(١) تعريف الجملة
الجملة المفيدة كلامٌ تامٌّ يَدُلُّ على معنىً أقلُّه نسبةُ شيءٍ إلى شَيْءٍ إثباتًا أو نفيًا، أو إنْشاءُ ربْطٍ بينَ شيءٍ وشيءٍ آخَرَ يكفي لإِنشائِهِ الْقَوْلُ، مثل أمْر التكوين، أو الأمْرِ بفعلٍ ما.
والجملة المفيدة تسمَّى عند علماء المنطق "قضيّة" وأقلُّ مَا تتألف منه الجملة عنصر أن يُعَبَّرُ عَنْهُما باللفظ، وهما:
(١) مُسْنَدٌ إليه، ويُسَمَّى محكومًا عليه، ويُسمّى عند علماء المنطق موضوعًا.
(٢) ومُسْنَدٌ، ويُسمَّى محكومًا به، ويُسمَّى عند علماء المنطق محمولًا.
ويلاحظ بين المسند إليه والْمُسْنَدِ شيءٌ ثالثٌ هو الإِسنادُ، وهو الرابط المعنويُّ بينهما، وقد يُوجد في اللفظ ما يدلُّ علَيْهِ، كحركة الإِعراب، وكضمير الفصل بين المبتدأ والخبر.
(٣) ويُلْحَقُ بالجملة المفيدة توابعُ المسند إليه والْمُسْندِ إنْ وُجدَتْ، فمنها المفاعيل، والأدواتُ، ما يَدُلُّ عَلى القيود لأرْكان الجملة، كالصفات والأحوال والقيودِ الزمانيّة والمكانيّة.
[ ١ / ١٤٠ ]
ولا تتم جملةٌ مفيدةٌ بأقَلَّ من مُسْنَدٍ، ومُسْنَدٍ إليه، وإسنادٍ يُلاحظُ ذهْنية بينهما.
***
(٢) تحليل بناء الجملة على اختلاف وجوهها
الجملَةُ الكلاميَّةُ بناءٌ من كلمتين فأكثر من أصول الكلمات الثلاث: "الاسم والفعل والحرف ذي المعنى".
ودلالة الكلمة في بناء الجملة تكون بواحد من الأمور التالية:
الأول: الوضع اللُّغوي الأوّل، أو الوضع الاصطلاحيّ كمصطلحات العلوم.
الثاني: ما تَطَوَّر إليه الوضع باستعمال أهل اللّغة، أو في العرف العام.
الثالث: ما يجري في الكلمات من استعارات ومجازات جرى بها أو بنظائرها لسانُ أهل اللّغة.
الرابع: ما تَحْمِلُهُ الكلماتُ من دلالات لزوميّة ذهنية، تُدْركُ بالذهن من معانيها، كالأمر بالعلم الذي يستلزم ذهنًا اتّخاذ وسائله.
الخامس: ما في الكلام المذكور من إشارات تدلُّ على محذوفٍ يقتضيه الكلام، كحرف عطف ليس من الكلام المذكور ما يُعْطَفُ به علَيْه.
السادس: نيابة مذكور عن محذوف، بدلالة قرينةٍ ذهنيَّةٍ أو لفظيّة، كنائب الفاعل مع قرينةِ بناء الفعل على الصيغة الخاصّة بما لم يُذْكَرْ فاعِلُه.
السابع: اقتران كلمة بكلمة مع حركة إعرابِ ظاهرة أو مقَدَّرة، كحال المبنيّات من الأسماء، أو دون حركة إعراب كحال الحروف التي لا محلَّ لها من الإِعراب، عاملةً بغيرها أو غير عاملة.
