"١"
في مكتبة الاسكوريال بمدريد برقم ٢٢٨ آداب توجد نسخة خطية من كتاب البديع للخليفة العباسي الشاعر أبي العباس عبد الله بن المعتز المقتول في عام ٢٩٦هـ وهي النسخة الوحيدة الموجودة من الكتاب في جميع مكتبات العالم.
وقد قام المستشرق الروسي اغناطيوس كراتشقوفسكي بنشر الكتاب باللغة العربية، معتمدًا على نسخة الاسكوريال الخطية، وطبعه عام ١٩٣٥ بمطبعة استيفن أوستن بمدينة هرت فورد بإشراف لجنة تذكار جب الإنكليزية.
وكان الأستاذ كراتشقوفسكي عضوًا بأكاديمية العلوم بليننغراد عاصمة روسيا الأولى، وقد أنعمت حكومة السوفيت عليه في يونيو عام ١٩٤٤ بوسام لينين؛ لأنه أنقذ مكتبة ليننغراد، فبقيت في مأمن من الضرب والتلف، بفضل ما بذله من جهود في خلال حصار المدينة وضربها بمدافع الألمان وقنابل طائراتهم في الحرب العالمية الثانية١.
وهو من المستشرقين الذين وقَّفوا وقتهم وجهودهم على دراسة العَلاقات بين الإسلام والبلدان الداخلة في الاتحاد السوفيتي على الخصوص، وله في ذلك مباحث قيمة، وهو الذي نشر كتاب البديع لعبد الله بن المعتز الخليفة العباسي البائس، كما أنه نقل إلى الروسية كتاب الأيام للدكتور طه حسين.
_________________
(١) ١ راجع المصري عدد ١٧ يونيو ١٩٤٤.
[ ٥٥ ]
وقد أخرج هذا المستشرق الكتاب بالعربية في سبع وسبعين صفحة، وأضاف إليه عدة فهارس وتعليقات ومقابلات، ويستغرق ذلك نحو مائة صفحة أخرى، والمجهود الذي قام به الأستاذ الروسي مجهود منظم؛ ولكن الكتاب الذي نشره مملوء بالأخطاء والتحريفات، وقلما يهتدي الأستاذ إلى تصحيح أخطائه الكثيرة.
وقد تسنَّى للباحثين بعمل هذا المستشرق الاطلاع على هذا الكتاب الفذ النادر، والإفادة بما فيه من بحوث تعتبر المصدر الأول للمؤلفين في البلاغة والبيان وفن البديع، الذي يعتبر ابن المعتز أوَّل مَن ألَّف فيه، كما يقول ابن رشيق١ في عمدته وسواه من العلماء٢، وكما يقول ابن المعتز نفسه في هذا الكتاب؛ إذ يقول: "وما جمع فنون البديع ولا سبقني إليه أحد"٣.
وقد حفزني ما لهذا الكتاب من أثر علمي كبير، وما يحتاج إليه من جهود جديدة تخدمه وتنير السبيل لدراسته، إلى القيام بشرحه والتعليق عليه، موجهًا عنايتي إلى الإشارة إلى كثير من المصادر الأدبية الهامة في مراجعة نصوصه، وإلى المقابلة بين روايات الكتاب وروايات هذه المصادر، وإلى الترجمة للأعلام الواردة في الكتاب، وإلى شرح نصوصه الأدبية شرحًا أدبيًّا واسعًا، ثم إلى كتابة كلمة تحليلية للكتاب وأثره العلمي الخالد.
وهذا المجهود الذي بذلته -على أنه شاق- يعتبر ضرورة لازمة لهذا الكتاب، وتتميمًا للخطوة الأولى التي بدأ بها ناشره، وخدمة أدبية كبيرة لكتاب يستحق هذه الخدمة وتلك الجهود، وهو تذليل واسع النطاق للصعوبات الكثيرة التي تحيط بدراسي الكتاب وقارئيه، فوق أنه عمل جديد في ميدان البحث العلمي والأدبي جميعًا.
_________________
(١) ١ العمدة لابن رشيق ٢٣٥/ ١ طبع القاهرة ١٩٣٤. ٢ ٤٥/ ٢ أدب اللغة لمحمد دياب، ١٤٦/ ١ معاهد التنصيص، ٢٧٦ أدب اللغة للزيات، ٢٠٨ مجموعة النظم والنثر. ٣ ١٠٦ البديع.
