(١) مقدمة
اهتم البلاغيّون بالبحث لاستخْراج الأسس الفكريّة العامّة للفصل والوصل بين الجمل التي لها محلَّ من الإِعراب، بعد أن نظروا نظرات عامّاتٍ إلى المفرد، وإلى الجملة التي لا محلّ لها من الإِعراب باعبارها بمنزلة المفرد، وتُؤَوَّلُ بمفرد، وتحكُمُهما الأسس الّتي سبَقَ بيانُها في الفصل الثاني من هذا الباب، أخذًا ممّا بَحَثَهُ النَّحْوِيُّونَ، وبحثَ بعضَهُ البلاغيون متناثرًا.
(٢) وقد أبان البلاغيّون أهميّة معرفةِ مواطن الفصل والوصل بين الجمل الّتي لا محلّ لها من الإِعراب، واعتبروا إدْراكَ ذلك من الأمور التي تحتاج بصيرةً نفَّاذةً قادرةً على إدْراك مدَى التلاقي والافتراق، والتقارب والتباعد بين المضامين الفكريّة للجمل التي يتلو بعضُها بعضًا في الكلام، وأنّ هذا ممّا يَصْعُبُ على الكثيرين إدْراكُه، فلا يستطيعون دوامًا تَحْدِيدَ ما يجبُ أو يَحْسُن فَصْلُهُ، ومَا يجبُ أو يَحْسُن وصله، وَما يستوي فيه الأمران، فَلاَ يَرْتَقي ما يُنْشؤون من كلامةٍ مؤلف من جُمَلٍ كثيرةٍ في مراقي البلاغية الرفعية، وفي حُسْنِ وضْعِ كُلٍّ من الفصل والوصل في موضعه.
[ ١ / ٥٧١ ]
ولا تُكْتَسَبُ ملكةُ وضْع كلٍّ من الفصل والوصل في موضعه بالملائم بالتقائيّةِ إلاَّ بممارسةٍ طويلة، مع حِسٍّ فطريٌّ مُرْهف، وموهبة بلاغيّة ممتازة.
ويتفاوت الكلام بالفصل والوصل تفاوُتًا كبيرًا ارتقاءً أو نزولًا من المراتب البلاغيّة، ويتفاضل في هذا المجال أيضًا الكتّاب والشعراء والخطباء والْمُحَدِّثون.
وبالَغَ بعضهم فقال: البلاغة معرفة مواطن الفصل والوصل في الكلام (أي: العطف بالواو وترك العطف بها) .
***
(٢) الجمل التي لا محلّ لها من الإِعراب
لمَّا كان الكلام هنا يتناول الْفَصْلَ والوصل في الجمل التي لا محلّ لها من الإِعراب، فمن المناسب أن نأخذ من النحويّين ما ذكروه من تفصيل لها، ليكون ذلك تمهيدًا لكلام البلاغيين حولها.
ذكر النُّحاةُ أنّ الْجُمَل التي لا محلَّ لها من الإِعراب تِسْعُ جمل، وهي ما يلي:
الأولى: "الجملة الابتدائية" وهي الّتي تكونُ في بدء الكلام، مثل: ﴿*اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ فهي جملة لا محلّ لها من الإِعراب.
وهذه الجملة بطبيعتها لا توصل بشيء قبلها، إلاَّ أن تُسْبَقَ بكلامٍ مُقَدَّر ذهنًا، فقد يكون للمقدّرات الذهنيّة اعتباراتٌ تُلاحظُ في المنطوق من الكلام، كأن يسأل رجلٌ صديقه: هلْ تَعَشَّيْتَ عند فلان؟، فيقول له: وَبِتُّ عِنده حتّى الصباح.
الثانية: "الجملةُ الاستئنافية" وهي الّتي تقع في أثناء الكلام منقطعةً عمّا قبْلَها لاستئناف كلام جديد، وهي جملة لا محلّ لها من الإِعراب.
[ ١ / ٥٧٢ ]
والأصل فيها أن تكون منفصلةً غير مقترنَةٍ بحرف عطف، مثل قول الله ﷿ في سورة (النحل/ ١٦ مصحف/ ٧٠ نزول):
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣)﴾ .
فجملة: "تعالَى الله عمّا يشركون" جملة استئنافيّة.
وقد تقترن بالفاء الاستئنافيَّة، مثل قول الله ﷿ في سورة (الأعراف/ ٧ مصحف/ ٣٩ نزول):
﴿فَلَمَّآ آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ آتَاهُمَا فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الآية: ١٩٠] .
وقد تقترن بالواو الاستئنافية، مثل قول الله ﷿ في سورة (آل عمران/ ٣ مصحف/ ٨٩ نزول) في عرض قصة امرأة عمران:
﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أنثى والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذكر كالأنثى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشيطان الرجيم﴾ [الآية: ٣٦] .
فجملة: "وَالله أعلم بما وضعت" جملة استئنافية اقترنت بالواو الاستئنافية.
الثالثة: "الجملة التعليليَّة" وَهِي الّتِي تَقَعُ في أثناءِ الكلام تَعْلِيلًا لما قَبْلَها، وهي جملة لا محلّ لها من الإِعراب.
والأصل في هذه الجملة أن تكون منفصلة غير مقترنة بحرف عطف، مثل قول الله ﷿ في سورة (التوبة/ ٩ مصحف/ ١١٣ نزول) خطابًا لرسوله:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلاوتك سَكَنٌ لَّهُمْ والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الآية: ١٠٣] .
فجملة: "إنّ صلاتَكَ سَكَنٌ لهم" جملة تعليلية.
وقد تقترن بفاء التعليل، مثل أن تقول: "الْزَمْ سَبِيلَ الْهُدَى فَإِنَّهُ سَبَبُ السَّعَادَةِ".
[ ١ / ٥٧٣ ]
الرابعة: "الجملة الاعتراضيّة" وهي التي تعترض بين شيئَيْن متلازِمَيْن: "كالمبتدأ والخبر، والفعل ومرفوعه، والفعل ومنصوبه، والشرط وجوابه، والحال وصاحبها، والصفة والموصوف بها، وحرف الجرّ ومتعلَّقه، والقسم وجوابه" وهي جملة لا محلّ لها من الإِعراب.
قالوا: ويُؤْتَى بالجملة الاعتراضيّة لإِفادة الكلام تقويةً وتسديدًا وتحسينًا.
