ دينار بأخيه: ليس لأهله وولده مرجع إلا غيرك، ولا مقيل٨ إلا في ظلك، فأنشدك الله فيهم؛ فإنه خربهم بعمارة مروّته٩. ولإبراهيم بن العباس١٠ في بعض كتبه: إن أحق من أشاد بنعمة، ناطقًا بلسان شكرها، من ألبس من نعمة أعز ملابسها، وحبى أفضل مواهبها، كتبت إليك وأمير المؤمنين من لين الطاعة، واتساق الكلمة، ممن في بلدانه وحواشي سلطانه، على ما يحمد الله عليه ويستزيده منه. وقال يحيى بن خالد: الشكر كفاء١١ النعمة، ولبعضهم: فأتيتك حين أنفد١٢ الصبر مدته، وبلغ المكروه غايته، ولم يبقَ من الستر إلا ما يشف دونه. ولبعضهم في رسالة:
_________________
(١) ١ الإملاء: الإمهال. ٢ الارعواء: الكف. ٣ الاستطالة: التطاول على الناس. ٤ هو الأفضل بن سهل وزير المأمون، ولي له الوزار وقيادة الجيش فلقب ذا الرياستين، مات مقتولًا عام ٢٠٢هـ. ٥ رم الشيء مرمة: أصلحه. ٦ محمد بن مكرم الكاتب، وله مع أبي العيناء أخبار مشهورة "٤٤٤ معجم الشعراء"، وتوفي نحو عام ٢٨٥هـ. ٧ من رجال الدولة العباسية وأعيانها، توفي نحو عام ٢٨٠. ٨ المقيل: النوم في الظهيرة. ٩ أي: مروءته، يريد: أن عائلهم كان جوادًا فلم يترك لهم مالًا مؤثرًا عمارة مروءته ولو كان فيها شقاء ذريته وإقتار أسرته. ١٠ الصولي الشاعر الكاتب البليغ، كان يلقب بكاتب العراق وتولى ديوان النفقات للمتوكل، وشعره مجموع في مجموعة الطرائف الأدبية، مات سنة ٢٤٣هـ. ١١ الكفء: النظير، وكفاه وكافأه: جزاه. ١٢ نفد الشيء: فَنِيَ، وأنفده: أفناه.
[ ٩٥ ]
إن شدة الحجاب تنغل١ أديم المودة. ودخل أبو سعيد٢ المخزومي على إسحاق بن ابراهيم المصعبي٣ فأنشده قصيدة، وكان حسن الإنشاد، ثم دخل بعده الطائي٤ فأنشده، وكان رديء الإنشاد، فقال المصعبي للطائي: لو رأيت المخزومي أنشدنا آنفًا!! فقال الطائي: أيها الأمير، نشيد المخزومي يطرق٥ بين يدي نشيدي. وحدثني أبو عبد الله٦ قال: قال الحسن٧ بن سهل: خرير الماء لحن العمارة٨. ولأعرابي في البرق "من الطويل":
إذا شيم أنف الليل أومض وسطه سنًا كابتسام العامرية٩ شاعف
وقال أبو نواس "من الكامل":
_________________
(١) ١ أنغل الأديم: أفسده في الدباغ. ٢ شاعر عباسي مقل مجيد، هجا دعبلًا ومدح المأمون وكان يعاصر أبا تمام "٢٦٠ معجم الشعراء" وقد حرف في المعجم إلى أبي سعد، ونعته الجاحظ في البيان بأنه دعي بني مخزوم "١٤٣/ ٣". ٣ من بني مخزوم صاحب شرطة بغداد أيام المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل، مات عام ٢٣٥. ٤ هو أبو تمام الشاعر م١٢٣هـ. ٥ طرقت القطاة: حان خروج بيضها، وطرق فلان بحقي: جحده ثم أقرَّ به، وطرق الإبل: حبسها عن الكلأ، وطرق لها: جعل لها طريقًا. ٦ هو محمد بن داود الجراح الكاتب العالم، عمه علي بن عيسى الوزير، وكان صديق ابن المعتز، وكان له رغبة في أن يلي ابن المعتز الخلافة، وولى له الوزارة لما تقلدها، ولما فشلت حركة ابن المعتز قبض عليهما ولقيا حتفهما عام ٢٩٦هـ، وله كتاب في الشعر والشعراء، وله ترجمة في تاريخ بغداد "٢٥٥/ ٥"، وكان ميلاده سنة ٢٤٣هـ. ٧ وزير المأمون وصهره "أبو زوجه بوران"، توفي عام ٢٣٦هـ، ولبثت بوران بعد المأمون مدة طويلة وتوفيت عام ٢٧١هـ، وقد روى صاحب العقد قصة زواج المأمون بها، وهي أسطورة أدبية رائعة. ٨ يريد أن الماء بشير بالخصب والعمران والرخاء. ٩ شام البرق: نظر إلى سحابته أين تمطر. أنف الليل: أوله. وسط: ظرف. السنا: الضوء. والعامرية: محبوبته. شعفه الحب: أحرق قلبه أو أمرضه.
