تَأْكيد الْفِكْرة بما يُشْبِهُ تقرير ضدّها وهي المُسَمّاة: تأكيد المدح بما يشبه الذّم وعكسه والعنوان الذي وضعته أولى
تأكيد الفكرة بما يشبه تقرير ضدّها: هي أن يأتي المتكلّم بكلام يتضمَّنُ مَدْحًا، أو ذمًّا، إو إثباتَ صفةٍ أو حَدَثٍ، أو نَفْيَ صِفَةٍ، أو حدث، ويُتْبعَهُ بكلاَمٍ يَبْدَؤُه بما يُشْعِرُ باستثناءٍ أو استدراكٍ على كلامه السابق فإذا به يأتي بما يتضَمَّنُ تأكيد كلامه السابق.
وهذا فنٌّ بديع في الكلام له حركة في النفس تَشْبِهُ الْجَزْرَ فالمدَّ السّريع الأقوى من الْجَزْرَ.
أمثلة:
المثال الأول: قول الله ﷿ في سورة (الواقعة/ ٥٦ مصحف/ ٤٦ نزول) بشأن الجنة وما فيها من نعيم لأهلها:
﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلاَ تَأْثِيمًا * إِلاَّ قِيلًا سَلاَمًا سَلاَمًا﴾ [الآيات: ٢٥ - ٢٦] .
إنّ الاستثناء بعبارة ﴿إِلاَّ قِيلًا﴾ يُشْعِرُ بأنّ نفي اللَّغو والتأثيم السابق سيأتي إثباتُ بعضِ ما هو ضدّه، فإذا بالمستثنى يوكِّد الفكرة السابقة، وهي أنّهم لا يَسمَعُونَ فيها لَغْوًا ولاَ تأثِيمًا، لأنَّ عبارات السلام التي يسْمَعُها أهْلُ الجنّة ليست من اللّغو ولا من التأثيم، الّذي هو الشتيمة بارتكاب الإِثم، بل هي تكريم ودعاء وتحيَّة.
[ ٢ / ٣٩٢ ]
المثال الثاني: قول الله ﷿ في سورة (طه/ ٢٠ مصحف/ ٤٥ نزول) خطابًا لرسوله محمد ﷺ:
﴿طه * مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرآن لتشقى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يخشى﴾ [الآيات: ١ - ٣] .
جملة: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرآن لتشقى﴾ أي: ما أنزلْنَا عَلَيْك القرآن لتُتْعِبَ قلْبَكَ ونفْسَك بتَحَمُّل أعباء تحويل الناس من الكفر إلى الإِيمان، بل لتبلّغهم وتذكّرهم، وتريح قلبك ونَفْسَك بأنَّك أدّيْتَ واجبك.
وجاءت بعدها كلمة [إلاَّ] تشعر بأنّه سَيَليها مستثنىً يُحمِّلُه تكليفًا فيه بعض شقاءٍ له، فإذا بالمستثنى يتضمّن تأكيد الفكرة التي جاءت في الجملة السابقة لأداة الاستثناء.
المثال الثالث: قول الله ﷿ في سورة (القيامة/ ٧٥ مصحف/ ٣١ نزول) بشأن الكافر المَسُوق إلى عذاب ربّه:
﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى * ولاكن كَذَّبَ وتولى﴾ [الآيات: ٣١ - ٣٢] .
قد تُشْعر كلمة [لَكِنْ] في الوهلة الأولى بأنّه فعل شيئًا من الخير استدراكًا على كونه كذّب بالرسول ولم يُصَلِّ للَّهِ ﷿، فإذا بالمستَدْرَكِ به يتضَمَّن تأكيد ما جاء قبلَه، فقد كذّب الرّسول وكذّب بما جاء به، وتولَّى مُدْبرًا فلم يُصَلِّ ولم يَعْبُدْ ربَّه بعبادةٍ ما.
المثال الرابع: قول النابعة الذّبياني:
وَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ بِهِنَّ فُلُولٌ من قرَاعِ الْكَتَائِبِ
فُلُول: جَمْعُ "فَلّ" وهو ثَلْمٌ يُصِيبُ حدّ السّيف من الضرب الشَّدِيدِ به.
مِنْ قراع الكتائب: القِرَاع: التقاتل ضربًا بالسّيوف والرماح، والكتائب: الجيوش المحاربة.
