وهو رد أعجاز الكلام على ما تقدمها، وهذا الباب ينقسم على ثلاثة أقسام:
١- فمن هذا الباب ما يوافق آخر كلمة فيه أخر كلمة في نصفه الأول؛ مثل قول الشاعر "من الكامل":
تلقى إذا ما الأمر كان عرمرمًا في جيش رأى لا يفل عرمرم٢
٢- ومنه ما يوافق آخر كلمة منه أول كلمة في نصفه الأول؛ كقوله "من الطويل":
سريع إلى ابن العم يشتم عرضه وليس إلى داعى الندى بسريع٣
٣- ومنه ما يوافق آخر كلمة فيه بعض ما فيه؛ كقول الشاعر "من الوافر":
عميد بني سليم أقصدته سهام الموت وهي له سهام٤
وقال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ
_________________
(١) ١ قائد تركي تولى البيعة للخليفة المستعين سنة ٢٤٨هـ فأطلق يده في شئون الدولة، فأثرى ثراء عظيمًا فثارت عليه الموالي وقتلوه. ٢ هو شجاع بن القاسم، كان موضع ثقة تامش القائد، وكان تامش لا يعرف الكتابة، فكان شجاع كاتبه يتولى له أمورها، ومات مقتولًا في نكبة مولاه. ٣ عقد له أبو هلال في الصناعتين بابًا "٣٧٧-٣٨٠" تأثر فيه بابن المعتز إلى حد كبير، ويسميه ابن رشيق التصدير "٣ ج٢ العمدة ط١٩٣٤" وقد نقل فيه كثيرًا من مثل ابن المعتز المذكورة هنا. ٤ العرمرم: الجيش الكبير، والمراد أن الأمر شديد. وفل الجيش: هزمه. ٥ يروى: يلطم وجهه، واللطم: الضرب على الوجه بباطن الكف، والبيت للأقيشر الأسدي الكوفي الشاعر الأموي. ٦ عميد القوم: سيدهم. أقصد السهم: أصاب، وأقصد فلانًا طعنه فلم يخطئه، وينسب البيت للأشجع السلمي أيضًا.
[ ١٤٠ ]
دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ ١. وقال ﷿: ﴿لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ ٢. وقال تقدست أسماؤه: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ٣.
وفي الحديث: "من مقت نفسه فقد آمنه الله من مقته"٤. وقال طفيل: "من الطويل":
محارمك أمنعها من القوم إنني أرى حقبة قد ضاع فيها المحارم٥
وقال عمرو بن أحمر٦ "من الطويل":
تغمرت منها بعدما نفد الصبا ولم يرومن ذي حاجة من تغمر٧
وقال الحطيئة "من الطويل":
تدرون إن شد العصاب عليكم ونأبى إذا شدّ الصعاب فلا ندر٨
وقال الفرزدق "من البسيط":
أصدر همومك لا يقتلك واردها فكل واردة يومًا لها صدر٩
_________________
(١) ١ سورة الإسراء، آية: ٢١. ٢ سورة طه، آية: ٦١. افترى الكذب: اختلقه. يسحتكم: يستأصلكم. ٣ سورة الأنعام، آية: ١٠. ٤ مقته: أبغضه من المقت وهو البغض. ٥ المحرم من النساء: ما لا يحل نكاحها. الحقبة: المدة والزمن. ٦ باهلي أدرك الإسلام فأسلم، وغزا مغازي الروم، وتوفي على عهد عثمان بعد سن عالية، وهو كثير الغريب صحيح الكلام. ٧ تغمر بالقدح: شرب به، وتغمرت: أي شربت من الغمر، وهو قدح صغير جدًّا، ضربه مثلًا: أي تعللت منها بالشيء القليل، وذلك لا يبلغ ما في النفس منها من المراد، يقال: حاولت أن أتمتع بمحبوبتي بعد أن ذهب الشباب ولكن هيهات، وروى من الماء: ارتوى، نفد: فَنِيَ. ٨ الدر: اللبن. ودر الضرع باللبن يدر. العصاب: العصابة. يقال: عصب رأسه بالعصابة، والمعنى: أنتم أذلاء قبلتم الهوان، ونحن أعزاء لا نضام، ولا نعطي القياد عن ضيم. ٩ صدر عن الماء: رجع ضد ورد، والمعنى: لا تدع الهموم التي تطيف بك تعذبك، وتقض مضجعك؛ بل اطردها من نفسك، وتسل عنها، والواردة لا بد لها يومًا من الصدر؛ أي: أن الهموم مهما أقمتها لا بد أن تذهب من نفسك؛ فعجل بطردها.