[ ٥٦ ]
"٢"
وقد ألف هذا الكتاب عام ٢٧٤هـ، ألفه الأمير العباسي الشاعر الأديب العالم أبو العباس عبد الله ابن الخليفة المعتز بالله ابن الخليفة المتوكل ابن الخليفة المعتصم ابن هارون الرشيد أعظم خلفاء بني العباس، ونسخه منه صديقه الأديب الشاعر الناقد ابن يحيى بن أبي المنصور المنجم.
وقد ألفه وسنه إذ ذاك سبعة وعشرون عامًا؛ أي: بعد أن استكمل الكثير من خصائص شخصيته الثقافية والأدبية؛ فكان إذ ذاك الشاعر الملهم، والأديب الفذ، والكاتب البليغ، والناقد الواقف على خصائص الأدب والبيان، والعالم المحيط بكثير من ألوان الثقافة العربية، وكانت ظروف الحياة السياسة إذ ذاك تبعد ابن المعتز عن السياسة وتصله بالعلم والأدب، فقَتْلُ أبيه المعتز عام ٢٥٥هـ، وما استتبعه من أحداث، مما أبعد عرش الخلافة عن بيت ابن المعتز إلى بيوت أعمامه وأبناء أعمامه، وجعله محاطًا بالشك والريبة من نفوس هؤلاء وهؤلاء، وكاد أن يقضى على آماله الواسعة وهو في مستهل حياته وفي مقتبل شبابه، وفُرض عليه أن يظهر الوئام مع رجال الحياة السياسة إبان ذاك، وأن يبدي لهم طيب طويته وإخلاص سريرته؛ حتى يطمئن هؤلاء الخلفاء وولاة العهد من جهته، فأخفى ابن المعتز أمانيه المتغلغلة في أعماق نفسه، وعاش للفن والعلم يروي ظمأه من مشاربهما العذاب.
ولون الثقافة البادية على الكتاب هو الثقافة العربية الخالصة من شوائب الثقافات الأخرى، فهو مظهر لثقافة أدبية واسعة، تنمُّ عن اطلاع عميق على كتب الأدب والنقد والبيان التي كانت في متناول الشباب الناشئين إذ ذاك، لا سيما كتب الجاحظ عامة، والبيان والتبيين خاصة، كما تنم عن نشأة عالية على يد شيوخ العربية وأئمتها، الذين تتلمذ عليهم ابن المعتز في ذلك العهد. والظاهر: أن كتاب البديع هو من أوائل مؤلفات ابن المعتز١، وأنه ألفه قبل أن يلم بثقافة أخرى
_________________
(١) ١ لم يُشِر ابن المعتز في كتاب البديع إلى مؤلَّفات له، اللهم إلا كتابه "الفصول القصار".
[ ٥٧ ]
سوى الثقافة العربية؛ ولذلك فهو نتاج عربي خالص سبق فترة التلقيح التي مرت على تطور البيان العربي بعد عهد ابن المعتز وعلى يد قدامة ومَن تلاه من أئمة النقد والبيان، وإذا ما قارنَّا بين البديع لابن المعتز وفصول التماثيل أحد مؤلفاته الذي ألفه في أواخر حياته وجدنا الأول عربيًّا خالصًا في ثقافته من حيث كان الثاني مظهرًا لثقافة منوعة متعددة تستمد من شتى الثقافات ما تعرضه عليك من آراء وبحوث.
"٣"
وكتاب البديع بعد ذلك كله حافل بالنصوص الأدبية من الشعر والنثر التي جمعها ابن المعتز حين أخذ يعرض ألوان البديع، وساقها في نظام جميل، فهو يعرض عليك ما يجده لهذا اللون البديعي أو ذاك من نصوص أدبية من القرآن واللغة وأحاديث رسول الله حاذفًا منها أسانيدها، ومن كلام الصحابة والأعراب وغيرهم من جلة الكُتَّاب وزعماء البلاغات، ثم من عيون الشعر العربي مبتدئًا بشعر الجاهليين ثم الإسلاميين ثم المحدثين، وهذا -كما يقول ابن المعتز- "ليعلم أن بشارًا ومسلمًا وأبا نواس ومن تقيلهم لم يسبقوا إلى هذا الفن -أي: البديع- ولكنه كثر في أشعارهم، فعرف في زمانهم، حتى سُمي بهذا الاسم، ثم أكثر حبيب بن أوس الطائي منه، فأحسن في بعض ذلك وأساء في بعض، وتلك عقبى الإفراط، وإنما كان يقول الشاعر من هذا الفنّ البيت والبيتين في القصيدة، وربما قُرئت من شعر أحدهم قصائد من غير أن يوجد فيها بيت بديع"، وإنما غرضنا من هذا الكتاب تعريف الناس أنّ المحدثين لم يسبقوا المتقدمين إلى شيء من أبواب البديع.