أقول: أغراض الجملة الاعتراضيّة عند البلغاء كثيرةٌ يصْعُبُ تحديدُ أُطُرِها العامّة، فضلًا عمّا هو أكثر من ذلك تحديدًا أو تفصيلًا، إذْ دواعي ذكرها، فكريَّة، تُشْتَقُّ من الموضوعاتِ التي تُذْكَرُ ضِمْنَها. ومن أمثلة الجمل الاعتراضية:
* قول الله ﷿ في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول):
﴿وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وادعوا شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ الله إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فاتقوا النار التي وَقُودُهَا الناس والحجارة أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [الآيات: ٢٣ - ٢٤] .
فجملة ﴿وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ جاءَتْ بين متلازمَيْنِ هُمَا: "الشرط وجوابه" والواو فيها استِئْنَافيّة.
* وقول الله ﷿ في سورة (الواقعة/ ٥٦ مصحف/ ٤٦ نزول):
﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الآيات: ٧٥ - ٧٦] .
فجملةُ: ﴿لَّوْ تَعْلَمُونَ﴾ جُملةٌ اعتراضيَّةٌ جاءت بَيْنَ مُتَلازِمَيْنِ هُما: " الصفة والموصوف بها ".
الخامسة: "الجملة الواقعة صلةً للموصول" سواءٌ أكان الموصول موصولًا اسميًا، أَمْ موصولًا حرفيًّا.
[ ١ / ٥٧٤ ]
* فالموصول الاسمي: "كالّذِي - والَّتِي - ومَنْ -" مثل قول الله ﷿ في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول):
﴿الم * ذَلِكَ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب وَيُقِيمُونَ الصلاة وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ [الآيات: ١ - ٣] .
فجملة: ﴿يُؤْمِنُونَ بالغيب﴾ صلة لموصول اسمي، لا محلّ لها من الإِعراب.
* والموصول الحرفيّ هو الحرف المصدريُّ الذي يُؤوّل مع ما بعده بمصدر، والحروف المصدرية هي "أنْ الناصبة للفعل المضارع - أَنَّ - كَيْ - ما المصدرية - لو - همزة التسوية".
ومن الأمثلة قول الله عزَّ جلَّ في سورة (المائدة/ ٥ مصحف/ ١١٣ نزول):
﴿فَتَرَى الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نخشى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ ﴾ [الآية: ٥٢] .
فجملة ﴿تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾ لا محلّ لها من الإِعراب لأنّها صلة موصولٍ حرفي، وهي مع الموصول الحرفي في تأويلِ مصدرٍ مفعول به لفعل ﴿نخشى﴾ .
السادسة: "الجملة التفسيرية" وهي الّتي تأتي مفسِّرَةً لجملةٍ أو مفردٍ قبلها، وتأتي خبريَّةً أوإنشائيّة.
والجملة المفسِّرة لما قبلها، قد تأتي مقرونة بكلمة "أيْ" أو بكلمة "أن" أو مجرَّدَةً منهما، وهي لا محلّ لها من الإِعراب.
* فمِنْ أمثلة المقرونة بكلمة "أي" قول الشاعر:
"وَتَرْمِينَنِي بالطَّرْفِ أي: أَنْتَ مُذْنِبٌ".
* من أمثلة المقرونة بكلمة "أنْ" قول الله ﷿ في سورة (المؤمنون/ ٢٣ مصحف/ ٧٤ نزول) في عرض قصة نوح ﵇:
[ ١ / ٥٧٥ ]
﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ اصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا ﴾ [الآية: ٢٧] .
ومن أمثلة المجرَّدَة من "أي" و"أنْ" قول الله ﷿ في سورة (الصف/ ٦١ مصحف/ ١٠٩ نزول):
﴿ياأيها الذين آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ على تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الآيات: ١١ - ١٢] .
فجملة ﴿تُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ﴾ وما عُطِفَ عليها مُفَسِرَةٌ للتّجارة المنجية.
السابعة: "الجملة الواقعة جوابًا لقسم" مثل قول الله ﷿ في سورة (يس/ ٣٦ مصحف/ ٤١ نزول):
﴿يس * والقرآن الحكيم * إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين﴾ [الآيات: ١ - ٣] .
فجملة: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين﴾ جواب القسم الوارد في ﴿والقرآن الحكيم﴾ وهي لا محلّ لها من الإِعراب.
* وقول الله ﷿ في سورة (الأنبياء/ ٢١ مصحف/ ٧٣ نزول) في عرض قصة إبراهيم ﵇:
﴿وتالله لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾ [الآية: ٥٧] .
فجملة: ﴿لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ جواب القسم في ﴿تالله﴾ وهي لا محلّ لها من الإِعراب.
الثامنة: "الجملة الواقعة جوابًا لشرط غير جازم" وهي جملة لا محلّ لها من الإِعراب.
وأدوات الشرط غير الجازم هي: "لو - لَوْلاَ - لَوْمَا - أمَّا - لمَّا - إذَا".
أمثلة:
(١) ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ .
[ ١ / ٥٧٦ ]
(٢) ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ .
(٣) ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض﴾ .
(٤) (لوما الكتابةُ لضَاعَ أكْثَرُ الْعِلْم) .
(٥) ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّهِمْ﴾ .
(٦) ﴿فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ﴾ .
(٧) ﴿وَإِذَا لَقُواْ الذين آمَنُواْ﴾ .
فجوابُ الشرط الواردُ في هذه الأمثلة جُمَلٌ لاَ محلّ لها من الإعراب.
التاسعة: "الجملة التابعَةُ لجملةٍ لا محلّ لها من الإِعراب" فلها حكم الجملة التابعة لها، مثل: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واستغفره﴾ فجملة ﴿واستغفره﴾ معطوفة على جملة ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واستغفره﴾ وهي لا محلّ لها من الإِعراب لأنها جواب شرط غير جازم.
***
(٣) الأسس العامّة للفصل الوصل بين الجمل التي لا محلّ لها من الإِعراب
سبق أن عرفنا أسس الفصل والوصل بين المفردات في الجملة الواحدة، وبين الْجُمَل الّتِي لها محلٌّ من الإِعراب.
وعلينا هنا أن نستبصر الأسس العامّة للفصل والوصل بين الجمل التي لا محلّ لها من الإِعراب، وهو البحث الذي اعتبره البلاغيّون عِمَادَ هذا الباب من أبواب البلاغة، كما سبق به البيان.
وقبل أن نبدأ ببيان هذه الأسس لا بدّ من التنبيه على أنّ الْمَعْنَى إذا كان
[ ١ / ٥٧٧ ]
يقتضي العطف بحرف من حروف العطف غير الواو، وهي: "الفاء - ثُمَّ - حتّى - بل - لَكِنْ - لا - أم" فالأصل العطف بالحرف الذي يقتضيه المعنى من هذه الحروف، ولا يُتْرَكُ هذا الأصل إلاَّ لغرضٍ من الأغراض الّتي يَقْصِدُها البلغاء، ومنها أن لا يريد صاحب الكلام بيانَ المعنى الذي يدلُّ عليه حرف العطف ذو المعنى الخاص، وإنْ كَانَ واقع الحال مطابقًا لدلالته لو عطف به، إذْ له غرضٌ في إغفال المعنى وعَدَمِ التعبير عنه، وهذا موضوع لا يحتاج بحثًا ولا تأصيلًا.
