محاسن الكلام والشعر:
ونحن الآن نذكر بعض محاسن الكلام والشعر، ومحاسنها كثيرة لا ينبغي للعالم أن يدعى الإحاطة بها، حتى يتبرأ من شذوذ١ بعضهما عن علمه وذكره٢، وأحببنا لذلك أن تكثر فوائد كتابنا للمتأدبين، ويعلم الناظر أنا اقتصرنا بالبديع على الفنون الخمسة اختيارًا٣ من غير جهل بمحاسن الكلام، ولا ضيق في المعرفة، فمن أحب أن يقتدي بنا، ويقتصر بالبديع على تلك الخمسة، فليفعل، ومن أضاف من هذه المحاسن أو غيرها شيئًا إلى البديع، ولم يأتِ غير رأينا، فله اختياره.
١- باب الالتفات ٤:
وهو انصراف المتكلم عن المخاطبة إلى الإخبار وعن الإخبار إلى المخاطبة وما يشبه ذلك، ومن الالتفات الانصراف عن معنى يكون فيه إلى معنى آخر. قال الله
_________________
(١) ١ شذ عنه شذوذًا: أي انفرد. ٢ الذكر ضد النسيان. ٣ أي: عن معرفة بالكلام وتذوق له وابتلاء لجيده ورديئه، وهي بالياء لا الباء كما ورد في الأصل. ٤ راجع الباب في الصناعتين "٣٨٣-٣٨٥"، وفي نقد الشعر "ص٨٧"، وفي العمدة "٤٢/ ٢"، وهو عند قدامة وأبي هلال أخص من معناه عند ابن المعتز؛ حيث قصره على المعنى الثاني الذي ذكره ابن المعتز، ويقصد به قدامة ما يشمل التزييل، ويسميه صاحب نقد النثر "الصرف" "ص٧٠ نقد النثر". والالتفات عند صاحب العمدة هو الاعتراض "٤٢ ج٢ العمدة".
[ ١٥٢ ]
جلّ ثناؤه: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ ١. وقال: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ٢، ثم قال: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ ٣. وقال جرير "من الوافر":
متى كان الخيم بذي طلوحٍ سقيت الغيث أيتها الخيام
أتنسى يوم تصقل عارضيها بعود بشامة سقى البشام٤
وقال "من الكامل":
"ودعا الزبير فما تحركت الحبى" ثم رجع إلى المخاطبة فقال:
لو سمتهم أكل الخزير لطاروا٥
وقال الطائي "من الطويل":
وأنجدتم من بعد إتهام داركم فيا دمع أنجدني على ساكني نجد٦
وقال جرير "من الكامل":
طرب الحمام بذي الأراك فشاقني لا زلت في غلل وأيك ناصر٧
_________________
(١) ١ سورة يونس، آية: ٢٢. ٢ سورة فاطر، آية: ١١. ٣ سورة إبراهيم، آية: ٢١. ٤ ذو طلوح: واد فيه شجر كثير من الطلح، والطلح: شجر عظام من شجر العضاة. الغيث: المطر. صقل السيف: جلاه. عارضتا الإنسان: صفحتا خديه، وفلان خفيف العارضين: يراد به خفة شعر عارضيه. البشام: شجر طيب يستاك به. ٥ احتبى: جمع بين ظهريه وساقيه بثوب، والاسم الحبوة بفتح الحاء وضمها. الخزير: طعام شبه عصيدة. سامه: كلفه وسامه ذلًّا أولاه إياه وأراده عليه. ولعله يريد بالزبير عبد الله بن الزبير الذي خرج على الدولة الأموية في الحجاز وقتل سنة ٧٣هـ. ٦ أنجد: دخل في بلاد نجد. وأتهم: دخل في تهامة، وقد سبق البيت في التجنيس. ٧ ذو الأراك: مكان فيه شجر أراك كثير. الأيك: الشجر المتلف. الغلل: المكان الخصب الذي يجود بالغلة.
[ ١٥٣ ]