وينم كلام ابن المعتز هذا على جدل أدبي حول البديع واستساغته في الشعر وسائر ألوان الأدب العربي؛ ففريق من رجال العربية رآه تكلفًا يذهب بروعة الطبع وسحر الملكات في الأداء، فذمَّه وعابه، وتنقص الشعراء البديعيين، ذاهبًا
[ ٥٨ ]
إلى أن البديع لو كان خيرًا لكان القرآن والحديث وشعر المتقدمين من الجاهليين والإسلاميين أَوْلَى به من شعر المحدثين وأدب المحدثين، وفريق آخر ذهب إلى استحسانه، ولم يرَ في توشية نتاج الطبع بألوان الصنعة الساحرة شيئًا من الإثم يستحقون عليه المؤاخذة، فألَمُّوا بفنون من البديع في آثارهم الأدبية المختلفة، وكان من نتائج هذا الخلاف الأدبي الواسع أن وجد مذهب بياني وسط بين مذهب الناقمين على البديع ومذهب المسرفين فيه، يدعو إلى قبول هذا الوشي البديعي في الأداء، ما دام قريبًا من الطبع، بعيدًا عن الصنعة والتكلف، يتطلبه الغرض الذي سيق له، والأسلوب الذي سيق فيه، ولعل في ما ذكره ابن المعتز عن أبي تمام في كلمته السابقة ما يدل على أنه هو نفسه كان ينحو نحو هذا الاتجاه، ونقول: إن هذا هو نفس اتجاه الجاحظ، فحين ذكر السجع ذكر آراء رجال البيان فيه استساغة وذمًّا، ثم ذكر وجه من ذمه، ثم ذهب إلى إيثار المطبوع منه دون المتكلَّف١، وقد أيد ابن المعتز رأيه بالبحث عما في الكتاب والحديث والشعر الجاهلي والإسلامي من بديع.
"٤"
ولقب البديع ليس لقبًا مستحدثًا في عهد ابن المعتز؛ ولكنه اسم لهذه الألوان الساحرة في الأسلوب، ولهذا الترف البياني في الأداء؛ من استعارة وتشبيه وتجنيس وطباق إلخ، سماه به مسلم بن الوليد الشاعر "م٢٠٨هـ"، وكان يعرف قبل ذلك باللطيف٢، ودرج على هذا اللقب مَن بعده من العلماء والأدباء، وقد
_________________
(١) ١ البيان والتبيين ص١٩٤، ١٩٥/ ١. ٢ راجع ١٠/ ٢ معاهد التنصيص.
[ ٥٩ ]
ذكر الجاحظ البديع في "البيان والتبيين" قال: "والراعي كثير البديع في شعره، وبشار حسن البديع، والعتابي يذهب شعره في البديع".
وقال: "والبديع مقصور على العرب ومن أجله فاقت لغتهم على كل لغة وأربت على كل لسان".
وقد ساق ذلك عرضًا حين ذكر بيت الأشهب بن رميلة:
هم ساعد الدهر الذي يتقى به وما خير كف لا تنوء بساعد
قال الجاحظ: قوله: "هم ساعد الدهر" إنما هو مثل، وهذا الذي تسميه الرواة البديع١.
وذكر الجاحظ العتابي ثم قال: "وعلى ألفاظه وحذوه ومثاله في البديع يقول جميع مَن يتكلف ذلك من شعراء المولدين؛ كالنمري ومسلم وأشباهما، وكان العتابي يحتذي حذو بشار في البديع، ولم يكن في المولدين أصوب من بشار وابن هرمة "البيان ج١ ص٥٤، ٥٥".
فلقب "البديع" كان معروفًا -كما قلت- قبل ابن المعتز٢. أما ألقاب ألوانه وفنونه فبعضها كان معروفًا قبله كالتشبيه، فقد ذكر الجاحظ له شواهد في بيانه "ج٢ ص٢٢٩"، وتكلم عنه ثعلب في قواعد الشعر "ص١٤-١٨ طبع ليدن"، وعقد المبرد "م سنة ٢٨٥هـ" في كامله بابًا واسعًا لدراسة التشبيه وتحليل كثير من أبلغ شواهده الأدبية "راجع ٣٥-١٠١/ ٢ الكامل، طبعة ١٣٥٥هـ بالقاهرة"، وما كتبه المبرد وثعلب عن التشبيه كان أساسًا لابن المعتز وسواه، وكالاستعارة ذكرها الجاحظ وعرفها بأنها "تسمية الشيء باسم غيره إذا قام مقامه" "بيان ج١ ص١١٦"، وعرفها ثعلب في قواعد الشعر بأنها أن يستعار للشيء اسم غيره أو معنى سواه "ص٢١"، وكالتقسيم والتفصيل "بيان
_________________
(١) ١ البيان والتبيين ٢٤٢/ ٣. ٢ ويقول ابن المعتز في كتابه: البديع اسم موضوع لفنون من الشعر يذكرها الشعراء ونقاد المتأدبين منهم. فأما العلماء باللغة والشعر القديم فلا يعرفون هذا الاسم ولا يدرون ما هو وما جمع فنون البديع ولا سبقني إليه أحد "ص١٠٦".