[ ١٤١ ]
وقال الأعشى ميموم بن قيس "من المتقارب":
كتوم الرغاء إذا هجرت وكانت بقية ذود كتم١
وقال جرير "من الطويل":
سقى الرمل جون مستهل ربابه وما ذاك إلا حب من حل بالرمل٢
المحدثون: قال أبو نواس "من المديد":
ظن بي من قد كلفت به فهو يجفوني على الظنن٣
وقال في الخمر "من الكامل":
رقت ورقت مذقة من مائها والعيش بين رقيقتين رقيق٤
وقال مسلم "من الطويل":
تبسم عن مثل الأقاحى تبسمت له مزنة صيفية فتبسما
وليلة مات اللهو إلا بقية تداركها طيف ألم فسلما
_________________
(١) ١ الرغاء: صوت ذوات الخف، والراغية: الناقة أو البعير. هجرت: سارت في الهاجرة، البقية: ما بقي من الشيء، الذود من الإبل: ما بين الثلاث إلى العشرة، يصف ناقته بأنها كريمة قوية صبورة على ألم السير في الهجرة لا تتعب ولا تشكو الكلال، وأنها البقية الباقية من إبل كثير كرام. ٢ الجون: السحاب الأبيض أو الأسود. الرباب: السحاب الأبيض. وقيل: هو السحاب المرئي كأنه دون السحاب سواء كان أبيض أو أسود. استقل القول: مضوا وارتحلوا. ٣ كلف بكذا: أولع به. الظنة: التهمة. جفاه: هجره. ٤ المرقة: القطعة من الشيء المخلوط بغيره، ويقول ابن رشيق في البيت هو عندي بعيد من إحكام الصنعة التي يدخل بها في هذا الباب، على أنه غاية في ذاته؛ لأن أكثر السعادة أن تعاد اللفظة بنفسها "٥/ ٢ العمدة".
[ ١٤٢ ]
مزيدك عندي أن أقيك من الردى وإن كان شجوًا أن أكون المقدما١
أردنا من هذه الأبيات البيت الأول. وقال محمد٢ بن أبي أمية الكاتب "من المديد":
حسن هذا الوجه لا يسلمني أبدًا منه إلى غير حسن٣
وقال بشار الأعمى "من الطويل":
طلوب ومطلوب إليه إذا غدا وخير خليليك الطلوب المطلب٤
وقال منصور بن الفرج "من الوافر":
مفيد إن تزره وأنت مقوٍ تكن من فضل نعمته مفيدا
حميد حين تكثر ذم صرف لدهر لا ترى فيه حميدا
وإن فقد الربيع وكل خصب فليس ربيع كفيه فقيدا
_________________
(١) ١ الأقاحي: جمع أقحوانة نبت طيب الرائحة حواليه ورق أبيض ووسطه أصفر ويشبه الثغر به. والمزنة: السحابة البيضاء. صيفية: أي تهطل في الصيف. والتبسم دون الضحك. يقول: يبسم المحبوب عن ثغر كأنه الأقحوان جاء وابتسم له في الصيف السحاب فنور وابتسم، ومات اللهو كناية عن ذهابه وعفاء ذكرياته من النفس، وطيف الحبيبة خيالها الذي يتراءى في النوم وطاف الخيال جاء في النوم، وألم به: نزل به. وقاه من الردى: حفظه. الردى: الهلاك، الشجو: الهم والحزن، يقول الشاعر: أحبه وأزيده من الحب فلو كان ردى لوقيته منه بنفسي وإن كان يحزنني أن أتقدم عليه فأموت قبله وأفارقه غير متمتع به. ٢ محمد بن علي بن أمية الكاتب غنى المأمون ومن بعده من الخلفاء إلى المستعين، ومدح المتوكل والخلفاء بعده، وتوفي بعد منتصف القرن الثالث. ٣ يقول ما أجمل هذا الوجه الذي لا تقع عيني منه أبدًا على غير حسن وجمال! وهو شبيه بقول أبي نواس: يزيدك وجهه حسنًا إذا ما زدته نظرًا ٤ طلوب: مبالغة في طالب. يقول في محبوبه: إنني وقعت في أسر هواه، ووقع هو أيضًا في أسري، فهو يطلبني وأنا أطلبه، وخير الأخلاء من هام بك وهمت به.
