قال الخليل ﵀: "طابقت بين الشيئين: إذا جمعتهما على حذو٢ واحد". وكذلك قال أبو سعيد. فالقائل لصاحبه: أتيناك لتسلك بنا سبيل التوسع فأدخلتنا في ضيق الضمان٣، قد طابق بين السَّعَة والضيق في هذا الخطاب. وقال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ٤. وقال رسول الله -ﷺ- للأنصار: "إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع"٥. وقال عيسى بن طلحة٦ لعروة بن الزبير٧ حين ابتلي في رجله: إن ذهب
_________________
(١) ١ يسميها قدامة في نقد الشعر: "التكافؤ" "ص٨٥"، وقد نقل العسكري في الصناعتين جميع ما كتبه ابن المعتز في الطباق ولم يزد عليه إلا القليل "٢٩٧ وما بعدها"، قال أبو هلال: المطابقة في الكلام الجمع بين الشيء وضده في جزء من أجزاء الرسالة والخطبة أو البيت من بيوت القصيدة مثل: الجمع بين البياض والسواد والليل والنهار والحر والبرد، وخالفهم قدامة فقال: المطابقة إيراد لفظتين متشابهتين في البناء والصيغة مختلفتين في المعنى؛ كقول زياد الأعجم: ونبئتهم يستنصرون بكاهل وللؤم فيهم كاهل وسنام وسمى الجنس الأول التكافؤ، وأهل الصنعة يسمون النوع الذي سماه المطابقة التعطف إلخ، وقريب من ذلك في إعجاز القرآن للباقلاني "ص٧٩". وراجع باب المطابقة في العمدة الذي تأثر فيه ابن رشيق بمن سبقه من العلماء وخاصة ابن المعتز "ص٥ ج٢ العمدة، طبعة ١٩٣٤". وثعلب يسمي المطابقة مجاورة الأضداد "٢٤ قواعد الشعر، طبع ليدن". ٢ حذا النعل بالنعل: قدر كل واحدة منها على صاحبتها. ٣ ضمن الشيء ضمانًا: تكفل به. ٤ سورة البقرة، آية: ١٧٩. ٥ في صفحة ٣ من الكامل للمبرد شرح وافٍ للحديث. ٦ هو عيسى بن طلحة بن عبد الله ناسك جيد الكلام، وفد على عبد الملك وكلمه في عزل الحجاج فعزله، وتوفي سنة ١٠١هـ. ٧ عروة هو أحد الفقهاء السبعة، ولد بالمدينة سنة ٣٢هـ، وقدم إلى مصر، وأقام بها سبع سنين، ثم عاد إلى المدينة، وتوفي فيها عام ٩٣.
[ ١٢٤ ]
أهونك علينا فقد بقى أعزك علينا، فطابق -كما ترى- بين العز والهوان١.
وقال أدد٢ بن مالك بن زيد بن كهلان وهو من طيئ في وصيته لولده: لا تكونوا كالجراد٣، أكل ما وجد، وأكله مَن وجده. وقيل لابن عمر٤ ﵁: ترك فلان مائة ألف، فقال: لكنها لا تتركه. وقال الحجاج في خطبته: إن الله كفانا مئونة الدنيا، وأمرنا بطلب الآخرة، فليت الله كفانا مئونة الآخرة وأمرنا بطلب الدنيا. وقال: من العمل ما هو ترك للعمل، ومن ترك العمل ما هو عمل.
ومن المطابقة قول الحسن٥ المشهور: ما رأيت يقينًا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت٦. وقال الوليد بن عتبة بن أبي سفيان٧ للحسين٨ وهو والي المدينة في بعض منازعاتهم: ليس طول حلمنا عنك لا يدعو جهل غيرنا إليك. وقال أبو الدرداء٩: معروف زماننا منكر زمان قد فات، ومنكره معروف زمان لم يأتِ. وقال الحسن -﵁- وقد أُنكر عليه الإفراط في تخويف الناس: إن
_________________
(١) ١ في البيان "ج٢ ص٦٣ طبعة سنة ١٩٢٧" الرواية تفصيلًا مع بعض تغيير، وفي صفحة ٢١١/ ٢ يرويها الجاحظ برواية أخرى وهي: قال عيسى لعروة حين ابتلي برجله فقطعها: يا أبا عبد الله، ذهب أهونك علينا وبقي أكثرك لنا. ٢ جاهلي قديم، وكان رئيس قومه. ٣ يضرب به المثل في التفرق والانتشار. ٤ صحابي جليل آثر البعد عن ضجيج الحياة وشغب الفتنة وورث عن والده الفاروق الخلق والدين، وكان فقيهًا ومحدثًا، وتوفي بالمدينة عام ٧٣هـ. ٥ هو الحسن البصري الإمام الزاهد الواعظ، المتوفى سنة ١١٠هـ، وولد في خلافة عمر. ٦ وفي رواية للجاحظ: من أمر نحن فيه، بدل من الموت "٩٧/ ٣ بيان". ٧ سيد شريف من قريش في الصميم، وكان من أسرة بني أمية، وولاه معاوية المدينة، وتوفي بعد منتصف القرن الأول. ٨ سبط رسول الله وابن فاطمة الزَّهْرَاء، وقتل عام ٦٣ في عهد يزيد بن معاوية. ٩ صحابي جليل، وولي قضاء دمشق لمعاوية بأمر الفاروق، مات سنة ٣٢هـ.
