العكس المعنوي: هو أن يُؤْتَى بأجزاء تالي الكلام على عكس ما جاء في أجزاء مُقدَّمِه.
ويحْسُنُ هذا الفنُّ البديعيُّ حين يكونُ كلٌّ من مُقدّم الكلام وتاليه الذي هو عكْسُه مؤدِّيَيْن من المعاني ما يُقْصَدُ لدى البلغاء، كقولهم: كلام الأمير أميرُ الكلام.
وللعكْس صُوَرٌ، منها ما يلي:
(١) العكس بَيْنَ طَرَفَيْ جُمْلَةٍ واحدة، مثل: كَلاَمُ الأمِيرِ أَمِيرُ الكلام.
(٢) العكس بين مُتَعَلَّقَيْ فِعْلَيْنِ في جملتين، مثل: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِن الميّتِ ويُخْرِجُ الْميّتَ مِنَ الْحَيّ﴾ [الروم: ١٩] .
(٣) العكْسُ بَيْنَ لَفْظَيْنِ في طَرَفَيْ جُمْلَتَيْنِ، مثل قول الأب لمعلّم ولَدِه الذّي أنْجَحَهُ في الامتحان بغير حق، فصار الولد يَسْقُطُ بعد ذلك في الامتحانات، أنْجَحْتَهُ بغير حقٍّ فَسَقَطَ، ولو أسقطته بحَقٍّ لَنَجَحَ.
أمثلة:
المثال الأول: قولُهم: عَادَاتُ السَّادَاتِ سَادَاتُ الْعَادات.
كلُّ من مقدّم الكلام وتاليه الذي هو عكسه في هذا التعبير ذو معنىً مقصود، والمعنيان متكاملان في موضوعهما.
[ ٢ / ٤٤٠ ]
المثال الثاني: قول الله ﷿ في سورة (فاطر/ ٣٥ مصحف/ ٤٣ نزول):
﴿يُولِجُ الليل فِي النهار وَيُولِجُ النهار فِي الليل ﴾ [الآية: ١٣] .
كلُّ من مُقَدَّم الكلام وتاليه الذي هو عكسه ذو معنىً مقصود، والمعنيان متكاملان في موضوعهما.
المثال الثالث: قول الله ﷿ في سورة (الأنعام/ ٦ مصحف/ ٥٥ نزول):
﴿وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظالمين﴾ [الآية: ٥٢] .
جاء في هذه الآية العكس البديع في عبارة ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ﴾ [الآية: ٥٢] .
المثال الرابع: قول الله ﷿ في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول):
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ﴾ [الآية: ١٨٧] .
المقدّم: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ﴾ .
وعكسه التالي: ﴿وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ .
المثال الخامس: قول الله ﷿ في سورة (الممتحنة/ ٦٠ مصحف/ ٩١ نزول)
﴿ياأيها الذين آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ المؤمنات مُهَاجِرَاتٍ فامتحنوهن الله أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكفار لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ﴾ [الآية: ١٠] .
المقدّم: ﴿لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ﴾ .
وعكسه التالي: ﴿وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ .
[ ٢ / ٤٤١ ]
المعنى: ليس للكافر حقٌّ في أن يستمتع بامرأة مؤمنة في حكم الإِسلام، أي: ليس للمؤمنة أن تمكّنَهُ من الاستمتاع بها بزواج جديد، ولا بحقّ زواجٍ سابق، وليس للمجتمع الإِسلامي أن يمكّنه من الزواج بها، أو من بقاء زواجه منها إذا أسلمت وبقي هو على كفره.
وكذلك ليس للمؤمنة حقّ في أن تستمتع بزوج كافر في حكم الإِسلام، وعلى الدولة الإِسلامية أنْ تُفَرّق بينهما إذا أسلمت هي وبقي هو على كفره.
ونظير ما جاء في هذا النصّ ما جاء في قول الله ﷿ في سورة (المائدة/ ٥ مصحف/ ١١٢ نزول):
﴿اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ﴾ [الآية: ٥] .
أي: يَحلُّ لَكُمْ أنْ تُطْعِمُوهُمْ من طعامِكُمْ، إذْ ليس هذا الحكم مُوجّهًا لأهل الكتاب الذين لا يؤمنونَ بالقرآن ولا بالإِسلام، إنما هو موجّه للمؤمنين.
***
[ ٢ / ٤٤٢ ]