وهو أن يكون ظاهر الكلام يفيد إثبات الشيء إلاَّ أنّ باطانه يفيد نفيه مطلقًا.
والغرض تأكيد النفي.
قال ابن رشيق في تعريفه: أن يكون الكلامُ ظاهره إيجابَ الشيء وباطنُه نفيَه، بأنْ يُنْفَى ما هو من سببه، كنَفْي وصفه، وهُو المنفيُّ في الباطن. وقال غيره: أن يُنْفَى الشيءُ مُقَيّدًا والمرادُ نفيُهُ مطلقًا.
أمثلة:
المثال الأول: قول الله ﷿ في سورة (المدثر/ ٧٤ مصحف/ ٤ نزول) بشأن الكفرة المكذّبين بيَوْم الدين، حين يُلاقونَ عذابهم يومئذٍ:
﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين﴾ [الآية: ٤٨] .
أي: ليْسَ لَهُمْ شافعون يومئذٍ ولو كان لهم شافعون لَمَا نَفَعَتْهُمْ شَفَاعَتُهُمْ.
ودلّ على أنّهم لا يجدون يومئذٍ شافعين يَشْفَعُون لهم قول الله ﷿ في سورة (الشعراء/ ٢٦ مصحف/ ٤٧ نزول) مخبرًا عمّا يقولون يؤمئذٍ:
﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ المجرمون * فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الآية: ١٨] .
[ ٢ / ٤٧٢ ]
المثال الثاني: قول الله ﷿ في سورة (غافر/ ٤٠ مصحف/ ٦٠ نزول):
﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الأزفة إِذِ القلوب لَدَى الحناجر كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [الآية: ١٨] .
أي: لَوَ فُرِضَ وُجودُ شفيع لهم لَمْ يَكُنْ مُطَاعًا، فذكر احتمال وجود شفيعٍ غير مُطاع يؤكّد عدم وجود شفيع لهم، إذْ فائدة الشفيع الاستجابة لشفاعته، لكن إذا عُلِمَ ابتداءً أنّ شفاعتَهُ مَرْفوضَةٌ فإنّه لا يُعْتَبَرُ شفيعًا أصْلًا، ولا يُسْمَحُ لَهُ بأَنْ يكون شفيعًا.
المثال الثالث: قول الله ﷿ في سورة (المؤمنون/ ٢٣ مصحف/ ٧٤ نزول):
﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ الله إِلَهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون﴾ [الآية: ١١٧] .
إنَّ اتّخاذ إلهٍ مع الله ﷿ لا يُمْكِنُ أن يَدُلَّ عليه برهان، فلا يوجَدُ إله غير الله يوصَفُ بأنّ إلهيَّتَهُ ذَاتُ برهان.
فقيد لا برهان به يُؤكِّدُ ضِمْنًا عدم وجود شريك لله ﷿ في إلهيتّه.
أقول: في هذا تكريم للفكر الإِنسانيّ أَنْ يبحث كلَّ أُصُول الإِيمان، وقضاياه الكبرى بالبراهين العقليّة، ولا يأخُذَها بمجرّد التسليم للخبر، فمن استطاع أن يأتي برهانٍ على أنّ لله شريكًا في رُبُوبيّتِهِ، أو في إلهيّته، فإنَّ الله ﷿ يعطيه العُذْر في أن يُؤْمِنَ بما توصّل إليه بالدّليل البرهاني.
على أن في التعبير معنى التحدّي بأن يأتي المشركون ببرهان يثبتون به ما يعتقدونه من شركٍ، وهذا التحدّي يتضمَّن تأكيد نفي وجود برهان يُثْبت ادّعاءهم، وبالتالي يؤكّد نفي وجود أيّ شريك لله ﷿.
[ ٢ / ٤٧٣ ]
المثال الرابع: قول الله ﷿ في سورة (آل عمران/ ٣ مصحف/ ٨٩ نزول):
﴿إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الذين يَأْمُرُونَ بالقسط مِنَ الناس فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الآية: ٢١] .
لقَدْ كان اليهود يَقْتُلُونَ النبيّين بغير حَقٍّ، ولا يُمْكِنُ أن يكون قَتْلُ النبيين بحقٍّ، لكنّ إثباتَ هذا القيد يُؤَكّد مَبْلَغَ جُرْمِهِمْ.
***
[ ٢ / ٤٧٤ ]