ولا بُدَّ من التَّنْبِيهِ أيضًا على أنّ عطف الجملة التالية على الجملة السابقة بالواو، إذا كان يُفِيدُ إشراكَها في حكمها، والمتكلّم لا يُريد أن يَدُلَّ على هذا الاشتراكِ لأمْرٍ ما، فإنّه لا يَرْبطُ الجملة التالية بحرف العطف، بل يأتي بها منفصلة، لئلا يدُلَّ كلامه على ما لا يريدُ بيانه والدلالة عليه، وهذا أيضًا موضوع لا يحتاج بحثًا ولا تأصيلًا.
إذن: ينحصر الكلام هنا في العطف "بالواو" أو عدم العطف بها، ضمن المقاصد الّتي يريد المتكلّم التعبير عنها والدّلالة عليها.
و"الواو" العاطفة التي يدور البحث هنا حول استخدامها عطافةً أو عدم استخدامها، بين الجمل التي لا محلَّ لها من الإِعراب، لها أرْبَعُ صفات:
الصفة الأولى: أنّها لمطلق الجمع، فلا تقتضي ترتيبًا ولا تعقيبًا ولا غير ذلك من معاني حروف العطف، سواءٌ أعطفت المفردات أَمْ عطفت الجمل.
الصفة الثانية: أَنَّها تُفِيدُ الإِشراك في الحكم في عطف المفردات وفي عطف الجمل التي لها محلٌّ من الإِعراب، لأنها مؤولة بالمفردات التي حلَّت محلّها.
الصفة الثالثة: أنّها تقتضي التغاير بين المعطوف بها والمعطوف عليه، فلا يُعْطَفُ بها المتَّحِدَان في المعنَى.
[ ١ / ٥٧٨ ]
الصفة الرابعة: أنّ الربط بها يتَطَلَّبُ مُنَاسبَةً فِكْريّةً بَيْنَ المعطوف والمعطوف عليه بها تُسَوّغُ عند البلغاء هذا العطف.
فلا بُدّ من ملاحظة هذه الصفات لدى العطف بالواو حتى يكون الْعَطْفُ مستقيمًا نَحْويًّا وبَلاَغيًّا، ما قد يَرَاهُ النحويُّ جائزًا بحسب القواعد النحويّة، قد لا يراه البلاغيُّ جائزًا إذا نظر إلى المعاني.
وبالنظر إلَى الصِّفَاتِ الأربع للواو العاطفة تظهر لنا الاحتمالات التالية للعطف بها أو عدم العطف بين الجمل التي لا محلّ لها من الإِعراب، والتي يُرَادُ رَصْفُ بعضها وَرَاءَ بعْضٍ.
الاحتمال الأول: أن يكون المعنيان في الجملتين السابقة واللاّحقة لا يتلاءم معهما مفهوم التغايرُ بينهما، لشدّة اتّحادهما أو لشدّة تقاربهما، أو كانت التالية منهما جواب سؤال مطويّ تستدعيه السابقة منهما.
وفي هذه الحالة لا يَصِحُّ بلاغيًّا العطف "بالواو" لأنّ الواو تقتضي التغايُر بين المعطوف بها والمعطوف عليه، وهذا العطف يُفْسِدُ المعنَى المقصود بالبيان.
لكن إذا كان ترك الواو يوهم خلاف المقصود، كان إدخال "الواو" بين الجملتين أمرًا لازمًا كأن يسألَكَ سائل: هل شُفِي معلّمكُمْ؟ فتقول له: لا. وشفاه الله، إذْ لو حذفت الواو لأوهم أنّك تدعو عليه بعَدَم الشفاء، والمعنى: لم يُشْفَ وشفاه الله.
الاحتمال الثاني: أنْ يكون بين الجملتين السابقة واللاحقة تغايرٌ في المعنى، ولكن ليس بينهما تناسبٌ أو تلاؤُمٌ فكريٌ يسمح بأن يُجْمَعَ بينهما برباطٍ تشير "الواو" الرابطة إليه حين العطف بها.
فإذا وُجِدَتْ هذه الواو الرابطة وكان واقع حال الجملتين خاليًا من التناسب والتلاؤم، إذْ لَيْسَ بينهما خيوطٌ فكريّةٌ متلائمة، كان وجود الواو الرابطة بمثابة مُدّعٍ
[ ١ / ٥٧٩ ]
كذّاب، يدّعي وُجُودَ التَّنَاسُب والتلاؤم، وهو في الواقع غير موجود، وهذا أمْرٌ تنفر منه النفوس وتأباه، ولا يَسْمَحُ البلغاء وأهل الفكر باستخدامه.
ويستثنى من هذا أن يَحْدُث من ترك الواو بين الجملتين إيهام خلال المقصود، فَتُذْكَر الواو للدلالة على استئناف الكلام الذي بعدها، كأن يسألك سائل: هل أنت مذنب؟ فتقول: لا. وغفر الله لك.
الاحتمال الثالث: أن يتوافر في الجملتين السابقة واللاّحقة شرطا التغايُر في المعنى من جهة، والتناسب بين معنَيَيْهِما المتغايرين من جهة أخرى.
فإذا كان غرض المتكلّم أن يجمع بينهما برباط "واو" العطف الدّالة على مطلق الجمع مع التغاير والتناسُب بين مَعْنَيَيْهِما، ليَدُلَّ بها على ذلك، كان استخدامه هذا الرابط عملًا بليغًا، ويَدُلُّ على حِسٍّ مُرْهف، وذَوْقٍ رفيع، باستثناء بعض الصور الّتي يوجد فيها سبب في نظم الكلام يقتضي عدم العطف، كإيهامِ خلاف المقصود، مثل قول الشاعر:
وتَظُنُّ سَلْمَى أَنَّنِي أَبْغِي بِهَا بَدَلًا أُرَاهَا في الضَّلاَلِ تُهِيمُ
إنّ جملة "وتَظُنُّ سَلْمَى" يناسبُها أن تُعْطَفَ عليها بالواو جملة "أُراها في الضلال تهيم" أي: هي تَظُنُّ بي شيئًا مخالفًا لواقع حالي، وأنا أرى جازمًا أنَّها في هذا الظّنّ تهيمُ في الضلال.
