التورية: أن يَذكُرَ المتكلّم لفظًا مفردًا له معنيان، على سبيل الحقيقة، أو على سبيل الحقيقة والمجاز، أحدهما ظاهر قريبٌ يَتَبَادَرُ إلى الذهن وهو غير مراد، والآخَرُ بعيد فيه نوع خفاءٍ وهو المعنى المراد، لكن يُورَّى عنه بالمعنى القريب، لِيَسْبِقَ الذهن إليه ويَتَوهّمَهُ قبل التأمّل، وبَعْدَ التأمّل يَتَنبَّه المتلَقِّي فيُدْرَكُ المعنى الآخر المراد.
وأصل التورية في اللّغة: إرادةُ الشيءٍ وإظهارُ غيره إيهامًا، وقد جاء في كتب السيرة النبويّة أن الرسول ﷺ كان إذا أراد غزاة أو سفرًا إلى جهةٍ ورَّى بغيرها، ليعمّي الأخبار، حتَّى لا يترصَّد له الأعداء.
قال الزمخشري: لا ترى بابًا في البيان أدقَّ ولا ألطف من التورية، ولا أنفع ولا أعْوَنَ على تعاطي تأويل المتشابهات في كلام الله ورسوله منها.
أقسام التورية:
تنقسم التورية إلى ثلاثة أقسام: مجرّدة ومرشحة، ومبيَّنة.
* فالتورية المجرّدة: هي التي لم تقترن بما يلائم المعنى القريب، ولا بما يلائم المعنى البعيد.
* والتورية المرشّحة: هي التي اقترنت بما يلائم المعنى القريب، سواء أكان هذا المقارن قبل اللفظ المستعمل في التورية أو بعده.
[ ٢ / ٣٧٣ ]
* والتورية المبيَّنة: هي التي اقترنت بما يلائم المعنى البعيد المقصود باللّفظ.
أقول: ولا يحسُنُ بلاغيًّا استخدام التورية إلاَّ إذا دعا داعٍ بلاغي يقتضيه حال المتلقّي، وهذا الداعي ممّا يُقْصدُ لدى أذكياء البلغاء، كإخفاء المراد عن العامة وإشعار الخاصة من طرفٍ خفي، وكالتعبير عن المقصود بكلام يتأتَّى معه الإِنكار عند الحاجة إليه، وكاختبار ذكاء المتلقّي والتأثير في نفسه بما يُعْجِبُه من أداءٍ فنّيّ يستخدم فيه الأسلوب غير المباشر حتى الإِلغاز، إلى غير ذلك من دواعي.
فليس كلّ كلمة لها معنًى قريب ولها معنًى بعيد على وجه الحقيقة أو المجاز يحْسُنُ استخدامها، وقَصْدُ المعنى البعيد بها، على سبيل التورية، دون مراعاة أو ملاحظة داعٍ بلاغي يُقْصَد لدى البلغاء الفطناء.
أمثلة:
المثال الأول: قول الله ﷿ في حكاية قول بعض أولاد يعقوب ﵇ له، حين أخذ يُحِسُّ بريح يوسف ﵇، ولم يكن قد وصل البشير إليه يحمل قميصه من مصر، ولم يكن قد علم بما حصل لباقي بنيه في مصر الذين ذهبوا ليطلبوا الإِفراج عن بنيامين شقيق يوسف، فقال الله تعالى في سورة (يوسف/ ١٢ مصحف/ ٥٣ نزول):
﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ العير قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ * قَالُواْ تالله إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ القديم﴾ [الآيات: ٩٤ - ٩٥] .
تُفَنِّدُونِ: تُخَطِّئُوني بأنّي أُحسُّ بإحْسَاسِ من أصابَهُ الخرفُ وضعُفَ رأيُه، فصار يتصوّر تصورات باطلات.
وتلاحظ التورية في عبارتهم: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ القديم﴾ فهذه العبارة لها معنيان:
[ ٢ / ٣٧٤ ]
المعنَى الأول القريب الذي أرادوا الإِيهام به: هو أنّه ما زال ضالًا مع أوهامه، طامعًا بعد نيف وثلاثين سنة من غياب يوسف في أن يعود إليه أو يلتقي به، وضالًا في شغل نفسه بالحزن عليه حتَّى يكون حرضًا (أي: شديد المرض) أو يكون من الهالكين.