[ ٦٠ ]
ج٢ ص٩١، ٩٢ وج١ ص١٧٠"، وكالاستطراد الذي أشار إليه الجاحظ دون أن يذكر اسمه ويسميه ابن المعتز: حسن الخروج "ج٣ ص٢٠٥ وج١ ص١٣٨"، وأبو تمام هو الذي سماه استطرادًا١، وكجودة الابتداء، ويسميها المتأخرون: حسن الابتداء وبراعة الاستهلال، وجودة القطع والقافية "بيان ج١ ص٨٩، ٩٠"، ويعني بها استقرار خاتمة الكلام وقافية البيت في مقرها وحسن ملاءمتها للغرض المقصود ولما قبلها من الكلام.
قال ابن رشيق في العمدة: "ورواية الجاحظ تدل على أن المقطع آخر البيت والقصيدة، وهو بالبيت أليق "١٩٠/ ١ العمدة" وكالمذهب الكلامي، والجاحظ هو الذي سماه هذا الاسم٢، وهو القياس المضمر عند أصحاب الخطابة والمنطق، والتطبيق كان معروفًا بمعنى إصابة الكلام الغرض المسوق له"، أو كما يقول الرماني: "مساواة المقدار من غير زيادة ولا نقصان".
واختاره ابن رشيق٣، وذكره الجاحظ كثيرًا في بيانه٤، وهو بهذا المعنى خلاف ما عرف عند ابن المعتز حيث سماه "مطابقة" مريدًا به الجمع بين الشيء وما يقابله في الكلام٥؛ ولكن الأصمعي سبق ابن المعتز إلى ذلك وتسميته بالمطابقة "٦/ ٢ العمدة" ويسميه قدامة في نقد الشعر: التكافؤ٦، ويسميه ثعلب في "قواعد الشعر": مجاورة الأضداد "ص٢٤ طبع ليدن"، وكالإفراط في الصفة، فقد ذكر ابن قتيبة في الشعر والشعراء كثيرًا مما أخذه على الشعراء من إفراط، مسميًا لهذا النوع من المبالغة بهذا الاسم، فيقول في
_________________
(١) ١ راجع ص٤ مقدمة ديوان البحتري طبع ١٩١١ بالقاهرة، و٣٨/ ٢ العمدة. ٢ ١٠١ البديع، ٧٥/ ٢ العمدة لابن رشيق. ٣ ٦/ ٢ العمدة. ٤ ٨٦-٨٩/ ١، ١٣٣/ ٢ البيان والتبيين. ٥ ويسميه ثعلب المطابق "٢٤ قواعد الشعر طبع ليدن"، وتبعه قدامة فسمى نوعًا من الجناس بذلك الاسم "٩٦ نقد الشعر". ٦ ٨٥ نقد الشعر.
[ ٦١ ]
مهلهل وهو أحد الكذبة لقوله: "ولولا الريح " البيت١، ويقول في النمر بن تولب: ومن إفراطه قوله يصف السيف إلخ٢، ويذكره المبرد في كامله كثيرًا٣، ويذكره ثعلب في "قواعد الشعر" "ص١٨، ١٩ طبع ليدن".
وأما التجنيس٤ والاعتراض والالتفات وتأكيد المدح بما يشبه الذم وتجاهل العارف والتعريض٥ وحسن التضمين والرجوع ورد الأعجاز على الصدر والهزل الذي يراد به الجد، فتكاد كلها أن تكون ألقابًا خصصها ابن المعتز ابن المعتز بمدلولاتها الفنية.
"٥"
أما موضوع كتاب البديع فهو ذكر لألوان البديع وشواهدها في الأدب العربي شعرًا ونثرًا، ويذكر مؤلفه ما أثر للون البديعي من شاهد في كتاب الله، ثم في حديث رسوله، ثم في كلام الصحابة وسواهم، ثم الأعراب وبلغاء الكُتَّاب، ثم يذكر كثيرًا مما أثر له من شواهد في الشعر العربي: الجاهلي فالإسلامي فشعر المحدثين، ويختم الكلام على كل لون بذكر ما عيب من شواهده المتكلفة الخارجة عن حدود البلاغة وسحر البيان.