[ ١٢٥ ]
من خوفك حتى تبلغ الأمن خير ممن آمنك حتى تبلغ الخوف١. ولما حضر بشر بن منصور٢ الموت فرح، فقيل له: أتفرح بالموت؟ فقال: أتجعلون قدومي على خالق أرجوه كمقامي مع مخلوق أخافه.
وقال عمر: إذا أنا لم أعلم ما لم أرَ فلا علمت ما رأيت. وقال مسلمة٣ بن عبد الملك: ما حمدت نفسي على ظفر ابتدأته بعجز، ولا لمتها على مكروه ابتدأته بحزم. وقال٤: الغنى في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة.
وقال ابن عباس: كم من أذنب وهو يضحك دخل النار وهو يبكي، وكم من أذنب وهو يبكي دخل الجنة وهو يضحك. وقال أعرابي لرجل: إن فلانًا وإن ضحك لك فإنه يضحك منك، فإن لم تتخذه عدوًا في علانيتك فلا تجعله صديقًا في سريرتك. وقال علي ﵁: إن أعظم الذنوب ما صغر عند صاحبه. وقال الحسن: كثرة النظر إلى الباطل تذهب بمعرفة الحق من القلب.
وشتم رجل الشعبي٥ فقال له: إن كنت كاذبًا فغفر الله لك، وإن كنت صادقًا فغفر الله لي٦. وأوصى يزيد بن معاوية٧ غلامًا فقال: اعلم أن الظن إذا أخلف فيك
_________________
(١) ١ في البيان ٩٧/ ٣: وقال الحسن للمغيرة بن مخارش التميمي إلخ، ومن جيد الطباق قول أبي بكر لخالد: احرص على الموت تُوهَبْ لك الحياة. ٢ ناسك صالح ورع من جلة رجال العصر الإسلامي الأول. ٣ أمير قائد أموي له فتوحات مشهورة، وكان شجاعًا خطيبًا وبارع اللسان جوادًا ولم يكن في ولد عبد الملك مثله "١١٤/ ٣ بيان". ٤ وتنسب هذه الحكمة لأرسطو، ولبعض الشعراء: الفقر في أوطاننا غربة والمال في الغربة أوطان "٢٠٣ رسالة الغفران، طبعة ١٩٠٣ بمصر". ٥ راوية يضرب المثل بحفظه، ولد ونشأ ومات بالكوفة سنة ١٠٣، وكان نديم عبد الملك بن مروان، وتقدمت له ترجمة. ٦ راجع هذه الرواية في البيان ٦٩/ ٢، والكامل ١٩٠ الطبعة القديمة. ٧ الخليفة الأموي الثاني، توفي سنة ٦٤ بعد أن مكث في الخلافة ثلاث سنين ونصف. وفي البيان ١١٩، ١٢٠/ ٢ نسبتها لمعاوية، وفي رواية الجاحظ: إذا أخلف منك أخلف مني فيك.
[ ١٢٦ ]
أخلف منك. وقال الحسن١: أما تستحيون من طول ما لا تستحيون٢. وقال: من خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن خاف الناس أخافه٣ من كل شيء.
وقال علي٤ بن عبد الله بن عباس وقد ذكرت عنده بلاغة بعض أهله: إني لأكره أن يكون مقدار لساني فاضلًا عن مقدار علمي، كما أكره أن يكون مقدار علمي فاضلًا على مقدار عقلي.
وقال لقمان٥ لابنه: إياك والكسل والضجر، فإنك إذا كسلت لم تؤدِّ حقًا، وإذا ضجرت لم تصبر على حق.
وقال بعض الواعظين٦: كان الناس ورقًا بلا شوك، فصاروا شوكًا بلا ورق.
وحدثني الأسدي٧ قال: قيل لأبي دؤاد الإيادي٨، وبنته تسوس دابته: أهنتها يا أبا دؤاد، فقال: أهنتها بكرامتي كما أكرمتها بهواني٩.
وقال زهير "من البسيط":
_________________
(١) ١ نسبها الجاحظ لعبد الواحد بن زيد "١٠٢/ ٣ بيان". ٢ ويروى: تستحون، وهو الأولى. ٣ الفاعل يعود على الله، وقد ورد مظهرًا في رواية الصناعتين. ٤ من أعيان التابعين وجد الخلفاء العباسيين، توفي سنة ١١٨، وفي البيان "٧٤/ ١" نسبتها لمحمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وروايته بالهاء بدل ياء المتكلم. ٥ نبي وحكيم وردت قصته وآثار من حكمته في القرآن الكريم. ٦ نسبها الجاحظ لأبي الدرداء، وروايته: "كان الناس ورقًا لا شكوك فيه، وهم اليوم شوك لا ورق فيه" "٧٣/ ٣ بيان"، وفي موضع آخر نسبها لأبي ذر "١٤٧/ ٢". ٧ راوية أديب وأستاذ من أساتذة ابن المعتز واسمه محمد بن هبيرة الأسدي ويعرف بصعودا. وتوفي نحو عام ٣٠٥هـ "١١٠ فهرست، ٣٧٠/ ٣ تاريخ بغداد". ٨ أبو دؤاد بن جرير الإيادي مشهور باللسان والخطابة، وأحد من يجيد قريض الشعر وتحبير الكلام، وله كلمات في بلاغة الخطابة "٤٩-٥١/ ١ بيان"، وتوفي في أوائل عهد العباسيين. ٩ يريد: خدمتها لي كبيرًا حفظًا لكرامتي كما كانت خدمتي لها وأنا شاب حفظًا لكرامتها.