[ ١٤٣ ]
وفود أملوك أبا عليٍ ولولا أنت ما كانوا وفودا١
وقال في صفة الشيب "من الخفيف":
يا بياضًا أذرى دموعي حتى عاد منها سواد عيني بياضا٢
وقال أيضًا "من الوافر":
شريف لا ترى قولًا وفعلًا ولا خلقًا له إلا شريفا
وقال أبو الغمر الطهوي٣ "من الخفيف":
ما لجنية المحاسن لا تأوي لخرقٍ كأنه جنى٤
وقال أحمد بن يوسف في بعض كتبه: فشكر الله لك ما أصبحت مشكورًا به. وكتب بعضهم: إن الشكر من الله بأحسن المواضع فازدد منه تزدد به وحافظ عليه تُحفظ به. وقال بعض المحدثين وهو إبراهيم بن الفرج البندنيجي٥ "من البسيط":
تقاصرت همم الأملاك عن ملكٍ أمسى الرجاء عليه وهو مقصور
فوفره بين أهل العرف منتهب وعرضه عن لسان الذم موفور٦
_________________
(١) ١ مفيد: من أفاد المال أعطاه، وأفاده أيضًا: أخذه. أقوى القوم: صاروا بالقواء هو القفر، والمقوى أيضًا الذي لا زاد معه، والمراد: وأنت فقير، صرف الدهر: حدثانه ونوائبه، أمله: رجاه. ٢ أذرت العين دمعها: صبَّته. ٣ مضت ترجمته في البيت "١١٥". ٤ جنية المحاسن: أي فائقتها، تأوي: تسكن، الخرق: الرجل الكريم الحسن الخلق أو الشديد الذي ليس برقيق يعني نفسه، والمعنى: أن محبوبته الفائقة في الحسن لا تواصله وهو كريم النفس حسن الخلق يتحمل الشدائد، فهو دائب السعي يحمل نوائب المعروف حتى صار كأنه جني من طول تحمله وسعيه في سبيل المعروف. ٥ البندنيجي نسبة إلى موضع اسمه البندنيجيين، وورد في الكلام ١٥٠/ ٢. ٦ تقاصرت: عجزت عن بلوغ شأوه، الهمم: جمع همة، الأملاك: جمع ملك، الوافر: المال الكثير، العرف: البذل والجود، أنهب الرجل ماله فانتهبوه ونبهوه وناهبوه بمعنى واحد، والنهب: الغنيمة، عرض الرجل موضع الذم والمدح منه، الموفور: الشيء التام، وفر عليه حقه توفيرًا واستوفره: استوفاه.
[ ١٤٤ ]
وقال أبو نواس "من السريع":
من لم يطب في الناس يومئذ من ريحه -إن مر- لم يطب١
وقال البحتُري "من الطويل":
أنائل جاوزت الأحص وأهله وما جدت المشوق بنائل٢
وقال الطائي في الربيع "من الطويل":
أسائلكم ما باله حكم البلى عليه وإلا فاتركوني أسائله
وقال أيضًا "من الطويل":
ومن كان بالبيض الكواعب مغرما فما زلت بالبيض القواطع مغرما
ومن تيمت سمر الحسان فؤاده فما زلت بالسمر العوالي متيما
تجشم حمل الفادحات وقلما أقيمت صدور المجد إلا تجشما٣
وقال أيضًا "من الطويل":
إلى سالم الأخلاق من كل عائب وليس له مال على الجود سالم
إذا سيفه أضحى على الهام حاكمًا غدا العفو منه وهو في السيف حاكم٤
_________________
(١) ١ يقال: طاب يطيب طيبة، والطيب الرائحة الطيبة العبقة، يصف المحبوبة بعبق الرائحة وطيب النشر ويقول: إن من لم يطب من الناس من طيب رائحة المحبوب وهو مار عليهم لم يطب بعدها. ٢ نائل: اسم محبوبته، جاوزت الأحص مثل يضرب لمن يطلب الشيء بعد فوات موضعه، والأحص: ماء في موضع بهذا الاسم بتهامة، جاد بالشيء: منحه، النائل: العطاء، الصب: ذو الصبابة والشوق، شاقه الشيء فالشئ شائق وهو مشوق. ٣ البيض: النساء الحسان، والبيض الثانية: السيوف، الكواعب: جمع كاعب وهي الفتاة التي كعب ثديها أي بدا للنهود. تيمه الحب: أضناه، سمر الحسان: أي الحسان السمر اللون، والسمر الثانية: الرماح. تجشم الأمر: تكلفه على مشقة، والتجشم: التكلف، والفادحات: الأمور الفادحة وهي الثقيلة، وهي أعباء المجد. ٤ الهام: الرءوس، والمعنى: أنه -أي الممدوح- نبيل الخلق كثير الجود مسلط على الأعداء، سلم خلقه من كل عيب ولم يسلم ماله من تبديد الجود.