والبديع عند ابن المعتز خمسة أنواع:
الاستعارة، التجنيس، المطابقة، رد أعجاز الكلام على ما تقدمها، المذهب الكلامي.
_________________
(١) ١ الشعر والشعراء ص٩٩. ٢ الشعر والشعراء ص١٠٦. ٣ ١٧٣/ ١، ٤٦، ٨٧/ ٢ الكامل للمبرد ط١٣٥٥ بالقاهرة. ٤ راجع إعجاز القرآن للباقلاني ص٧٩. ٥ في قواعد الشعر لثعلب "ص١٩ طبع ليدن" يذكر "لطافة المعنى"، ويعرفها بأنها: الدلالة بالتعريض على التصريح، ثم يذكر أمثلة كثيرة لها.
[ ٦٢ ]
ويجعل ابن المعتز ما عدا ذلك من محاسن الكلام والشعر ويقول: إنها كثرة، ولا يرى حرجًا في إضافة هذه المحاسن أو غيرها إلى البديع١، وذكر من هذه المحاسن ثلاثة عشر نوعًا؛ وهي:
الالتفات، الاعتراض، الرجوع، حسن الخروج، تأكيد المدح بما يشبه الذم، تجاهل العارف، الهزل الذي يراد به الجد، حسن التضمين، التعريض والكناية، الإفراط في الصفة، حسن التشبيه، لزوم ما لا يلزم، حسن الابتداء.
وبذلك تنتهي ألوان البديع ومحاسن الكلام وينتهي معها الكتاب.
ويقول السيوطي عن البديع٢: "أول مَن اخترع ذلك ابن المعتز فجمع منها سبعة عشر نوعًا، وعاصره قدامة فجمع منها عشرين نوعًا، تواردا منها على سبعة، فكان جملة ما زاده ثلاثة عشر نوعًا، فتكامل بها ثلاثون نوعًا، ثم تتبَّعها الناس فجمع العسكري سبعة وثلاثين، ثم جمع ابن رشيق مثلها وأضاف إليها خمسة وستين بابًا من الشعر، وتلاهما شرف الدين الشاشي، فبلغ بها السبعين ثم تكلم فيها ابن أبي الأصبع واستخرج عشرين، وكتابه المحرر أصح كتب هذا الفن لاشتماله على النقل والنقد إلخ".
وهذا رأي ابن السبكي أيضًا، وهو صحيح؛ فنحن نجد ألوان البديع عند ابن المعتز هي ثمانية عشر لا سبعة عشر٣، وهو عند أبي هلال سنة وثلاثون يضاف إليها التشبيه الذي ذكر في بحث مستقل٤، ومنها سبعة من زياداته؛ وهي: التشطير، المجاورة، التقرير، المضاعفة، الاستشهاد، التلطف، المشتق٥، وهي عند قدامة عشرون نوعًا لا غير: الترصيع، التصريع، الغلو أو الإفراط، صحة التقسيم، صحة المقابلة، صحة التفسير، التتميم، المبالغة، التكافؤ، الالتفات، الاستغراب أو الطرافة، المساواة،
_________________
(١) ١ ١٠٦ البديع. ٢ شروح التلخيص ج٤ ص٤٦٧، شرح عقود الجمان للسيوطي ص٩٢. ٣ اللهم إلا إذا لم يعد الإعنات "لزوم ما لا يلزم". ٤ ٢٢٦ صناعتين وما بعدها. ٥ الصناعتين ص٣٩٩-٤١٦ وص٢٥٨ أيضًا.
[ ٦٣ ]
الإشارة، الإرداف، حسن التشبيه، التمثيل، المطابق أو المجانس، التوشيح، الاستعارة، الإيغال.
ويتفق قدامة مع ابن المعتز في سبعة أنواع منها، كما قال ابن السبكي؛ وهي: الغلو أو المبالغة "أو الإفراط في الصفة كما يسميه ابن المعتز"، التكافؤ "أو المطابقة كما يسميه ابن المعتز"، المجانس "أو التجنيس كما لقبه به ابن المعتز"، حسن التشبيه، الالتفات١ "ومعناه عند ابن المعتز غير معناه عند قدامة٢"، الكناية٣، الاستعارة.