[ ١٢٧ ]
ليث بعثر يصطاد الرجال إذا ما الليث كذب عن أقرانه صدقا١
وقال عبد الله بن الزبير الأسدي٢ "من الوافر":
رمى الحدثان نسوة آل حرب بمقدار سمدن له سمودا
فرد شعورهن السود بيضا ورد وجوههن البيض سودا٣
وقال حسين بن مطير٤ "من الطويل":
مبتلة الأرداف زانت عقودها بأحسن مما زينتها عقودها٥
وقال طفيل الغنوى٦ "من البسيط":
_________________
(١) ١ ليث بعثر: أي هو في الجرأة والإقدام على الأقران كالأسد، وعثر اسم مكان، كذب: لم يصدق الحملة، القرن: الصاحب في القتال، يقول: إذا رجع الشجاع عن قرنه ولم يصدق الحملة عليه فالممدوح يحمل ولا يكذب. ٢ شاعر من شعراء الدولة الأموية، كوفي المنشأ والمنزل، تعصب للأمويين فلما غلب مصعب بن الزبير على الكوفة أخذه أسيرًا، فمَنَّ عليه ووصله فمدحه وانقطع إليه حتى قتل مصعب، وعمي بعد ذلك، ومات بالري في خلافة عبد الملك. ٣ الحدثان والحدثان: الحادثة ونائبة الدهر، المقدار: ما قدره الله، وفيه قلب؛ أي: رمى تقدير الله نسوة آل حرب بحدثان، والسمود: تغير الوجه من الحزن، وآل حرب: هم بنو أمية "٨٤ خزانة تصحيح محيي الدين"، وشرح البيتين في الحماسة "٣٩٧/ ١". ٤ شاعر فصيح متقدم في الرجز والقصيد، ومن فحول المحدثين من مخضرمي الدولتين، وشعره بدوي، وتوفي سنة ١٦٩، وله رثاء بليغ في معن بن زائدة. ٥ الأرداف: جمع ردف وهو الكفل والعجز، العقد: القلادة، مبتل كمعظم: الجميلة كأنه بتل حسنها على أعضائها أي قطع، والتي في أعضائها استرسال، والمعنى: لهذه المرأة كشح لطيف دقيق، وعقود لباتها تكتسب الحسن والجمال منها وليست هي التي تكسبها الجمال، والبيت وشرحه في الحماسة "٦٠/ ٢"، ويروى: مبتلة الأطراف، ورواية الأمالي: الأعجاز "٤٣/ ١ أمالي". ٦ شاعر جاهلي فحل، أوصفهم للخيل، عاصر الجعدي وزهيرًا، ومات قبل الهجرة بقليل.
[ ١٢٨ ]
بساهم الوجه لم تقطع أباجله يصان وهو ليوم الروع مبذول١
وقال الأخطل "من الكامل":
المهديات لمن هوين مسبة والمحسنات لمن قلين مقلا٢
وقال الطائي "من الطويل":
إذا ذاقها -وهي الحياة- رأيته يقطب تقطيب المقدم للقتل٣
وقال كثير٤ "من الطويل":
تشنى إلى الأعداء حتى إذا أتوا لمرضاته طوعًا وكرهًا تحببًا٥
وقال الفرزدق "من الطويل":
قبح الإله بني كليب إنهم لا يغدرون ولا يفون لجار٦
وقال آخر من "من الطويل":
ألا يا نسيم الريح إن كنت هابطًا بلاد سليمى فالتمس أن تكلما
_________________
(١) ١ يصف فرسًا، والروع: الفزع. الأباجل: جمع أبجل؛ عرق غليظ في الرجل أو في اليد بإزاء الأكحل، السهام: حر السموم ووهج الصيف، وسهم أي أصابه ذلك، والسهام التغير والضمر، وقد سهم سهومًا، والساهمة: الناقة الضامرة، والسهوم: العبوس. ٢ هوى: أحب وبابه صدى، مسبة: سبًّا وشتمًا، قلين: هجرن، والقِلَى: البغض، المقال: القول. ٣ قطب وجهه تقطيبًا: عبس، ومن بيت أبي تمام معنى قول الحسن بن أبي رجاء: تعبس في وجهها وهي تضحك في وجهك، وقول ابن المعتز: ضحكت إليه فشمها بتعبس، "راجع ٢٢ فصول التماثيل". ٤ شاعر إسلامي وفد على عبد الملك وأكثر الإقامة بمصر، وتوفي بالمدينة سنة ١٠٥هـ. ٥ تشنأ: تباعد وتباغض، والشانئ المبغض من شنئه، والتحبب: التقرب، والبيت من قصيدة لكثير في مدح عبد الملك "٣٥٠ معجم"، ورواية المعجم مخالفة لهذه الرواية بعض المخالفة. ٦ يذم بني كليب ويصفهم بالعجز واللؤم والهوان.
