(١) مقدمة
* كل ما يُرادُ الإِعلامُ به من عناصر الجملة في اللّسان العربيّ، فالأصل السّاذَجُ بالنِّسْبَةِ إليه أنْ يُذْكر ولاَ يُحْذَفَ، لأنَّ ذِكْره دليلٌ على إرادة الإِعْلامِ به، أمّا حَذْفُه فهو دليلٌ على عدم الإِعْلامِ به.
* هذا هو الأصلُ في الآليَّة المادّيّة لبناء الكلام الدّالِّ على المعاني الّتي يرادُ الإِعلامُ بها، إذا عَزَلْنا قُوى الإِدْراكِ اللَّمْحِيّ والإِشاريّ، وقُوى الاستدلالِ بقرائِن الأحوال وقرائن الأقوال، لدَى مُتَلقِّي الخطاب، ولا سيما أهلُ الفطانة والذّكاء وأهل الخبرة في حِيَلِ المعبِّرين عمّا في نفوسهم بأساليبِ وطرائق الكلام المختلفة، فهؤُلاءِ يكفيهم الرّمز وتُقْنِعُهم الإِشارة عن صريح العبارة.
وقديمًا قال العرب في أمثالهم: "تُقْرَعُ العصا لذي الْحِلْمِ" أي: يُدْرك ذو العقل الراجح والفطانة اللَّماحة الْمُرَادَ من قرع العصا على الأرض، فيستخرج منها رُمُوزًا ودلالات يقصِدُها قارعُها، كما ورد في قصّة مَضْرِب هذا المثل.
ورَمزَ وفْدُ الرسول ﷺ إلى بني قريظة في غزوة الخندق، بقولهم له: "عضَل والقارة" أي: غَدَرَ بَنُو قريظة كما غدرت من قبلُ "عَضَلٌ والقارة".
وحين دخل داهية العرب أَمِيرُ جيش المسلمين عمرو بن العاص، على
[ ١ / ٣١٢ ]
الداهية العجمي "أرطبون" حاكم القدس، مُدَّعِيًا أنه رسول أمير جيش المسلمين إليه.
وفَطِن "أرطبون" أنّ مثل هذا الرسول لا بدّ أن يكون هو أمير جيش المسلمين، فأمَرَ خاصَّتَهُ بأن يقتلوه قبل أن يخرج من المدينة، ووصل الخبر إلى عَرَبيٍّ في القدس يَعْرِف عمرو بن العاص، فقال له بعد أن خرج من قصر "أربطون" يَا عَمْرو أحسنْتَ الدُّخول فأحْسِنِ الخروج.
ففطن عمرو بن العاص ﵁، أنّ أَرْطَبون شكّ في أمْرِه فأمَرَ سِرًّا بقتله، فعاد إلى "أرطبون" وزعم له أنّه واحدٌ من عشرةِ هم أهْلُ مشورة أمير جيش المسلمين، فإنْ رأيْتَ أن آتيكَ بهم ليسمعوا منك الذي سَمِعْتُه أنا منك، فتكون موافقتهم أوثق للأمر الذي تفاوضنا فيه، فطمع "أرطبون" بقتل العشرة فأَمَر سرًّا بعدم قتله، حتّى يأتيه ببقيّة أهل مشورة الأمير كُلِّهم فيقتلهم، ونجا عمرو بن العاص بهذه الحيلة الذكيّة.
* ونلاحظ أنّ في كثيرٍ من الجمل العربيّة مخاذيفَ واجبَة الحذف أو جائزَته، قد لوحظ فيها أن المحذوف هو من الأكوان العامّة الّتي تُفْهَمُ بالْفِطْنَة دون أن تُذكَر، أو من الضمائر التي يُوجَدُ في الملفوظ من الكلام ما يَدُلُّ عليها، أو ممّا يسْهُلُ إدْراكُه ولو لم يُوجدْ في الكلام لفظ خاصٌّ يَدُلُّ عليه.
وقد اعتاد أهل اللّسان العربيّ على حَذْفِها دوامًا، أو أحيانًا، لأنّ اللٍّسان العربيَّ مَبْنِيٌّ في مُعْظَم تعبيراته على الإِيجاز، وحذْفِ ما يُعْلَم ولَو لَمْ يُذكر، وهذا من مزايا اللّغة العربيّة.
* وحينما يكون المتكلّم العربيّ الْبَلِيغُ أمام احتمالَيْنِ جائزيْنِ في اللّسان العربي كالذِّكْر والحذف، ويَرَى أنَّ كُلًاّ منهما يُحَقِّق توصيل ما يُريدُه من المعاني، إلاَّ أنّ أحدهما أكْثَرُ تأثيرًا في المخاطب بحسب حاله، أو أكثر جمالًا لدى ذوّاقي
[ ١ / ٣١٣ ]
الجمال في الكلام، أو يراه يُحَقِّق له غرضًا بلاغيًّا لا يحقِّقُه له الاحتمال الآخر، فإنّ عليه أن يكون دقيق الملاحظة في خصائص الاحتمالات وفُروقِ دلالاتها، ويُحَدِّد منها ما يدعوه إلى ما يختار من ذكر العنصر من عناصر الجملة التي يُنْشِئُها أو حذفه.
فإذا ذَكَرَ العنصُرَ وكان بالإِمكان إدْراكُ المخاطب معناه لو لم يَذْكُرْه، فينبغي أن يكونَ ذكره له مستندًا إلى داعٍ بلاغيٍّ رجَّحَ لَدَيْه ذكْره.
وإذا حذَفَ الْعُنْصُرَ الذي يُمْكن إدْراكُ المخاطب معناه لو لم يذكُرْهُ، فينبغي أن يكون حذفُه له مستندًا إلى داعٍ بلاغيٍّ رجّح لَدْيه حَذْفه، وأدنَى ذلك الرغبةُ في الإِيجاز والاقتصادِ في القول، والبُعْدِ عن الإِسراف فيه، وإيثار جِسْمٍ للعبارة مُكْتَنِزٍ مُضمِّرٍ، على جِسْمٍ مُتَرَهِّلٍ مُنتَفخٍ لا رصانة فيه ولا قُوّة ولا جزالة.
فلكلِّ من الذكر والحذف مقامٌ ينَاسِبُه، وحالٌ تقتضيه.
* وقد نَبَّه البلاغيُّونَ على طائفةٍ من دواعي الذكر، وطائفةٍ أخرى من دواعي الحذف، وأشاروا إلى أنّ ما ذكروه من ذلك لا يُمَثِّل إحصاءً شاملًا لكلِّ الدواعي، وإنّما يُقَدِّم صُورًا ونماذج يمكن أن يهتدي بهديها الباحثون، ويَحْذوا حذوها، وأن تكون لديهم منطلقاتٍ للبحث الذكيِّ الفطن اللّماح في هذا المجال.
***
(٢) دواعي ذكر العنصر مع إمكان إدراك معناه لدى حذفه
ذكر البلاغيّون طائفةً من دواعي ذكر العنصر الذي يُراد الإِعلام به من عناصر بناء الجملة، مع إمكان فهم معناه العامّ لدى حذفه، وهذه الدواعي تُحَقّق أغراضًا بلاغيّة يَهْدِفُ إليها المتكلمّ البليغ.
[ ١ / ٣١٤ ]
وقد ظهرت لي بعض دواعي أخرى لم يُصَرِّحوا بها، وهي تحقّق أغراضًا بلاغيّة وهذه الدواعي الَّتي ظهرت لي تُقاس على ما ذكروا وهي ممّا يقع في نفوس المتكلمين البلغاء، وله تأثيرٌ ما في المخاطبين.
وأُأكّد أنّه يَعْسُر إحصاءُ كلّ الدواعي الّتي تقوم في نفوس المتكلمين البلغاء لذكر ما يمكن حذفه، لذلك رأيتُ أن أعرض للدارسين ما ذكره البلاغيون، وأضيفَ إليه ما ظهر لي، وهي بمجموعها الدواعي السّتةَ عشر التالية:
الداعي الأول: الاحتياط بذكر العنصر، لضعف التعويل على القرينة فيما لو حُذِف، إذْ تكون القرينة غير كافية للدلالة عليه، ويخشى المتكلّم أن يَلْتَبِسَ المرادُ على المتلَقِّي إذا حذفه تعويلًا على القرينة التي يمكن أن تدُلَّ عليه.
الداعي الثاني: الإِشعار بغباوة المخاطب، وأنّه ليس من الّذين يُدْرِكون المراد بالقرائن، بل لا بدَّ من إعلامه باللّفظ الخاصّ الصريح الدّال على العنصر.
الداعي الثالث: إرادة زيادة الإِيضاح والتقرير، وذلك حين يكون الموضوع يقتضي ذلك، كأمور العقائد، وأحكام الحلال والحرام، والصِّيغ القانونيّة التي قد يتلاعبُ بمعانيها أصحاب الأهواء، ولا تكفي القرائن لإِلزامهم بالمعاني المرادة.
ويَحْسُنُ هذا الإِيضاح والتقرير في مجال تعليم مسائل العلوم، وفي الوعظ والإِرشاد، وفي مقام إثارة الحماسة وسائر العواطف، وفي البيانات والبلاغات العامّة للجماهير.
الداعي الرابع: إرادة التعظيم والتفخيم، ويظهر هذا في نحو الأسماء والألقاب التي يُشْعِر ذكْرُها بعظمة أصحابها وفخامتهم، وفيما يُثِير ذكرُه في النفوس المهابة أو الإِجلال.
الداعي الخامس: إرادة الإِهانة والتحقير، ويظهر هذا في نحو الأسماء
[ ١ / ٣١٥ ]
والألقاب، التي يُشْعِرُ ذكرها بمهانة أصحابها وحقارتهم، وفيما يُثيرُ ذكْرُهُ في النفوس الاحتقار والاستهانة.
الداعي السادس: إرادة التهويل، ويظهر هذا فيما يُثيرُ ذكرُه في النفوس مشاعر الخوف والرهبّة.
الداعي السابع: إرادة استثارة ما في نفوس المتلقّين من كوامن المشاعر، كإثارة شوق المخاطب بذكر اسم محبوبه، وإثارة الشوق إلى الوطن، بذكر اسمه لدى المسافر البعيد عنه، المشوق إلى العودة إليه.
الداعي الثامن: إرادة التلَذُّذ، ويظهر هذا الداعي في الألفاظ الّتي يُحبُّ المتكلّم أن يُرَدِّدَها على لسانه، لأنّه يحبُّ مسمَّيَاتها، كاسم المعشوقة عند العاشق، واسم الذهب عند عشاقه.