[ ١٤٥ ]
وقال "من البسيط":
إن ينج منها أبو نصرٍ فعن قدرٍ ينجى الرجال ولكن سله كيف نجا
وقال آخر -وأظنه متقدمًا لسلمة بن عباس١- "من الطويل":
سمين قريش مانع منك غثه وغث قريش حيث كان سمين٢
وقال البحتري "من الكامل":
سلبوا وأشرقت الدماء عليهم محمرةً فكأنهم لم يسلبوا٣
وقلت "من البسيط":
يا دائم الهجر والتجني دعني من الهجر أو فدعني
فر فؤادي إليك مني فسله عما أردت مني٤
ومن المعيب منه في الكلام أو الشعر قول ذي نواس البجلي "من الطويل":
يتيمني برق المباسم بالحمى ولا بارق إلا الكريم يتيمه٥
_________________
(١) ١ شاعر مخضرم أدرك الدولتين، ومدح عمارة بن حمزة صاحب خراج البصرة للمهدي، وينسب البيت لعروة بن أذينة "٢٠٤/ ٣ بيان". ٢ الغث: اللحم المهزول والحديث الرديء، والسمين: ضد المهزول. ويروى: منك لحمه "٢٥٣/ ٢ الكامل" وهي رواية البيان أيضًا. ٣ سلب الأعداء: أخذ سلبهم، والسلب: المسلوب، والسلب: الاستلاب والاختلاس. ٤ في الديوان "١/ ٩٩" هذان البيتان بوزن آخر وهو المجتث وهما هنا من مخلع البسيط وهما كما في الديوان: يا دائم الهجر دعني من الصدود وقلني فرّ فؤادي مني فسل يحدثك عني والتجني: الدلال والتيه. والمعنى: أيها المحب الدائم الهجر والدلال حسبك هذا، فإما أن تدع هجرك، وإما أن تدعنا وتتركنا، فليس بالخليل الوفي من يهجر ويتجنى على محبيه، وإن قلوبنا فرت من صدورنا وأقامت في حماك فاسألها تنبئك بما تكنه لك من حب ولوعة ووفاء. ٥ تيمه الحب: أضناه شوقًا، البرق: التلألؤ، وبرق السيف وغيره: تلألأ، المباسم: جمع مبسم وهو الثغر. والمعنى: أن مبسم الحبيب الساحر الجميل المتلألئ عند افتراره يزيدني هيامًا ولوعة وكل كريم يتيمه الحسن ويأسره الجمال.
[ ١٤٦ ]
وهذا قد جمع على غثاثته بابين من بديع الكلام، وهما هذا الباب وباب الاستعارة.
وقال منصور بن الفرج "من البسيط":
زدناك شوقًا ولو أن النوى نشرت بسط الملا بيننا بعدًا لزرناك١
وهذا أيضًا قد جمع معنيين من البديع، وليس بشيء.
_________________
(١) ١ النوى: الفراق، البسط: جمع بساط وهو ما يبسط، ومكان بسيط: أي واسع وهو المراد هنا، الملا: القفار الواسعة، والمعنى: دفع بنا الشوق إلى زيارتها ومهما صنع الفراق وباعد بيننا وبين ديارها فلا نكف عن زيارتها.
[ ١٤٧ ]