وهو مذهب سماه عمرو الجاحظ المذهب الكلاميّ١.
وهذا باب ما أعلم أني وجدت في القرآن منه شيئًا، وهو ينسب إلى التكلف -تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
المتقدمون: قال أبو الدرداء: إن أخوف ما أخاف عليكم أن يقال: علمت فماذا عملت٢.
وقال الفرزدق "من الطويل":
لكل امرئ نفسان نفس كريمةٌ وأخرى يعاصيها الفتى ويطيعها
_________________
(١) ١ هو إيراد حجة للمطلوب على طريقة أهل المنطق؛ وهي أن تكون المقدمات مسلمة مستلزمة للمطلوب وهو النوع الثامن والعشرون من أنواع البديع عند أبي هلال العسكري "راجع ٣٩٨، ٣٩٩ الصناعتين" وراجع هذا الباب أيضًا في العمدة "٧٥/ ٢". ٢ في الأصل: علمت، وهو تحريف.
[ ١٤٧ ]
ونفسك من نفسيك تشفع للندى إذا قل من أحرارهن شفيعها
وقال عمر لعبد الله بن عباس: من ترى أن نوليه حمص؟ قال: رجلًا صحيحًا منك صحيحًا لك، قال: كن أنت ذلك الرجل، قال: لا ينتفع بي مع سوء ظني في سوء ظنك بي.
المحدثون: قال أبو عبد الرحمن العطوي١ "من الخفيف":
فوحق البيان يعضده البر هان في مأقط ألد الخصام
ما رأينا سوى الحبيبة شيئًا جمع الحسن كله في نظام
هي تجري مجرى الأصالة في الرأ ي ومجرى الأرواح في الأجسام٢
وقال إبراهيم٣ بن المهدي للمأمون "من البسيط":
ألبر بي منك وطا العذر عندك لي فيما فعلت فلم تعذل ولم تلم
وقام علمك بي فاحتج عندك لي مقام شاهد عدل غير متهم٤
_________________
(١) ١ هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي عطية مولى كناني بصري شاعر وأحد حذاق المتكلمين وهو متوكلي، والأبيات ذكرها المرزباني في معجم الشعراء "٣٤٢". وقد استبد في شعره -كما يقول أبو الفرج الأصبهاني- بمذهب جديد في الشعر هو الكلام على العقائد وجدال خصومه من المتكلمين "٢٠/ ٥٨ الأغاني" وراجع كثيرًا من القصيدة في الرد على هشام ومطلعها: جل رب الأعراض والأجسام عن صفات الأعراض والأجسام في الأمالي "ص٢٢٢ ج٢". ٢ المأقط: موضع القتال، أو المضيق في الحرب، عضده: أعانه، اللدد: شدة الخصومة. النظام: الخيط الذي ينظم به اللؤلؤ. رجل أصيل الرأي: أي محكم الرأي. ومجد أصيل: أي ذو أصالة. ٣ أمير عباسي هاشمي أخو الرشيد، ولد ونشأ في بغداد، وولاه الرشيد دمشق، وخرج على المأمون سنة ٢٠٢ وأعلن خلافته في بغداد، وظل في الخلافة عامين وتغلب على الكوفة والسواد والمأمون بخرسان، ثم استطاع المأمون التغلب عليه والظفر به سنة ٢١٠ فعفا عنه، وكان أفصح أولاد الخلفاء لسانًا وأجودهم شعرًا حاذقًا بصنعة الغناء، ومات في سر من رأى سنة ٢٢٤هـ، وله ترجمة في الأوراق قسم أشعار أولاد الخلفاء "١٧-٤٩ ط ١٩٣٦". ٤ والأبيات وتاريخها الأدبي في الأوراق للصولي قسم أشعار أولاد الخلفاء "ص١٩ ط ١٩٣٦".