ويقول الناس: من أحبّ شيئًا أكثر من ذكره.
الداعي التاسع: إرادة التبرُّك، أو العبادة ويظهر هذا في الأدعية، والأوراد، والأذكار.
الداعي العاشر: إرادة ترسيخ ما يدُلُّ عليه اللّفظ في نفوس المتلقِّين، كألفاظ الأذان التي تعاد وتكرّر.
وكما يعفل مُرَدِّدو الشعارات، بغية ترسيخها في نفوس الجماهير، حتى تكون معانيها جزءًا من مفاهيمهم الثابتة، ففي خطبة واحدة يُرَدِّدُ زعيم اشتراكيٌّ مثلًا لفظ "الاشتراكية" مئة مرّة، ولا يكتفي بأن يدُلَّ عليها بالضمائر.
الداعي الحاي عشر: إرادة بسط الكلام في المقام الذي يحسُنُ فيه بسط الكلام، كمقام الافتخار، أو المدح، أو الذمّ والتشنيع والتوبيخ، وكمقام التعليم، أو الترويج لفكرةٍ ما، أو الترغيب فيها، أو الترهيب منها.
[ ١ / ٣١٦ ]
ويُراد بسْطُ الكلام لإِطالة وقت المحادثة والمحاورة، بغية التشرُّف، أو التبرّك، أو الاستئناس، أو الاستمتاع والتلذّد.
وقد يُراد بسط الكلام بغية استدراج المخاطب للإِفاضة عمّا في نفسه، إذْ يُفْصِحُ في حالة الإِفاضة عن أشياء يَحْرِصُ في العادة على كِتْمانِها وعدم الإِعلام بها.
الداعي الثاني عشر: إرادة التسجيل على المخاطب حتَّى لا يتأَتى له الإِنكار.
الداعي الثالث عشر: إرادة تأكيد الرّدّ على المخاطب إذا كان يُنْكِرُ صحة ما يقال له، مثل قوله الله ﷿ في سورة (يس/ ٣٦ مصحف/ ٤١ نزول):
﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [الآيات: ٧٨ - ٧٩] .
لقد كان يمكن فهم المراد دون ذكر [يُحْيِيها] لكن اقتضَى الردُّ على سؤالِ منكر البعث بإحياء العظام وهي رميم، بأنْ يُقالَ له: يحييها الذي أنشأها أوّل مرّة.
الداعي الرابع عشر: كونُ المختار للذكر نوعًا من الكلام يُفِيدُ معنىً خاصًّا مرادًا لا يُسْتفاد هذا المعنى عند حذفه، ولو كان أصل المعنى قد يُفْهَم، ولكن بوجه عامّ، أو على وجه الإِجمال، فَيُقْصَدُ التعيين بالذكر.
ويظهر هذا في نحو دلالة الفعل المضارع على التجدّد، ودلالة الاسم على مطلق الثبوت، والدلالات الخاصّة لأسماء الموصول، وأسماء الإِشارة، وغير ذلك.
الداعي الخامس عشر: إرادةُ تكوين جُمَلٍ مستقلّة في الكلام، حتَّى يتَهَيّأَ إمكان سَوْقٍ كلٍّ منها منفردةً في المقام الملائم لها عند الحاجة.
ويكثُرُ هذا في الْجُمَلِ القرآنيَّةِ التي يصلُح الاستشهاد بها في المواضع الملائمة
[ ١ / ٣١٧ ]
لها، فإذا حُذِفَ منها ما يمكن فهمه مع حذفه ضمن جُمَلِ الآية وهي مجتمعة، لم يتيسَّر الاستشهاد بالواحدة منها بصورة منفردة عند المناسبة الداعية إلى الاستشهاد بها، مثل قول الله ﷿ في سورة (النساء/ ٤ مصحف/ ٩٢ نزول):
﴿وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَكَانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا﴾ [الآية: ١٢٦] .
فلو حذف لفظ الجلالة الذي بعد [وكان] لما نقص من المعنى شيء، ولكن لا يَحْسُنُ عندئذٍ اقتطاعُ جملةٍ: "وكانَ بكلّ شيء محيطًا" والاستشهاد بها منفصلةً عن الجملة السابقة لها.
الداعي السادس عشر: إرادة إظهار التعجّب والاستغراب، كأن يقول قائل بشأن شخص حذّاء اسمه "مسرور" لم يُعرَف عنه أنّه خطب بين الناس خُطبةً ما: لقد خطب اليوم مسرورٌ الحذاء خطبةً عصماء أَسَرَتِ الجماهير، وأثَّرَتْ فِي عَواطفهم تأثيرًا عظيمًا، فيقول المخاطَبُ مُتَعَجِّبًا: أمسرورٌ الحذاء هو الذي خطب هذه الخطبة العصماء؟!
وقد كان يكفي أن يقول: أحقًّا خطب هذه الخطبة، ولكنَّه أعاد ذكر اسمه متعجّبًا، ومستعيدًا تذكّر صفاته التي لم يكُنْ يَتَخَيَّلُ معها أن يكونَ خطيبًا، فضلًا عن أن يخطب خُطْبَةً عصماءَ.
***
أمثلة وتطبيقات
المثال الأول:
قول الله ﷿ في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) بشأن المتقين:
﴿أولائك على هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وأولائك هُمُ المفلحون﴾ [الآية: ٥] .
في تكرير المسند إليه وهو اسم الإِشارة في الجملة الثانية مع فهم المراد دون
[ ١ / ٣١٨ ]
ذكره غرض بلاغيّ وهو زيادة الكشف والإيضاح بالتنبيه على أنّهم كما تحقّق منهم أنّهم متمكّنُونَ من تحقيق الْهُدَى الذي جاءهم من عند ربّهم بأعمالهم الصالحة، فقد ثبت لهم أنّهم هم المفلحون عند ربهم يوم الدّين، أي: هم الظافرون بما يريدون والفائزون بجنّات النّعيم.
وفي هذه الإِعادة أيضًا فائدة جعل كلّ جملة من الجملتين وحدةً مستقلة، ولو انفردت كُلُّ جملةٍ منها لكانت كافية للدّلالة على الأخرى منهما عن طريق اللّزوم الفكري، لأنّ من كان على هدى من ربّه لا بُدّ أن يكون مُفْلِحًا، ومن كان من المفلحين فلا بدّ أنه قد كان على هُدىً من رَبِّه، ففي استقلاليّةِ كُلٍّ من هاتين الجملتين تأكيد لمعنى كلّ منهما عن طريق دلالة ما في الأخرى من اللُّزوم الفكري.
ونظيره قول الله ﷿ بشأن الّذِين كفروا في سورة (الرعد/ ١٣ مصحف/ ٩٦ نزول):
﴿أولائك الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأغلال في أَعْنَاقِهِمْ وأولائك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدونَ﴾ [الآية: ٥] .
ويكثر في القرآن ذكر المسند إليه أو المسند مع إمكان حذفه أو حذفهما لتكون الجمل مستقلّة، قابلةً لأن يُسْتَشْهد بها منفردة في المناسبات الداعيات إلى الاستشهاد بها، ومن ذلك قول الله ﷿ في سورة (آل عمران/ ٣ مصحف/ ٨٩ نزول):
﴿الذين قَالَ لَهُمُ الناس إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فاخشوهم فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوكيل * فانقلبوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سواء واتبعوا رِضْوَانَ الله والله ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [الآيات: ١٧٣ - ١٧٤] .
لقد كان من الممكن الاستغناء بالضمير في "من الله - رضوان اللهِ - واللهُ ذو" لكن إعادة ذكر اسم الجلالة في هذه الجمل يجعل كلًاّ منها جملةً مستقلّة، مع
[ ١ / ٣١٩ ]
ما في ذكر لفظ الجلالة من تربية الإِجلال والإِعظام في القلوب، وإمكان الاستشهاد ببعضها منفردةً عن سائرها.
ومن ذكر المسند والمسند إليه مع إمكان حذفهما قول الله ﷿ في سورة (لقمان/ ٣١ مصحف/ ٥٧ نزول):
﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [الآية: ٣٤] .
فقد كان من الممكن أن يقال: ولا بأيّ أرض تموت.
المثال الثاني:
ما جاء في سورة (طه/ ٢٠ مصحف/ ٤٥ نزول) بشأن تكليم الله موسَى ﵇:
﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أخرى * قَالَ أَلْقِهَا ياموسى﴾ [الآيات: ١٧ - ١٩] .
في هذا النَّصّ نلاحظ ذِكْرَ كلماتٍ كان من الممكن حَذْفُها دونَ أن يُؤَثِّرَ عَلى المعنى شيئًا.
لقد كان يكفي أن يقول موسى ﵇ في جواب سؤال ربّه: "عَصَايَ" دون أن يقول: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾ .
وكان من الممكن أن يقتصر على بيان أنها عصاه، دون أن يشرح أعماله فيها بقوله: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أخرى﴾ [الآية: ١٨] .
وكان من الممكن أن يقول الله ﷿ له: ﴿أَلْقِهَا﴾ دون أن يناديَهُ ﴿ياموسى﴾ .
لكن دعَا إلى بسط الكلام وإطالةِ الحديث رغبةُ الإِيناسِ مِنَ الرَّبّ ﷿، ورغبةُ التشرّف والاستئناس والتلذّذ بطول المحادثة من موسى ﵇.
***
[ ١ / ٣٢٠ ]
المثال الثالث:
في قصّة إبراهيم ﵇ وتحطيمه أصنام القوم التي كانت على أشكال الناس، إلاَّ كبيرًا لهم، وذلك حين خرج القوم من بلدتهم لعيدٍ لهم ولم يخرج معهم إبراهيم ﵇، جاء فيها بيانُ سؤال قومه له عمّن حطّم أصنامهم، فأجابهم ﵇ جوابًا فيه تعريض بغباوتهم، إذْ ذَكَرَ في كلامه ما يُمْكن فَهْمُه لو حذفه، فقال الله ﷿ في سورة (الأنبياء/ ٢١ مصحف/ ٧٣ نزول):
﴿قَالُواْ مَن فَعَلَ هاذا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ الظالمين * قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ على أَعْيُنِ الناس لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قالوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هاذا بِآلِهَتِنَا ياإبراهيم * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هاذا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ﴾ [الآيات: ٥٩ - ٦٣] .
