وهو قسمان:
القسم الأول: "اقتباس أوائل اللاّحق من أواخر السابق" ويُطْلَق عليه "تشابُه الأطراف".
وهو أن يؤتَى بآخر الفِقَرَةِ السَّابقة من الكلام، أو بآخر الشطرة الأولى من البيت، أو بآخر البيت، فيُجْعلَ بدأَ للكلام اللاحق، وقد يُكَرَّرُ هذا في النصّ الواحد.
* فمنه قول ليلى الأخيليّة في مدح الحجّاج بن يوسف الثقفيّ:
إِذَا نَزَلَ الْحَجَّاجُ أَرْضًا مَرِيضَةً تَتَبَّعَ أَقْصَى دَائِهَا فَشَفَاهَا
شَفَاهَا مِنَ الدَّاءِ الْعُضَالِ الّذِي بها غُلاَمٌ إِذَا هَزَّ الْقَنَاة سَقَاهَا
سَقَاهَا فَرَوَّاهَا بِشِرْبٍ سِجَالُهُ دِمَاءُ رِجَالٍ يَحْلُبُونَ صَرَاها
أي: إذا نزل بأرض فيها خارجون يُفْسدون تتبَّعَهُم حتَّى قَتَل الهاربين والمتخفين ورؤُوسَ الفتنة منهم، وأجهز عليهم.
بِشِرْب: أي: بِشَراب.
سِجَالُه: السِّجال جمع "السِّجْل" وهي الدَّلْوُ العظيمة، والضَّرْعُ العظيمة، ومرادُها هنا الضروع، تَشبيها لأوعية دماء الخارجين المسفدين بالضروع الممتلئة الْمُصَرَّاة (وهي التي حُبِسَ فيها لَبَنُها) .
[ ٢ / ٥٢٦ ]
يَحْلبُونَ صَرَاها: الصَّرَى ما طال مُكْثُه ففسد، تريد أنّ جنود الحجّاج يستخرجون برماحهم وسيوفهم الدّماء الفاسدة من الأشرار الخارجين المفسدين في الأرض.
* ومنه قول الله ﷿ في سورة (النور/ ٢٤ مصحف/ ١٠٢ نزول):
﴿الله نُورُ السماوات والأرض مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المصباح فِي زُجَاجَةٍ الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ [الآية: ٣٥] .
يلاحظ في هذا النّص ثَلاثُ فقرات اشتملت على هذا النوع من أنواع البديع:
كمِشْكاةٍ فيها مِصْبَاحٌ.
الْمِصْبَاحُ في زُجاجَة.
الزُّجَاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌ.
***
القسم الثاني: "اقتباسُ الرَّكَائِز".
وهو أن يؤتى من الجملة السّابقة ما يُتَخَذُ رَكيزَةً في بناء الجملة اللاّحقة.
الركيزة في اللّغة: ما يُرْتكَزُ عليه مما هو ثابت في الأرض وغيرها، يقال لغة: رَكَزَ شيئًا في شيء إذا أثبته فيه. وركز السَّهمَ في الأرض إذا غرَزَه فيها، ويقال ارْتكز على الشيء إذا اعتمد عليه.
ومن "اقتباس الرّكائز" قول الله ﷿ في سورة (المؤمنون/ ٢٣ مصحف/ ٧٤ نزول):
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العلقة مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المضغة عِظَامًا فَكَسَوْنَا العظام لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين﴾ [الآيات: ١٢ - ١٤] .
[ ٢ / ٥٢٧ ]
في هذا النّص أُخِذَتِ الركيزة من جملة ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ وهي كلمة ﴿نُطْفَةً﴾ وبُنِيَ عَلَيْهَا الْجُمْلَةُ التي بَعْدها، وهي: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً﴾، وأخذت الركيزة من هذه الجملة، وهي كلمة ﴿عَلَقَةً﴾ وبُنِيَ عليها الجملةُ التي بعدها، وهي: ﴿فَخَلَقْنَا العلقة مُضْغَةً﴾ وَأُخِذَتِ الرَّكيزة من هذه الجملة، وهي كلمة ﴿مُضْغَةً﴾ وبُنيَ عليها الجملة الّتي بعدَها، وهي: ﴿فَخَلَقْنَا المضغة عِظَامًا﴾ وأُخِذَتِ الرَّكِيزَة من هذه الجملة، وأُخِذَتِ الرَّكِيزَةُ من هذه الجملة، وهي كلمة "عِظَامًا" وبني عليها الجملة التي بعدها، وهي: ﴿فَكَسَوْنَا العظام لَحْمًا﴾ .
وهكذا تَعانق النصّ باقتباس الرَّكائز والبناء عليها، وساعد المعنى على إبداع هذا الفنّ.
وهو فنٌّ يصلح في مجال التعليم والتفهيم، وبناء الأفكار بعضها على بعض وفي مجال الإِقناع وتثبيت الأفكار، كما تقول في الحساب مثلًا:
خمسة أضف إليها خمسة تصير عشرة، عشرةٌ اضربها بعشرة تصير مئة، مئة قَسّمْها على خمسة يكون الحاصل عشرين. عشرون إذا قسمناها على أربعة يكون الحاصل خمسة إذن: (٥+٥×١٠÷٥÷٤=٥) .
***
[ ٢ / ٥٢٨ ]