[ ١٤٨ ]
وقال إبراهيم بن العباس "من الطويل":
وعلمتني كيف الهوى وجهلته
وعلمكم صبري على ظلمكم ظلمي
وأعلم مالي عندم فيميل بي هواي إلى جهلي فأعرض عن حلمي
وقال أبو نواس "من الخفيف":
إن هذا يرى -ولا رأى للأحمـ ـق- أني أعده إنسانا
ذاك في الظن عنده وهو عندي كالذي لم يكن وإن كان كانا
وقال الطائي "من الكامل":
ألمجد لا يرضى بأن ترضى بأن يرضى المؤمل منك إلا بالرضا١
وبلغنا أن إسحاق بن إبراهيم رأى حبيبًا٢ الطائي ينشد هذا وأمثاله عند الحسن بن وهب فقال: يا هذا، شددت على نفسك. ولما ودع المأمون الحسن٣ بن سهل مخرجه٤ إلى بغداد فقال له المأمون: يا أبا محمد، ألك حاجة؟ قال نعم، يحفظ على من قلبك ما لا أستعين على حفظه إلا بك.
وكتب أحمد بن يوسف إلى إسحاق بن إبراهيم الموصلي وقد زاره إبراهيم المهدي: عندي من أنا عنده وحجتنا عليك إعلامنا ذلك إياك والسلام.
وقال إبراهيم بن العباس "من المتقارب":
ولما نأت كيف كنا لها ولما دنت كيف كنا بها٥
_________________
(١) ١ يقول الشاعر لممدوحه: إن المؤمل لا ترضى أنت ولا المجد ولا هو إلا برضائك عليه وبرك به. ٢ في الأصل "حبيب" وهو تحريف، وتقدمت ترجمته. ٣ هو وزير المأمون وصهره -والد زوجه بوران- توفي عام ٢٣٦، وعقد المأمون عقد بوران عام ٢٠٢، ودخل بها سنة ٢١٠هـ. ٤ وذلك سنة ٢٠٤ حين أرسله من خرسان بجيش لمحاربة إبراهيم بن المهدي. ٥ يريد: كنا لها بمنزلة عظيمة من الوفاء عند نأيها، ولما قربت منا كنا بها وبقربها في نعمة وسرور بالغَيْنِ.
[ ١٤٩ ]
وكتب بعضهم إلى صاحب له: ارضَ بما حكم بالحق في أمرك أكن بالمكان الذي أنزلتني به الحق بيني وبينك. وقلت في هذا الباب١ "من المجتث":
أسرفت في الكتمان وذاك مني دهاني
كتمت حبك حتى كتمته كتماني
ولم يكن لي بد من ذكره بلساني
ما عيب من ذلك: كُتب إلى بعض أهل زماننا: أطال الله بقاءك، منشئًا لك ريح٢ عز لا يعدم هبوبها، ومطلعًا لنعمتك شمس نصرة يؤمن غروبها وأراك أمنيتك ببلوغكها٣، قد جعل الله إبداءك وإعادتك في الجود أذانًا وإقامةً يدلان العفاة إلى مباءتك للري من ساحتك، ولما رأيت ذكرك عطرًا، ولمن رجاك سترًا، جئتك ظامئًا مستقيًا ماء أنعمك٤، وغير غرو أن أكون ممن يمدحك بمبلغ طاقته وفرط محبته، فإن رأيت أعزك الله أن تقرأ رقعته٥، وليكن شعره فعلت إن شاء الله، وصلى الله على محمد نبيه والسلام كثيرًا، وفي هذا الباب استعارة وتعقيد أيضًا على بغضه كما ترى.
وكتب الحسن بن وهب إلى صديق له استزاره: لما أذن الله في النهوض إليك أحدث القدر ما لم أكن أحتسبه من شغل يعم قلبي، فلا أجد بقية تتذوقك فكرهت أن آتيك على هذه الحال، فيكون نظري إليك حسرة يجلجلها٦ الضمير؛ إذ كان الشغل حاجبًا على استقصائك٧ بكنهك٨.