لكنَّهُ لو عطفها "بالواو" لأوهم أنّ هذه الجملة معطوفة على جملة "أنَّنِي أبْغِي بِهَا بَدَلًا" أي: وتظُنُّ أيضًا أنني أراها في الضلال تهيم، وهذا خلاف مقصود الشاعر.
ملاحظة:
هذا التقسيم هو التقسيم الذي رأيته الأسهل والحاصر لمختلفِ الاحتمالات، دون إرباك الذهن، بمصطلحاتٍ متشعّبات، وتفريعات قلّما يستفيد منها من يريد
[ ١ / ٥٨٠ ]
التعرّف على أُسُسِ رَبْطِ الْجُمَل التي لا محلّ لها من الإِعراب بواو العطف أوعَدَمِ رَبْطِها بها.
***
ما يخرج عن دائرة هذا التقسيم السابق:
(١) يخرج عن دائرة هذا التقسيم عطف كلامٍ كُلِّيٍ عَلى كلامٍ كلِّي، كعطف قصّة على قصّة، وعطف موضوع كُلّيٍّ على موضوع آخر كُلّيّ، إذْ يكفي لتسويغ العطف "بالواو" في ذلك مجرّدُ ملاحظة عطف كلامٍ ما، على كلامٍ ما، وعطفِ قصَّةٍ ما، على قصّة ما.
أمّا التغاير الذي تقتضيه "الواو" العاطفة فقائم في ذلك، ما لم تكن القصّة التالية تفصيلًا لملخّص القصة السابقة، أو الموضوعُ التالي تفصيلًا لملخّص الموضوع السابق، أو العكس فيهما، فإذا كان التالي تفصيلًا أو تلخيصًا للسابق فَهُما بمثابةِ البيان من المبيَّنِ، متَّحِدَانِ أو شِبْهُ متّحدَين، وتركُ العطف بالواو هو الأصل الذي ينبغي أَنْ يُتَّبَعَ، إلاَّ لغرض بلاغي يقوم في نفس البليغ يرجّح عنده العطف.
ومن أمثلة عرض القصّة المفصلة بعد ذكرها مُلخّصةً قصّةُ أهل الكهف الّتِي قصَّها الله في سورة (الكهف/ ١٨ مصحف/ ٦٩ نزول) فقد جاء التلخيص في الآيات من (٩ - ١٢) وبعدها جاء التفصيل في الآيات من (١٣ - ٢٦) وعند بدْءِ التفصيل جاء الكلام غير مقترنٍ بواو العطف.
وأمّا التناسب فيمكن أن ينتزع من الموضوع العام، إذ الباحث مثلًا في النحو قد يعطف باب المفعول به على باب الفاعل، وقد يعطف أبواب المنصوبات على أبواب المرفوعات أو المجرورات، فالناظم العامّ لأبواب علْم النحو بحث أحوال الكلمة من جهة إعرابها.
[ ١ / ٥٨١ ]
والباحث في علم الفقه قد يعطف أبواب المعاملات على أبواب العبادات، وقد يعطف فصلًا على فصل في الباب الواحد، وفرعًا على فرع في الفصل الواحد، وباستطاعته أن ينتزع مناسبةً عامّةً كافيةً للعطف، وكلّما كانت هذه المناسبة ألْصَق بالْمَقْسِمِ القريب للقسم الذي يذكره كان العطف مقبولًا غير مستهجن، وقد تكون مُنْتزعَةٌ من الْمَقْسِم البعيد بحسب اقتضاءات المعاني.
والْقَصَّاصُ قد يعطف قصّةً على قصة، إذْ باستطاعته أن ينتزع مناسبة عامّةً كافيةً للعطف، كأن يكون حديثه حول قصص الأنبياء وأقوامهم، أو قصص المتقين، أو قصص المجاهدين، أو يكون حديثه حول قصص اللّصوص، أو قصص الْقَتَلة، أو قصص غرائب السلوك عند الحيوانات، إلى غير ذلك.
(٢) ويخرج عن دائرة هذا التقسيم إيضًا استخدام "الواو" للدلالة على استئناف كلامٍ جديد، غير مرتبط بالكلام السابق، وتكون عندئذٍ بمعنى: التوقف عن متابعة ما يتعلّق بما سبق من موضوعٍ واستئناف الكلام في موضوعٍ آخر.
ومن أمثلة "واو" الاستئناف قول الله ﷿ في سورة (الحج/ ٢٢ مصحف/ ١٠٣ نزول):
﴿ياأيها الناس إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ البعث فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأرحام مَا نَشَآءُ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ﴾ [الآية: ٥] .
فجملة: ﴿وَنُقِرُّ فِي الأرحام مَا نَشَآءُ﴾ جملةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، مُصَدَّرَة بواو الاستئناف، وليست هذه الواو عاطفةً على ما ذكر النحويون إذْ لو كانت عاطفة على ﴿لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ لكان ينبغي أن يكون فعل ﴿وَنُقِرُّ﴾ منصوبًا. ولنا أن نقول: إنّ جملةَ ﴿وَنُقِرُّ فِي الأرحام ﴾ معطفة على جملة ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ﴾ ولواحقها.
ومن الأمثلة التي ذكرها النحويون قول أبي اللّحَّام التغلبي:
[ ١ / ٥٨٢ ]
عَلَى الْحَكَمِ الْمَأتِيِّ يَوْمًا إِذَا قَضَى قَضِيَّتَهُ أَنْ لاَ يَجُورَ وَيَقْصِدُ
وَيقْصِدُ: بالرَّفعِ أي: وهو يَعْدِلُ، فحمل الكلام هنا على الاستئناف متعيّن، إذ كيف يَجِبُ على الْحَكَمِ إذا قَضَى قضيَّتَهُ أن لا يجور ولا يعدل، هذا تناقض.
وأرى أنّ الواو التي تدخل على الجملة الاعتراضيّة هي واو استئناف وليست واو عطف.
***
(٤) مع علماء البلاغة في تقسيماتهم
تأمَّلْتُ فيما ذكر البلاغيّون من تقسيم لأحوال الجمل التي لا محلّ لها من الإِعراب حول الفصل والوصل بينها في الكلام، فرأيت أنّهم بالبحث التحليليّ قد ذكروا لها سبعة أقسام متفرّعة من تقسيمين رئيسَيْن، وأنّهم فصّلوا بعض هذه الأقسام إلى فروع بحسب أحوالها.
وفيما يلي بيان ذلك مع بعض تعديل في شجرة التقسيم التي ذكروها.
القسم الأول: ما يجب فيه الفصل (أي: عدم عطف الجملة التالية على الجملة السابقة بالواو) .
وهذا يكون في أربع صُوَر:
الصورة الأولى: أن يكون بين الجملتين "كَمَالُ اتّصال" إذْ لا تغايُر بين الجملتين حتّى تُعطَفَ التالية على السابقة.