[ ٩٦ ]
صهباء تفترس العقول فما ترى منها بهنّ سوى السبات جراحا١
وقال آخر "من الكامل":
أما الطلول فمخبرا ت أنهم ظعنوا قريبا
أخذتني الأحزان حيـ ـن وقفت فيها والكروبا
فتركن في قلبي الندوبا وزرعن في رأسي المشيبا٢
وقال أبو الشيص٣ "من الخفيف":
ربع دار مدرس العرصات وطلول ممحوة الآيات
خفق الدهر فوقها بجناحيـ ـن مريشين بالبلى والشتات٤
وقال سليمان٥ بن أبي الجنوب بن مَرْوان بن أبي حفصة "من الكامل":
يتبعن جاهلة الزمام كأنها إحدى القناطر وهي حرف ضامر٦
_________________
(١) ١ الصهباء: الخمر. السبات: النوم وأصله الراحة. والجراح: جمع جرح. ٢ الطلول: ما شخص من آثار الديار. ظعنوا: رحلوا. أحذاه: أعطاه. الندب: أثر الجرح الباقي على الجلد، جمعه ندوب، ويروى: في قلبي بدل رأسي. ٣ هو محمد بن رزين الخزاعي، ابن عم دعبل، عاصر الرشيد، شاعر مطبوع سريع الخاطر رقيق اللفظ عاصره أبو نواس ومسلم وقتل عام ١٩٦هـ "١٠٤/ ١٥ الأغاني" وتهاجى هو ومسلم، وكان لأبي الشيص طبع ولمسلم إدمان "١٤٧/ ٢ شرح الحماسة". ٤ درس الرسم: عفا، ودرس مضعف درس. الربع: الدار. العرصة: كل بقعة بين الدور واسعة ليس فيها بناء. الطلل: ما شخص من آثار الديار. محا الشيء فهو ممحو. الآية: العلامة. خفقت الراية: اضطربت. راش السهم: ألزق عليه الريش فهو مريش. البلى: مصدر بلي أي: خَلُقَ. الشتات: التفرق. ٥ شاعر عاصر المتوكل، جده مَرْوان شاعر المهدي، ووالده شاعر أيضًا "راجع: ٥٠٠ معجم الشعراء، ٣٠٢ الموشح". ٦ الضمير في: يتبعن للإبل. زمام البعير: خطامه، وجاهلة الزمام: كناية عن مرحها في السير. القناطر: جمع قنطرة وهي الجسر. ضامر: هزيل خفيف اللحم. الحرف: الناقة التي هزلها طول السفر.
