ومنها الإفراط في الصفة، فمن ملح٢ في هذا المعنى إبراهيم بن العباس الصولى في قوله "من المديد":
يا أخا لم أرَ في الناس خلا مثله أسرع هجرًا ووصلا
كنت لى فى صدر يومى صديقًا فعلى عهدك أمسيت أم لا؟
وقال أبو نواس "من الكامل":
ملك أغر إذا احتبى بنجاده غمر الجماجم والسماط قيام٣
ثم أسرف الخثعمي٤ حتى خرج عن حد الإنسان فقال "من الكامل":
يدلي يديه إلى القليب فيستقى في سرجه بدل الرشاء المكرب٥
وقال آخر يهجو رجلًا "من السريع":
_________________
(١) ١ هو عند أبي هلال باب الغلو "راجع ٣٤٨-٣٥٦ صناعتين"، وعرفه بأنه تجاوز حد المعنى والارتفاع فيه إلى غاية لا يكاد يبلغها، وكذلك فعل ابن رشيق ٥٧/ ٢ العمدة. وسبقهما إلى ذلك قدامة "٣٧ نقد الشعر"، وأبو هلال يذكر المبالغة كنوع آخر من أنواع البديع غير اللغو "٣٥٦-٣٩٩ صناعتين". ٢ ملح الشيء: حسن، وهي في الأصل ملح بتشديد اللام، ولعلها بمعنى أتى بالمليح الحسن. ٣ أغر: أي شريف أو كريم، الاحتباء: ضم الرجل ظهره وساقيه بثوب ونحوه. والنجاد: حمائل السيف. غمرهم: أي علاهم. الجماجم: جمع جمجمة؛ وهي عظم الرأس المشتمل على الدماغ. السماط من النخل والناس: الجانب، ويقال: مشى بين السماطين أي: بين جانبي الحفل. والمعنى: أنه -أي الخليفة المهدي الممدوح- عظيم كريم، إذا جلس محتبيًا بحمائل سيفه علا الرجال الوقوف في جانبي السماط. ٤ شاعر عباسي عاصر أبا تمام والبحتري. ٥ رواية الصناعتين: المحصد بدل المكرب، أدلى الدلو: أرسلها في البئر. القليب: البئر قبل أن تُطوى أي: تبنى بالحجارة ونحوها. الرشاء: الحبل. الكرب: الحبل يشد في وسط الدلو لِيَلِيَ الماء. والمكرب من المفاصل: الممتلئ عصبًا والشديد.
[ ١٦٢ ]
تبكي السماوات إذا ما دعا وتستعيذ الأرض من سجدته
إذا اشتهى يومًا لحوم القطا صرعها في الجو من نكهته١
وقال آخر "من الطويل":
وأقسم لو خرت من أستك بيضة لما انكسرت من قرب بعض إلى بعض٢
وقيل٣ في كثير وكان قصيرًا "من الطويل":
قصير القميص فاحش عند بيته يعض القراد باسته وهو قائم٤
وقال آخر "من البسيط":
يا حابس الروث في أعفاج بلغته خوفًا على الحب من لقط العصافير٥
وقال أبو نواس يصف قدرًا صغيرة "من الطويل":
يغص بحيزوم الجرادة صدرها وينضج ما فيها بعود خلال
وتغلى بذكر النار من غير حرها وتنزلها عفوًا بغير جعال
هي القدر قدر الشيخ بكر بن وائل ربيع اليتامى عام كل هزال٦
_________________
(١) ١ القطا: جمع قطاة؛ وهي طائر معروف. صرعه: أي ضرعه. النكهة: هي ريح الفم. ٢ المعنى: أنه قصير مفرط في القصر قريب من الأرض قربًا غير مألوف. وينسب البيت لكعب بن جعيل، وهو به أشبه. ٣ وينسب البيت للحزين الكناني الدؤلي. ٤ قصر القميص كناية عن قصر الرجل، فاحش عند بيته: أي إذا كان في أهله وأمن شر الناس نطق بالفحش وعمل به، والقراد: واحد القردان. ويصفه بالفحش والجبن وبالقماءة وإفراط القصر. ٥ الأعفاج: جمع عفج؛ وهو مسلك الفضلات في جسم الدابة، يصفه بالبخل والشح الشديد. ٦ الغصة: الشجا، وغص بالطعام يغص، الحيزوم: الصدر، الجرادة: واحد الجراد. والضمير في صدرها يعود إلى القدر. نضج اللحم ينضج: إذا أدرك، الخلال: العود الذي يتخلل به، الجعال: خرقة ينزل بها القدر. الهزال: يريد به القحط، يتهكم الشاعر بهذه القدر ويصور صغرها في صورة فيها جمال وسخرية.