[ ٢ / ٣٩٣ ]
إنّ تثلُّم سيوفهم من قراع الكتائب يتضمّن مدحًا لهم بالشجاعة والإِقدام، فهو ليس من العيوب، بل هو من المناقب، فَذِكره على أنّه هو العيب الوحيد لهم يؤكّد الثناء عليهم أبلغ تأكيد.
المثال الخامس: قول "بديع الزمان الهمذاني" يمدح "خلف بن أحمد السجستاني":
هُوَ الْبَدْرُ إلاَ أنَّهُ البَحْرُ زاخِرًا سِوَى أنَّه الضِّرْغامُ لكنَّهُ الوَبْلُ
زاخرًا: ممتلئًا طاميًا. الضرغام: الأسد. الوَبْل: المطر الشديد.
فقد أكدّ المدح بأسلوب يُوهِمُ عند البدء به أنّه يريد أن يذكر له عيبًا بعد أن شبّهه بالبدر.
المثال السادس: قول النابغة الجعدي في المديح:
فَتَى كَمُلَتْ أَخْلاقُهُ غيْرَ أَنَّهُ جَوَادٌ فَمَا يُبْقي مِنَ المَالِ بَاقِيَا
المثال السابع: قول ابن الرومي في المديح:
لَيسَ بِهِ عَيْبٌ سِوَى أنّه لا تَقَعُ الْعَيْنُ عَلَى مِثْلِهِ
المثال الثامن: رُوي عن الرسول ﷺ أنّه قال:
"أَنَا أفْصَحُ الّعَرَب، بَيْدَ أنِّي من قُرَيشٍ".
فكونُه من قريش يؤكّد أنّه صلوات الله عليه أفصح العرب.
المثال التاسع: قول المعرّي:
تُعَدُّ ذُنُوبي عِنْدَ قَوْمٍ كَثِيرةً وَلاَ ذَنْبَ لِي إلاَّ العُلاَ والفَضَائِلُ
المثال العاشر: قول صفي الدّين الحلّي:
لاَ عَيْبَ فِيهِمْ سِوَى أنَّ النَّزِيلَ بِهِمْ يَسْلُو عَنْ الأَهْلِ والأَوْطَانِ والْحَشَمِ
[ ٢ / ٣٩٤ ]
حَشَمُ الرَّجُل: خاصَّتُه الّذين يغضبون لغضبه ويرضون لرضاه ويدخل فيهم الأهل والعبيد والْجِيرَة.
المثال الحادي عشر: قول الله ﷿ في سورة (التوبة/ ٩ مصحف/ ١٣ نزول) بشأن المنافقين:
﴿ وَمَا نقموا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ [الآية: ٧٤] .
من شأن الإِغناء أن يكون سبب حُبّهم والباعث على طاعتهم، لا أن يكون سبب نقمتهم، فجاء ما بعد الاستثناء مؤكِّدًا عدَمَ وجود سبب لنقمتهم.
المثال الثاني عشر: قول الله ﷿ في سورة (الحج/ ٢٢ مصحف/ ١٠٣ نزول):
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ الله على نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الذين أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا الله ﴾ [الآيات: ٢٩ - ٣٠] .
جاءَ ما بَعْدَ الاستثناء مؤكّدًا أَنَّهم أُخْرِجوا من ديارِهِم بغَيْرِ حَقٍّ، لأنّ قولَهُم: ﴿رَبُّنَا الله﴾ لا يُعطي الكافرين أيَّ حَقٍّ في إِخراجِهم من دِيارِهم.
المثال الثالث عشر: جاء في مادة (نمل) من لسان العرب، قول الشاعر:
وَلاَ عَيْبَ فينَا غَيْرُ نَسْلٍ لِمَعْشَرٍ كِرَامٍ وأَنَّا لاَ نَخُطُّ عَلَى النَّمْلِ
أي: لسنا بمجوس ننكح الأخوات، قال أبو العبّاس: وأنشدنا ابْنُ الأعرابي هذا البيت، وفسَّره: أنَّا كِرامٌ ولاَ نَأْتِي بُيُوتَ النَّمْلِ في الجدْب لِنَحْفِرَ على مَا جَمَعَ لنأكُلَه.
المثال الرابع عشر: قول الشاعر في مدح بني أُمَيَّة:
مَا نَقَمُوا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ إِلاَّ أنَّهُمْ يَحْلُمُونَ إِنْ غَضِبُوا
وَأَنَّهُمْ سَادَةُ الْمُلُوكِ وَلاَ يَصْلُحُ إلاَّ عَلَيْهِمُ الْعَرَبُ
***
[ ٢ / ٣٩٥ ]