لَقَدْ كَان يكفي أن يقول لهم: "بل فعله كبيرهم" أو يقول لهم: "بل فعله هذا" لكنّه شعر أنّهم أغبياء إذْ يُدَافِعونَ عن آلهتهم من الأصنام التي حُطِّمَتْ ولم تستطعْ أن تُدَافع عن أَنْفُسِها، ولم يُقْنِعهم تحطيمها بأنّها لو كانت تملك لأنفسها أو لغيرها نفعًا أو ضرًّا لحمت أنفسها من التحطيم، ولمنَعتْ مُحَطِّمَها من أن يجعلَهَا جُذاذا.
ومن كان يمثل هذا الغباء فإنّه يُناسبُه أن لا يُحْذَفَ له من الكلام ما يُمْكن أن يفهمه أقَلُّ النَاس ذكاءً وإدراكًا لدلالات القول.
***
المثال الرابع:
جاء في المأثور من الأقوال، ويُرْوى عن عليّ بن أبي طالب ﵁:
"اعمل لدُنيْاك كأنّكَ تعيشُ أبدًا، واعْمَلْ لآخِرَتِكَ كأنَكَ تَمُوتُ غدًا".
نلاحظ في هذا القول تكرير عبارة "اعمل" في الجملة الثانية، مع إمكان فهمها لو حُذفت، والغرض إرادة زيادة التقرير والإِيضاح، مع جعل كلّ جملة وحدةً مستقلّة.
***
[ ١ / ٣٢١ ]
المثال الخامس:
قول الشاعر الجاهلي "عمرو بن كلثوم" في معلقته يفاخر بقومه فيكرّر المسند إليه فيقول "وأنّا" مع كلّ منقبة يَصِفُ بها قومه:
وَقَدْ عَلِمَ الْقَبَائِلُ مِنْ مَعَدٍّ إِذَا قُبَبٌ بأَبْطَحِهَا بُنِينَا
بِأَنَّا الْمُطْعِمُونَ إِذَا قَدَرْنَا وَأَنَّا الْمُهْلِكُونَ إِذَا ابْتُلِينَا
وأنَّا الْمَانِعُونَ إِذَا أَرَدْنَا وأَنَّا النَّازِلُونَ بِحَيْثُ شِينَا
وأنَّا التَّارِكُونَ إِذَا سَخِطْنَا وأنَّا الآخِذُونَ إِذَا رَضِينَا
وأنَّا الْعَاصِمُونَ إِذَا أُطِعْنَا وأنَّا الْعَازِمُونَ إِذَا عُصِنَا
وَنَشْرَبُ إِنْ وَرَدْنَا الْمَاءَ صَفْوًا وَيَشْرَبُ غَيْرُنَا كَدِرًا وطِينَا
قُبَب: جمع قُبَّة، وهي بناءٌ معروف، وقد تكون من بيوت العَرَبَ الرُّحّل من الأقْمشَةِ والجلود.
بأبْطَحِها: الأبْطَحُ: الأرض الخلاء الواسعة.
إِذَا ابْتُلِينَا: أي: إذا امتحنَّا بالقتال.
ويصف قومه بأنهم أعِزَّاء يَمْنَعُون ما يريدون مَنْعَه فلا أحَدَ من الناس يُكْرِهُهُمْ على بذل شيءٍ لا يريدون بذله، ولا أحد من العرب يستطيع منعهم من أن ينزلوا بأيّ أرضٍ يريدون النزول فيها.
ويصف قومه بأنّهم إذا سخطوا على إنسان مهما علت مكانته فإنهم يرفضون عطاياه ويتركونها، وإذا رَضُوا عنه فإنّهم يقبلون هداياه.
ويصف قومه بأنَّهم يَعْصِمُون بالحماية والحفظ من يطيعهم، وأنّهم أهل عَزْمٍ وجِدٍّ وقُوّةٍ في تأديب من يعصيهم.
ألا تُلاحظُ أنّه كرّر عبارة "وأنَّا" مع كلّ منقبة ذكرها لقومه مفاخرًا، وغرضُه
[ ١ / ٣٢٢ ]
إلصاق المنقبة في قومه بذكرهم عند ذكرها، وإبرازُها في جملة مستقلّة، وكان بإمكانه أن يعطف المناقب دون تكرير المسند إليه.
ومن هذا القبيل قول الرسول ﷺ مفاخرًا في إحدى الغزوات: أنا النبيُّ لا كذِب، أنا ابْنُ عَبْدِ المطلّب.
***
المثال السادس:
ما جاء في شعر الشاعرة الخنساء، تُمَاضر بنت عمرو بن الحارث بن الشريد، من بني سُلَيم، مُضَرِّية من أهل نجد، أشعر شواعر العرب، أدركت الجاهلية والإِسلام، ووفدت مسلمة على رسول الله ﷺ مع قومها بني سليم، ومن شعرها قولُها في رثاء أخيها صخر:
أَعَيْنَيَّ جُودَا وَلاَ تَجْمُدا أَلاَ تَبْكيَانِ لِصَخْرِ النَّدَى
ألاَ تَبْكِيَانِ الْجَوَادَ الْجَمِيلَ أَلاَ تَبْكِيَانِ الْفَتَى السَّيّدا
قالت هذا وهي في موقف الحزن، فَحَسُنَ في حِسِّها الملتهب بالمشاعر، وهي من أشعر الشواعر، أن تكرّر قولَها تخاطب عينيها: "أَلاَ تبكيان" مع أن العبارة الأولى كانت كافيةً للدلالة على المقصود، حتى العبارةُ الأولى كان بالإِمكان فهمُ أصل المراد منها من قولها في الشطر الأول: "أَعينيَّ جودا ولا تجمدا" لكن في عبارة الاستفهام من أغراضٍ بلاغية ما ليس في عبارتي الأمر والنهي، وفي فعل "تَبْكِيان" من دلالة على تجدِيد البكاء المتتابع ما ليس في "جُودا ولا تجمُدا" فقصدت إلى تعيين نوع البكاء، وأنّه ينبغي أن يكون بكاءً متجدّدًا، فاستعملت الفعل المضارع الدالّ على هذا المعنى.
وبكت أخاها صخرًا في شعرها، فجعلتها شاعريَّتُها تكرّر في مقام رثائها لأخيها وفجيعَتِها به عبارةً "وابكي أخاك" تخاطب نفسها على طريقة التجريد:
[ ١ / ٣٢٣ ]
وَابْكِي أَخَاكِ وَلاَ تَنْسَيْ شَمَائِلَهُ وابْكِي أَخَاكِ شُجَاعًا غَيْرَ خَوَّارِ
وابْكِي أخَاكِ لأَِيْتَامٍ وأرْمَلَةٍ وابْكِي أَخَاكِ لحَقِّ الضَّيْفِ والْجَارِ
لقد كان من الممكن أن تُعَدِّدَ ما تُرِيدُ من شمائل أخيها، دون أن تكرّر عبارة "وابْكي أخاكِ" لكنّها في مقام التوجّع والتفجُّعِ والرّثاء والنحيب، وفي هذا المقام الملتهب بمشاعر الحزن الحارّ، يحلو في أنْفُسِ ذواتِ الحزن التكرار، كما يَشْفِي تكرار تدفُّق الدموع.
المثال السابع:
هجا جرير قبيلة "سدوس" وذمَّهَا فكرّر في هجائه ذكر اسمها مع كلّ صفة ذمّ ذكرها لها، إمعانًا منه بإلصاق المثالب التي ذكرها بها إلصاقًا يُصاحِبُهُ التشهير، والإِذاعةُ بالتكرير، مع أنّه كان يكفي العطفُ في ذكر الصفات، دون إعادة ذكر اسم القبيلة التي يذُمُّها، فقال في هجائه:
أَخِلاَّئِي الْكِرَامُ سِوَى سَدُوسٍ وَمَالِي فِي سَدُوسٍ مِنْ خَلِيلِ
إِذَا أَنْزَلْتَ رَحْلَكَ فِي سَدُوسٍ فَقَدْ أُنْزِلْتَ مَنْزِلَةَ الذَّلِيلِ
وَقَدْ عَلِمَتْ سَدُوسٌ أَنَّ فِيهَا مَنَارَ اللُّؤْمِ واضِحَةَ السَّبِيلِ
فَمَا أعْطَتْ سَدُوسٌ مِنْ كَثِيرٍ وَلاَ حَامَتْ سَدُوسٌ عَنْ قَلِيلٍ
ففي البيت الأوّل يذكر جرير أنّه اتّخذ أخلاءه الكرام من غير سدوس، وأنّه لم يتخذ منها خليلًا واحدًا، مشيرًا إلى انعدام الكرام فيها.
وفي البيت الثاني يخاطب نفسه وكلّ مسافر بأنّه إذا أنزل رحله في أرض سدوس لم يجد لديهم مقامًا كريمًا، بل يجد نفسه قد أُنْزِل منزلة الذليل، لأنّ سدوسًا أذلاء لا عزّة لهم وَلا مَنَعة عندهم.
وفي البيت الثالث يذكر أنّ سدوسًا تَعْلَم من أنفسها أنّها منار اللُّؤْم بين القبائل.
[ ١ / ٣٢٤ ]
وفي البيت الرابع يصفُ سدوسًا بأنّها غاية في البخل، وغاية في الضعف والجبن، فهي لا تعطي شيئًا حينما يكون لديها الكثير لبُخْلِها، وهي لا تحمي الشيء القليل الذي لديها، لضعفها وجُبْنِهَا إذا لم يكن عندها إلاَّ القليل، وهي مضطرة إليه.
***
المثال الثامن:
يحرّك الله ﷿ في أهل القرى "وهي كلُّ مجمّع سكني ولو كان من المدن الكبرى" الذين كذّبوا رُسل رَبّهم المخاوف من مفاجأة نقمة الله وعذابه ليلًا أو نهارًا، فيقدّم لهم التنبيهات المتتابعات، مع تكرير ما يمكن أن يُفْهَم لو حذف، لأنّ تكرار الذكر يساعد على عدم شرود الذهن عن إدراك ما جاء في عبارات الترهيب، بخلاف الحذف فإنّه يساعد على شرود المقصودين بالخطاب، نظرًا إلى أنّهم كافرون قد انصرفت أذهانهم عن سماع عبارات الإِنذار والترهيب، بسبب كفرهم، فهي تحتاج إلى دقّاتٍ متواليات كدقَات الناقوس، أو أصوات البوق المتواليات المنذرات بالخطر.
فقال الله ﷿ في سورة (الأعراف/ ٧ مصحف/ ٣٩ نزول):
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى آمَنُواْ واتقوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السمآء والأرض ولاكن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَآئِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القرى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ القوم الخاسرون﴾ [الآيات: ٩٦ - ٩٩] .