"٦"
ولكتاب البديع ميزات كبيرة الأهمية:
فهو ينحو في دراسة البديع وفنونه دراسة تطبيقية واسعة، لها أثرها في تكوين الملَكة والذوق، وفي دعم الفكرة والرأي في نفس القارئ، وحسبك أن الكتاب يشتمل على ٣١٣ شاهدًا من عيون الشعر العربي تبلغ حوالي ٤٢٥ بيتًا أو يزيد، فوق ما اشتمل عليه من بليغ الشواهد من: الذكر الحكيم، وحديث رسول الله، وكلام الصحابة والأعراب، وبلغاء الكُتَّاب. والكِتَاب مع ذلك مطبوع بالطابع الأدبي الخالص؛ فهو خلو من الاصطلاحات العلمية، وتحديدات المنطقيين العميقة، وهو يكتفي في توقيفك على مدلول اللون البديعي بشرح أدبي موجز حينًا، وبما تدل عليه الشواهد حينًا آخر، وبأسلوب واضح يفيض بلاغة وسهولة.
ويمتاز بحصافة الذوق وسَعَة الاطلاع وحسن الاختيار في جميع شواهد الكتاب.
_________________
(١) ١ راجع ٨٧ نقد الشعر، ٣٨٣ الصناعتين. ٢ يعني به قدامة ما يشتمل التذييل وشبه كمال الاتصال. ٣ يسميها قدامة الإرداف مريدًا بها المعنى الاصطلاحي المعروف لكلمة كناية، وهي عند ابن المعتز مراد بها المعنى اللغوي العام.
[ ٦٤ ]
وكذلك بالنظام الدقيق في العرض مما يتجلى لك في جميع أبواب الكتاب.
والكتاب يعد أول خطوة عملية موفقة في التأليف في البديع وفي البيان، فلا شك أن بعضًا من موضوعات الكتاب كالاستعارة والتشبيه هما العمود الفقري للبيان العربي عند علماء البلاغة والبيان، أما ما عداهما من أنواع البديع الباقية التي احتوى عليها الكتاب فهي أهم أبواب البديع عند علماء البديع.
"٧"
وقد ألف ثعلب -إمام١ العربية "م٢٩١هـ"- كتابًا سماه "قواعد الشعر"، وكان هو أحد مؤلفات هذا العالم الكبير، وللمبرد كتاب اسمه "قواعد الشعر" أيضًا، لا ندري عنه ولا عن موضوعه شيئًا، ولا نعلم مَن منهما الذي سبق بتأليف كتابه، وإن كان يغلب على ظني أن ثعلبًا هو السابق بتأليف كتابه لتقدمه في السن، والكتاب جديد في شتى نواحيه.
أما من حيث موضوعه، فقد درس ثعلب في الكتاب هيكل الشعر العربي دراسة عامة جيدة جميلة مبتكرة، فتكلم على قواعد الشعر العامة وأنها أربع: أمر ونهي وخبر واستخبار، ولا شك أن ذلك لا يختص بالشعر وحده؛ بل النثر مثله فيه، وعرض لفنون الشعر وقسمها إلى: مدح وهجاء ومرثية واعتذار وتشبيه وتشبيب واقتصاص أخبار، وذكر شواهد للتشبيه الجيد، وشواهد لرائع المديح، ثم تحدث عن المبالغة "الإفراط في المعنى"، وذكر شواهد لها من الشعر العربي، وعن لطافة المعنى "التعريض والكناية بدل التصريح" وشواهدها، والاستعارة ومثلها، وحسن الخروج أو التخلص -كما يقول البلاغيون- ومجاروة الأضداد أو الطباق -كما يسميه البلاغيون- والمطابق وهو نوع من الجناس، مع ذكر نماذج لكل باب من هذه الأبواب من جيد الشعر الجاهلي والإسلامي والأموي، دون أن
_________________
(١) ١ راجع ١٣٤/ ٥ معجم الأدباء.
[ ٦٥ ]
يتخطى ذلك في الاستشهاد إلى شعر المحدثين، ثم عرف الجزالة في الشعر، وتكلم على اتساق النظم ومحترزاته، وأخيرًا نجده يقسم الشعر خمسة أقسام، ويتحدث عن كل قسم ويحدده ويوضحه ويذكر شواهد كثيرة له، وبذلك ينتهي الكتاب.
والكتاب أول أثر علمي لعالم من علماء القرن الثالث يتحدث فيه مؤلفه عن الشعر بهذا اللون من الدقة والتحديد والوضوح والفَهْم للشعر والأدب والتذوق لهما والوقوف على آثار بلاغتهما.
