ومنها حسن التشبيه، نبدأ بإمام الشعراء، قال امرؤ القيس "من المتقارب":
ومسرودة السك موضونة تضاءل في الطِىّ كالمبرد
تفيض على المرء أردانها كفيض الأتي على الجدجد٢
وقال "من الطويل":
كأن قلوب الطير رطبًا ويابسًا لدى وكرها العناب والحشف البالي٣
_________________
(١) ١ راجع باب التشبيه في العمدة "٢٥٦ ج١" وقد عقد له قدامة فصلًا في نقد الشعر "ص٦٥-٧٠" وعقد له العسكري بابًا طويلًا في الصناعتين "٢٢٦-٢٤٩"، وقد سبق الجميع إلى الكلام على التشبيه المبرد؛ حيث عقد له بابًا في كامله "٣٥-١٠١ ج٢"، وكذلك ثعلب في قواعد الشعر "ص١٤-١٨ طبع ليدن". ٢ درع مسرودة من السرد؛ وهو تداخل الحلق بعضها في بعض، وقيل: السرد هو الثقب والمسرودة المثقوبة، والسك: الدرع الضيقة الحلق، والدرع الموضونة: هي المنسوجة، وقيل: المنسوجة بالجواهر، تضاءل: أي تتضاءل وتقل، الطي ضد النشر، والمبرد آلة الحداد المعروفة، الأردان: جمع ردن وهو أصل الكم، الأتي: السيل. والجدجد: الصخور الصلبة، وراجع شرح البيتين أيضًا في نقد الشعر "ص٦٨": قال: وصف الدرع في حال طيها بالبيت الأول، ثم وصفها في حال نشرها بالثاني، ومعنى البيت الأول أنها إذا طويت صغرت ولطفت حتى تصير كالمبرد. ٣ العناب: ثمر أحمر، والحشف: ما يبس من التمر ولم يكن له طعم ولا نوى، شبه الطري من القلوب بالعناب والعتيق بالحشف، يشبه الشاعر فرسه بعقاب صيود، وفرخ العقاب يأكل لحم الطائر ما خلا قلبه؛ فلذلك كثر ذلك عند وكرها.
[ ١٦٦ ]
وقال يصف الناقة "من الطويل":
كأن حصى المعزاء بين فروجها إذا خذفته رجلها خذف أعسرا
كأن صليل المرو حين تشذه صليل زيوف ينتقدن بعبقرا١
وقال الراعي٢ "من الكامل":
في مهمهٍ قلقت به هاماتها قلق الفئوس إذا أردن نصولا٣
وقال ابن مقبل٤ "من الطويل":
تقلقل من ضغم اللجام لهاته تقلقل عود المرخ في الجعبة الصفر٥
_________________
(١) ١ المعزاء: الأرض الصلبة، الفروج: جمع فرجة، وهذان الشيئان بينهما فرجة أي انفراج، والفروج أيضًا جمع فرج وهو معروف؛ الخذف بالحصى، الرمي به بالأصابع، والأعسر الذي يعمل بشماله ورميه لا يذهب مستقيمًا، والمعنى: أن هذه الناقة تطير الحصى يمينًا وشمالًا كأنه رمى الأعسر الذي لا يمضي على وجهه، والصليل: امتداد الصوت، والمرو: الحجارة، واحدته مروة، وكل حجر فيه نار فهو مروة، تشذه: أي تطيره، اليزيوف: هي الدراهم التي ليس فيها فضة واحدها زيف، والزيف: شديد الصوت صافية كما يقول المبرد "٧٦/ ٢ الكامل"، ونقدت الشيء: ضربته بالأصبع كما ينقد الصبي الجوز بأصبعه فيسمع له صوت، شبه صوت المرو بصوت صافيته، وعبقر موضع باليمن كانت دراهمه زيوفا ويقال: بلد من بلاد الجن. ٢ هو راعي الإبل النميري شاعر مشهور هجاه جرير وتوفي في أوائل القرن الثاني، كان كثير وصف الرعاء في شعره فسمي الراعي، وهو من أسرة طيبة في البادية. ٣ المهمة: الأرض المقفرة الخلاء، والقلق: الاضطراب، وهامات: جمع هامة وهي الرأس، والضمير فيها للإبل، والفأس معروف، وفأس اللجام والحديدة القائمة في الحنك وهو المراد هنا، ونصل السهم: خرج نصله. يشبه الشاعر اضطراب الإبل في سيرها في الصحراء باضطراب فأس اللجام في نصولها من حنك الدابة. ٤ تميم بن أبي بن مقيل شاعر جاهلي فحل، أدرك الإسلام وأسلم، وكان يبكي أهل الجاهلية، وتوفي سنة ٢٥هـ. ٥ التقلقل: الاضطراب، ضغم اللجام: إمساكه، اللهاة: الهنة المطبقة في أقصى سقف الفم، المرخ: شجر سريع الورى، الجعبة: كناية السهام، الصفر: الخالية، الضغم: العض.