[ ٩٧ ]
وقال أبو نواس "من الكامل":
في مجلس ضحك السرور به عن ناجذيه وحلت الخمر١
وقال مسلم "من الطويل":
فأقسمت أنسى الداعيات إلى الصبا وقد فاجأتها العين والستر واقع
قطفت بأيديها ثمار نحورها كأيدي الأسارى أثقلتها الجوامع٢
وقال أشجع٣ "من الطويل":
وجارية لم تسرق الشمس نظرة إليها، ولم يعبث بأيامها الدهر٤
وقال العتابي٥ "من الطويل":
ومعضلة قام الربيع٦ إزاءها ليعمد ركن الدين لما تهدما
غداة عدة الملك شاحذة المدى عليه وغلو الحرب فاغرة فما٧
_________________
(١) ١ الناجذ: آخر الأضراس. ٢ الجوامع: جمع جامعة وهي الغل. أنسى: أي لا أنسى بحذف لا. وقع الستر: سقط. الأسارى: جمع أسير. ٣ هو أبو الوليد أشجع السلمي، شاعر فحل عاصر بشارًا، ولد باليمامة ونشأ بالبصرة واتصل بجعفر البرمكي فقربه من الرشيد، وله ترجمة طويلة في الأوراق. قسم أخبار الشعراء "ص٧٤-١٣٧ ط ١٩٣٤ بالقاهرة" وتوفي عام ١٩٥هـ. ٤ لم تسرق الشمس نظرة إليها: كناية عن لزومها الخدر لترفهها ونعمتها. ٥ كلثوم بن عمرو التغلبي العتابي، كاتب بليغ وشاعر مجيد، مدح الرشيد، وتوفي عام ٢٢٠هـ، وكان منصور النمري راويته وتلميذه "١٢/ ٤٨٨ تاريخ بغداد"، وكان يجمع بين الخطابة والشعر الجيد والرسائل الفاخرة مع البيان الحسن، وعلى نهجه في البديع يقول جميع من يتكلف ذلك من المولدين "١/ ٥٤ البيان والتبيين". ٦ يمدح الفضل بن الربيع بن يونس م٢٠٨هـ، وكان وزير الرشيد بعد البرامكة ثم وزير الأمين وصاحب تدبيره، وينوه في ذلك المدح بوالده الربيع بن يونس العدو اللدود للبرامكة المتوفَّى عام ١٧٠هـ. ٧ الأبيات في زهر الآداب "٢٥٠، ٢٥١ ج٢". المعضلات: الشدائد. عمد الشيء: أقامه بعماد يعتمد عليه. شحذ السكين: حدها. المدى: جمع مدية وهي الشفرة. فغر فمه: فتحه.
[ ٩٨ ]
وقال "من البسيط":
إن البرامك لا تنفك أنجية بصفحة الدين من نجواهم ندب
تجرمت حجج عشر ومنصلهم مضرج بدم الإسلام مختضب١
وقال "من الطويل":
ومن فوق أكوار المطايا لبانة أحل لها أكل الذرى والغوارب
فتى ظفرت منه الليالي بزلةٍ فأقلعْن عنه داميات المخالب٢
وقال "من الكامل":
ناهضتُّ بالحسنِ بن عمران العلا وتنبهت لذكائه آمالي
سكتاته عدة وفي نطقاته تفريق بين قرائن الأموال
لما لجأت إلى ذراك وأشرفت عنق من الحدثان قلت نزال٣
وقال النمري للرشيد "من الوافر":
مننت علي ابن عبد الله٤ يحيى وكان من الحتوف على شفير
_________________
(١) ١ أنجية: جمع نجي وهو الذي تساره. الندب: الجرح. تجرم: انقضى. حِجَج: جمع حِجة أي سنة. المنصل: السيف. مضرج: ملطخ بالدم، يرمي البرامكة بالكيد للإسلام والعمل على القضاء عليه، والأبيات في زهر الآداب "٣٩/ ٣". ٢ أكوار: جمع كور وهو الرحل، لبانة: حاجة، أحل: في الأصل بالبناء للمفعول، ولا معنى لها؛ بل هي بالبناء للفاعل وفاعلها هو قوله: "فتى"، و"أكل" مفعولها، وأحل -أي أباح- للأكوار أكل الذرى والغوارب من هذه المطايا، كناية عن هزله لها بكثرة السفر. ذرى الشيء: أعاليه. الغارب: ما بين السنام إلى العنق. دُمي الشيء: تلوث بالدم. ٣ ناهضت: ساميت. سكتات: جمع سكتة أي سكوت. نطقات: جمع نطق. عدة: أي وعد بالعطاء. قرن بين الشيئين قرانًا: جمع بينهما، والقرين: الصاحب، وقرينة الرجل: امرأته. والذرى بالفتح: الملجأ. أشرفت: تطلعت. عنق من الحدثان: طائفة منها أو أوائلها، والحدثان والحادثة بمعنى، وفي الأصل ذراك بالضم، وهو خطأ. ٤ هو حفيد الحسن بن علي بن أبي طالب ثار على الرشيد ببلاد الديلم عام ١٧٦، فجهز إليه الرشيد الفضل على رأس جيش، فطلب الأمان من الرشيد وحضر يحيى العلوي إلى بغداد فأكرمه الرشيد ثم حبسه حتى مات في الحبس "أبو الفداء، ٣٠٨ مقاتل الطالبيين".
