الفصل الثاني: ابن المعتز وجهوده في دراسات البيان
"١"
لابن المعتز منزلة كبيرة في البيان العربي؛ فقد ألَّف فيه كتابه "البديع"، الذي عدَّد فيه شتى أساليب البديع ومحاسن الشعر كما عرفها ابن المعتز وعصره، وهذا الكتاب ليس قاصرًا على البديع بالمعنى الضيق المحدود؛ لأن ابن المعتز يذكر فيه الكناية والاستعارة والتشبيه، وهي من صميم البيان العربي، يذكر فيه الكناية ولكنه يريد بها معناها اللغوي وهو أعم من المعنى الاصطلاحي المعروف، فإذا قلنا: إن ابن المعتز ألَّف في البيان؛ فقد سرنا مع الحق والتفكير السليم، وإذا قلنا: إنه ألف في البديع؛ فقد ضيقنا دائرة البحث بغير مبرِّر، وإن كان البديع في الاصطلاح المتأخر جزءًا من البيان، وإن كان البديع بالمعنى القديم المعروف عند بعض علماء البلاغة يرادف كلمة البيان أو البلاغة.
فابن المعتز -إذن- ذو أثر كبير في البديع، وعلى وجه الدقة له أثره في البيان العربي ودراساته، وذلك مما سنتناوله الآن بالبحث والتحليل.
"٢"
كان ابن المعتز من أئمة البيان في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، وله في ذلك آراء عظيمة الأهمية ناضجة التفكير١، وقد اهتم بنوع خاص من ألوان البيان؛ هو أساليب البديع وألوان الترف في الأداء.
_________________
(١) ١ راجع وصفه لبلاغة القرآن "٦٣ رسائل ابن المعتز"، وتعريفه للبلاغة بأنها: بلوغ المعنى ولم يطل سفر الكلام "٦٤ رسائل ابن المعتز، ١٥٧/ ١ زهر، ٤٦٢ / ١ وفيات، ٢١٧/ ١ العمدة، ٢٢٣/ ٢ شذرات، ٢٩٦ الأوراق، ١٢٨/ ١ حاشية السبكي على التلخيص"، وله كلمة في الحكمة والبلاغة "٦٣ رسائل ابن المعتز ١٢٣/ ١ زهر".
[ ١٧ ]
كان ابن المعتز يحتذي حذو أبي تمام في صنعة البديع، ويوشي شعره بشتى ألوانه يقصدها قصدًا ويتعمدها تعمدًا، ويصوغ شعره فنًّا تغلب روح الصناعة فيه ملكات الطبع والفطرة، وكان مع ذلك "يتحقق بعلم البديع تحققًا ينصر دعواه فيه لسان مذكراته"١، وألف فيه عام ٢٧٤هـ كتابه "البديع"٢ وسنه إذ ذاك سبعة وعشرون عامًا، مما يدلنا على أن ابن المعتز لم يتمش في العقد الثالث من عمره حتى كان قد قتل الشعر العربي حفظًا ورواية ودرسًا وفَهْمًا.
وكان لكتابه البديع دوي في المجامع الأدبية، ثم شاع وذاع وتلقفته الأيدي وعكف العلماء والأدباء عليه، وصار مصدرًا ممتازًا من مصادر الدراسات البيانية بعد عصر ابن المعتز، ثم فقدت نسخ الكتاب الخطية وقلَّ تداوله ولم يبقَ له أثر إلا ما نقرأ عنه في شتى كتب البيان والبديع؛ ولكن العناية شاءت أن يحفظ من الكتاب نسخة خطية واحدة هي الوحيدة في العالم وهي في الاسكوريال برقم ٣٨ أدب، وقد نشرها المستشرق الروسي المعاصر أغناطيوس كراتشقوفسكي عضو أكاديمية العلوم بليننغراد وعضو المجمع العلمي العربي بدمشق وذلك عام ١٩٣٥، وقد تسنَّى بعمل هذا المستشرق الاطلاع على هذا الكتاب الفذ النادر والإفادة بما فيه من بحوث تعتبر المصدر الأول للمؤلفين في البلاغة وفن البديع.
وقد قمت بشرح هذا الكتاب والتعليق عليه وتصحيحه ونشرته عام ١٩٤٥، فكان ذلك إحياء لكتاب ابن المعتز، ومساهمة كبيرة في خدمة الثقافة البلاغية، وسعيًا لتداول أهم وأول مصدر أُلِّفَ في البديع.