المقامُ مقامُ تهديدٍ ووعيدٍ واستثارة لمخاوف أهل القرى، فاقتضى هذا المقام إعادةَ ألفاظٍ كان يمكن فهم معناها بِدون إعادتها، لأنّ هذه الإعادة هي بمثابة الدَّقَات المتواليات التي تثير الانتباه بسبب مخالفتها لما يقتضيه المألوفُ في الأسماع.
***
[ ١ / ٣٢٥ ]
المثال التاسع:
رثت ابنة النعمان بن بشير الأنصاري الصاحبي زَوْجَها مالكًا، فعبّرت في رثائها عن فاجعتها بزوجها، فكرَّرتَ عبارة من الممكن فهمها بداهة ولو لم تكرّرها، لكِنَّ التفجُّع في الحُزْنِ الحارّ يَحْسُنُ معَهُ التكرار، فقالت:
وحَدّثَنِي أَصْحَابُهُ أَنَّ مَالِكًا أَقَامَ ونَادَى صَحْبُهُ بَرِحِيلِ
وحَدَّثَنِي أصْحَابُهُ أَنَّ مَالِكًا ضَرُوبٌ بِنَصْلِ السَّيْفِ غَيْرُ نَكُولِ
وحَدَّثَنِي أَصْحابُهُ أَنَّ مَالِكًا صَرُومٌ كَمَاضِي الشَّفْرَتَيْنِ صَقِيلِ
ضَروبٌ: أي: كثير الضرب.
غَيْرُ نكُولِ: أي: غيرُ ضعيفٍ ولا جبانٍ.
صَرُوم: حادٌّ شديد المُضَاء قاطع.
كماضِي الشفرتين: أي: كسيفٍ ذي حَدَّيْنِ وَهو فيهما ماضٍ حادٌّ قاطع.
صَقِيل: أي: مجلوّ يتلامع من شدّة جلائه.
المثال العاشر:
مدحت الشاعر "ليلى الأخيلية" من بني عامر بن صعصعة، الحجّاجَ، فقد وفدت عليه مرّات، فكان يُكرمُها ويُقَرِّبُها، فكرَّرتْ بعض العبارات في مدحها له بفنّية جمالية بارعة، لتبني على ما تكرّره تفصيلات يحْسُن لدى ذكرها تكرير العبارة التي تريد أن تبني عليها تفصيلاتها، فقالت:
إِذا هَبَطَ الحجَّاجُ أَرْضًا مَرِيضَةً تَتَبَّعَ أَقْصَى دَائِهَا فَشَفَاهَا
شَفَاهَا مِنَ الدَّاءِ الْعُضَالِ الّذي بها غُلاَمٌ إِذَا هَزَّ الْقَنَاةَ سَقَاهَا
سَقَاهَا فَرَوَّاهَا بِشُرْبٍ سِجَالُهُ دِمَاءُ رِجَالٍ حَيْثُ مَالَ حَشَاهَا
إِذَا سَمِعَ الْحَجَّاجُ رَزَّ كَتِيبَةٍ أَعَدَّ لَهَا قَبْلَ النُّزُولِ قِرَاهَا
أَعَدَّ لَهَا مَسْمُومَةً فَارِسِيَّةً بِأَيْدِي رِجَالٍ يَحْلُِبُونَ صَراهَا
[ ١ / ٣٢٦ ]
أرضًا مَرِيضَةً: تريد أرضًا فيها خارجون على مُلْك بني إميّة، فبخروجهم صارت أرضًا مَرِيضةً "على سبيل الاستعارة".
الدّاء الْعُضَال: هو الداء الشديد الذي لا طِبَّ له.
سِجَالُه: السجال جمع "السَّجْل" وهي الدلو العظيمة.
حشاها: ما في بطونها من أحشاء.
رَزّ كتيبة: أي: صوت كتيبة مقاتلة.
صَرَاهَا: أي: ما جمعتْ في ضرْعها.
يلاحظ أن معظم عباراتها اعتمدت على الاستعارة، فقد استعارت الشفاء لقتال الخارجين على سُلْطة بني أميّة واستئصالهم، واستعارت "السقيا" لاصطباغ الرماح بدماء الخارجين، إذ شبَّهتْها بالظامىء، لكنها ظامئة لدماء أهل الْحِرابة، وشبَّهت عمل جنود الحجّاج بمن يحلب الضروع المصرّاة حين يمسحون الدماء عن نصالها.
المثال الحادي عشر:
وقف الجاهليّ امرؤ القيس على أطلال صاحبته "سلْمَى" وحيّاهُ تحيّة الجاهليّة، ثم توارَدَتْ عليه الذكريات، وأيْأسَهُ ما رأى من واقع عفاء الدّيار، وخلوّها من ساكنيها فقال مكرّرًا عبارة: "وتحسبُ سَلْمَى لا تزال" استئناسًا بإعادة الاسم، عند فقد المسمَّى:
وتَحْسَبُ: سَلْمَى لاَ تَزَالُ تَرَى طَلاَ منَ الْوَحْشِ أَوْ بِيضًا بِمَيْثَاءَ مِحْلالِ
وتَحْسَبُ: سَلْمَى لاَ تَزَالُ كَعَهْدِنا بِوَادِي الْخُزَامَى أَوْ عَلَى رَأْسِ أَوْ عَال
تَرى طلًا: الطَّلا: الصغير من كلّ شيءٍ، وولد الظبيَةِ، والصغير من الوحش منذ ولادته حتى يشتَدَّ.
[ ١ / ٣٢٧ ]
أو بِيضًا: البيض جَمْعُ أبْيضَ، ولعلّهُ يقْصِدُ ولدانًا بيضًا، لأنّ الذكريات عن العهود الغوابر يبرزُ منها ما فيها من صُوَرٍ جماليّة، وأجملُ ما يثبتُ في الذكريات الصغارُ من النَّعَمِ والوحش، والولدان البيض في ملاعبهم.
بِمَيْثَاءَ: الميثَاءُ الرَّمْلَةُ السهلة، والرابية الطيِّبَة، والتَّلْعَةُ العظيمة.
مِحْلاَل: يقال لغةً: مكانٌ مِحْلاَلٌ إِذا كَانَ كثير الرُّوَّاد، ولاَ يكون كذلك إلاَّ لما فيه من صفاتٍ تُرَغَّبُ فيه.
بِوَادِي الْخُزَامَى: أي بالوادي الذي يكثر فيه نبات "الخُزَامَى" في دِيارِ سَلْمَى التي صارت أطلال خالية من ساكنيها الغابِرينَ.
أو على رأس أَوْ عَالٍ: أي: أو على رأْسِ صُخُورٍ مُشْرِفَةٍ فوق القِمَم، شُبِّهَتْ هذه الصُّخور بالأوعال جمع "وَعِل" وهو تَيْسُ الجبل، لأنّ الأوعال تَصْعَدُ رؤوس التلال والجبال، وتُشْرِف برؤوسها، وتوجد في المرتفعات صخور تُشْبِهُها، يَصْعَدُ إليها المتنزّهون، ويجلسون عليها، مستمتعين بالارتفاع والمشهد والحديث، وكان لامرىء القيس مجالس هنا لك مع صاحبته سلْمَى.
هذه طائفة من الأمثلة اكتشفنا فيها بعض أغْراض ذكر العنصر الذي يمكن فهمه بوجه عامّ فيما لو حُذِف من الكلام، لكنَّ الداعيَ البلاغِيّ رجَّحَ في ذَوْقِ الأَديب البليغِ ذكره على حذفه، لإِفادة المعنى البلاغيّ الذي قصده.
والدواعي التي لم أورد أمثلة لها من أقوال البلغاء والفصحاء، ليس من الصّعْب وضْعُ أمثلة لها، أو اكتشاف أمثلة لها لدى الاطلاع على النصوص البليغة من النثر والشعر.
فعلى مُحَلّل النصوص الآدبيّة البليغة أن يكون على بصيرة بمختلف الأغراض البلاغيّة، وحتى يكون شرحُهُ الأدبيُّ البلاغيُّ للنصوص كاشفًا بِدِقَّةٍ أغراضَ البلغاء. ***
[ ١ / ٣٢٨ ]
(٣) دواعي الحذف في الكلام
مقدم:
قد يرى المتكلّم البليغ الذّوّاقُ للأدب الرفيع أن يحذف من كلامِه الذي يُريدُ توصيلَ معناه لمَنْ يتلَقَّى كلامه، مَا يمكِنُ أن يفهمه المتلَقّي بقرائن الحال، أو قرائن المقال، أو باللّوازم الفكرية الجليّة، أو باللّوازم الفكرية الخفية وبالإِشاراتِ الّتي تُدْرَكُ بالذكاء اللّمَّاح، ومن المعلوم أنّ الأذكياء يكفيهم الإِلْماح، لأنهم يدركون المقاصدَ باللّمح.
وقد اهتمّ علماءُ البلاغة، والباحثون في إعجاز القرآن بدراسة ما في كتاب الله من محذوفات، وبدراسة أقوال كِبَارِ البلغاء والفصحاء، وما فيها من عناصر محذوفة مع أرادة توصيلِ معانيها للمخاطبين بها، فاكتشفوا أنّ الحذف من صريح البيان، والاكتفاء بدلائل قرائن الأحوال أو قرائن الأقوال، أو دلائل اللّوازم الفكرية، وما في الأقوال المذكورة من إشارات، قد يكون أبلَغ وأبدَعَ وأكْثَرَ جَمالًا، إذَا كان المتلَقِّي ممَّنْ تقتضي حالُه أنْ يُخَاطَبَ بمثل ذلك، اعتمادًا على ذكائه وفطنته، أو كان في المتلقّين من هم كذلك، وهؤلاء يكشفون لسائر المخاطبين ما فهموه من الكلام الموجّه للنّاس بوجهٍ عامٍّ، فَيُغْنِي إفهام أهل البحث والعلم والفطنة بكلام يُلاَئمُ مقتضى حالِهم، إذْ هم مُكَلَّفُونَ إِفْهَامَ الآخرين وتعليمَهُم، ولا حاجة في كلّ الكلام أَنْ يلائم أحوال متوسطي الذكاء فمن دونهم، إذا كان الكلام موجّهًا للناس بوجه عامّ.
ولذلك نجدُ في كتاب الله الموجّه للناس أجمعين ما يمكنُ أَنْ يفهمه بسهولة كلُّ المخاطبين، ونجد فيه ما يحتاج فهمه إلى ذكاءٍ متوسّطٍ أو فوق المتوسط، ونجد فيه ما يحتاج فهمه إلى ذكاءٍ فائقٍ وفطنةٍ رفيعة عالية، ليشرح هؤلاء ما فهموه من كتاب الله، ويقدّموه لسائر الناس بما يفهمون من بيان.