_________________
(١) ١ راجع: ٩٩/ ١ ابن المعتز، ٧٥/ ٢ العمدة. ٢ الريح هنا: القوة والغلبة. ٣ في الأصل: ببلوغكها، وهو تحريف. ٤ جمع نعمة. ٥ في الأصل: رقعة. ٦ اللجلجة: التردد في الكلام يقال: الحق أبلج والباطل لجلج: أي يتردد من غير أن ينفذ. ٧ استقصى المسألة: تقصاها. ٨ كنه الشيء: نهايته. يقال: أعرفه كنه المعرفة.
[ ١٥٠ ]
وللحكم بن قنبر١ "من البسيط":
فلا تسدوا فما لي غيركم أمل على علي بالصد مجرى٢ ريح آمالي
وقلت لسليمان٣ الطبيب: كم آكل من الرطب؟ ٤ فقال: سبعين؛ يعني: أربع عشرة رطبة. وممن أساء في هذا المعنى العلوي الكوفي٥؛ حيث يقول "من البسيط":
أشكو إلى الله قلبا ولو كحلت به عينيك لاكتحلت من حره بدم
وقال آخر "من الطويل":
نعم منك كانت مثل لا إذ بلوتها فما لنعم عندي على لاء من فضل٦
انتهت أبواب البديع الخمسة:
قد قدمنا أبواب البديع الخمسة وكمل عندنا، وكأنى بالمعاند المغرم بالاعتراض على الفضائل قد قال: البديع أكثر من هذا [أ] ٧ وقال: البديع باب أو بابان من الفنون الخمسة التي قدمناها، فيقل من يحكم عليه؛ لأن البديع اسم موضوع لفنون من الشعر، يذكرها الشعراء ونقاد المتأدبين منهم، فأما العلماء باللغة والشعر
_________________
(١) ١ شاعر ماجن مخضرم أدرك الدولتين، وكان بينه وبين مسلم بن الوليد منافسة أدبية أشعلت نار الهجاء بينهما، وتوفي في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري. ٢ مجرى الريح طريق هبوبها. ٣ طبيب معاصر لابن المعتز، وكان لسانه لا يكاد يبين. ٤ الرطب من النخل والتمر معروف، والرطب ضد اليابس. ٥ هو علي بن محمد العلوي الكوفي، شاعر عباسي عاصر المتوكل وهجا علي بن الجهم م٢٤٩ لانحرافه عن آل البيت، ومات في القرن الثالث على وجه التقريب. ٦ بلوتها: أي خبرتها. والمعنى: أن وعدك بوصالي كان مثل وعيدك بهجري، فنعم مثل لا عندك وليس لنعم عندي إذا صدرت منك على "لا" فضل ولا فيها رجاء. ٧ زيادة عن الأصل لتصحيح المعنى.
[ ١٥١ ]
القديم فلا يعرفون هذا الاسم ولا يدرون ما هو، وما جمع فنون البديع، ولا سبقني إليه أحد، وألفته سنة أربع وسبعين ومائتين، وأول من نسخه مني علي بن هارون بن يحيى بن أبي المنصور المنجم١.
_________________
(١) ١ لعل الصواب" علي بن يحيى" بحذف هارون، وعلي بن يحيى فارسي الأصل، وكان أديبًا شاعرًا مقدمًا في علوم العرب والعجم، ونادم المتوكل وكان أثيرًا لديه ولدى الخلفاء بعده، ومات سنة ٢٧٥ عن أربعة وسبعين عامًا، ورثاه ابن المعتز وعبيد الله بن عبد الله بن طاهر وسواهم من الشعراء "٢٨٦ معجم الشعراء". وقد يكون صحة الكلام: هارون بن علي بن يحيى وهو أديب ناقد "٢٥١-٢٨٩هـ" وفي العمدة "٣٧/ ٢" أن هارون بن علي هو الذي سمى التوشيح تسهيمًا، وفي الأغاني "١٤٢/ ٩" ورد اسم علي بن هارون المنجم، فلعله ابن أخي علي بن يحيى المنجم.
[ ١٥٢ ]