[ ١٢٩ ]
وبلغ سليمى حاجة لي مهمة وكن بعدها عن سائر الناس أعجما١
وقال بعضهم: "إذا شربت النبيذ فاشربه مع من يفتضح هو، لا مع من يفتضح به".
المحدثون: سعى علي٢ بن عيسى بن ماهان إلى الرشيد بالفضل بن يحيى٣ فرمى بكتابه إلى جعفر٤ وقال: أجبه، فكتب على ظهره: حفظك الله يا أخي، وحبب إليك الوفاء فقد أبغضته، وبغض إليك الغدر فقد أحببته، إن حسن الظن بالأيام داعية الغير٥، والله المستعان.
وقال محمد٦ بن إسرائيل بن محمد بن إسرائيل القاضي: قال لي مجنون يكون في الخرابات٧: يا إسرائيل، خف الله خوفًا يشغلك عن الرجاء؛ فإن الرجاء يشغلك عن الخوف، وفر إلى الله ولا تفر منه.
وقال ابن السماك٨: لأن أكون في السوق وقلبي في المسجد أحب إلي من أكون في المسجد وقلبي في السوق.
_________________
(١) ١ النسيم: الريح الطيبة، هبط: نزل وانحدر، المهم: الأمر الشديد، وأهمه الأمر: أقلقه وأحزنه، الأعجم: الذي لا يفصح وهو الذي في لسانه عجمة لا يبين كلامه. ٢ من كبار القواد في عصر الرشيد والأمين، وهو الذي حرض الأمين على خلع المأمون من ولاية العهد، وتولى قتال جيوش المأمون، وقتل سنة ١٩٥هـ. ٣ وزير الرشيد وأخوه في الرضاع وولاه خراسان سنة ١٧٨هـ، ثم قبض عليه في نكبة البرامكة عام ١٨٧هـ، فسجن وتوفي في سجنه بالرقة عام ١٩٣، وكان مولده عام ١٤٨هـ. ٤ جعفر بن يحيى البرمكي وزير الرشيد، يوصف بفصاحة المنطق وبلاغة القول وكرم اليد والنفس. راجع "١٨٠/ ١ بيان"، وقتل سنة ١٨٧هـ. ٥ غير الأيام: أحداثها ونوائبها. ٦ أديب عالم ومن بيت مجد ونفوذ، وزر أحمد بن إسرائيل للمعتز وقتل عام ٢٥٥هـ، وكان محمد معاصرًا لابن المعتز. ٧ جمع خربة؛ وهي ما أفقر وخلا من الديار. ٨ ناسك زاهد ورع، توفي في عصر الرشيد، وله أحاديث وعظات مع الرشيد، وتوفي عام ١٨٥هـ.
[ ١٣٠ ]
وباع أبو العيناء دابة، كان عبيد الله بن١ يحيى حمله عليها من ابن لعبيد الله، فدافعه بثمنه، ثم لقيه، فقال: ايش٢ خبرك يا أبا العيناء؟ فقال: بخير، يا من أبوه يحمل وهو يرجل. وقال ذو الرياستين٣: احذورا اجتماع المضار وافتراق المسار٤. وكتب عبد الصمد٥ بن على إلى مروان٦، وقد ذكر له أمر الحرم: الحق لنا في دمك، وعلينا في حرمك٧.
وقال عبيد٨ الله بن عبد الحميد في تعزية: ما أشبه الباقي الذي ينتظر الفناء بالماضي الذي قد أتى عليه الفناء. وقلت لبعض فقهائنا وأنا عليل وقد سألني عائد لي بحضرته كيف أنت: أتراني ان قلت في عافية كاذبًا؟ فقال لي: لا، قال بعض الصالحين: إن أعلك الله من جسمك فقد أصحّك من ذنوبك.
وكتب يحيى بن خالد٩ إلى الرشيد: يا أمير المؤمنين، إن كان الذنب لي خاصًا فلا تعمن بالعقوبة؛ فإن الله يقول: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ١٠. ولبعضهم: الكريم واسع المغفرة إذا ضاقت المعذرة١١. وقال ابو تمام "من الطويل":
_________________
(١) ١ وزر للمتوكل والمعتمد، وتوفي سنة ٢٦٢هـ، وله ألف ابن قتيبة "أدب الكاتب". ٢ أي: أي شيء. ٣ الفضل بن سهل قتل ٢٠٢هـ، وتقدمت ترجمته. ٤ جمع مضرة ومسرة، والمضرة خلاف المنفعة، والمسرة السرور. ٥ عباسي هاشمي عم المنصور، وتولى ولاية كثير من البلاد، ومات سنة ١٨٥هـ عن ٨١ عامًا. ٦ هو مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، قتل سنة ١٣٢. ٧ جمع حرمة، وحرمة الرجل: حرمه وأهله. ٨ أبو عبيد الله محمد بن عبد الحميد الطائي الطوسي القائد، شاعر أديب وإخوته شعراء أدباء "٢٧ معجم الشعراء". ٩ مضت ترجمته. ١٠ سورة فاطر، آية: ١٨. ١١ عذره في فعله عذرًا، والاسم المعذرة.