و"البديع لابن المعتز" "م٢٩٦هـ" لا يشارك "قواعد الشعر" في هذا؛ لأن ابن المعتز ألف "البديع" ليتحدث فيه عن ألوان البديع العامة كما كان يعرفها هو ويعرفها عصره، لا ليتحدث عن الشعر بمثل هذا الحديث الفني. و"الرسالة العذارء" لابن المدبر "م٢٧٩هـ" لا تشارك "قواعد الشعر" في ذلك أيضًا؛ لأنها إلى البلاغة أقرب منها إلى الحديث عن الشعر. و"الكامل" للمبرد "م٢٨٥هـ" ليس فيه أثر للتخصص في دراسة الشعر أو البديع أو البلاغة بوجه عام. و"البيان" للجاحظ وما فيه من دراسات عن الشعر أو النقد أو البيان هي عامة لا تخصص فيها، والكتاب لم يؤلف لها، وأحكامه الأدبية والبيانية أحكام مقاربة ليس فيها مثل هذا الوضوح ولا مثل تلك الدقة.
وأما أثر قواعد الشعر في البيان فهو -ولا شك- أثر كبير، فنحن نجد أنفسنا لأول مرة أمام يؤلف ويكتب ويتحدث عن كثير من ألوان البديع والبيان: كالتشبيه، والاستعارة، ولطافة المعنى، أو التعريض والكناية كما نقول نحن، وكالإفراط في المعنى "المبالغة"، وحسن الخروج، ومجاورة الأضداد "الطباق"، والمطابق "لون من ألوان الجناس"، والثلاثة الأنواع الأولى هي أصل علم البيان، وباقي الأنواع هي أبرز ما في البديع من فنون، وابن المعتز -من غير شك- مدين لأستاذه ثعلب في هذه الدراسة، فنحن نكاد نجزم بأن ثعلبًا ألف هذا الكتاب قبل أن يؤلف ابن المعتز كتابه "البديع" عام ٢٧٤هـ؛ لأن ثعلبًا عالم معمر، ولأنه لو كان ابن المعتز قد سبقه بالتأليف لما أمكن ثعلبًا أن يقف عند هذا الحد في عرض
[ ٦٦ ]
ألوان البيان والبديع الساحرة في الشعر العربي والتي ألَمَّ بها ابن المعتز، مثل: الالتفات والاعتراض وتجاهل العارف والهزل يراد به الجد وحسن الابتداء وحسن التضمين وتأكيد المدح بما يشبه الذم والمذهب الكلامي وغيرها؛ إذ كان ثعلب -ولا شك- سيستفيد من دراسات ابن المعتز -لو كان ابن المعتز قد ألف كتابه "البديع" قبل أن يؤلف أستاذه "قواعد الشعر"- وسيحاول أن يقتبس منها بعض الاقتباس في كتابه.
فثعلب -إذن- هو أول مَن كتب في مؤلَّف عن هذه الألوان البيانية والبديعية بمثل هذا الوضوح والعرض والنظام، وذلك أثر غير قليل لثعلب في فن البيان.
ومن الغريب ألا يشير ابن المعتز في "البديع" إلى كتاب "قواعد الشعر" مع أنه ساق بعض الشواهد الواردة في "قواعد الشعر"، ومع أنه قريب في تحديد الاستعارة وغيرها من أستاذه ثعلب؛ بل ومن الغريب أيضًا أن يخالفه في تسميه "المطابق" الذي سماه ثعلب "مجاورة الأضداد"، وفي تسمية "الجناس" الذي سمى ثعلب نوعًا منه "المطابق"؛ ولكن لا ضير في اختلاف الاصطلاحات، فلكل مؤلف أو مبتكر الحق في تسمية ما يشاء بما يشاء، ومن قبل ذكر أرسطو أنه مطلق لكل أحد احتاج إلى تسمية شيء ليعرفه به أن يسميه بما شاء من الأسماء١؛ ولكن الغريب حقًّا أن يقول ابن المعتز عن نفسه: "وما جمع فنون البديع ولا سبقني إليه أحد"٢، فلا شك أن لثعلب الفضل في أنه جمع في "قواعد الشعر" أهم ألوان البديع التي ذكرها ابن المعتز في كتابه مثل: التشبيه والاستعارة ولطافة المعنى والتعريض ومجاورة الأضداد والمطابق، وهذه الأنواع هي أهم ما في كتاب "البديع" لابن المعتز من ألوان البديع، و"قواعد الشعر" يمتاز بأنه يعرض لأصل هام في البلاغة العربية بتقسيمه الشعر إلى: خبر واستخبار وأمر ونهي.
_________________
(١) ١ ٧٤ نقد النثر ط ١٩٣٧. ٢ ١٠٦ البديع.
[ ٦٧ ]
وأما أثر الكتاب في الأدب والشعر فلا شك فيه لوضوحه، فهذا الحديث عن الشعر بهذا الأسلوب قد أفاد دراسات الشعر ودراسات الأدب جميعًا، فوق ما في الكتاب من شواهد كثيرة من جيد الشعر العربي تبلغ نحو المائتي بيت، فوق هذا العرض الجميل لفنون الشعر وألوانه العامة.