وهذ الصورة تظهر في ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أن تكون الجملةُ التالية توكيدًا للجملة السابقة، لزيادة التقرير، أو لدفع توهُّم المجاز، أو لدفع توهُّمِ الْغَلَط، وهذه الجملةُ التوكيديّة:
* قد تكون من قبيل التوكيد اللّفظيّ مثل قول الله ﷿: ﴿فَمَهِّلِ الكافرين أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ .
* وقد تكون من قبيل التوكيد المعنويّ، مثل ما حكى الله ﷿ في سورة (يوسف/ ١٢ مصحف/ ٥٣ نزول) عمّا قال النسوة حين رأَيْنَ يوسف ﵇ في بيت العزيز:
﴿مَا هاذا بَشَرًا إِنْ هاذآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [الآية: ٣١] .
فجملة ﴿إِنْ هاذآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ توكيدٌ معنويٌّ لجملة ﴿مَا هاذا بَشَرًا﴾ لأنّ إثبات كونه ملكًا كريمًا تأكِيدٌ وتحقيقٌ لنفي كونه بشرًا.
ومثل قول المتنبيّ:
وَمَا الدَّهْرُ إِلاَّ مِنْ رُوَاةِ قَصَائِدي إِذا قُلْتُ شِعرًا أَصْبَحَ الدَّهْرُ مُنْشِدًا
الوجه الثاني: أن تكون الجملة التالية بدلًا من الجملة السابقة، وجملة البدل:
* قد تكون بدل كلٍّ مِنْ كلٍّ، ويسمّى "الْبَدَلَ المطابق" مثل قول الله ﷿ في سورة (المؤمنون/ ٢٣ مصحف/ ٧٤ نزول):
﴿بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ الأولون * قالوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الآيات: ٨١ - ٨٢] .
*وقد تكون بدَلَ بعْضٍ مِنْ كلٍّ، مثل قول الله ﷿ في سورة (الشعراء/ ٢٦ مصحف/ ٤٧ نزول) حكاية لمقالة هودٍ ﵇ لقومه:
﴿فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ * واتقوا الذي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الآيات: ١٣١ - ١٣٤] .
فالأنعام والبنون والجنات والعيون هي بعض ما أمدّهم به مما يعلمون، وفائدة هذا البدل ذكر بعض العناصر مفصلة لأهمّيتها عند المخاطبين، بعد ذكرها بشكل مجمل.
* وقد تكون بدَلَ اشتمال، مثل قول الله ﷿ في سورة (يَس/ ٣٦ مصحف/ ٤١ نزول) حكايةً لمقالة الرجل المؤمن الذي جاء يَسْعَى من أهل أنطاكية، يعظ قومه أن يتَّبعُوا المرسلين الثلاثة الذين أُرْسُلو إليهم:
﴿وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى المدينة رَجُلٌ يسعى قَالَ ياقوم اتبعوا المرسلين * اتبعوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾ [الآيات: ٢٠ - ٢١] .
فجملة ﴿اتبعوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا ﴾ بدل من جملة ﴿اتّبعُوا المرسلين﴾ التي تشتمل بمفهومها العام على معنى الجملة التي جاءت بدلًا منها. والغرض التنبيه على قضيّة مهمّةٍ فيهم، وهي إخلاصهم وعدم سعيهم لغرض دنيويٍّ من دعوتهم.
الوجه الثالث: أن تكون الجملة التالية معطوفة على الجملة السابقة عطف بيان، مثل قول الله ﷿ في سورة (طَه/ ٢٠ مصحف/ ٤٥ نزول):
﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشيطان قَالَ ياآدم هَلْ أَدُلُّكَ على شَجَرَةِ الخلد وَمُلْكٍ لاَّ يبلى﴾ [الآية: ١٢٠] .
فجلمة: "قال يا آدم " عطف بيان على جملة ﴿فَوَسْوَسَ ﴾ وهي لبيان مضمون الوسوسة التي وسوس بها الشيطان.
وقول الله ﷿ في سورة (الأعراف/ ٧ مصحف/ ٣٩ نزول) خطابًا لبني إسرائيل:
﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذلكم بلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [الآية: ١٤١] .
فجملة: "يُقتّلون أبناءكم" والتي بعدها عطف بيان لجملة: "يسومونكم سُوءَ العذاب".
الصُّوَرة الثانية: أَنْ يكون بين الجملتين "شِبْهُ كمال الاتصال". وهذا يكون حينما تكونُ الجملةُ السابقة ممّا يثير في نفس المتلَقّي سُؤالًا يتردَدُ في نفسه ولو لم يُصَرِّحْ به، فتأتي الجملة التالية لتجيب على هذا السؤال، وتأتي دون أن تعطف بالواو، وعلى أسلوب الاستئناف، فالجملة الواقعة جوابًا لسؤالٍ مقدّر ذهنًا غيرِ مصرّحٍ به في اللّفظ، لكن من شأنه أن تثيره في النفوس الجملة السّابقة هي جملة استئنافيّة.
قالوا: والسؤال الذي تثيره الجملة السّابقة على وجوه:
* فإِمَّا أن يكون سؤالًا عن سبب الحكم الذي تضمّنته الجملة السابقة بوجه عامّ، مثل قول الشاعر:
قَالَ لِي: كَيْفَ أَنْتَ؟ قُلْتٌ: عَلِيلٌ سَهَرٌ دَائِمٌ وَحُزْنٌ طَوِيلُ
فجملة "سَهَرٌ دائم " جملةٌ استئنافية جاءت بدون عطف بالواو، إذْ وقَعَت جواب سؤالٍ تُثِيرُه جملة "أنا عَلِيل" لأنّ من طبيعة المتَلَقِّي أن تتحرّك نفسه بسؤالٍ مضمونه: ما سبَبُ كُوْنِكَ عليلًا؟ وأسْرَعَ المتكلم فأجاب على السؤال دون أن يُطرَحَ عليه، أي: أنا عاشقٌ بعيد عن محبوبه.
فالسؤال عن سبب حدوث العلّة المرضية هو سؤال عن السبب بوجه عامٍّ، إذ عادة الناس أنَّهم إذا قيل لهم: فلانٌ مريضٌ، قالوا: ما سبب مرضه؟.
* وإمّا أن يكون سؤالًا عن سبب خاص، مثل قول الله ﷿ في سورة (يوسف/ ١٢ مصحف/ ٥٣ نزول) حكاية لمقالة يوسف ﵇:
﴿*وَمَآ أُبَرِّىءُ نفسي إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسواء إِلاَّ مَا رَحِمَ ربي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الآية: ٣٥] .