والكتاب أول مؤلَّف في البديع وصنعة الشعر كما أجمع على ذلك جميع الباحثين٣، وهو أهم كتب ابن المعتز بالنظر إلى اختصاصه في هذا الفن٤،
_________________
(١) ١ ١٠ رسائل ابن المعتز، ١٢٣/ ٤ زهر. ٢ راجع ١٠٦ البديع. ٣ ٢٣٥/ ١ العمدة، ١٤٦/ ١ معاهد التنصيص، ٢٧٦ الزيات، ٤٥/ ٢ أدب اللغة لمحمد بك دياب ط ١٩٠٠، ١٤٨/ ١ كشف الظنون، ٦٩٣/ ١ البستاني، ١٩١ الإسكندري، ١٠٥ أدب اللغة للظواهري. ٤ ١٦٣/ ٢ زيدان.
[ ١٨ ]
ويعد فتحًا جديدًا١، ويقول ابن المعتز نفسه: وما جمع فنون البديع ولا سبقني إليه أحد٢.
"٣"
ولقب البديع ليس لقبًا مستحدثًا في عهد ابن المعتز؛ ولكنه اسم لهذه الألوان الساحرة في الأسلوب، ولهذا الترف البياني في الأداة، من تشبيه واستعارة وتجنيس وتطبيق وسوى ذلك، سماه به مسلم بن الوليد الشاعر م٢٠٨هـ، وكان يُعرف قبل ذلك باللطيف٣، ودرج على هذا اللقب من بعده من العلماء والأدباء، وفي الأغاني أن الأصمعي م٢١٦هـ كان يفضل بشارًا؛ لأنه أكثر تصرفًا وفنون شعر وأغزر وأوسع بديعًا٤، وذكر الجاحظ البديع وبعض المشهورين به من الشعراء وأنه مقصور على العرب ومن أجله فاقت لغتهم على كل لغة٥، وذكر كثيرًا من الشعراء الذين أكثروا منه في شعورهم، ورأى أنه لم يكن في المولَّدين أصوب بديعًا من بشار وابن هرمة٦، ويقول ابن المعتز: البديع اسم موضوع لفنون من الشعراء يذكرها الشعراء ونقاد المتأدبين منهم، فأما العلماء بالشعر القديم
_________________
(١) ١ ٢٨٠ المجلد الأول من دائرة المعارف الإسلامية، وراجع في الإشادة به: ٩٢-١٠١ الصبغ البديعي في اللغة العربية للأستاذ أحمد موسى، ١٠٣-١٠٧ تاريخ البلاغة العربية للأستاذ الشعراوي، وهما مخطوطان بمكتبة كلية اللغة. ٢ ١٠٦ البديع. ٣ ١٠/ ٢ معاهد التنصيص. ٤ ٢٥/ ٣ الأغاني. ٥ ٢٤٢/ ٣ البيان. ٦ ٤٥، ٥٥/ ١ البيان.
[ ١٩ ]
فلا يعرفون هذا الاسم ولا يدرون ما هو١.
والبديع ونشأته في اللغة العربية موضوع عناية الباحيثن المحدثين، فرأى المسيو مرسيه أن الزخرف الفني وألوان البديع قد وصلت إلى العرب من اليونان٢، ورأى باحث أنه عنصر أصيل في اللغة العربية وإن شاركتها في ذلك بعض اللغات٣، وشاهد ذلك القرآن الكريم؛ فهو أثر عربي صرف وهو مع ذلك يشتمل على ألوان من البديع، والخواص الفنية الموجودة في القرآن توجد كذلك في الشعر الجاهلي كما أثبته صاحب جمهرة أشعار العرب في مقدمتها، وهي موجودة كذلك في الآثار الأدبية التي عاصرت القرآن كالحديث وخطب الخلفاء والولاة الذين شهدوا عصر النبوة٤.
والحق أن البديع أصباغ عربية خالصة كثرت ألوانه وتطورت زمنًا بعد زمن، وزادت قوة هذا التطور بتأثير الفرس واليونان، فالاستعارة والتشبيه وكثير من هذه الأساليب تشترك فيها سائر اللغات٥، ولقد عُرف البديع فنًّا منذ نشأ الأدب العربي، أما معرفته علميًّا فابتدأ في عصر بشار وأبي نواس ومسلم، ثم عُرف بصورة أوضح في عهد أبي تمام والبحتري وابن المعتز، وبما كتبه عنه الجاحظ مُؤلِّف البيان.