[ ١ / ٣٢٩ ]
وَإِذْا أحسَّ أستاذُ علوم البلاغة "عبد القاهر الجرحاني" أَنَّ حذفَ ما يُمْكن أن يُدركَهُ أهل الذكاء والفطنة بالقرائن أو الإِشارات، ممّا يرفع مستوى الكلام إلى مراتب عاليةٍ في البلاغة والإِبداع والجمال البياني، قال كما جاء كتابه "دلائل الإعجاز" بشأن الحذف:
"هذا بابٌ دقيقٌ الْمَسْلَكِ، لطيفُ المأخذ، عجيبُ الأَمْر، شبيهٌ بالسِّحْر، فإِنَّكَ ترى به تركَ الذّكر أفْصَح من الذكْر، والصَّمْتَ عن الإِفادة أزيد للإِفادة، وتجِدُكَ أنْطَقَ ما تكونُ إِذَا لَمْ تَنْطِقْ، وأتمَّ ما تكون بيانًا إذا لمْ تُبَيّنْ، وهذه جُمْلَةٌ قدْ تُنْكِرُها حتَّى تَخْبُر، وتَدفَعُهَا حتَّى تَنْظُر".
وممّا سبق ندرك أنّ من شرط حَذْفِ ما يُرادُ الدلالة على معناه، أن يمكن القول، إدراكُهُ بقرائن الحال أو قرائن المقال، أو اللّوازم الفكرية، أو إشارات المذكور من القول وإلاَّ كان تَعْمِيَةً لا تليق بذي بيان بليغ.
ومن علامات الحذف البليغ الذي يرفع قيمة الكلام، أنَّه إذا أُظْهِرَ المحذُوف زالَ ما في الكلام من بهجة وطلاوة وجمالٍ فنّي وإبداع.
***
أقسام الحذف:
لدى استقرار صوف الحذف في الكلام العربي البليغ يظهر لنا أنّه يدور حول حذف جُزْءٍ من الكلمة أو ما يُنَزَّلُ مَنْزِلَة جزئها، كأداة النداء وياء المتكلّم. وحذف جُزْءٍ من الجملة كحذف المسند أوحذف المسند إليه أو حذفهما، أو حذفِ شيءٍ من متعلّقاتِ الفعل أو ما يَعْمَلُ عمله. وحذف جملة كاملة. وحذف أكثر من جملة.
فالحذف إذَنْ يقع في أربعة أقسام:
القسم الأول: حذفُ جُزْءٍ مِن الكلمة أو ما يُنَزَّلُ منزلة جُزْءِ الكلمة، ولم
[ ١ / ٣٣٠ ]
يوجّه البلاغيون عناية لهذا القسم، لكن تنبَّهَ إلى بَعْضِهِ "الأخفش" من علماء العربيّة، وحاول تعليله وفق مناهج النحاة والصرفيين، لا وفق مفاهيم البلاغييّن والأدباء، وذلك في قول الله ﷿ في سورة (الفجر/ ٨٩ مصحف/ ١٠ نزول):
﴿والليل إِذَا يَسْرِ﴾ [الآية: ٤] .
بحذف "الياء" من "يَسْرِي" مراعاة لرؤوس الآيات، دون أن يُوجَدَ مقتضٍ نحويٌّ لهذا الحذف.
وتنبَّهَ إلى هذا القسم وأضافه اقتراحًا إلى أقسام الحذف البلاغي من المعاصرين "د. محمد أبو موسى" في كتابه "خصائص التراكيب" وقد أحسن صُنْعًا.
وأقول في شرح هذا القسم: إِنّ العربيّ قد اعتاد أن يختصر من الكلمة إيجازًا في نُطْقِه وتخفُّفًا، وذلك في بعض كلامه ممّا يكثر تداوله، فيحذف بعض حروف الكلمة، وأن يختصر أيضًا فيحذف بعض ما يُنَزّلُ مَنْزِلَة جُزْءِ الكَلمة، كالجزء الثاني من المركب تركيبًا مَزْجِيًَّا، وكالمضاف إليه، وكياء المتكلم، وأداة النداء.
ويظهر لنا هذا في بعض أنواعٍ من الكلام العربي، ومنه ما نجده في الأبواب التالية:
فمنه ما يُسمَّى الترخيم في باب النداء، فقد يحذف العربيُّ في النداء آخر حرف في الكلمة، أو الحرفين الأخيرَيْن منها، وقَدْ يَحْذِفُ الجزءَ الثانِيَ من جزئي الكلمة المركّبة تركيبًا مزجيًّا، وقد يحذف في الترخيم المضاف إليه.
ومن دواعيه إلى ذلك الإِيجاز، والتحبُّبُ لِلْمُنَادى أحيانًا، ومراعاة جمال فنّيٍّ في نَسَقِ الكلام، وإيثار اللفظ الأخف على اللّسان، إلى غير ذلك.
[ ١ / ٣٣١ ]
الأمثلة:
(١) قول امرىء القيس:
أفَاطِمُ مَهْلًا بَعْضَ هَذَا التَّدَلُّلِ وَإِنْ كُنْتِ قَدْ أَزْمَعْتِ صَرْمِي فَأَجمِلِي
أي: أفاطمةُ، وفي هذا الترخيم يظهر معنى التحبُّب مع إرادة سلامة الوزن الشعريّ.
(٢) قول الْعَجَّاج يخاطِبُ امرأته "جارية" وهو يُعِدُّ رحل ناقته للسَّفر، فقالت له: "ما هذا الذي تَرُمُّ" أيْ: تُعِدُّهُ من أمْرٍ رغبةً في الارتحال: فقال لها:
جَارِيُ لاَ تَسْتَنْكِرِي عَذِيرِي سَعْيِي وإشْفَاقِي عَلَى بَعِيري
فحذَفَ حرفَ النداء ورَخَّمَ، وأصلُ الكلام: "يَا جاريَةُ" ومعنَى "عَذِيري": حالي، وما أحاول من سَفر، فعذيرُ الرَّجل ما يرومُ وما يُحَاول مما يُعْذَرُ عليه إذا فعله.
(٣) قول الفرزدق، يخاطب مروان بن عبد الملك:
يَا مَرْوَ إِنَّ مطيّتِي مَحْبُوسَةٌ تَرْجُو الحِبَاءَ وَرَبُّهَا لَمْ يَيْأَسِ
أي: يا مروان، فحذف الحرفين الأَخيرين من "مروان".
(٤) قول لبيد:
يَا أَسْمَ صَبْرًا عَلَى مَا كَانَ مِنْ حَدَثٍ إِنَّ الْحَوَادِثَ مَلْقِيٌّ وَمُنْتَظَرُ
أي: يَا أسماء، فحذف بالترخيم الحرفين الأخيرين من "أسماء".
(٥) وقالوا مُرَخّمين في نداء نحو"حضر موت" وفي نداء نحو "مَعْدِ يكرب": يا حَضْرَ - يَا مَعْدِ.
(٦) وكثيرًا ما يحذف العرب أداة النداء، وياء المتكلم التي يضاف إليها المنادى، مثل: "يَارَبّ - يَا أبَتِ - يا ابْنَ أمَّ - يَا عبادِ - يَا غلامِ".
[ ١ / ٣٣٢ ]
* ومنه حذف ياء المتكلّم.
الأمثلة:
(١) قول الله ﷿ في سورة (سبأ/ ٣٤ مصحف/ ٥٨ نزول):
﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَآ آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُواْ رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾؟ [الآية: ٤٥] .
أي: فَكَيْفَ كَانَ إِنْكَارِي، فحذف من "نكير"، ياء المتكلم، والداعي النَّسَقُ الجمالي في رؤوس الآيات في السورة.
ونظيره في سورة (غافر/ ٤٠ مصحف/ ٦٠ نزول):
﴿فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [الآية: ٥] .
أي: فكيف كان عقابي.
وكذلك في سورة (القمر/ ٥٤ مصحف/ ٣٧ نزول) في عدة مواضع منها:
﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [الآية: ١٦] .
أي: فكيف كان عذابي ونُذُرِي، والداعي في كلّ ذلك مراعاة النسق الجماليّ في رؤوس الآيات.
* ونظير حذف ياء المتكلم حذف حرف العلة في آخر الفعل دون مقتضٍ إعرابي، رعايةً للنسق الجمالي، ومنه قول الله ﷿ في سورة (الفجر/ ٨٩ مصحف/ ١٠ نزول):
﴿والفجر * وَلَيالٍ عَشْرٍ * والشفع والوتر * والليل إِذَا يَسْرِ﴾ [الآيات: ١ - ٤] .
الأصل: "واللَّيْلِ إذا يَسْرِي" فحذفت الياء من "يسري" رعاية للنسق الجمالي في رؤوس الآيات ولو لم يُوجَدْ جازم يَقتضي حذفها إعرابيًّا.
***
[ ١ / ٣٣٣ ]
القسم الثاني: حذف جزءٍ من الجملة، ويكونُ بحذف المسند إليه، أو حذف المسند، أو حذفهما والاكتفاء بمتعلّقَاتِ الفعل أو ما في معنى الفعل كالمصدر واسم الفاعل، أو حذف غير ذلك من عناصر الجملة، استغناء بما يدلُّ على المحذوف.
وقد ذكر ابن هشام في كتابه "مغني اللّبيب عن كتب الأعاريب" زيادةً على ثلاثين نوعًا من أنواع الحذف في اللّسان العربي، واستشهد على كثير منها بأمثلة قرآنيّة، ومعظم هذه الأنواع يرجع إلى حذف جزء من الجملة، وتجد تفصيلًا لأنواعِ الحذف مع أمثلتها في القاعدة (١٤) من كتابي "قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله ﷿".
ومن أنواع حذف جزء الجملة ما يلي:
(١) حذف الاسم المضاف.
(٢) حذف المضاف إليه.
(٣) حذف اسمين مضافين.
(٤) حذف الموصول الاسمي.
(٥) حذف الموصوف.
(٦) حذف الصفة.
(٧) حذف المعطوف.
(٨) حذف المعطوف عليه.
(٩) حذف المبدَل منه.
(١٠) حذف المبتدأ.
(١١) حذف الخبر.
[ ١ / ٣٣٤ ]
(١٢) حذف الفعل.
(١٣) حذف المفعول.
(١٤) حذف الحال.
(١٥) حذف التمييز.
(١٦) حذف "لا" النافية وغيرها.
(١٧) حذف لام التوطئة.