[ ١٣١ ]
لهم منزل قد كان بالبيض كالمها فصيح المعاني ثم اصبح أعجما١
ورد عيون الناظرين مهانة وقد كان مما يرجع الطرف مكرما
وقال في الإبل "من البسيط":
ألمرضياتك ما أرغمت آنفها والهادياتك وهي الشرد الضلل
إذا تضللت من أرض فصلت بها كانت هي العز إلا أنها ذلل٢
وقال في الشيب "من الخفيف":
غرة مرة ألا إنما كنـ ـت أغر أيام كنت بهيمًا
دقة في الحياة تُدعى جلالًا مثل ما سُمي اللديغ سليمًا٣
وقال ابن السماك للرشيد: يا أمير المؤمنين، تواضعك في شرفك أشرف من شرفك. وقال الطائي "من الطويل":
وضل بك المرتاد من حيث يهتدي وضرت بك الأيام من حيث تنفع
_________________
(١) ١ بيض: جمع بيضاء وصف لأحبابه. المها: وصف للبيض، جمع مهاة وهي البقرة الوحشية. وأعجم: أي غير ناطق، مهانة: من الهوان. وأرجعه ورجعه واحد. والطرف: العين، ومكرمًا: اسم مفعول من أكرم. يصف عفاء مغاني أحبابه بعد فراقهم إياه ورحليهم عنه وآثار هذا العفاء في نفس المحب الواله. ٢ المرضيات: جمع مرضية من أرضيته عني، أرغمت: أهنت، من أرغم الله أنفه أي ألصقه بالتراب. آنف: جمع أنف. والهاديات: جمع هادية من هداه الطريق أي أرشده إليه. شرد البعير: نفر فهو شارد وشرود وهم شرد. والضلل: جمع ضالة من الضلال ضد الرشاد، وتضللت: بمعنى نسبت فيها إلى الضلال فكرهت الإقامة بها، أو بمعنى تظلمت، كانت هي -أي الإبل- العز؛ لأنها تنأى بي عن موطن الذل والهوان، والذلل: جمع لناقة ذلول من الذل بالكسر؛ وهو اللين والانقياد. ٣ الغرة: بياض في جبهة الفرس، مرة: من المرارة أي: شديدة الألم للنفس، وأغر: أي أكرم، وغرة كل شيء: أوله، وأكرمه. والفرس البهيم: هو الذي لا يخالط لونه شيء سوى لونه. والدقة: مصدر دق الشيء أي صار دقيقًا، والدقيق ضد الغليظ، ولدغته العقرب فهو ملدوغ ولديغ.
[ ١٣٢ ]
وقد كان يدعى لابس الصبر حازمًا فأصبح يدعى حازمًا حين يجزع١
وقال آخر "من الكامل":
أما القبور فإنها مأنوسة بجوار قبرك والديار قبور٢
وقال أبو العتاهية "من الكامل":
يا حسرتا من يوم يَجمـ ـع شرتى كفن ولحد
ضيعت ما لا بد لي منه بما لي منه بد٣
وقال سديف٤ "من الكامل":
واصح ما رأت العيون محاجرًا ولهن أمرض ما رأيت عيونًا٥
وقال عمارة بن عقيل "من الخفيف":
_________________
(١) ١ ضل الطريق: لم يهتد إليه. والمرتاد: من راد الكلأ وارتاده أي طلبه، والرائد: الذي يرسل في طلب الكلأ، والبيتان في الرثاء، يقول: قد كان هدى المرتاد فضل بعده، وكانت الأيام تنفع بما يفعل فيها من مكرمات، فصارت تضر بعده، ولئن كان الحزم في الصبر فلقد صار بعد وفاته في الجزع والبكاء. ٢ مأنوسة: من الإيناس ضد الإيحاش، والبيت للتميمي في منصور بن زياد، والتميمي هو أبو محمد عبد الله بن أيوب من أهل اليمامة، شاعر مولد فصيح عربي متكلم عالم، وكان بعد مسلم بن الوليد بقليل "راجع ٤٠١/ ١ حماسة" ونسبه الكامل لرجل من خزاعة ولكثير، وقال: إن الصحيح أنه لقطرب النحوي في رثاء عمر بن عبد العزيز "٢٦٧/ ٢ كامل طبعة التجارية" ونسبته الموازنة للعتابي "٥٦ الموازنة". ٣ شرة الشباب: نشاطه وجلده وحرصه. ٤ سديف بن ميمون مولى بني هاشم، شاعر حجازي مقل، كان شديد التعصب لبني هاشم، وعاش إلى زمن المنصور، مات سنة ١٤٦هـ. ٥ محاجر: جمع محجر، ومحجر العين: ما يبدو من النقاب، ورواية الأصل: جوارحا، وجوارح الإنسان: أعضاؤه التي يكتسب بها، وفي الأصل منهن بدل ولهن.