فجملة: ﴿إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسواء﴾ جملة مستأنفة وقعت جواب سؤال تثيره جملة ﴿وَمَآ أُبَرِّىءُ نفسي﴾ .
لقد سبق هذه الآية بيان أن يوسف ﵇ قال:
﴿ذلك لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغيب وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِي كَيْدَ الخائنين﴾ [الآية: ٥٢] .
فَبَعْدَ أَنْ أعْلَنَ براءَتَهُ من الخيانةِ، واعترفَت امرأةُ العزيز بأنَّها هي التي راودَتْهُ عن نفسه، تتساءل النفس قائلة: ما الّذي جعل يوسف ﵇ يقول: ﴿وَمَآ أُبَرِّىءُ نفسي﴾ بعد أنْ ثبتت براءته وثبتت طهارتُه وعِفَّته، فما هو السبب الخاصُّ الذين جعله يقول هذا القول؟ وقد أسرع ﵇ فأجاب على السؤال بقوله: ﴿إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسواء﴾ والسوءُ الذي حدّثته نفسه به ولم يَعْمَلْه، هو هَمُّهُ بضَرْبها بَعْد أنْ همَّتْ بضربه لمّا استعصم بالله، متعفّفًا عن الفاحشة.
* وإمَّا أن تُثِير الجملة السابقة سؤالًا ما، لا عن السبب العامّ للحكم فيها، ولا عن السبب الخاصّ، مثل ما جاء في قول الله ﷿ يَقُصُّ قصّة إبراهيم ﵇ في سورة (هود/ ١١ مصحف/ ٥٢ نزول):
﴿وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بالبشرى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [الآية: ٦٩] .
حَنِيذ: أي: مَشْوِيّ.
إنّ من طبيعة أَيِّ متلَقٍّ للقصة، أنْ يتساءل بعد أن يَسْمَعَ أنّ الرُّسُل من الملائكة الذين جاءوه وقالوا له سلامًا، فيقول في نفسه، فماذا أجابهم إبراهيم ﵇؟ فجاءت جملة: ﴿قَالَ سَلاَمٌ﴾ جوابًا على هذا السؤال.
ومنه قول الشاعر:
زَعَمَ الْعَواذِلُ أَنَّنِي في غَمْرَةٍ صَدَقُوا ولكِنْ غَمْرَتِي لاَ تَنْجَلِي
إنّ الشطر الأول يثير في النفس سؤالًا وهو: إذا كان العواذل قد زعموا أنَّكَ في غَمْرَة فماذا تقول أنت؟ فأجاب على هذا التساؤل بقوله: "صَدَقوا" وزاد على قولهم تأكيدًا بقوله: "ولكِنْ غَمْرَتي لا تَنْجَلِي" وهذا من تأكيد الشيء بما يوهم في بدايته خلافه.
الغمرة: الشّدّة.
ملحوظتان:
(١) قد يُحْذَفُ صَدْرُ جواب السؤال المقدّر الذي أثارته الجملة السابقة، ويُسْتَغْنَى عَنْه بما جاء بعده ممّا يدلُّ عليه، ومنه قول الله ﷿ في سورة (النور/ ٢٤ مصحف/ ١٠٢ نزول) كَمَا جَاءَ في قراءةَ ابن عامر الشامي وشبعة ﴿يُسَبِّحُ﴾ بالبناء للمجهول:
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله وَإِقَامِ الصلاة وَإِيتَآءِ الزكاة يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القلوب والأبصار﴾ [الآيات: ٣٦ - ٣٧] .
قراءة جمهور القرّاء العشرة ﴿يُسَبِّحُ﴾ وَلَيْسَ فيها شاهِدٌ لمَا نَحْنُ فيه، أمّا قراءة ابن عامر وشعبة ﴿يُسَبَّحُ﴾ بالبناء لما لم يُسَمَّ فَاعِلُهُ فهي التي تتضمّن الشاهِدَ المطلوب.
إنّ جملة ﴿يُسَبَّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال﴾ جملة تامَّةٌ تثير سؤالًا وهو: مَنِ الذي يُسَبِّحُ للهِ فيها؟
والجوابُ: يُسَبِّحُ فيها رَجَالٌ فَحُذِفَ صَدْر الجواب وهو فِعْلٌ واستغني عنه بذكر فاعله "رجالٌ".
(٢) وقد تُحذف جملة الجواب كلُّها، ويُكْتَفَى بذكر ما يَدُلُّ عليها، منه قول الشاعر "مُسَاوِرِ بن هند" يهجو "بني أسَد":
زَعَمْتُم أَنَّ إخْوَتَكُمْ قُرَيْشٌ لَهُمْ إلْفٌ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلاَفُ
[ ١ / ٥٦٨ ]
إنّ الشطر الاول جملة تامَّة تُثِير سؤالًا: أَلَسْنَا صادقين؟
وجوابه: "كذبْتُمْ فإنَّ قُرَيشًا لَيْسُوا إخْوَتكُم" هذا الجواب محذوف لكن دَلَّ عليه ما جاء في الشطر الثّاني، أي: لو كنتم إِخْوَة قَرَيشٍ لكان لكم إِلْفٌ كما لهم.
الإِلْف والإِلاَف: العهد والأمان الذي يؤخذ لتأمين خروج التجَّار من أرض إلى أرض، وقد كانت قريشٌ لها هذا الإِلاف الذي يمكّنها من رحْلَتِي الشاء والصيف، إلى الشام واليمن ومصر.
الصورة الثالثة: أَنْ يكونَ بَيْنَ الجملَتَيْن "كَمَالُ الانقطاع".
وهذا يكون حينما يكون بين الجملتين تبايُنٌ تَامّ، فيجب فصل الجملة التالية عن الجملة السابقة، وعدَمُ وصلها بالواو العاطفة، بشرط أن لا يؤدّي ذلك إلى إيهام غير المقصود.
وهذه الصورة تظهر في ثلاثة وجوه:
الوجه الأول:
أن تختلف الجملتان السابقة والتالية خبرًا وإنشاءً في لفظيهما وفي دلالتيهما مثل قول الله ﷿ في سورة (الحجرات/ ٤٩ مصحف/ ١٠٦ نزول):
﴿وأقسطوا إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين﴾ [الآية: ٩] .
فالجملة السابقة ﴿وأقسطوا﴾ إنشائية، مصدّرة بفعل أمر.
والجملة التالية ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين﴾ خبريَّة في لفظها وفي معناها.
وظاهر أنّ بين هاتين الجملتين "كمالَ انقطاع" فوجب فصلهما.