(١٨) حذف الجار، ويطّردُ مع "أنَّ و"أَنْ".
(١٩) حذف لام الطلب.
***
القسم الثالث: حذف جملة كاملة استغناءً بما يدلُّ عليها، أو اعتمادًا على إمكان فهمها ولو لم تُذْكر.
* فمنه حذف جملة القسم، مثل قول الله ﷿ في سورة (النمل/ ٢٧ مصحف/ ٤٨ نزول) في حكاية قصّة سليمان:
﴿وَتَفَقَّدَ الطير فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى الهدهد أَمْ كَانَ مِنَ الغآئبين * لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الآيات: ٢٠ - ٢١] .
أي: أُقْسِمُ باللهِ لأَذْبَحَنَّهُ.
* ومنه حذف جواب القسم، مثل قول الله ﷿ في سورة (النازعات/ ٧٩ مصحف/ ٨١ نزول):
﴿والنازعات غَرْقًا * والناشطات نَشْطًا * والسابحات سَبْحًا * فالسابقات سَبْقًا * فالمدبرات أَمْرًا﴾ [الآيات: ١ - ٥] .
أي: لَنَبْعَثَنَّهُمْ ولَنُحَاسِبَنَّهُمْ.
* ومنه حذف جملة جواب الشرط، مثل قول الله ﷿ في سورة (الأنعام/ ٦ مصحف/ ٥٥ نزول):
[ ١ / ٣٣٥ ]
﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِن استطعت أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأرض أَوْ سُلَّمًا فِي السمآء فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ﴾ [الآية: ٣٥] .
أي: فإن استطعْتَ ذَلِكَ فَافْعَل.
وقول الله ﷿ في سورة (الرعد/ ١٣ مصحف/ ٩٦ نزول):
﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجبال أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرض أَوْ كُلِّمَ بِهِ الموتى ﴾ [الآية: ٣١] .
أي: لكان هذا القرآن المنزّلُ على محمد.
* ومنه حذف جملة الشرط، مثل قول الله ﷿ في سورة (العنكبوت/ ٢٩ مصحف/ ٨٥ نزول):
﴿ياعبادي الذين آمنوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فاعبدون﴾ [الآية: ٥٦] .
أي: فإنْ لم يتأَتَّ لكُمْ إخلاصُ العبادة لي في هذه الأرضِ فإيَاي فاعْبُدُني في غيرها.
***
القسم الرابع: حذف أكثر من جملة استغناءً بما يدلُّ على المحذوف، ومن أمثلته الكثيرة قول الله ﷿ في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول):
﴿فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي الله الموتى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الآية: ٧٣] .
أي: فقلنا اضربوا القتيل ببعض البقرة المذبوحة، فضربوه ببعضها، فصار القتيل حيًّا فَأخْبَرَ عنْ قاتِلِهِ
***
دواعي الحذف البلاغية:
ذكر البلاغيون طائفة من دواعي الحذف مُوزَّعةً في بحوث حذف المسند
[ ١ / ٣٣٦ ]
إليه، وحذف المسند، وحذف بعض متعلقات الفعل، وقد انتقيت منها وأضفت إليها، فاجمتعتْ لديّ الدواعي التالية، وأُأكد أنّه يَعْسُر إحصاءُ كلّ الدواعي التي تقوم في نفوس البلغاء للحذف، وما ذكرته منها يرشد إلى ما فاتني أن أذكره.
الداعي الأول: الاحتراز عن العَبثِ بناءً على الظاهر، إذا كان ما يُحْذَفُ يُمْكِن أنْ يُدْرِكه ويَفْهَمه المتلقِّي، دون أن يُذْكَر في اللفظ، لدلالة قرينة الحال، أو قرينة المقال، أو اللّوازم الفكرية المنطقيّة، والمخاطب من الذين تكفيهم دلالات القرائن واللّوازم الفكريّة.
الداعي الثاني: تَخْيِيلُ الْعُدُولِ إلى أَقْوى الدّليلين من العقل أو اللفظ، باعتبار أنّ التوصُّلَ إلى فكرةٍ ما عن طريق الاستدلال العقلي أقْوى لدى الإِنسان من أَنْ تُبَيَّنَ له عن طريق دلالة اللفظ، يُضافُ إلى ذلك أنّ فَهْمَ الإِنسانِ للأَمْرِ باسْتِنْبَاطِه الفكريّ آنَسُ لَهُ وأَسَرّ، وأكثَرُ إشعارًا له بذاتيّته المستقلّة، من أَنْ يَشْعُرَ بأَنَّه عالةٌ في الْفَهْم على من يُعَرِّفُه به بصريح اللّفظ. لمَا يتضمَّنُ البيان بصريح اللّفظ من إلماح ضمنيّ إلى أنَّ المخاطَبَ ليْسَ مِن أهل فهم المعاني بقرائن الأحوال، أو قرائن الأقوال، أو لوازم الأفكار، ففي الحذف إثارةٌ للفكر وترضية لدوافع النفس التي يُسْعِدها الاستقلال والاعتماد على الذات.
الداعي الثالث: اختبارُ تَنَبُّهِ المتَلّقي أو مقدارِ تَنَبُّهِهِ، عند إمكان الاستِغْناءِ عن دلالةِ صريح اللفظ على المراد.
الداعي الرابع: الإِشعار بتمجيد المسمَّى عن طريق الإِيهام بصون اسمه عن أن يُبْتَذَلَ بالذكر لجلالة قدره، على معنى قول الشاعر يخاطبُ ممدوحه:
لَسْنَا نُسَمِّكَ إجْلاَلاَ وتَكْرِمَةً فَوَصْفُكَ الْمُجتِلي عَنْ ذَاكَ يُغْنِينَا
الداعي الخامس: الإِشعار باحتقارِ المسمَّى وازدارئه وتَنْزِيهِ اللّسان عن ذكر اسْمِهِ، عن طريق الإيهام بأنّه يَنْبَغِي صَوْنُ اللّسانِ عنه، كما يُصانُ عن ذكْرِ ألفاظِ الفحش، وأسماء العورات.
[ ١ / ٣٣٧ ]
الداعي السادس: صونُ اللّسان حقيقةً عن ذكر المحذوف والاكتفاء بدلالة القرائن، لأنّه ممّا ينبغي سَتْرُ ما يَدُلُّ اللّفظ الصريحُ عليه، ويَسْتَهْجِنُ ذوّاقوا الأدب الرفيع ذكره.
الداعي السابع: التمكُّن من إنكار المحذوف، عند الحاجة إلى هذا الإِنكار، وادّعاء قَصْد غيره.
الداعي الثامن: كَوْنُ ما يُحْذَفُ مُتَعَيِّنًا حقيقةً أو ادّعاءً، فلا داعي إلى ذكره، إذْ يكونُ ذِكْرُهُ عندئذٍ من الإِسراف في القول، وهو أمْرٌ لا يَسْتَسِيغُه الْبُلَغاء.
الداعي التاسع: اتّباع الاستعمال الوارد على ترك ذكره، كالأمثال وما يجري مجراها، نحو: "رَمْيَةٌ من غَيْرِ رَامٍ" أي: رَمْيَةٌ مُصِيبةٌ مِن غير رام ماهرٍ يُحْسِنُ الرّماية، ونحو "شِنْشِنَةٌ أَعْرِفُهَا مِنْ أَخزَمِ" ونحو: "قضِيةٌ ولاَ أبَا حَسَنٍ لَهَا".
الداعي العاشر: تركُ نظائره في استعمالات العرب، كما في الرفع على المدح، أو الذمّ، أو الترحُّم، فإنَّهُمْ لاَ يكادون يذكرون فيه المبتدأ، وكَقطْع الصفة ونَصْبِها على تقدير فعل أمدح، أو أذُمُّ، أو نحو ذلك، وكما في "أهلًا وسهلًا".
أي: لقيت أهلًا، ووطئت سهلًا، وكما في المفعول المطلق لفعل محذوف، مثل: "سَقْيًا وَرَعْيًا" أصله: سقاك الله سقيًا، ورعاكَ الله رَعْيًا، ومثل "حَمْدًا وشُكْرًا" أصله: أحمد الله حمدًا، وأشكر اللهَ شكرًا.
الداعي الحادي عشر: ضيق المقام عن إطالة الكلام بسبب التوجُّعِ أو التضجُّر، كأن تقول لمريض: كيف حالك؟ فيقول: مريض.
[ ١ / ٣٣٨ ]
وكأن تقول لفاقد عزيز عليه: كيف حالك؟ فيقول: حزين.
الداعي الثاني عشر: إرادة أخفاء الأمر عن غير المخاطب الذي يسألك عن أمْرٍ بحضور آخرين لا تريد إعلامهم به فتكفي بذكر بعض الجملة، أو بنحو حرف نفي، أو حرف إيجاب.
الداعي الثالث عشر: خوف فوات فرصة سانحة، كأن تقول للصيّاد المترقب الراصِدِ "وَعِل - غزال - أرنب - هذا - ذاك -".
الداعي الرابع عشر: رعايةُ السَّجْعِ، أو القافية، أو أواخر الآيات، محافظةً على الجمال الفنّي في اللّفظ ونَسَقِ الْجُمَل.
الداعي الخامس عشر: تربية الفائدة بتكثير المعاني، إذْ يتأتَّى من احتمالات المعاني بالحذف، ما لا يتأتَّى بالذكر.
الداعي السادس عشر: قَصْدُ التعميم مع الاختصار في اللفظ، وهذا كثير في النصوص البليغة الرفيعة، كقول الله ﷿ في سورة (يونس/ ١٠ مصحف/ ٥١ نزول):
﴿والله يدعوا إلى دَارِ السلام وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الآية: ٢٥] .
أي: يدعو كلّ ممتَحَنٍ مُكَلَّفٍ إلى دار السلام عن طريق الإِيمان والإِسلام، ودار السّلام هي الجنة.
الداعي السابع عشر: قصْدُ الإِيجاز فقط، ولو لم ينضمُ إليه داعٍ آخر، فالإِيجاز دون إخلالٍ بالمعنى المراد من الدواعي التي يَهْتَمُّ الْبُلَغَاءُ بمراعاتها، لأنّه يصون الجملة في ذوق الناطق العربي من الثقل والترَهُّل.
الداعي الثامن عشر: المبادرة إلى دفع ما يمكن أن يتوهّمه الْمُتَلقِّي ممّا هو غير مراد، لو لم يحصل الحذف، كأن يقول المخبر بغزوِ الأعداء المدينة: دخلَ الغزاةُ إلى الْقَصْر السلطاني.