[ ١٣٣ ]
وأرى الوحش في يميني إذا ما كان يومًا عنانه في شمالي١
وقال أبو تمام "من البسيط":
فيم الشماتة إعلانًا بأسد وغى أفناهم الصبر إن بقاكم الجزع٢
وقال البحتري "من الخفيف":
إن أيّامَه من البيض بيضٌ ما رأين المفارقَ السودَ سودا٣
وقال النميريّ٤ "من الكامل":
ومجالس لك بالحمى وبها الخليط نزول
أيامهنّ قصيرة وسرورهن طويل
وسعودهنّ طوالع ونحوسهن أفول
والمالكية والشبا ب وقينة وشمول٥
وقال بشار "من البسيط":
حتّام قلبي مشغول بذكركمُ يهذي وقلبُك مربوط بنسياني
لهفي عليها ولهفي من تذكرها يدنو تذكرها مني وتنآني
_________________
(١) ١ العنان: اللجام، يقول: إذا ركبت الفرس فكان لجامه في شمالي اصطدت الوحش فكان عنانه في يميني، يصف فرسه بسرعة العدو. ٢ الشماتة: الفرح بمصيبة العدو، إعلانا: جهارًا، الأُسْد: جمع أسد. ٣ في الأصل: رأينا، البيض: جمع بيضاء، وامرأة بيضاء: أي حسنة جميلة، والمفارق جمع مفرق وهو وسط الرأس وما يفرق منه الشعر، والمعنى أنه ينعم بجمال الحياة وبهجة الدنيا بوصال الغانيات الذي يظل ما دام في روعة الشباب ونضارة العمر. ٤ النمري هو منصور النمري، شاعر الرشيد من سلالة النمر بن تولب، والنميري هو محمد بن عبد الله بن نمير من قيس، وهو شاعر غزل مولد من شعراء الدولة الأموية، وله في زينب أخت الحجاج غزل كثير، راجع "٢٤/ ٦ الأغاني"، وفي الأبيات روح منصور النمري مما يجعلني أجزم بأن الصحيح هو "وقال النمري" فتكون كلمة النميري الواردة في الأصل محرفة، وفي زهر الآداب "٦٩/ ٣": "وقال العتابي يعرض بالنميري"، وهو تحريف أيضًا. ٥ الحمى: المكان المحمي، ويقال للوطن: حمى لحمايته من الأعداء، والخليط: المخالط كالنديم والمنادم وهو واحد وجمع، والمالكية: اسم محبوبته، والقينة: المغنية، الشمول: الراح.
[ ١٣٤ ]
إني لمتنظر أقصى الزمان بها إن كان أدناه لا يصفو لحران١
وقال أبو العتاهية "من الطويل":
غنيت عن الوصل القديم غنيتا وضيعت قلبًا كان لي ونسيتا
تجاهلت عما كانت تحسن وصفه ومن عن الإحسان حين حييتا٢
وقال إبراهيم بن العباس "من الوافر":
غنى عنك ما استغنيت عنه وطلاع عليك مع الخطوب٣
وقال ابو العتاهية "من الخفيف":
عاذلى في المدام غير فصيح
لا تلمني على شقيقة روحي
لا تلمني على التي فتنتني وأرتني القبيح غير قبيح
إن بذلي لها لبذل جواد واقتنائي لها اقتناء شحيح٤
وقال أيضًا "من الخفيف":
يا بني النقص والغير وبني الضعف والخور
وبني البعد في الطبا ع على القرب قي الصور
وقال أيضًا "من الرمل":
قل لذي الوجه الطرير ولذي الردف الوثير
ولمغلاق همومي ولمفتاح سروري
يا قليلًا في التلاقي وكثيرًا في ضميري٥
_________________
(١) ١ هذى في منطقة: يهذي خلط، ونأى ينأى: بعد. وأقصى الزمان: أي بعيده، والصفو: ضد الكدر، والحران: العطشان. ٢ غنى: أي استغنى. ٣ البيت في وصف ما يلقاه من الإخوان من كيد وكفران. ٤ المدام: الخمر. اقتناء المال: اتخاذه. والشحيح: البخيل الحريص. ٥ الطرير: الحسن من طر النبت نبت. والردف: الكفل. والوثير: الضخم. والمغلاق: ما يغلق به الباب.