[ ٩٩ ]
وقد سخطت بسخطتك المنايا فظلت وهي١ حائمة النسور
لهم رخم تصوركم عليهم وتكسر عنكم حمة النكير٢
وقال يصف بغداد "من البسيط":
تحيا النفوس إذا أرواحها نفحت وحرشت بين أوراق الرياحين٣
وقال العباس بن الأحنف٤ "من البسيط":
قد سحب الناس أذيال الظنون بنا وفرق الناس فينا قولهم فرقا٥
فكاذب قد رمى بالظن غيركم وصادق ليس يدري أنه صدقًا
وقال محمود٦ الوراق "من الوافر":
أإن ناصى٧ سواد الرأس شيب فزعت إلى التعلل بالخضاب
ألم تعلم وفرط الجهل أولى بمثلك أنه كفن الشباب
وقال أشجع من "الطويل":
_________________
(١) ١ في الأصل: فهي. ٢ الحتوف: جمع حتف وهو الموت، شفير الشيء: حرفه، السخطة: الغضب، حام حول الشيء: دار، حمة العقرب: سمها وضرها، والمراد بحمة النكير شدة لذعه. ٣ الأرواح جمع ريح، نفحت: هبت، التحريش: الإغراء، وفي تاريخ بغداد قالت زبيدة للنمري: قل شعرًا تحبب بغداد فيه إلى الرشيد؛ فقد اختار عليها الرقة، فقال أبياتًا منها هذا البيت فأعطته ألفي دينار. ٤ شاعر غزل ظريف، نشأ في بغداد في نعمة ولم يصطنع المدح، وتوفر على الغزل في محبوبته فوز، مات عام ١٩٢. ٥ سحب: مضعف سحب بمعنى جر، قال الصولي: سمعت عبد الله بن المعتز يقول: "لو قيل لي: ما أحسن شيء تعرفه؟ لقلت: شعر العباس بن الأحنف: قد سحب الناس إلخ". ٦ شاعر أكثر شعره في المواعظ والحِكَم، توفي نحو عام ٢٣٠هـ. ٧ أي: قبض على ناصيته والمراد خالط.
[ ١٠٠ ]
تعض بأنياب المنايا سيوفه وتشرب من أخلاف كل وريد١
وقال بشّار "من الكامل":
تبعث عطاياه مواهبه كالسيل متبعًا قفا مطره٢
وقال "من المتقارب":
صببت هواك على قلبه فضاق وأعلن ما قد كُتم
وبيضاء يضحك ماء الشبا ب في وجهها لك أو يبتسم
ألا أيها السائلي جاهلًا ليعرفني أنا أنف الكرم٣
نمت في الكرام بني عامر فروعي وأصلي قريش العجم
وقال "من الوافر":
شربنا من فؤاد الدن حتى تركنا الدن ليس له فؤاد
وقال محمد٤ بن احمد من ولد طباطبا العلوي الإصفهاني "من المنسرح":
رُبَّ نهار أمست أصائله ترشف من شمسه صبابات٥
وقال محمد٦ بن يزيد -من ولد مسلمة بن عبد الملك- يصف فرسه "من الكامل":
_________________
(١) ١ أنياب: جمع ناب، الأخلاف: جمع خلف، هو حلمة ضرع الناقة، أو هو للناقة كالضرع للشاة، الوريد: عرق من الوتين؛ وهما وريدان غليظان في جانبي العنق. ٢ القفا: مؤخر العنق، والمراد أواخر المطر. ٣ استعارة، يشير إلى أنه موضع العزة والمنعة والسيادة. ٤ هو محمد بن أحمد بن إبراهيم طباطبا العلوي الحسني شاعر أديب عالم، ولد ومات بأصبهان عام ٣٢٢هـ "راجع: ٤٦٣ معجم الشعراء، ٢٦٥/ ٦ معجم الأدباء". ٥ الأصائل: جمع أصيل وهو ما بعد العصر إلى المغرب، الرشف: المص، الصبابة: بقية الماء في الإناء. ٦ شاعر محسن مكثر مدح المأمون "٤١٩ معجم الشعراء".