[ ١ / ٣٣٩ ]
فَحَذَف عن عبارته لفظ "المدينة" لأنّه بادر إلى دفع توهم أنَّهمْ لم يصلوا بَعْدُ إلى القصر السلطاني، وأنّهم ما زالوا في الطريق إليه.
الداعي التاسع عشر: قصد التشويق بالإيهام، ليأتي البيان بعده شافيًا حركة الشوق إلى المعرفة.
إلى غير ذلك من دواعي تتفتَّقُ عنها قرائح البلغاء الفطناء.
***
أمثلة وتطبيقات
أُقدِّم أمثلةً وتطيبقات غير شاملة لكلِّ أقسام الحذف وأنواعه، رجاء أن تكون هاديةً للدّارِسِ الباحثِ البلاغي، فَيَقيسَ عليها، ويستخرج ما يراه من دواعي بلاغيَّةٍ في مختلف النصوص التي يدرسُها، من كتاب الله، وأقوال الرسول ﷺ، وأقوال البلغاء من ناثرين وشعراء ذوَّاقي الأدب الرفيع وعناصره الإِبداعيّةِ والجماليّة:
المثال الأول:
ذكر البلاغيّون أنّ من المألوف في أساليب بلغاء العرب أنَّهم يحذفون الْمُسْندَ إليه عند ذكر الدّيار، ومنه قول امرىء القيس:
لِمَنْ طَلَلٌ أَبْصَرْتُهُ فَشَجَانِي كَخَطِّ زَبُورٍ فَي عَسِيبِ يَمَانِ
دِيَارٌ لِهِنْدٍ وَالْرَّبَابِ وَفَرْتَنَى لَيَالَيَنَا بِالْنَّعْفِ مِنْ بَدَلاَنِ
لَيَالِيَ يَدْعُونِي الْهَوَى فَأُجِيبُهُ وَأَعْيُنُ مَنْ أَهْوَى إليَّ رَوانِ
الطَّلَلُ: مَا بِقَي شَاخِصًا مِنْ آثار الدِّيار ونحوها.
فَشَجَانِي: أي: فهيَّج حزني وأثاره.
كخطّ زبور: شبّه بخَطِّ لكتاب مكتوب.
فِي عَسِيبِ يَمَانِ: الْعَسِيب: سَعَفُ النَّخل. يَمَانِ: نسبة إلى الْيَمن، أو جهة
[ ١ / ٣٤٠ ]
اليمن، ويظهر أنّ اليمانيّين كانوا في عصره يكتبون كتبهم في سَعَفِ النخل.
دِيارٌ لِهِنْدٍ: أي: هي ديار لهند، فحذف المسند إليه، وهو مبتدأ هنا، و"هند" و"الرباب" و"فَرْتَنى" أسماء صواحبَ له، كان يستمتع بلقائهنّ في هذه الديار التي هُدِمت ولم يَبْقَ منها إلاَّ الأطلال.
لَيَالِينَا: أي: أتذكّر ليالِيَنَا، فحذف المسند. وأبقى النصبَ دليلًا على المحذوف، وهذا شاهد على حذف المسند، وكذلك: لَيَالِي.
بالنَّعْف: النَّعْفُ: هو ما انحدر من الجبَلِ وارتفع عن الوادي.
مِنْ بَدَلاَنِ: بَدَلاَن: بَلَدٌ في اليمن.
رواني: أي: ينظرن إلي نظرًا طويلًا مع سكون طرف، يقال: رَنَا إليه، إذا أدام النظر مع سكون الطرف.
ذكر امرؤ القيس أنّه أبصر طَلَلَ دِيار صواحبِهِ "هند والرّباب وفَرْتَنَى" فأحزنه هذا المشهد، لأنّه ذكّره ما فاته من أيَّام خوالي، كان فيها مستمتعًا بهِنَّ، ووصف في عرضه المكان وليالي اللّقاء بهنَّ.
***
المثال الثاني:
قول الشاعر المخزومي القرشي "عُمَرَ بن عبد الله بن أبي ربيعة" من شعراء القرن الهجري الأول (٢٣ - ٩٣ هـ) شاعر الغزل:
هَلْ تَعْرِفُ الْيَوْمَ رَسْمَ الدّارِ وَالطَّلَلاَ كَمَا عَرَفْتَ بِجَفنِ الصَّيْقَلِ الْخِلَلاَ؟
دَارٌ لِمَرْوَةَ إِذْ أَهْلِي وَأَهْلُهُمُوا بِالْكَانِسِيَّةِ نَرْعَى اللَّهْوَ والْغَزَلاَ
رَسْمَ الدّار: أي الأثر الباقي منها.
والطَّلَلاَ: أي: ما بقي شاخصًا من آثار الديار.
[ ١ / ٣٤١ ]
بِجَفْنِ الصَّيْقل: الْجَِفْنُ: غِمْدُ السَّيف. الصَّيْقَل: الذي يَشْحَذُ السّيوف ويَجْلُوهَا، وأراد هنا السَّيْفَ المجلوّ، والشاعر ممَّنْ يستشهد بكلامه في العربيَّة.
الْخِلَلاَ: بكسر الخاء وفتح اللام جمع "خِلَّة" وهي بطانة جَفْنِ السيف.
أي: لم يبقَ من الدار إلاَّ كما لو لم يَبْقَ من جَفْنِ السيف إلى بطانته الداخلية.
دارٌ لِمَرْوَة: أي: هي دارٌ لمروة، فحذف المسند إليه وهو المبتدأ هنا، كعادة العرب من حذف المسند إليه في هذا المقام، و"مَرْوَة" اسم المرأة التي كان يلهو معها لهو غزل.
بالْكَانِسِيَّةِ: اسم مكان.
***
المثال الثالث:
سأل الأقَيْشَرُ ابْنَ عَمِّ له موسرًا، فمنعه ولم يُعْطه، فشكاه إلى قومه وذمَّه، فوثَبَ إليه ابْنُ عمِّه ولطمه، فقال فيه الأقَيْشر:
سَرِيعٌ إلى ابْنِ الْعَمِّ يَلْطِمُ وَجْهَهُ وَلَيْسَ إلَى دَاعِي النَّدَى بِسَرِيعِ
حَريصٌ عَلَى الدُّنْيَا مُضِيعٌ لِدِينِهِ وَلَيْسَ لِمَا فِي بَيْتِهِ بِمُضِيعِ
أي: ابن عَمِّي فلان سَرِيعٌ إلى حَرِيص على، فحذف المسند إليه.
***
قول الشاعر في ذكر ربْعِه ومنازله الدوارس:
اعْتَادَ قَلْبَكَ مِنْ لَيْلَى عَوَائِدُهُ وَهَاجَ أَهْوَاءَكَ الْمَكْنُونَةَ الطَّلَلُ
رَبْعٌ قَوَاءٌ أَذَاعَ الْمُعْصِرَاتُ بِه وكُلُّ حَيْرَانَ سَارٍ مَاؤُهُ خَضِلُ
أي: هو ربَعٌ قَواء، القواء: القفر من الأرض، ومنزل قواء: لا أنيس فيه.
[ ١ / ٣٤٢ ]
أذاعَةُ وأذَاعَ به: إذا نشره. أذاع المعصراتُ به: أي: نَشَرَتِ السُّحُبُ المعصراتُ مَاءَها فيه بكثرة فغيّرت معالمه.
وكلُّ حَيْرَانَ سَارٍ: الحيران السّاري: الْمُزْنُ تَجْرِي لَيْلًا.
مَاؤُهُ خَضِلُ: أي: ندِيّ، يُريدُ أنَّه يُنَدِّي ويُبَلِّلُ الأَرْضَ والجوّ من تحته.
المثال الخامس:
قول بَكْر بن النَّطّاح:
الْعَيْنُ تُبْدِي الْحُبَّ والْبُغْضَا وتُظْهِرُ الإِبْرَامَ والنَّقْضَا
دُرَّةُ مَا أنْصَفْتِنِي فِي الْهَوَى وَلاَ رَحِمْتِ الْجَسَدَ الْمُنْضَى
غَضَبَى. ولاَ واللَّهِ يَا أَهْلَهَا لاَ أَطْعَمُ الْبَارِدَ أَوْ تَرْضَى
فحذف أداة النّداء من "يَا دُرَّةُ: اسم صاحبته.
وحذف الْمُسْنَد إليه في البيت الثالث، والأصل: هي غضبَى.
وحذف فيما أرى في قوله: "وَلاَ والله يَا أَهْلَها" العطوفَ عليه، إذ يريد أن يقول: هي غضبَى وأنا حزِينٌ ولْهَانٌ ولا واللَّهِ يا أَهْلَهَا لاَ أَطْعَمُ الباردَ أَوْ تَرْضَى.
الإِبرام: هو في الأصل لفُّ الخيوط بعضها على بعض، ويكنَّى به عن الوعد والعهد، وعكْسُه النقض.
الْمُنْضَى: المهزُول من الْجَهْد، يقال: أَنْضَاهُ إذا أتعبَهُ حتَى جعله هزيلًا نحيفًا.
***
المثال السادس:
قول الشاعر لمن يَسْتجديه:
بَرِّدْ حَشَايَ إِنِ اسْتَطَعْتَ بِلَفْظَةٍ فَلَقَدْ تَضُرُّ إِذَا تَشَاءُ وَتنْفَعُ
[ ١ / ٣٤٣ ]
فحذف المفعول، وأصْلُ الكلام: فلقد تضرُّني إذا تشاء وتَنْفَعُنِي، وقد يكون الداعي إرادة التعميم، أي تضرُّني وتضرّ غيري، وتنفعُنِي وتنفع غيري.
***
المثال السابع:
قول الله ﷿ لرسوله محمد ﷺ في سورة (الضحى/ ٩٣ مصحف/ ١١ نزول):
﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فآوى * وَوَجَدَكَ ضَآلًاّ فهدى﴾ [الآيات: ٦ - ٧] .
أي: فآواك، وفهداك، فحذف المفعول رعاية للجمال الفني بتجانس أواخر الآيات.
***
المثال الثامن:
قول الله ﷿ في سورة (الكهف/ ١٨ مصحف/ ٦٩ نزول):
﴿الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا * قَيِّمًا لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ المؤمنين الذين يَعْمَلُونَ الصالحات أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ [الآيات: ١ - ٢] .
أي: لِيُنْذِرَ الْكَافِرِينَ بَأْسًا شديدًا، فحذف المفعول الأوّل لأنّه مُتَعيّن، ولدلالة مقابلة جملة "ليُنذِر" بجُمْلة "يُبَشِّرَ المؤمنين".