[ ١٦٧ ]
وقال النابغة الذبياني "من الطويل":
تراهن خلف القوم زورًا عيونها جلوس الشيوخ في مسوك الأرانب١
وقال زهير "من الطويل":
بكرن بكورًا واستحرن بسحرةٍ فهن بوادي الرس كاليد في الفم٢
ومن التشبيهات العجيبة قول ابن مقبل "من البسيط":
وللفؤاد وجيب تحت أبهره لدم الغلام وراء الغيب بالحجر٣
وقال رؤبة٤ "من الرجز":
حتى رأين هامتي كالطس جلحاء جلهاء كظهر العس٥
وقال زهير في الحمار والأتن "من المتقارب":
تبادرن جريًا يبادرنه كقرع القليب حصى القاذفينا
_________________
(١) ١ زورا: أي منحرفات، زور عن الشيء: أي عدل عنه وانحرف، والمسوك: الجلود. ٢ بكر: سار بكرة، واستحر: سار سحرًا، وسحرة اسم للسحر، يقول: ابتدأن السير وسرن سحرًا وهن قاصدات لوادي الرس لا يخطئنه كاليد القاصدة للفم لا تخطئه. ٣ الوجيب: خفقان القلب وتحركه، الأبهر: عرق مستبطن في الصلب متصل بالقلب، اللدم: الضرب، والغيب: ما كان بينك وبينه حجاب، والمعنى: أنه يشبه صوت خفقان القلب الذي لا يرى بصوت الحجر الذي يرمي به الصبي من خلف حجاب ولا يراه. وخص الغلام لأن الصبيان كثيرًا ما يلعبون برمي الحجارة. ٤ راجز من مخضرمي الدولتين كان أكثر مقامه بالبصرة، وكان يحتج بشعره، وأخذ عنه أعيان أهل اللغة، وكان بشار يحاول أن يظهر عليه في الرجز، وأبوه العجاج الراجز المشهور، ومات بالبادية سنة ١٤٥هـ. ٥ الهامة: الرأس. الطس: لغة في الطست. العس: القدح العظيم. والجلحاء من الجلح؛ وهو انحسار شعر الرأس من الجانبين، والجلهاء: من الجله، وهو قريب من الجلح، الأنزع: الذي قد انحسر الشعر عن جانبي جبهته، فإذا زاد قليلًا فهو أجلح، فإذا بلغ النصف فهو أجلى ثم هو أجله.
[ ١٦٨ ]
وتحسب بالفجر تعشيره تغرد أهوج في منتشينا١
وقال الأعشى "من الطويل":
وعريت من ملك وخير جمعته كما عريت مما تمر المغازل٢
وقال أبو دؤاد٣ في الفرس "من الكامل":
يمشي كمشي نعامتـ ـين تتابعان أشق شاخص٤
ومن تشبيهات عنترة بن شداد٥ العبسي "من الكامل":
جادت عليه كل بكرٍ حرةٍ فتركن كل قرارةٍ كالدرهمِ٦
وفي الذباب "من الكامل":
هزجًا يحك ذراعه بذراعه قدح المكب على الزناد الأجذم٧
_________________
(١) ١ الجري: المشي السريع، ولعله جريًا بكسر الجيم جمع جرو وهو الصغير من كل شيء. والجروة: الناقة الصغيرة. والقرع: مصدر قرع الباب ونحوه. والقليب: البئر التي لم تطو. التعشير: صوت الأتان والناقة، والتغرد: التغريد. الأهوج: الأحمق أو السكران، المنتشي: من انتشى أي سكر. ٢ عري من ثيابه وعراه بالتشديد، وفرس عري أي: ليس عليه سرج، تمر: تحكم الفتل، يقول: ذهب عنك ما جمعته من مال وبنيته من مجد كما يذهب الفتل عن المغازل وتبقى عارية عنه. ٣ أبو دؤاد الإيادي شاعر جاهلي مشهور، وأحد نعات الخيل المجيدين، والعرب لا تروي شعره ولا شعر عدي بن زيد؛ لأن ألفاظهما ليست بنجدية، وكان الحطيئة ينوه به. ٤ النعامة: معروفة، تبعه: مشى خلفه أو مر به، ومن المادة: تابعه، إذا سار يريد اللحاق به شخص بصره فهو شاخص إذا فتح عينيه وجعل لا تطرف، الأشق من الخيل: ما يشتق في عدوه يمينًا وشمالًا. ٥ سبق أن سمي والده معاوية. ٦ سبق شرحه. ٧ هزجًا: أي مصونًا. المكب: المقبل على الشيء. الأجذم: الناقص. يقول الشاعر: إن الذباب قد خلت بهذه الروضة فهي تغرد فيها فعل الشارب الثمل وتحك إحدى ذارعيها بالأخرى مثل رجل ناقص اليد قد أقبل على قدح النار. ويعد النقاد -وفي طليعتهم الجاحظ- هذا البيت من الأبيات الفذة التي لم يسبق أحد إلى معناها.