[ ١٠١ ]
عودته فيما أزور حبائبي إهماله وكذاك كل مخاطر
فإذا احتبى قربوسه بعِنَانه علك الشكيم إلى انصراف الزائر١
وقال أبو العتاهية٢ "من المديد":
راكب الأيام يجري عليها وله منهن يوم حرون٣
وقال أبو نواس السابق في ميدان الشعراء "من الرجز":
يغتال خزان الصحارى الرقطا
يلقين منه حاكمًا مُشتطا
للعظم حطمًا والأديم عطا٤
وقال "من الكامل":
عرم الزمان على الذين عهدتهم بك قاطنين وللزمان عرام٥
وقال "من الخفيف":
إسقني الراح٦ في شباب النهار وانف همي بالخدريس العقار
_________________
(١) ١ الضمير في عودته لفرسه، الحبائب: جمع حبيبة، المخاطِر: الذي لا يبالي النتائج، القربوس: هو مقدم السرج، العلك: المضغ، الشكيم: الحديدة المعترضة في فم الفرس، وأراد بالزائر نفسه، يقول: قد رضت فرسي على الأدب الحميد وعودته الإهمال والترك عند زيارة الأحبة وعند فعل كل أمر خطير، فإذا نزلت عنه وألقيت لجامه في مقدم سرجه وقف مكانه كالمنتظر لربه لا يبرح ذلك المكان حتى أعود إليه. ٢ نشأ بالكوفة وعالج الشعر فتى ونبغ فيه وألم بمذاهب المتكلمين والفلاسفة والزهاد، وامتاز بالسهولة والوضوح والطبع، ومات عام ٢١١هـ. ٣ فرس حرون: أي لا ينقاد. ٤ يصف فرسه بقوة السير وشدة الأبد، والاغتيال: الافتراس من حيث لا يشعر، الخزان بالكسر: الذكور من الأرانب، الرقط: جمع رقطاء وهي ما بها سواد يشوبه نقط بياض، الاشتطاط: الجور، الحطم: مصدر حطمه أي كسره، الأديم: الجلد، العط مصدر عط الثوب أي شقه بلا بينونة، وعط فلانًا صرعه وغلبه. ٥ العرام: الحدة والشدة، وعرام الزمان: ما فيه من شراسة وأذى، قاطنين: مقيمين. ٦ من أسماء الخمر، والأبيات في ٤٣/ ٢ ديوان ابن المعتز، وجلا العروس: يجلوها. القطر: المطر، نثره فانتثر والاسم النثار بالكسر.
[ ١٠٢ ]
فكأن الربيع يجلو عروسًا وكأنَّا من قطره في نثار
وقال أبو الشيص "من الطويل":
سقاني بها والليل قد شاب رأسه غزال بحناء الزجاجة مختضب١
وقال الخريمي٢ يذكر الإبل "من الطويل":
وكم خبطت من٣ فحمة لدُجُنة وحمرة وهاج من الصيف جاحم٤
وقال أبو نواس "من الكامل":
عين الخليفة بي موكلة عقد الحذار بطرفها طرفي
صحت علانيتي له وأرى دين الضمير له على حرف
فلئن وعدتك تركها عدة إني عليك لخائف خلفي
سلبوا قناع الطين عن رمق حي الحياة مشارف الحتف
فتنفست في البيت إذ مُزجت كتنفس الريحان في الأنف٥
وقال٦ في الفرس "من الكامل":
_________________
(١) ١ الحناء: معروف، واختضب بها فهو مختضب. ٢ شاعر عباسي مجيد، اسمه أبو يعقوب إسحاق بن حسان، وهو حسن الديباجة جيد المعاني. ٣ في الأصل: عن. ٤ خبط البعير الأرض بيده: ضربها، الفحمة: الظلمة، والدجنة من الغيم المطبق أو المظلم الذي ليس فيه مطر، والدجنة: الظلمة، الحمرة: الحصاة، ويروى: وجمرة، الوهج: حر النار، الجاحم: الشديد القيظ والحرارة. ٥ الحذار: المحاذرة، الطرف: العين، القناع: الغطاء، الرمق: بقية الروح، الحياة: ضد الموت، والحي: ضد الميت، مشارف: مقارب، الحتف: الهلاك، تنفس الصبح: تبلج، مزجت: صب عليها الماء. ٦ وينسب البيت لرؤبة.
