التشبيه - كما يقول الإمام عبد القاهر الجرجاني - يكسو المعاني أبهة، ويكسبها شرفًا، ويرفع من أقدارها، ويضاعف قواها في تحريك النفوس لها، ويستميل القلوب إليها، ويستنير لها من أقاصي الأفئدة صبابة وكلفًا، ويجبر الطباع على أن تعطيها محبة وشغفًا.
فإن كان مدحًا كان أبهى وأفخم، وإن كان ذمًا كان مسه أوجع، وإن كان حجاجًا كان برهانه أنور، وإن كان افتخارًا كان شأوه أبعد، وإن كان اعتذارًا كان إلى القبول أقرب.
ولهذا فإنه إذا جاء في أعقاب المعاني فإنه يضاعف قواها في تحريك النفوس إلى المقصود بها، والسر في هذا التأثير القوي للتشبيه في النفوس: هو أن الصورة في التشبيه تبرز المعنى الخفي في صورة محسوسة واضحة جلية تطمئن إليها النفس وتأنس لها، لأنها بذلك قد خرجت من الخفي إلى الجلي، ومن المعقول إلى المحسوس، ومما تعلمه إلى ما هي به أعلم، بل ومما لم تألفه إلى ما ألفته، فمهما عبرت عن المعنى بعبارة تؤديه وتبالغ فيه فإنك لن تبلغ به ما يبلغه عن طريق التشبيه، فلو حاولت وصف يوم - مثلًا - بالقصر، فقلت: "يوم كأقصر ما يتصور"، فإن السامع لن يجد في هذه المبالغة ما يجده في قول الشاعر:
ظللنا عند باب أبي نعيم يوم مثل سالفة الذباب
[ ٢٠ ]
وكذلك إذا كنت مع صاحب لك يسعى في أمر، وأنت تريد أن تقرر له أنه لا يحصل من سعيه على طائل، فأدخلت يدك في الماء ثم قلت له: انظر هل حصل في كفي من الماء شيء؟ فكذلك أنت في أمرك، كان لذلك ضرب من التأثير في النفس وتمكين للمعنى في القلب زائد على القول المجرد من التشبيه. وعلى الجملة فإن من بلاغة التشبيه: أنه يبرز المعنى في صورة واضحة جلية محسوسة مألوفة للنفس في عبارة موجزة قوية مؤكدة.
[ ٢١ ]