وأما أثره في النقد الأدبي بمعناه العام، فالكتاب نراه يتحدث عن الجزالة في الشعر، وعن اتساق النظم، وعن أقسام أخرى للشعر في أسلوب جيد وعرض هو إلى النقد أقرب منه إلى الشعر أو البلاغة، مما لا شك في قيمته في النقد فوق قيمته في دراسات الشعر.
"٨"
ويرجع قدامة إلى "البديع" في كتابه "نقد الشعر"، وكذلك رجع إليه الآمدي كثيرًا حين ألف موازنته١.
وكتاب "الصناعتين" لأبي هلال -في الباب التاسع الذي وقفه على دراسة أنواع البديع٢- يكاد يكون صورة مطابقة لبديع ابن المعتز تمام المطابقة، فهو يعرض عليك اللون البديعي كما عرضه ابن المعتز، وينقل كل الشواهد التي احتواها كتاب "البديع"، ولا يزيد عليها إلا القليل من الشواهد للشعراء المتأخرين عن عصر ابن المعتز.
وكذلك كان مصدرًا كبيرًا لابن رشيق حين درس في عمدته ألوان البديع،
_________________
(١) ١ راجع ص٧، ٨، ٩، ١٤، ٦١، ١٢٢، ١٢٤ من الموازنة "طبع صبيح". ٢ ٢٥٧-٤١٦ صناعتين.
[ ٦٨ ]
وقد أشاد به العارف بقيمته وخطره١، ونقل عنه الكثير من شواهد فنون البديع في عمدته، ويشير إليه الباقلاني في إعجاز القرآن، ويأخذ منه٢.
وكثير من مثل ألوان البديع عند علماء البلاغة المتأخرين -كالخطيب ومَن سواه- هي من شواهد كتاب البديع، سبقهم إلى جمعها من شتى أبواب الأدب العربي، وأحصاها في كتابه القيم "البديع".
و"للبديع" أهميته الكبيرة في فَهْم نشأة البديع وتطوره في الأدب العربي وعلى مرور عصوره الأدبية المختلفة، وهو من هذه الناحية كبير الأثر عظيم الخطر، وكل من عرض لنشأة البديع وتطوره من علماء النقد -كالآمدي والقاضي الجرجاني وسواهما- فلا شك أنه كان متأثرًا بكتاب البديع.
ولا يفوتنا أن نشير إلى أهم المصادر لكتاب البديع، وأَجَلُّ هذه المصادر وأهمها كتاب "قواعد الشعر" لثعلب الذي احتذاه ابن المعتز في التأليف والبحث في أساليب البديع، وكتاب "البيان والتبيين" للجاحظ؛ حيث أخذ منه ابن المعتز كثيرًا من النصوص والشواهد المختارة من بديع النثر الأدبي، وقد أخذ ابن المعتز من حماسة أبي تمام بعض شواهد البديع من الشعر العربي.
كما لا يفوتنا أن نشير إلى أننا قد وضعنا بعض عناوين للكتاب من عندنا٣.
وأخيرًا، فهذا هو كتاب البديع، وهذا مجهودنا الشاق في شرحه شرحًا أدبيًّا مستفيضًا، وفي الترجمة لجميع الأعلام الواردة فيه٤، وفي تحقيق الكثير من رواياته الأدبية، وفي تحليل الكتاب الذي عرضناه عليك في هذه المقدمة.
نعرض كل ذلك على الباحثين، راجين أن نكون قد أصبنا الهدف فيما نشدناه من توفيق، وأردناه من خدمة لهذا الأثر الخطير.
_________________
(١) ١ ١١٠، ٢٣٥/ ١ العمدة. ٢ راجع ص٦٩، ٧٩ وما بعدها، ٨١ من إعجاز القرآن للباقلاني "طبع القاهرة ١٣٤٩هـ"، ففي الموضع الأول يشير إليه، وفيما بعده يأخذ منه دون إشارة إليه. ٣ كما أننا صححنا أخطاء الأصل الخطي للكتاب الذي نشره المستشرق الروسي، وكل كلمة تناولناها بالتصحيح فقد أشرنا إلى أصلها كما ورد في أصل الكتاب، وبينا ذلك في هامش هذا الشرح. ٤ في هذا الشرح نحو مائتي ترجمة، وفيه شرح نحو ٤٢٠ بيتًا من الشعر، فوق ما فيه من شرح النصوص النثرية وتحقيق الروايات الأدبية.
[ ٦٩ ]