[ ١٠٣ ]
يبني العجاج على مفارقه بمقعب لم يعد أن وقحا١
وقال العلوي الإصفهاني ابن طباطبا٢ "من الخفيف":
صدف شق على لآلئ در أم كتاب قد فض عن نظم شعر؟
وقواف مقومات لدى الأبيـ ـات موزونة بقسطاس٣ فكر
وقال الطائي "من الكامل":
مطر يذوب الصحو منه وبعده صحو يكاد من النضارة يمطر٤
وقال "من البسيط":
أمطرتهم عزمات لو رميت بها يوم الكريهة ركن الدهر لانهدما
حتى انتهكت بحد السيف هامهم جزاء ما انتهكوا من قبلك الحرما٥
وقال يخاطب منزلًا "من الكامل":
يا منزلًا أعطى الحوادث حكمها لا مطل في عدة ولا تسويفا
أرسى بناديك الندى وتنفست نفسًا بعقوتك الرياح ضعيفا
ولئن ثوى بك ملقيًا بجرانه ضيف الخطوب لقد أصاب مضيفا٦
_________________
(١) ١ العجاج: الغبار، المفرق: وسط الرأس، وهو الموضع الذي يفرق فيه الشعر، التقعيب: أن يكون الحافر مقببًا، توقيح الحافر: تصليبه بالشحم المذاب. ٢ شاعر عالم أديب، توفي عام ٣٢٢هـ. ٣ صدف الدرة: هو غشاؤها، اللؤلؤة: الدرة والجمع لآلئ، قوم الشيء تقويمًا فهو قويم أي مستقيم، القسطاس: الميزان. ٤ الصحو: ذَهَاب الغيم. النضارة: الحسن والرونق. ٥ نهكه السلطان عقوبة: أي بالغ في عقوبته، وانتهك الحرمة: تناولها بما لا يحل، الهام: الرءوس، الحرم: جمع حرمة، وهي ما لا يحل انتهاكها. ٦ أرست السفينة ورست: وقفت في مرساها. النادي: مجلس القوم ومتحدثهم. الندى: الجود. العقوة: ما حول الدار والمحلة. ثوى: أقام. الجران: مقدم عنق البعير. المضيف: صاحب الضيف، وأضاف الرجل: أنزله به، وضافه: نزل عليه.
[ ١٠٤ ]
المعنى: أنه أصاب موضعًا يضيف إليه فيه أي: يميل إليه؛ لأن أهله قد فارقوه، ومضيف محال؛ لأن البلد لا يضيف، ولأن الزمان لا يحتاج؛ وإنما المعنى أن الزمان مال عليك فأصاب موضع محل ومنزل.
وقال "من الكامل":
يا سهم كيف يفيق من سكر الهوى حران يصبح بالفراق ويغبق
عمري لقد نصح الزمان وإنه لمن العجائب ناصح لا يُشفق١
نصح الزمان: أي أدبك بما يريك من غيره واختلافه، والزمان لا يشفق على أحد؛ لأنه يأتي على الإنسان بما يقضي عليه، فقال: "من العجائب أن ينصحك الدهر وهو لا يشفق".
وقال "من الطويل":
كلوا الصبر غضًا واشربوه فإنكم أثرتم بعير الظلم والظلم بارك
من يأتك المقدار لا تك٢ هالكًا ولكن زمان غال مثلك هالك٣
وقال العباس بن الأحنف "من البسيط":
ولي جفون جفاها النوم فاتصلت أعجاز دمع بأعناق الدم والسرب٤
وهذا وأمثاله من الاستعارة مما عُيب من الشعر والكلام؛ وإنما نخبر بالقليل ليُعرف فيتُجنب.
قال المهلب٥ لرجل من الأزد: متى أنت؟ قال: أكلت من
_________________
(١) ١ الصبوح: الشراب بالغداة، ضد الغبوق وهو الشراب بالعشي. ٢ في رواية: لا تدع. ٣ أثار الشيء: أنهضه من مقامه. برك البعير: أي أناخ. المقدار: القدر. غال الشيء: اغتاله. ٤ أعجاز: جمع عجز وهو مؤخر الشيء. العنق: جمعها أعناق وهي أول الشيء؛ لأن العنق من أول ما يرى من الإنسان. دم سرب: أي سائل متدفق. ٥ سيد أهل العراق نشأ بالبصرة وولى إمارتها لمصعب وصمد لقتال الأزارقة تسعة عشر عامًا، وولي خراسان عام ٧٩هـ، ومات فيها عام ٨٣هـ.