ويظهر لنا أنّ الداعي هنا الإِيجازُ، وإمتاعُ أهل الفكر بالاستنباط، وأهل الذكاء بالاعتماد على ذكائهم.
***
المثال التاسع: قول الله ﷿ في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول):
﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ﴾ [الآية: ٢٠] .
[ ١ / ٣٤٤ ]
وقول الله ﷿ في سورة (يونس/ ١٠ مصحف/ ٥١ نزول):
﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأرض كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الآية: ٩٩] .
أي: ولو شاء الله أنْ يذهَبَ بسمعهم وأبْصَارِهم لَذَهَبَ .
ولو شاء رَبُّكَ أن يُؤمِنَ من في الأرْضِ كُلُّهُمْ جَميعًا لَجَعَلَهُمْ مَجْبُورينَ لا خِيارَ لَهُم ولآمَنْ مَنْ في الأرضِ كلُّهم جميعًا عندئذٍ.
فَحَذَفَ المفعول لفعل المشيئة، وهذا الحذف هو الغالب في فعل المشيئةِ في النصوص القرآنية، وكذلك فعل الإِرادة، إلاَّ إذا كان المفعول أمرًا مستغربًا أو مستنكرًا أو مستحيلًا، فالداعي البلاغي لذكره أقوى من الداعي البلاغي لحذفه.
والداعي البلاغي للحذف هنا: الإِيجاز والتشويق بالإِبهام ليأتي البيان بعده شافيًا، مع داعي إمتاع أهل الفكر بالاستنباط والاستخراج الفكري، اعتمادًا على دلالات القرائن.
***
المثال العاشر:
قول الله ﷿ في سورة (النجم/ ٥٣ مصحف/ ٢٣ نزول):
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وأبكى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ [الآيات: ٤٣ - ٤٤] .
وقوله فيها:
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أغنى وأقنى﴾ [الآية: ٤٨] .
جاء في أفعال هذه الآيات الثلاث حذف المفعول به تنزيلًا للفعل المتعدي منزلة الفعل اللازم، إذ الغرض بيان أنّ الله ﷿ هو الذي تكون بخلقه هذه الأفعال التي تحدث في الناس، فذكْرُ المفعول به إطناب لا لزوم له، إذْ هو خارج عن المقصود بالبيان.
[ ١ / ٣٤٥ ]
ونظيره قول إبراهيم ﵇ لنمرود في محاجته له، كما جاء في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول):
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ الله الملك إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ ﴾ [الآية: ٢٥٨] .
أي: هو الذي يكون بخلقه الإِحياء والإِماتة.
***
المثال الحادي عشر:
قول عمر بن معديكرب يصف تخاذل قومه، ويُبيّن أن رماحهم المتخاذلة قَطَعَتْ لسانه عن الافتخار بهم والثناء عليهم.
فَلَوْ أنَّ قَوْمِي أنْطَقَتْنِي رِمَاحُهُمْ نَطَقْتُ وَلَكِنَّ الرِّمَاحَ أَجَرَّتِ
أجَرَّت: يقال: أجرَّ فَلانٌ لسانَه إذ منَعَهُ الكلام.
فحذف مفعول "أجرّت" ومرادُه منَعَتْ لساني عن الثناء على قومي والافتخار بهم، وغرضه الإِيجاز لِلْعِلْم بالمحذوف، وللإِشارة إلى أنّ تخاذل القوم يُسكت لسان المفتخر مهما كان شأنه، مع مراعاة قافية قصيدته التي جاءت على التاء.
***
المثال الثاني عشر:
قول البحتري يمدح يوسف بن سعيد:
لَوْ شِئِْتَ لَمْ تُفْسِدْ سَمَاحَةَ حَاتِمٍ كَرَمًا وَلَمْ تَهْدِمْ مَآثِرَ خَالِدِ
أي: لو شئْتَ أنْ لاَ تُفْسِدَ سَمَاحَةَ حَاتِمٍ بجودِك لأمسكت عن العطاء فلم تُفْسِدَ سماحةَ حاتم كرمًا.
ولو شئت أن لا تَهْدمَ مآثر خالدٍ بشجاعتك وإقدامك وحُسْنِ تدبيرك في الحرب لتهاونْتَ فلَمْ تَهْدِم مآثر خالد.
[ ١ / ٣٤٦ ]
والداعي البلاغي الإِيجاز، وإمتاع الفكر بالاستنباط والإِدراك الذاتي السريع.
***
المثال الثالث عشر:
قول الشاعر للممدوحة:
قَدْ طَلَبْنَا فَلَمْ نَجِدُ لَكَ في السُّؤْ دَدِ والْمَجْدِ والْمَكَارِمِ مِثْلًا
أي: قد طَلَبْنَا مِثْلَكَ في السؤدد والمجد فلم نجد لك إلخ.
والداعي البلاغي الإِيجاز، وإمتاع الفكر بالإِدراك الذاتي السريع.
***
المثال الرابع عشر:
قول الله ﷿ في سورة (آل عمران/ ٣ مصحف/ ٨٩ نزول):
﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التقتا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ العين والله يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ إِنَّ فِي ذلك لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأبصار﴾ [الآية: ١٣] .
أي: "قَدْ كَانَ لَكُمْ آيةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ" مؤمِنَةٌ ﴿تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ﴾ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الطَّاغوتِ ﴿يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ العين﴾ .
فَحُذِف الوصف وهو لفظ "مؤمنة" في الأوائل لدلالة مقابله في الأواخر لفظ "كافرة" وحُذِفَ من الأواخر جملة "تقاتل" في سبيلِ الطاغوت" لدلالة مُقَابِله في الأوائل، وهي جملة "تُقَاتِلُ في سَبِيلِ اللهِ".
وَهذا الحذف من الأوائل لدلالة الأواخر، ومن الأواخر لدلالة الأوائل يُسمَّى "الاحْتِبَاكَ" إذا اجتمع الحذفان معًا، وله في القرآن نظائر، وهو من إبداعات القرآن وعناصر إعجازه.
[ ١ / ٣٤٧ ]
المثال الخامس عشر:
قول البحتريّ يمدح أبا الصقر:
وَكَمْ ذُدْتُ عَنِّي مِنْ تَحَامُلِ حَادِثٍ وَسُوْرَةٍ أَيَّامٍ حَزَزْنَ إلى الْعَظْمِ
فحذَفَ المفعول به لِفِعْل حَزَزْنَ وَهو "اللَّحْمَ" لدفْع تَوَهُّمِ إِرادَةِ غَيْرِ الْمُرَادِ ابْتِداءً، إذْ لَوْ قَالَ: "حَزَزْنَ اللَّحْمَ" لَجَاز أَنْ يَسْبِقَ إلى وهْمِ السَّامِعِ قَبْلَ ذكره ما بَعْدَهُ أن الحزَّ قد كان في بعض اللّحم ولم يَصِل إلى العظْمَ، مع ما في الحذف من إيجاز.
ذُدْتَ عَنِّي: دَفَعت وطرَدْتَ.
تَحَامُل حادث: شدّة حادثٍ ومشقته على نفسي.
سَوْرَةِ أيّام: هي شِدَّتُها وعُسْرُها.
حَزَزْنَ: قَطَعْنَ، كفِعْلِ السّكين في اللّحم دون الوصول إلى نهاية الطرف الآخر الذي يتمّ به الْفَصْلُ.
***
المثال السادس عشر:
قول البحتري أيضًا يمدح المعتزّ باللَّهِ:
شَجْوُ حُسَّادِهِ وغَيْظُ عِدَاهُ أَنْ يَرَى مُبْصِرٌ وَيَسْمَعَ وَاعٍ
فحذَفَ المفعول به لفِعْلَي: "يَرَى" و"يَسْمَع" لأنّه أراد تنزيل الفعل المتعدّي منزلة الفعل اللاّزم، فالمعنى: إنّ ما يَحْزُنُ أعداءَه ويَغِيظُهم أن يُوجَدَ راءٍ ما يرى ببصره، وسامعٌ ما يسْمَعُ، لئلا يرى محاسنه وفضائله ويسمع كلامه، ومن يثني عليه، ويُضَاف إلى هذا احتمال إرادة التعميم، أي: أن يوجد سامع يسمع أيّ شيء، وراءٍ يَرَى أيَّ شيء، إذ متى وُجد فلا بُدَّ أن يعرف محاسنه وفضائله فيُقَدِّمه.
[ ١ / ٣٤٨ ]
خاتمة:
أكتفي بهذه الامثلة وأقول: مع كثر ما أودر البلاغيّون من شواهد الحذف في شعر شعراء العرب، فإنّه ينحصر في بعض أبواب الحذْفِ، وبَعْضِ دواعيه وأغراضه، لكنّ روائع الحذف في مختلف الأبواب إنّما نَجِدُهَا في نصوص القرآن المجيد، وهي جديرة بأن تُفْرَدَ بدارسةٍ خاصّةٍ، وتجمع في كتاب مستقبلّ.
ومن شاء مزيدًا من الشواهد القرآنية على الحذف فليرجع إلى ما سَطَّرتُه في القاعدة (١٤) من كتابي "قواعد التدبّر الأَمْثَل لكتاب اللَّهِ ﷿" وإلى كتاب "الإِشارة إلى الإِيجاز في أنواع المجاز" للعلاّمة الشيخ "العزّ بن عبد السلام = وهو عبد العزيز بن عبد السلام ٥٧٧ - ٦٦٠ هـ" لُقّب بسلطان العلماء، لموافقه الشجاعة ضدّ أعمال السلاطين المخالفة للدين.
***
ملاحظة:
لم أتعرّض لعدم ذكر ما يجهله المتكلّم من عناصر الجملة، كالفعل الذي يُبْنَى على ما لم يُسَمَّ فاعله لجهل المتكلّم بالفاعل، ولا لعدم ذكر ما ليس للمتكلّم غرض بذكره، إذْ لا يُوجَدُ ما يَدُلُّ عليه من قرينة الحال، أو قرينة المقال أو اللّوازم الفكرية، لأنّ الدواعي لعدم الذكر مطلقًا هي الدواعي الّتي تدعو القادر على البيان أن يَصْمُتَ ولا يتكلَم، وهذه الدواعي لا تدخُلُ في الفنون البلاغيّة فيما أرى، إذْ يستوي فيها البليغ وغير البليغ والقادر على الكلام والعاجز عنه.
وأرى أنّ ذكر البلايين لما يدخل في هذينِ البابَيْن ضمن دواعي الحذف فيه نظر.
***
[ ١ / ٣٤٩ ]