المعنى الثاني البعيد الذي قَصَدُوه: هو أنّه ما زال ضالًا في إيثاره يوسف وشقيقه بنيامين على سائر بنيه، وهذا المعنى هو المعنى الذي كانوا ذكروه قبل أن يُلْقُوه يوسُفَ في غَيابة الجبّ، وقَدْ أبانه الله بقوله في أوائل السّورة.
﴿إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إلى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [الآية: ٨] .
والتورية في هذا المثال مجرّدة.
المثال الثاني: قول الشاعر "صلاح الصفدي":
وصَاحِب لمَّا أَتَاهُ الْغِنَى تَاهَ ونَفْسُ الْمَرْءِ طَمَّاحَهْ
وَقيلَ: هَلْ أبْصَرْتَ مِنْهُ يدًا تَشْكُرُها قُلْتُ ولاَ رَاحَهْ
كلمة: راحة لها معنيان: أحدهما المعنى القريب وهو راحة اليد، وهو المعنى الذي تستدعيهِ عبارة "يدًا تشكرها" والآخر المعنى المقصود وهو راحة الجسم من التعب.
والتورية هنا مرشّحة لاقترانها بما يلائم المعنى القريب.
المثال الثالث: قول الشاعر:
أَيُّهَا الْمُعْرِضُ عَنَّا حَسْبُكَ اللَّهُ تَعَالَ
كلمة "تَعَالَ" لها معنيان: المعنى القريب هو الثناء على الله بالعلوّ، وهو يلائم لفظ الجلالة "الله" والمعنى الآخر وهو الدعوة إلى الحضُور، وهو يلائم عبارة: "أيُّها المعرض عنّا".
المثال الرابع: قول سراج الدين الورّاق شاعر مصري (٦١٥- ٦٩٥هـ) .
أَصُونُ أَدِيمَ وَجْهِي عَنْ أُنَاس لِقَاءُ الْمَوْتِ عِنْدَهُمُ الأَدِيبُ
وَرَبُّ الشِّعْرِ عِنْدهُمُ بَغِيضٌ وَلَوْ وَافَى بِهِ لَهُمُ حَبِيبُ
كلمة "حبيب" لا يريد بها المعنى القريب وهو المحبوب، بل يريد بها المعنى البعيد، وهو اسم أبي تمّام الشاعر: "حَبِيبُ بن أوس".
وهذه من التورية المجرّدة.
المثال الخامس: قول الشابّ الظريف "شمس الدين بن العفيف التلمساني" (٦٦٢ - ٦٨٧هـ):
تَبَسَّمَ ثَغْرُ اللَّوْزِ عَنْ طِيب نَشْرِهِ وأَقْبَلَ فِي حُسْنٍ يَجِلُّ عَنِ الْوَصْفِ
هَلُمُّوا إلَيْهِ بَيْنَ قَصْفٍ ولَذَّةٍ فَإِنَّ غُصُونَ الزَّهْرِ تَصْلُحُ لِلْقَصْفِ
كلمة "القصف" في قافية البيت الثاني لها معنيان: المعنى الأول هو الكسْرُ، فغُصُون الزهر تُكْسَرُ عن شجرتها، للاستمتاع بزينتها، وهذا المعنى غير مراد. والمعنى الآخر البعيد هو اللَّهْو واللّعب والافتنان بالطعام والشراب، وهذا هو المعنى المراد.
وفي سوابق هذه التورية ما يلائم المعنيين، فهي بقوّة المجرّدة.
المثال السادس: قول بدر الدين الذهبي:
رِفْقًا بخِلٍّ نَاصِحٍ أَبْلَيْتَهُ صَدًّا وهَجْرًا
وَافَاكَ سَائِلُ دَمْعِهِ فَرَدَدْتَهُ فِي الْحَالِ نَهْرًا
كلمة "نهرًا لها معنيان: الأول القريب هو النَّهْرُ واحد الأنهار. والمعنى الآخر البعيد وهو المراد: هو الزَّجر، ويشير إلى قول الله تعالى: وأمّا السائل فلا تنهر. وفيه أيضًا تورية بكلمة "سائل" من سال يسيل، ومن سأل يسأل، إذ الدمع الذي يسيل يتضمَّن سؤال الوصال.