[ ١٦٩ ]
وفي الغراب "من الكامل":
خرق الجناح كأن لحي رأسه جلمان بالأخبار هش مولعُ
إن الذين نعبت لي بفراقهم هم أسهروا ليلى التمام وأوجعوا١
وقال الفرزدق "من الطويل":
بني دارم ما تأمرون بشاعر برد الثنايا ما يزال مزعفرا
إذا هو استلقى رأيت سلاحه كمقطع عنق الناب أسود احمرا٢
وقال الطرماح٣ في الثور "من الكامل":
يبدو وتضمره البلاد كأنه سيف على شرف يسل ويغمد٤
_________________
(١) ١ الخرق: هو الأخرق، اللحي: منبت اللحية من الإنسان وغيره، شبه حلييه بالجلمان لأن الغراب يخبر بالفرقة ويقطع كما يقطع الجلمان، والجلم الذي يجذ به، وهما جلمان، هش به يهش: خف إليه وارتاح له، أولع بالشيء فهو مولع أي مغرى، نعب الغراب: أي صاح. ليل التمام: أطول ليل في السنة، أسهروا من السهر وهو الأرق، ويروى: أسهدوا، والسهاد: الأرق أيضًا. ٢ بنو دارم: قوم الفرزدق، البرود: البارد، الثنايا: مقدم الأسنان، زعفر الثوب: صبغه بالزعفران، استلقى: اضطجع على قفاه، مقطع الشيء: موضع قطعه، الناب: الجمل الذي طلع نابه، والناب أسنان طويلة تلي الثنايا وهي أربع. ٣ شاعر خطيب وأحد زعماء الخوراج توفي سنة ٨٠هـ، وقال محمد بن سهل راوية الكميت: أنشدت قول الطرماح للكميت: إذا قبضت نفس الطرماح أخلقت عرى المجد واسترخى عنان القصائد فقال: إي والله، وعنان الخطابة والرواية "٥٢/ ١ البيان". وقال عبد الأعلى: رأيت الطرماح مؤدبًا بالري فلم أرَ أحدًا آخذ لعقول الرجال ولا أجذب لأسماعهم إلى حديث منه "٢٢٦/ ٢ البيان". ٤ يبدو: يظهر، تضمره: تغيبه وتخفيه، الشرف: المكان المرتفع، غمد السيف: جعله في غمده، سله: أخرجه من الغمد.
[ ١٧٠ ]
وكتب مروان إلى بعض الخوارج: إني وإياك كالزجاجة والحجر إن وقع عليها رضها١ وإن وقعت عليه فضها. وقال آخر يصف السيل "من الرجز":
يكب فيه دوحه للأذقان شحذ المواسي حجام الرهبان٢
ومن عجائب التشبيه قول عدي٣ بن الرقاع "من الكامل":
تزجى أغن كأن إبرة روقه قلم أصاب من الدواة٤ مدادها
وقال آخر يصف صوت شخب٥ الضرع "من الرجز":
كأن صوت شخبها غديه حفيف ريح أو كشيش حية٦
وقال حسان "من الكامل":
بزجاجةٍ رقصت بما في قعرها رقص القلوص براكبٍ مستعجل٧
وقال جرير "من الوافر":
لها برص بأسفل إسكتيها كعنفقة الفرزدق حين شابا٨
_________________
(١) ١ الرض: الدق، وكل شيء كسرته فقد رضضته، والفض: الكسر بالتفرقة. ٢ الكب: ألقاء الشيء على الوجه. والإكباب: خرور الشيء على وجهه، الدوح: جمع دوحة، وهي الشجرة العظيمة. المواسي: جمع موسي، وهو ما يحلق به. الحجام: موضع الحجامة. الرهبان: جمع راهب. ٣ شاعر فحل هاجى جريرًا، واجتمعا عند عبد الملك أو الوليد فأنشده عدي قصيدته الدالية فحسده جرير عليها، واختص بالوليد بن عبد الملك ومات سنة ٩٥هـ في دمشق. ٤ أزجى الإبل: ساقها. الأغن: الظبي، والغنة: صوت في الخيشوم، يقال: طير أغن أي: يتكلم من قبل خياشيمه. الروق: القرن. إبرته: طرفه المدبب. المداد: الحبر. ٥ الشخب: جريان اللبن في الإناء وقت الحلب ويضم. ٦ الغدية: تصغير غدوة، وهي ما بين صلاة الغداة إلى طلوع الشمس. حفيف الريح: صوت هبوبها. الكشيش: صوت الحية. ٧ رقصت: تحرك ما فيها من شراب في اضطراب. القلوص: الناقة الشابة. ٨ البيت من قصيدة لجرير في هجاء الراعي النميري. والمضير في لها لعل مرجعه إلى الناقة أو إلى المرأة. البرص: داء معروف. الأسكتان: جانبا الرحم. العنفقة: ما بين الشفة السفلى والذقن لخفة شعرها.