الوجه الثاني:
أن تختلف الجملتان السابقة والتالية خبرًا وإنشاءً في دلالتيهما، ولو لم تختلفا في لفظيهما، كأن تكون الأولى خبرًا في لفظها ومعناها، والثانية خبرًا في
[ ١ / ٥٨٩ ]
لفظها إنشاءً في معناها، كأن تقول: نجَحَ ابني في امتحاناته كلِّها، وَفَّقَهُ الله. فالأولى خبريَّةٌ لفظًا ومعنى، والتالية خبريَّةٌ لفظًا إنشائيَّةٌ دعائيَّةٌ معنى.
الوجه الثالث:
أن لا يكون بين لجملتين مناسبة ما في المعنى، ولا يوجد ارتباطٌ ما بين المسنَدِ إليه فيهما، ولا بين الْمُسْنَد، ومنه قول الشاعر:
إنَّما الْمَرْءُ بأصْغَرَيْهِ كُلُّ امْرِىءٍ رَهْنٌ بما لَدَيْه
ومثل أن تُعَدّدَ حِكَمًا في موضوعاته مختلفات لا ترابط بينها، كأنْ تقول:
"رَأسُ الحكمة مَخَافَةُ الله - لا يُلْدَغُ المؤمِنُ من جُحْرٍ مَرَّتين - ارْضَ بما قَسَمَ اللهُ لَكَ تكُنْ أغْنَى الناس - كفَى بالموتِ واعظًا".
أما الوصل مع وجود كما الانقطاع لأنّ الفصل يوهم خلاف المقصود، فمن أمثلته ما روُي أنّ "هارون الرّشيد" سأل وزيرَه عن شيء فقال:
"لا وَأيَّدَ اللهُ الْخَلِيفَة" فبلَغ هذا القول "الصّاحِبَ بْنَ عبَّادٍ" فقال: هذه الواو أحْسَنُ من الواوات في خُدُود الملاح (أي: أحسن من الشعر الذي يتدلّى من الصدغ ويكون مثل الواو على الخدود) .
الصورة الرابعة: أنْ يكون بين الجملَتَيْن "شبْه كَمَالِ الانقطاع".
وهذا يكون حينما تكون الجملة التالية مسبوقةً بجملَتَيْنِ يَصِحُّ عطفها على إحداهما، ولا يصحّ عطفها على الأخرى، لأنه يُفْسِدُ المعنى المقصود للمتكلم، فَيُتْركُ العطف، ويجب حنيئذٍ الفصل دفعًا لما قد يحدث من إيهام بالوصل بالواو.
وذكروا من أمثلة هذا القسم قول الشاعر:
وَتَظُنُّ سَلْمَى أَنَّنِي أَبْغِي بهَا بَدَلًا أُرَاهَا في الضَّلاَلِ تَهِيُم
وقد سبق شرح هذا الشاهد.
***
[ ١ / ٥٩٠ ]
القسم الثاني:
ما ينبغي فيه الوصل أو يحسُنُ (أي: أن تُعْطَفَ الجملة التالية على الجملة السابقة بالواو) .
ويظهر هذا حينما تكون العلاقة بين الجملتين متوسطة تمامًا بين حالَتَيْ "كمالِ الانقطاع" و"كمال الاتصال".
ويُلاحظ هذا التوسط حينما تتفق الجملتان التالية والسابقة خبرًا أو إنْشاءً، لفظًا ومعنىً، أو معنىً فقط، مع جامع يجمع بينهما، فتُعْطَفُ التالية على السَّابقة إلاَّ إذا أوهم العطفُ خلاف المقصود.
أمثلة:
(١) قول الله ﷿ في سورة (الانفطار/ ٨٢ مصحف/ ٨٢ نزول):
﴿إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الفجار لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الآيات: ١٣ - ١٤] .
يُلاَحظ في هاتين الجملتين المعطوفة بالواو والمعطوف عليها توسُّطًا بين كمال الاتّصال وكمال الانقطاع، وجامعًا يجمع بينهما، فالعلاقة بينهما قانون الجزاء الرّبّاني، ذي الصورتين المتضادّتين، لفريقين متضادّين، هما الأبرار والفجّار، إنّ عنوان الجزاء عنوانٌ جامع دون اتّحاد ولا شِبْهِ اتّحاد، وإِنّ التضادّ لا يَصِلُ إلى مستوى التباين التامّ في الفكر، لأنّ الضدَّ أقربُ خُطُورًا بالبال عن ذكرِ الضدّ من النظير إلى النظير، فحصلَ بذلك التوسُّط بين الكمالين، والجملتان هما أيضًا خبريتان لفظًا ومعنىً، فحَسُنَ عطفُ التالية على السابقة بالواو.
(٢) وقول الله ﷿ في سورة (الروم/ ٣٠ مصحف/ ٨٤ نزول):
﴿فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الحمد فِي السماوات والأرض وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ * يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت وَيُخْرِجُ الميت مِنَ الحي وَيُحْيِي الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الآيات: ١٧ - ١٩] .
[ ١ / ٥٩١ ]
إنَّ الْجُمَل الْمَعْطُوفة على سَوَابقها في هذا النّصّ لَيْسَ فيها كمال اتصالٍ وَلاّ شِبْهُه، ولا كمال انقطاع وَلاَ شِبْهُه، مع وجود جامع يُحَسِّنُ العطف بالواو، إنّ التسبيحَ مغايرٌ للحمد، لأنّ معنى "سبحان الله" أُنَزِّه الله عمّا لا يليق به من صفات، ومعنى: "الحمد لله" أُثْبِت لله كلّ صفات الكمال التي تقتضي الثناء عليه بها، ومع هذا التغاير فإنّ بينهما تلاؤمًا فكريًّا لأنّهما متكاملتان حول صفات الله ﷿، والجملتان هما أيضًا خبريّتان لفظًا ومعنى، فَحَسُنَ عطف التالية منهما بالواو على السابقة.
وكذلك نقول في الجمل الواردة في الآية (١٩) إذ عُطِفَتْ الثلاثة الأخيرة منها على الأولى: ﴿يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت﴾ لوجود التغاير بينها مع التلاؤم الفكري.
إنَّ إخراج الميت من الحيّ مغايرٌ لإِخراج الحيِّ من الميت وملائم له، إذْ هما مظهران من مظاهر قدرة الرّبّ الخالق جلَّ وعلا، وكذلك إحياء الأرض بعد موتها، وكذلك البعث يوم الدّين.
فاقتضى التوسط بين الكمالين مع التلاؤم وكونها جملًا خبرية لفظًا ومعنى عَطْفَها بالواو العاطفة.
(٣) وقول الله ﷿ في سورة (الأعراف/ ٧ مصحف/ ٣٩ نزول):
﴿يابنيءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تسرفوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين﴾ [الآية: ٣١] .
