يكُون في النثر ويكون في الشعر:
* أمَّا في النثر: فهو أنْ يَجْعَلَ المتكلِّمُ أحَدَ اللّفْظَيْنِ المكرَّرَين، أو المتجانسين أو مَا هو مُلْحقٌ بالمتجانِسَيْن في أوّل الفقَرَة، والآخر في آخِرِها، مثل ما يلي:
(١) قول الله ﷿ في سورة (الأحزاب/ ٣٣ مصحف/ ٩٠ نزول) خطابًا لرسوله ﷺ بشأن تزوجّه من زينب مُطَلَّقة متبَنَّاه زَيْد:
﴿وَتَخْشَى الناس والله أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ﴾ [الآية: ٣٧] .
هذا مثال اللفظين المكرّرَيْن.
(٢) قول الله ﷿ في سورة (نوح/ ٧١ مصحف/ ٧١ نزول) في حكاية ما قال نوحٌ ﵇ لقومه:
﴿فَقُلْتُ استغفروا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [الآية: ١٠] .
هذا مثال للّفظَيْن المتلاقِيَيْن في الاشتقاق.
(٣) قول الله ﷿ في سورة (الشعراء/ ٢٦ مصحف/ ٤٧ نزول) حكاية لما قال لوطٌ ﵇ لقومه:
﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِّنَ القالين﴾ [الآية: ١٦٨] .
هذا مثال للّفظَيْنِ المتلاقِيَيْنِ فيما يشبه الاشتقاق.
[ ٢ / ٥١٤ ]
* وأمّا في الشعر: فهو أن يجعلَ المتكلم أحد اللّفظين المكرّرين، أو المتجانِسَيْن، أو ما هو مُلْحَقٌ بالمتجانسين في واحد من الوجوه التالية:
الوجه الأول: أن يكون أحدُهما في آخر البيت والآخر في أول البيت، مثل قول الأفيشر:
سَرِيعٌ إلى ابْنِ الْعَمِّ يَلْطِمُ وَجْهَهُ وَلَيْسَ إلى دَاعِي النَّدَى بسَرِيعِ
الوجه الثاني: أن يكون أحَدُهُما في آخر البيت والآخر في آخر الشطر الأول، مثل قول أبي تمام:
وَمَنْ كَانَ بِالبِيضِ الكواعِبِ مُغْرَمًا فَما زِلْتُ بِالبِيضِ القَوَاضِبِ مُغْرَمَاَ
الكواعِبُ: جمع "كاعِب" وهي الجاريةُ حين يَبْدو ثدْيُها.
بالْبِيضِ الْقَوَاضب: أي: بالسُّيوف القواطع.
الوجه الثالث: أن يكون أحدهما في آخر البيت، والآخر في حَشْوِ الشطر الأول، مثل قول الصِّمَة بن عبد الله القُشَيْري:
أقولُ لِصَاحبي والعِيسُ تَهْوِي بِنَا بَيْنَ المُنِيفَةِ فالضِّمَار
تمَتعْ مِنْ شِميم عَرَارِ نجْدٍ فَمَا بَعْدَ العَشِيَّةِ من عَرَارِ
العَرَار: وردة ناعمة صفراء طيّبة الرَّائحة.
الوجه الرابع: أن يكون أحدُهُما في آخِرِ البيت والآخَرُ في أوّل الشّطْر الثاني، مثل قول ذي الرّمّة:
ألِمَّا عَلَى الدَّارِ الَّتِي لَوْ وَجَدْتُهَا بِهَا أَهْلُهَا مَا كَانَ وَحْشًا مَقِيلُهَا
وَإِنّ لَمْ يَكُنْ إلاَّ مُعَرَّجَ سَاعَةٍ قَلِيلًا فإنِّي نَافِعُ لي قَلِيلُهَا
أَلِمَّا: أي: انْزِلاَ نُزُولًا قَلِيلًا.
[ ٢ / ٥١٥ ]
مُعَرَّج: يُقالَ: عرَّجَ عليه، إذا مَالَ إليه. وعَرَّجَ بالمكان. إِذا نَزَل به.
قليلًا: أي: إلاَّ مُعَرَّجًا قليلًا.
أمثلة متنوعة من ردّ العجز على الصدر:
(١) قال القاضي الأرّجاني:
دَعَانِي مِنْ مَلامِكُمَا سَفَاهًا فَدَاعِي الشَّوْقِ قَبْلَكُما دَعَاني
(٢) وقال الثعالبي:
وإِذَا الْبَلاَبِلُ أفْصَحَتْ بِلُغَاتِهَا فَانْفِ الْبَلاَبِلَ باحْتِسَاءِ بَلاَبِلِ
البلابل: الأولى جمع "بُلْبل" وهو الطائر المعروف بالتغريد. والثانية جمع "بِلْبَال" وهو الحزن. والثالثة: جمع "بُلْبُلَةْ" وهو إبريق الخمر.
(٣) وقال الحريري:
فَمَشْغُوفٌ بآياتِ الْمَثَانِي ومَفْتُونٌ بِرَنَّاتِ الْمَثَانِي
المثاني: الأولى: آيات القرآن. والثانية: أوتار المزامير التي ضُمَّ طاقٌ منها إلى طاق.
(٤) وقال القاضي الأرّجاني:
أَمَّلْتُهُمْ ثُمَّ تَأَمَّلْتُهُمْ فَلاَحَ لي أنْ لَيْسَ فِيهِمْ فَلاَحْ
(٥) وقال البحتري:
ضَرَائِبُ أَبْدَعْتَهَا فِي السَّمَاحْ فَلَسْنا نَرَى لَكَ فِيها ضَرِيبا
ضرائب: جَمْعُ "ضَرِيبة" وهي ما طُبِعَ عليه الإِنسان.
ضَرِيبًا: أي مثيلًا ونظيرًا.
(٦) وقال أبو العلاء المعرّي:
لَوِ اخْتَصَرْ تُمْ مِنَ الإِحْسَانِ زُرْتُكُمُ والْعَذْبُ يُهْجَرُ لِلإِفْرَاطِ في الْخَصَرِ
[ ٢ / ٥١٦ ]
الْخَصَر: شِدَّةُ البُرُودَة.
(٧) وقال ابنُ عُيَيْنَة الْمُهَلَّبِي:
فَدَعِ الْوَعِيدَ فَمَا وَعِيدُكَ ضَائِرِي أَطَنِينُ أجْنِحَةِ الذُّبَابِ يَضِيرُ
(٨) وقال أبو تمّام من قصيدة يرثي بها محمّد بن نَهْشَل حين اسْتُشْهِد:
وَقَدْ كَانَتِ الْبِيضُ الْقَواضِبُ في الوغَى بَوَاتِرَ وهْيَ الآنَ مِنْ بَعْدِهِ بُتْرُ
البيض القَوَاضب: السيوف القواطع.
بَواتِر: أي: قواطع.
بُتْرُ: جمع "أبْتر" وهي بمعنى: أقطع، أي: مقطوع.
***
[ ٢ / ٥١٧ ]