[ ١٧١ ]
وقال عبد الله بن الزبير الأسدي "من الطويل":
وأنتم بني حام بن نوح أرى لكم شفاهًا كآذان المشاجر ورما١
المحدثون: ومن أحسن التشبيه قول بشار "من الوافر":
كأن فؤاده كسرة تنزى حذار البين لو نفع الحذار٢
وقال عبد الصمد٣ يصف ذنب العقرب "من الرجز":
أسود كالمسحاة فيه مبضعه ينطف منها صابه وسلعه٤
وقال منصور بن الفرج "من الكامل":
إن تأته يك منه ربعك مخصبًا والأرض مجدبة كخد الأمرد
طلب المحامد جاهدًا وهي التي لا يحتويها طالب لم يجهد٥
وقال العلوي الإصفهاني "من الطويل":
كأن انتصار البدر من تحت غيمه نجاء من البأساء بعد وقوع٦
ومما يستحسن من التشبيه قول أبي نواس "من الرجز":
_________________
(١) ١ شفاه: جمع شفة. المشجر: موضع الشجر، والشجر: الذقن وما انفتح من منطق الفم، أو ما بين اللحيين، والمشجر: عود الهودج. ورم جمع وارم من الورم وهو معروف. ٢ تنزى: يثب. الحذار: الخوف. ٣ عبد الصمد بن المعدل بن غيلان شاعر عباسي هجاء شديد المعارضة، ولد ونشأ في البصرة وتوفي سنة ٢٤٠. ٤ المسحاة: كالمجرفة إلا أنها من حديد. المبضع ما يبضع أي يشق به العرق، ينطف: أي يسيل. الصاب: عصارة شجر مر. السلع: شجر مر أو ضرب من الصبر أو بقلة خبيثة الطعم، والضمير في منها لذنب العقرب. ٥ الربع: الدار. الأمرد: الغلام الذي لم ينبت شعر لحيته. جهد الرجل في الأمر: جد فيه وبالغ. ٦ ويروى: انتضاء بدل انتصار، انتضى الثوب: خلعه، وانتضى السيف: سله، الغيم: السحاب. النجاء: مصدر نجا. والبأساء: الشدة.