إنّ جُمَلَ ﴿وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تسرفوا﴾ معطوفة على: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ﴾ لما بينهما من التغاير الذي يجعلها متوسطة بين الكمالين، مع التلاؤم الفكري بينها، والجمل كلُّها متفقة في كونها جملًا إنشائيةً واردة إمَّا بصيغة الأمر وإمّا بصيغة النهي، ومعناها جميعًا على الإِنشاء.
والأمثلة على هذا كثيرة من القرآن ومن السنَّة ومن أقوال البلغاء.
***
[ ١ / ٥٩٢ ]
الجامع المسوّغ للعطف بالواو بين الجمل التي لا محلّ لها من الإِعراب
العلاقة الجامعة بين الجملتين فكرةٌ تسوّغ الربط بالواو، وهذه الفكرة تُنْتَزَعُ من أركان الإِسناد بين الجملتين وتوابع هذه الأركان، وأرى أنّه ليس باستطاعة الباحث أن يملك ضوابط محدَّدَةً للصُّور التي يُلاَحَظُ فيها الجامع المسوّغ للعطف، يميّزها عن الصور الأخرى التي يكون الجامع فيها ضعيفًا لا يحسُنُ معه العطف بالواو لدى أذكياء البلغاء.
وقد حاول السَّكّاكي مستفيدًا من دراساته المنطقيّة والفلسفيَّة الواسعة، أن يقدّم تصنيفًا للكليّات الّتي يمكن أن يندرج تَحْتَها الجامع، فرأى أنّ الجامع، إمَّا أن يكون عقليًّا، أو وهْميًّا، أو خياليًّا.
* فالجامع العقلي: له عدة صُوَر:
(١) أن يتّحد في الجملتين واحدٌ فأكثر من المسند إليه، والمسند إليه، وقيودهما.
(٢) أن يتماثل في الجملتين واحدٌ فأكثر من المسند إليه، والمسند، وقيودهما، والتماثل هو التشابه، وهو غير الاتحاد.
(٣) أن تربط بين الجملتين العلاقة التي تُسَمَّى في الفلسفة مقولة "الإِضافة" وهي التي يرتبط فيها فهم الشيء بفهم شيء آخر، مثل العلاقة بين الأُبُوّة والنبوة، والعلاقة بين العلة والمعلول، والسبب والمسبّب، والأسفل والأعلى، والأقل والأكثر، والبيع والشراء، والشريك مع شريكه، إلى غير ذلك.
* والجامع الوهمي: هو أن تتواصل الجملتان ببعض عناصرهما عن طريق القوة الواهمة في الذهن.
(١) فمنه أن يكون بينهما شبه تماثل، إذ الوهم من شأنه أنْ يرفع شبيه المتماثلين إلى مرتبة المتماثلين ويجمع بينهما لتقاربهما.
[ ١ / ٥٩٣ ]
كأن يجمع بين الأبيض والأصفر لأنهما يشبهان المتماثلين، وكأن يجمع بين شديد الخضرة والسّواد.
(٢) ومنه أن يكون بينهما تضادّ، كالسّواد والبياض، والإِيمان والكفر، والضحك والبكاء، والقيام والقعود، إذ من شأن القوة الواهمة أن تجمع بين الأضداد.
(٣) ومنه أن يكون بينهما شبه تضاد، كالسّماء والأرض، والسهل والجبل.
* الجامع الخيالي: هو أن تتواصل الجملتان ببعض عناصرهما عن طريق "المخيّلة" في الذهن، إذ الذهن يؤلف بين المتقارنين في الخيال لأسباب مختلفة، كالقلم والقرطاس، والعقد والجيد، والمعصم والسوار، والخاتم والإِصبع، والغراب والسواد، إلى غير ذلك.
***
محسنات الوصل بالعطف بالواو
إضافة إلى الجامع المسوّغ للعطف بالواو بين الجمل التي لا محلّ لها من الإِعراب توجد مُحَسّنات تُحَسِّن هذا الوصل، ومن هذه المحسنات ما يلي:
(١) أن تكون الجملتان اسميتين.
(٢) أن تكون الجملتان فعليتين، ويزيد في الحسن أن يكون الفعل في كلٍّ منهما ماضيًا، أو مضارعًا.
هذا إذا لم يوجد داعٍ فكري يقتضي خلاف ما سبق من محسنات، فالدّاعي الفكريّ هو الأحقّ بالمراعاة دوامًا، إذا كانت قواعد العربية تَسْمَحُ بذلك.
***
[ ١ / ٥٩٤ ]
شجرة أقسام الفصل والوصل في الجمل التي لا محل لها من الإِعراب وفق تقسيمات البلاغيّين
١ - ما يجب فيه الفصل (أي: عدم عطف الجملة التالية على الجملة السابقة بالواو)
وله أربع صور:
[الصورة الأولى:] أن يكون بين الجملتين «كمال الاتصال»
ويظهر في ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أن تكون التالية توكيدا للسابقة
- توكيد لفظي.
- توكيد معنوي
الوجه الثاني: أن تكون التالية بدلا من الجملة للسابقة
- بدل كل من كل.
- بدل بعض من كل.
- بدل اشتمال.
الوجه الثالث: أن تكون التالية عطف بيان للسابقة
[الصورة الثانية:] أن يكون بين الجملتين «شبه كمال الاتصال» وهذا يكون حينما تكون الجملة السابقة مما يثير في نفس المتلقي سؤالا يتردد في نفسه ولو لم يصرِّح به، فتأتي الجملة التالية لتجيب على هذا السؤال. والسؤال عن:
- سبب عام
- سبب خاص سبب
- ما غير عامّ ولا خاصّ
[الصورة الثالثة:] أن يكون بين الجملتين «كمال انقطاع»
ويظهر في ثلاثة وجوه:
- أن تختلف الجملتان خبرًا وإنشاءً لفظًا ومعنى.
- أن تختلف الجملتان خبرًا وإنشاءً معنى فقط.
- أن لا يكون بين الجملتين مناسبة ولا ارتباط بين أركانهما.
[الصورة الرابعة:] أن يكون بين الجملتين «شبه كمال انقطاع» وهذا يكون حينما تكون الجملة التالية مسبوقة بجملتين يصحُّ عطفها على إحداهما ولا يصحّ عطفها على الأخرى لأنّه يسفد المعنى المقصود للمتكلّم.
٢ - ما ينبغي فيه الوصل أو يحسن ويظهر هذا حينما تكون العلاقة بين الجملتين متوسطة تماما بين حالتي «كمال الانقطاع وكمال الاتصال» مع جامع يسوّغ العطف بالواو.
والجامع على رأي السّكاكي:
- عقلي.
- وهمي.
- خيالي.
[ ١ / ٥٩٥ ]