[ ١٦٣ ]
وقال اسحاق بن إبراهيم الموصلي: قالت سعدة١ بنت عبد الله بن سالم: لقيت سكينة٢ بنت الحسين -صلوات الله عليه- بين مكة والمدينة، فقالت٣: قفي يابنت عبد الله، ثم سفرت عن وجه ابنتها٤، وإذا هي قد أثقلتها بالدر، وقالت: ما ألبستها إياه إلا لتفضحه٥. وكانت امرأة من العجم حسناء، فكانت لا تظهر من بيتها إذا طلع القمر والشمس، فقيل لها في ذلك، فقالت: أخاف أن تكسفانى.
وقال الفرزدق يصف إبلهم "من الطويل":
ألم تعلما يابن المجشر انها إلى السيف تستبكي إذا لم تعقر٦
وقال هدبة٧ العذري "من الطويل":
_________________
(١) ١ سيدة كريمة من سيدات الحجاز ووالدة شعيب بن صخر توفيت في القرن الهجري الأول. ٢ نبيلة هاشمية كريمة شاعرة، تزوجها مصعب بن الزبير فمات، وتزوجها بعده سواه، وتوفيت سنة ١١٧هـ. ٣ أي: سكينة. ٤ أي: ابنة سكينة، ومر الرباب بنت مصعب بن الزبير المتوفى عام ٧٢هـ. ٥ في الأغاني "١٧/ ١٦٤، ١٦٥" هذه الرواية الأدبية عن شعيب بن صخر عن أمه سعدة بتفصيل. ٦ الضمير في أنها يعود إلى الإبل. عقر البعير بالسيف وعقره به بالتشديد أي: ضرب به قوائمه، يقول: إن إبلنا اعتادت فعل الكرم حتى إنها لتبكي إذا لم تنحر في المكرمات، والألف في "تعلما" مقلوبة عن نون التوكيد الخفيفة. ٧ هو هدبة بن الخشرم الشاعر المفلق، كان كثير الأمثال في شعره، قتل ابن عم له أيام معاوية فحبس خمس سنين، ثم قتله ابن المقتول عام ٥٤هـ أخذًا منه بثأر أبيه، ومن شعره في الحبس: عسى الكرب الذي أمسيت فيه يكون وراءه فرج قريب
[ ١٦٤ ]
بإجانة لو أنه خر بازل من البخت فيها ظل للجنب يسبح١
وصف أعرابي فرسًا فقال: إن الوابل ليصيب عجزه فيما يبلغ معرفته حتى أبلغ ما أريد٢.
وقال المؤمل٣ "من الخفيف":
من رأى مثل حبتى تشبه البدر إذا بدا
تدخل اليوم ثم تد تخل أردافها غدا٤
وقال عباس٥ الخياط "من الرمل":
لأبي عيسى رغيف فيه خمسون علامة
فعلى جانبه الوا حد لقيت الكرامه
ثم لأذاقك إلى ضيف إلى يوم القيامة
وعلى الآخر سطر نسأل الله السلامه
وقال أيضًا يجهو إمامًا بطيء القراءة "من المنسرح":
إن قرأ "العاديات" في رجب لم يقر آياتها إلى رجب
بل هو لا يستطيع في سنة يختم ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ ٦
وقال أعرابي في وصف امرأة:
ما يمس ثوبها منها إلا مشاش منكبيها، وحلمتي ثدييها، ورانفتى أليتيها٧.
_________________
(١) ١ الإجانة معروفة "شبه الماجور"، خر: أي سقط، البازل من الإبل: الكبير في السن، والبختي من الإبل: الأنثى بختية؛ وهي الإبل الخرسانية، الجنب: معروف. سبح في الماء: عام فيه، ينوه الشاعر بكرم قومه ويصف قدورهم وضخامتها، وضخامة القدر من مستلزمات الكرم. ٢ الوابل: المطر الشديد، معرفة الفرس: هي الموضع الذي ينبت عليه العرف وهو الذي في أعلى عنقه ورأسه. يصف الشاعر فرسه بالكرم وسرعة العدو. ٣ المؤمل بن أميل المحاربي الشاعر الكوفي، أدرك الدولتين وانقطع إلى المهدي، وهو صالح المذهب في شعره، وفي شعره لين وطبع صالح "٥٢٣ ج٣ خزانة طبع بولاق" ومات نحو سنة ١٩٠هـ. ٤ الحبة: أبي الحبيبة، الأرداف جمع ردف وهو الكفل. ٥ لم أقف على ترجمة له ورد اسمه في الموشح ص٣٢٤. ٦ سورة المسد، آية: ١. ٧ المنكب: مجمع عظيم العضد والكتف، المشاش: رأس العظم، الحلمة: رأس الثدي، الألية: العجيزة، الرائفة: طرف غضروف الأنف.
[ ١٦٥ ]