[ ١٧٢ ]
لما تبدى الصبح من حجابه كطلعة الأشمط من جلبابه١
وقال في الطير "من الرجز":
كأنما يصفر من ملاعق صرصرة الأقلام في المهارق٢
وقال يصف الطير إذا أحست بالبازى "من السريع":
وهن يرفعن صراخًا كما يصوت في الشعب الملبونا٣
ومن التشبيه الحسن قول البحتري "من الكامل":
يخفى الزجاجة نورها فكأنها في الكف قائمة بغير إناء٤
وقال أبو نواس في ناقة "من المنسرح":
كأنما رجلها قفا يدها رجل غلام يلهو بدبوق٥
وأنشد الأسدي٦ "من الطويل":
إذا نحن رمنا هجرها ضم حبها صميم الحشا ضم الجناح الخوافيا٧
_________________
(١) ١ تبدى: ظهر. الحجاب: الستر. الشمط: بياض يخالط سواد شعر الرأس، والرجل أشمط والمرأة شمطاء، وشمط بالكسر. والجلباب: الملحفة. ٢ يصفر: يصوت. الملاعق: جمع ملعقة. الصرصرة: الصوت المرجع، المهارق: الصحائف جمع مهرق وهي الصحيفة فارسي معرب. ٣ الصراخ: الصوت. صات يصوت: أي صوت. الشعب: الطريق في الجبل. الملبون: جميع ملب من لبى بالحج تلبية إذا رفع صوته بذكره. ٤ البيت في وصف الخمر، ووروده هنا ينفي نسبته لابن المعتز كما في "٢٨ ج٢ ديوان ابن المعتز"، وقد عاب بعض النقاد البيت وقالوا: هو وصف لإناء الخمر لأنه لو ملئ الإناء دبسًا لكان هذا وصفته "١٢ موازنة" وقد رد عليهم الآمدي "راجع ١٤، ١٦٤"، ورواية الأصل: تخفى بالتاء. ٥ القفا: مؤخَّر العنق، والمراد خلف، الدبوق: لعبة. ٦ تقدمت ترجمته، والبيت يروى للأقرع بن معاذ القشيري "راجع ترجمته في ٣٨٠ معجم الشعراء"، وهو شاعر أموي كان في أيام هشام بن عبد الملك. ٧ الحشا: ما انضم عليه الضلوع. صميم الشيء: خالصه. الخوافي: جمع خافية وهي ما دون الريشات العشر من مقدم الجناح.
[ ١٧٣ ]
وقال آخر "من الطويل":
عشىّ وداعٍ قبحت من عيشة ولكنها لا قبحت من مودع
كأن انحدار الدمع منها تعده لها ذات عقد قيل عدي فأسرعي١
وقال آخر "من الخفيف":
لعن الله "لا" فلا خلقت خلقة الجلم
إنها تقرض الجميل وتأبى على الكرم٢
وقال أبو نواس "من الكامل":
وإذا قصرت لها الزمام سما لها فوق المقدم ملطم حر
وكأنها مصغٍ لتسمعه بعض الحديث بأذنه وقر٣
ومن عجائب التشبيه قوله أيضًا "من السريع":
تبكي فتذرى الدر من نرجسٍ وتلطم الورد بعنابِ٤
وقال آخر٥ "من الكامل":
عظمت روادفها فآدت خصرها ووشاحها قلق كقلبٍ مغرم٦
وقال آخر في البرق "من الرجز":
وتارةً ينبض باستخفاء كلمحة من ذي عوى مرائي
أسرها خوفًا من الأعداء٧
_________________
(١) ١ العشى والعشية: من صلاة المغرب إلى العتمة، ولكنها أي المحبوبة. الانحدار: الهبوط، عده: أحصاه، وعدى: أي أحسب. والمعنى شاهدت عشيات الوداع ولا شاه وجه من ودعناه، فلقد فارقنا وهو الوفي المخلص إذا خنقته العبرات وانهمرت منه الدموع متواليات حتى حسبناه في سرعة انهمار دموعه امرأة تحسب وتعد مالها في سرعة فائقة، والمعنى: تساقط الدمع من عينيه كتساقط المال المعدود من يد الحاسب. ٢ الجلم: المقص، تقرض: تقطع. ٣ الزمام: مقود الدابة. سما: علا. المقدم: ضد المؤخر، ويقال: ضرب مقدم وجهه. الملطم: الوجه لأنه موضع اللطم، وأصغى: استمع في إنصات. القر: الثقل. ٤ الدر: يريد به قطرات الدموع. أزرت العين دمعها: حبسته. النرجس معرب وتشبه به العيون. اللطم: ضرب الوجه بباطن الراحة. العناب: ثمر أحمر يشبه به البنان، والورد مستعار للخد. ٥ ينسب البيت لعروة بن أذنية الشاعر الغزل فقيه المدينة وقاضيها في عصر بني أمية ووفد على هشام. ٦ الروادف: جمع رادفة وهي الكفل. آدت: أثقلت. الخصر: وسط الإنسان. الوشاح: ما يتوشح به، وقلق الوشاح كناية عن ضمور الخصر. ٧ نبض العرق: تحرك. استخفى مه استخفاء: توارى. لمحه: أبصره بنظر خفيف، والاسم اللمحة. الهوى: الحب، مرائي: من الرياء، وتراءى الجمعان: رأى بعضهم بعضًا، وفلان يتراءى: أي ينظر إلى وجهه في المرآة. الضمير في أسرها للمحة. الخوف: الحذر. أسر: أخفى. والمعنى: أن البرق حينا يلمح في خفية كما يبدو المحب في سرعة وخفية إذا شاهد الأعداء والوشاة.
[ ١٧٤ ]