"٤"
وموضوع كتاب البديع ذكر لألوان البديع وشواهدها في الأدب العربي شعرًا ونثرًا، يذكر مؤلفه ما أثر للون البديعي من شاهد في كتاب الله ثم في حديث رسوله ثم في كلام الصحابة والأعراب وبلغاء الكتاب ثم في الشعر العربي الجاهلي فالإسلامي فشعر المحدثين، ويختم كل لون بذكر ما عيب من شواهده المتكلَّفة
_________________
(١) ١ ١٠٦ البديع. ٢ ٤٤/ ١ النثر الفني. ٣ ٤٥/ ١ وما بعدها النثر الفني. ٤ ٤٧/ ١ النثر الفني. ٥ راجع: نقد النثر، مراجعات للعقاد.
[ ٢٠ ]
السقيمة، والكتاب حافل بشتى النصوص التي جمعها ابن المعتز وساقها في عرض جميل ونظام محكم.
وكان الباعث لابن المعتز على تأليف هذا الكتاب أن يعلم كما يقول: "بشارًا ومسلمًا وأبا نواس ومن تقيّلهم وسلك سبيلهم لم يسبقوا إلى هذا الفن -البديع- ولكنه كثر في أشعارهم فعرف في زمانهم حتى سمى بهذا الاسم فأعرب عنه ودلّ عليه، ثم إن حبيب بن أوس الطائي شغف به حتى غلب عليه وأكثر منه فأحسن في بعض وأساء في البعض الآخر، وإنما كان يقول الشاعر من ذلك الفنّ البيت والبيتين في القصيدة وربما قُرئت من شعر أحدهم قصائد من غير أن يوجد فيها بيت بديع"١، فالغرض الأول منه "تعريف الناس أنّ المحدثين لم يسبقوا المتقدمين إلى شيء من أبواب البديع"٢.
لقد نشأ ابن المعتز في عصر لم يخلُ من آثار التعصب للتراث الأدبي القديم، ومن المنكرين لمذاهب المحدثين في البيان والناعين عليهم ما افتنوا فيه من ألوان البديع التي أكثر منها بشار ومدرسته ثم مسلم وأبو تمام ومن جاء بعدهما، فكان لا بُدَّ لابن المعتز أن يدافع ويناضل هؤلاء المتعصبين.
نعم، لقد وقف ابن المعتز بين مذهبين في البيان متناقضين: مذهب المحدثين الذي يؤثره ويسير عليه في الشعر وفهمه ونظمه، ومذهب القدماء المتعصبين للقديم الذين كانوا يزدرون نهج المحدثين وقصدهم وتكلفهم للبديع؛ ولكنه انتصر بفطرته وذوقه للمذهب الأول الذي أحبه وشغف به، فأخذ يدافع عنه، وألف في ذلك كتابه البديع الذي أثبت فيه أن ألوان البديع كانت معروفة عند الشعراء القدامى والإسلاميين وألموا بها في شعرهم كما ألم بها المحدثون، فهي ليست غريبة على الشعر الجاهلي والإسلامي، وليست جديدة على أساليب البيان في شعر المحدثين، وليست بدعًا جديدًا في
_________________
(١) ١ ١٥، ١٦ البديع، ٧، ٨ الموازنة. ٢ ١٨ البديع.
[ ٢١ ]
الأدب والشعر، كما ذهب إليه من تعصبوا للأدب القديم واعتزوا بفحولة الشعر الجاهلي وجزالته، وأنكروا مذاهب المحدثين في صناعة الشعر وسهولته وتكلف البديع فيه، وكان دفاع ابن المعتز رائعًا قويًّا موفقًا استحق عليه كل تقدير من المنصفين والمثقفين من النقاد.
ولون الثقافة الشائعة في الكتاب هي الثقافة العربية العميقة الخالصة من شوائب الثقافات الأخرى، فقد ألفه ابن المعتز وهو في سن الشباب قبل أن يتعمق في دراسة آثار الثقافات الأخرى، وإذا ما وازنا بين البديع لابن المعتز وفصول التماثيل أحد مؤلفاته في أواخر حياته وجدنا الأول عربيًّا خالصًا في ثقافته من حيث كان الثاني مظهرًا لثقافة منوعة مختلفة الأصباغ والألوان.
[ ٢٢ ]