[ ١٣٥ ]
وقال البحتري يصف بركة المتوكل١ "من البسيط":
إذا علتها الصبا أبدت لنا حبكًا٢ مثل الجواشن مصقولًا حواشيها
فحاجب الشمس أحيانًا يضاحكها وريق الغيث أحيانًا يباكيها٣
وقال أيضًا "من الكامل":
حالت بك الأشياء عن حالاتها فالحزن حلّ والعزاء حرام
وبرغم أنفي أن أراك موسدًا يد هالك والشامتون قيام٤
وشرب بعض الناس عند الحسن بن وهب٥ قدحًا فلما استوفاه عبس فقال: والله ما أنصفتها، تضحك في وجهك وتعبس في وجهها، فأخذه بعض المحدثين٦ "من الكامل":
ما أنصف الندمان كأس مدامة ضحكت إليه فشمّها بتعبس٧
ودخل ابن شبابة٨ على قوم يشربون الخمر ومعه صديق له فقال الرجل: الويل لنا إن كان ما يشربون خمرًا، فقال ابن شبابة: بل الويل لنا إن لم يكن ما
_________________
(١) ١ الخليفة العباسي المشهور، قتل سنة ٢٤٧. ٢ الصبا: ريح تهب من مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار، أبدى: أخبر. حبك: جمع حباك جمع حبيكة، وهي الطريقة في الرمل، والحبك تكسر كل شيء كالماء القائم إذا مرت به الريح. الجواشن: الدروع. ٣ الحواشي: الأطراف، مصقول: أي مجلو. حاجب الشمس: أول ما يبدو منها عند الشروق. الغيث: المطر. ٤ حال الشيء: انقلب عن حاله، وحال لونه: انقلب واسود، والحالة واحدة حال الإنسان، وحل: أي حلال، والوساد: المخدة، ووسدته الشيء: جعلته تحت رأسه. ٥ كاتب شاعر عاصر أبا تمام ورثاه ولما مات رثاه البحتري، وكانت يكتب لمحمد بن عبد الملك الزيات، توفي سنة ٢٥٠. ٦ البيت لابن المعتز في ديوانه جـ٢ ص٥٢، وراجع ص٢٢ فصول التماثيل لابن المعتز. ٧ الندمان والنديم من ينادمك على الشراب، والمدامة: الخمر. التعبس: التجهم. ٨ لعله محمد بن حماد بن شبابة شاعر بغدادي "٤٢٩ معجم الشعراء".
[ ١٣٦ ]
يشربون خمرًا. وقال سعيد بن سلم١: تركنا كثير النبيذ لله وقليله للناس٢. ويقال: اشرب من النبيذ ما لا يشربك. ولأعرابي في البراغيث "من الطويل":
إذا درج البرغوث منها رأيته على الجلد ضخم الجسم وهو صغير
وقال الطائي "من الطويل":
لقد ضاقتِ الدنيا عليَّ بأسرها لهجرانه حتى كأني في حبس
أسكن قلبًا وهائمًا فيه مأتم من الشوق إلا أن عيني في عرس٣
وقال سهل بن هارون٤: من طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى توفر٥ زرقه منها، ومن طلب الدنيا طلبه الموت حتى يخرجه منها. وقال بعضهم يهجو قومًا "من المتقارب":
فيا قبحهم بالذي خولوا ويا حسنهم في زوال النعم٦
وقال عبد الله بن أبي عيينة٧ في عيسى بن سليمان٨ "من الطويل":
_________________
(١) ١ أخباره في الأغاني في مواضع متفرقة، وراجع ترجمته عند البيت ٢٣٠، وهو سعيد بن سلم بن قتيبة، أمير شريف من أسرة عظيمة وعاصر الرشيد، وكان شجاعًا أديبًا. ٢ يريد: أن كثير النبيذ حرام وقد تركه خوفًا من الله، وقليله حلال وقد تركه حياء من الناس. ٣ الهيام: أشد الحب. المأتم: النساء يجتمعن في الخير والشر، والمراد به هنا المناحة. ٤ كاتب حكيم فارسي الأصل، نشأ في البصرة واتصل بخدمة المأمون فولاه رئاسة خزانة الحكم بغداد، وكان يتهم بالشعوبية ووضع كثيرًا من القصص ورسالته في البخل دونها الجاحظ في البخلاء، وتوفي في عصر المأمون، وقد أشاد به الجاحظ في البيان "ج١ ص٥٥". ٥ وفر عليه حقه توفيرًا واستوفره: أي وفاه. ٦ خولوا: أي ملكوا. ٧ جده أبو عيينة بن المهلب وهو مولى ابن كعب، كان من كبار القواد الذين رفعوا دعائم دولة بني العباس، وتوفي سنة ١٤١، وعبد الله شاعر مجيد من أطبع الناس وأقربهم مأخذًا في الشعر وأقلهم تكلفًا وهجا ابن عمه خالدًا كما هجا ابن عمه مروان أحد تلامذة الخليل "٢٦٧، ٣٩٨ معجم الشعراء" وعاصر المأمون. ٨ ولي والده البصرة للسفاح والمنصور، وتوفي سنة ١٤٢هـ، وابنه عيسى أمير عباسي من رجال الدولة في عصر المهدي والرشيد، وهذه الأبيات وقصة هجاء عبد الله لعيسى بن سليمان تراها في كامل المبرد "٢٠٦/ ١" والأغاني ١٦ ج١٨.
[ ١٣٧ ]
أفاطم قد زوجت من غير خبرة فتى من بني العّباس ليس بطائل
فإن قلت من آل النبي فإنه وإن كان حر الأصل عبد الشمائل١
وقلت في الفصول الصغار القصار: طلاق الدنيا مهر الجنة. غضب الجاهل في قوله، وغضب العاقل في فعله.