[ ١٠٥ ]
حياة رسول الله -ﷺ- سنتين، فقال: أطعمك الله لحمك. وقال عبيد الله١ بن زياد يومًا وكانت فيه لُكنه: افتحوا سيفي٢، يريد: سلوه، فقال يزيد٣ بن مفرغ "من الوافر":
ويوم فتحت سيفك من بعيد أضعت وكل أمرك للضياع٤
وقال عبيد الله أيضًا لسويد٥ بن منجوف: اقعُد على است الأرض، فقال سويد: ما أعلم أن للأرض استًا٦.
وقال الجاحظ٧: رأى قوم مع رجل خفًّا فقالوا: ما هذا؟ فقال: قلنسوة، فضحكوا منه، فقال عياض٨: صدق، هذه قلنسوة الرجل.
وقال بعضهم٩ في يوم مطر شديد: قد انقطع شريان الغمام.
وقال بعض أهل زماننا في مخاطبته لصاحبه: يا إمام الخطباء، ويا عنصر١٠ الخلصاء، ومولى الأدباء.
ولعلي بن عاصم العبدي١١ الإصفهاني "من الكامل":
_________________
(١) ١ هو ابن زياد بن أبيه، ولي بعد أبيه العراق، وقتل في حرب المختار الثقفي عام ٦٧هـ. ٢ ذعر بأصوات طير فخالها صوت الأعداء فقال ذلك. ٣ شاعرمحسن، له أهاج كثيرة في زياد وابنه، وتوفي عام ٧١هـ. ٤ ضاع الشيء: هلك. والإضاعة والتضييع بمعنى. ٥ ابن عم ابن ظبيان التيمي العائشي الخطيب الفاتك "٢١٣/ ١ البيان والتبيين" وانضم لمصعب بن الزبير وكان من رجاله "١/ ١٣٤ الحيوان، نشر مطبعة الحلبي" وهجاه الأخطل "١٩ موازنة، ٧/ ١٤٧ أغاني". ٦ راجع الرواية مفصلة في البيان "١٥٥، ١٥٦/ ١". ٧ أبو عمرو عثمان بن بحر الجاحظ، إمام البيان العربي وشيخ الأدباء ورئيس المؤلفين وزعيم من زعماء المعتزلة، توفي عام ٢٥٥هـ. ٨ ربما كان هو عياض المدني الشاعر "٢٦٩ معجم الشعراء". ٩ هو جحظة البرمكي الأديب الشاعر الراوية المتصرف في كثير من فنون العلم ونادم ابن المعتز والمعتمد "٢٢٤-٣٢٤هـ" وراجع هذه الرواية في معجم الأدباء نشر فريد رفاعي "٢٦٣، ٢٦٤/ ٢"، وهذا من كتاب بعث به جحظة إلى ابن المعتز. ١٠ العنصر: الأصل. ١١ شاعر جبلي متكلف "٩١ المؤتلف".
[ ١٠٦ ]
زُم العزاء غداة زم جِمالهم فحدا الحداةُ به مع الأجمال
والحادثات متى فغرن بغُصتي لقمتهنّ شجًا بوخد جمال١
وقال آخر "من الطويل":
خطوب المنايا صرحت عن مواهب مواهب أجر من نتاج المصائب٢
وقال الطائي "من الخفيف":
فضربت الشتاء في أخدعيه ضربة غادرته عودًا ركوبًا٣
ومن عجيب هذا الباب قول الكميت٤ "من الطويل":
ولما رأيت الدهر يقلب ظهره على بطنه فعل الممعك في الرمل
كما طعنت عنا قضاعة طعنة هي الجد مأدوم النحيزة بالهزل٥
_________________
(١) ١ زم البعير: خطمه. والمراد أن صبره ذهب برحيل أحبابه. والحدو: سوق الإبل والغناء لها، الأجمال: جمع جمل، فغر فمه: فتحه. الغصة: الشجا. اللقم: الابتلاع. الشجا: ما ينشب في الحلق من عظم وغيره. الوخد: ضرب من السير. ٢ المواهب: جمع موهبة، وهي الاسم من وهب. نتجت الناقة بالبناء للمفعول: حان نتاجها. ٣ الأخدعان: عرقان في صفحتي العنق. العود: الجمل المسن. ٤ أسدي شاعر متشيع مكثر مجيد، توفي عام ١٢٦هـ. ٥ الْمَعْكُ: اللَّيُّ، وتمعكمت الدابة: تمرغت، ومعكها صاحبها، مأدوم: من أدم الخبز باللحم، والإدام: ما يؤتدم به، النحيزة: الطبيعة.
[ ١٠٧ ]