ومن المعيب من المطابقة في الكلام والشعر قول الأُخيطل٢ "من الكامل":
قلت المقام وناعب قال النوى فعصيت أمري والمطاع غراب٣
وهذا من غث الكلام وبارده. وقال أيضًا "من الكامل":
كم جحفل طارت قدامى خيله خلفته يوم الردى منتوفا
أعلمت بابك وهو رأس أنه سيكون بعدك حافرًا ووظيفا٤
وقال أيضًا في الخمر "من الكامل":
ورمى النديم بماء مزن رأسها فرمته من أضغانها في الراس
وحسا مصونتها فأرخت نفسها حتى احتست بالسكر نفس الحاسي٥
_________________
(١) ١ فاطمة هي زوجة عيسى، وهي فاطمة بنت عمر بن حفص هزار مرد، وهو من ولد قبيصة بن أبي صفرة المهلبي "راجع الكامل والأغاني". ويقال: هذا لأمر لا طائل فيه إذا لم يكن فيه غناء. الشمائل: جمع شمال وهو الخلق. ٢ شاعر مليح ظريف الشعر كان يسلك طريق أبي تمام، ومدح محمد بن عبد الله بن طاهر سنة ٢٥٣هـ. "٤٣٢ معجم الشعراء وج٥ ص٤٢٢ تاريخ بغداد" ومات بعد متنصف القرن الثالث بقليل. ٣ الناعب: الغراب. النوى: الفراق. ٤ الجحفل: الجيش الجرار. قدامى الطير: قوادمه وهي مقاديم ريشه وعددها عشرة في كل جناح. الردى: الهلاك. منتوفًا من نتف الشعر. بابك: هو بابك الخرمي وله ترجمة عند البيت "٢٤١". فلان رأس قومه: أي عظيمهم. الوظيف: مستدق الذراع والساق من الخيل وغيرها. ٥ النديم: من ينادمك على الشراب. والمزن: السحاب، والضمير في رأسها للخمر، الأضغان: جمع ضغن وهو الحقد. حسا المرق: فهو حاس واحتساه بمعنى وتحساه حساه في مهلة، مصونة: من صان الشيء صيانًا وصيانة إذا بالغ في المحافظة عليه. أرخى الستر وغيره: أرسله.
[ ١٣٨ ]
وقال بعض الشعراء في القاسم١ بن عبيد الله "من الكامل":
من كان يعلم كيف رقة طبعه هو مقسم أن الهواء ثخين
وقال الطائي "من الوافر":
فيه ثلج الفؤاد وكان رضفًا ويا شبعى برؤيته وريى٢
وقال "من الخفيف":
فإذا الصنع كان وحشا فمليـ ـت برغم الزمان صنعًا وربيبا٣
ولبعض المحدثين وهو من عجيب هذا الباب في الرداءة "من الكامل":
وجعلت مالك دون عرضك جنة إذ عرض غيرك لا يقيه بقوة٤
وقال كاتب تامش٥ -واسمه شجاع٦- في دعائه: "يا رب، ارحم ترحم".
_________________
(١) ١ القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب وزير المعتضد، وتوفي سنة ٢٩١هـ. "٤٤٤ ج١ ابن خلكان". ٢ يصف الشاعر رقة طبع الممدوح، وأن الذي يتصل به ويرى رقة طبعه يعلم أن طبعه أرق من الهواء، وأن الهواء مع رقته يعد بالنسبة إلى طبعه ثخينًا غليظًا. الرضف: عظام في الركبة قد أخذ بعضها بعضًا واحدتها رضفة، والرضف أيضًا حجارة محماة، ورضفه يرضفه بها: أي كواه. هو ثلج الفؤاد: أي طمأنينته ومسرته، وكان أي الفؤاد. ٣ الوحش: كبير السن قبيح المنظر، والربيب: ولده وهو صغير السن فتي الشباب، وملاك الله حبيبك تملية: متعك به وأعاشك الله معه طويلًا. يقال: رغم أنفه: أي ذل وانقاد، وأرغم الله أنفه: ألصقه بالرغام وهو التراب، يقول: إذا كان فعل الزمان معك سيئًا فمتعك الله برغم أنف الزمان وملاك صنعًا جميلًا حسنًا، يعني إذا كانت أيامك الماضية أيام شدة وشقاء، فأحالها الله إلى أيام خير ورخاء ويسر. ٤ الجنة: ما استتر به من سلاح، والجنة: الستر. وقى الشيء يقيه وقاية: حفظه. القوة ضد الضعف، وأخذ الشيء بقوة: أي بجد وعزم. ٥ قائد تركي تولى البيعة للخليفة المستعين سنة ٢٤٨هـ فأطلق يده في شئون الدولة، فأثرى ثراء عظيمًا فثارت عليه الموالي وقتلوه. ٦ هو شجاع بن القاسم، كان موضع ثقة تامش القائد، وكان تامش لا يعرف الكتابة، فكان شجاع كاتبه يتولى له أمورها، ومات مقتولًا في نكبة مولاه.
[ ١٣٩ ]