***
[ ١ / ١٤١ ]
(٣) أصول المعاني التي يُدَلُّ عليها بالألفاظ في الجملة الكلامية
بعد ملاحظة إرادة التعبير في الجملة الكلاميّة عن ربط شيءٍ بشيء لعلاقةٍ ما قامت بينهما، كالأكل والآكل، والنوم والنائم، والجمالِ والجميل، والْقِدَم والْقَدِيمِ والحدوثِ والحادث، والوجود والموجود، والعدم والمعدوم، وأيّةٍ صفةٍ والموصوف بها، وأيِّ حدثٍ ومَنْ فعله أو قام به، وزمانِ الحدث، وكانهِ، وآلته، وسببه، والباعث إليه، والغاية منه، وحُدود كلّ شيءٍ يُشار إليه بالعبارة الكلاميّة من كلّ ذلك، وقيودِهِ الوصفية الثابتة والمتحوّله، تظهر لنا مِنْ أصول المعاني التي يرادُ الدّلالة عليها بالألفاظُ طائفة يَسْهُلُ تمييزها وإحصاؤها، وتَبْقَى طائفةٌ أخرى يصْعُبُ وضْعُها في مواضِعِها من الشجرة الفكريَّة لأصول المعاني.
وأكتفي هُنَا بتوجيه نظرات تحليليّة لبعض أصول هذه المعاني، وتفرُّعها من شَجَرَتِها الفكريّة.
وأرى أنّها تبدأ من تلاقي زَوْجين: الشيء الّذي يُتَصَوّرُ أنَّهُ يقوم بنفسه، وهو ما يطلق عليه في اصطلاح الفلاسفة "الجوهر" والوصف الذي يُتَصَوَّرُ أنّه لاَ يقوم بنفسه، وهو ما يُطْلق عليه في اصطلاح الفلاسفة "الْعَرَض".
وتدعو الحاجة في الكلام إلى أن يُعَبَّر به عن الشيء والوصف الذي قام به، أو عن الوصف والموصوف به، وهنا تظهر لنا أدنى النِّسبِ التي يُعَبَّر عنها بالكلام، فذكر شيء ما يستدعي ذكر الصفة الّتِي دعت إلى ذكره، وذكر وصفٍ ما يستدعي ذكر الموصوف به.
فظهر لنا بهذا عنصران أساسان هما من أصول المعاني التي يُعَبَّر عنها بالكلام.
* الشيء. "= الجوهر" وهو يشمل الفاعل والمفعول به من حيث المعنى.
[ ١ / ١٤٢ ]
* ووصفه. "= العرض".
ويتمّ ربط العلاقة بينهما بإسناد أحدهما إلى الآخر في الجملة الكلامية، وهذه هي أدنى النِّسَبِ الّتي يُعَبَّرُ عنْها بالكلام.
ثمّ قد تدعو الحاجة البيانيّة إلى تحديد الشيء " = الجوهر" بالقيود الّتي تُميِّزُه عن غيره قَبْلَ أو مع إسناد الوصف إليه، لتُعْرَف حقيقة الموصوف، وكذلك قد تدعو الحاجة البيانية إلى تحديد الوصف " = العرض" بالقيود التي تميِّزُه عن غيره.
فظهر بهذا ما يُعْرَفُ بقيود المسند إليه، كالوصف، والحال، والتمييز ونحو ذلك.
وظهر أيضًا ما يُعْرَفُ بقيودِ الْمُسْنَدِ، فعلًا كان، أو خبرًا أو نحوهما، كالحال، وقيود الزمان والمكان.
ثم نلاحظ أنّ الوصف " = العرض" قد يكون ملازمًا للموصوف "= الجوهر" وقد يكون حَدَثًا طارئًا، كالحركة والسكون، والحرارة والبرودة، والحدث لا بدّ له من ظرف زمانٍ حدَث فيه، أو يَحْدُث فيه، ومفاصل الزّمن الكبرى التي يُعبَّر عنها بصِيَغِ الأفعال هي: "الماضي والحاضر والمستقبل" وهنا ظهرت الحاجة في الكلام إلى بيان الظرف الزماني بصيغة الكلمة، كالفعل الماضي والمضارع.
وظهرت الحاجة أيضًا للتعبير عن الزمان بمادة الكلمة، كالزمان، والحين، والدهر، والساعة، واليوم، والشهر، ونحو ذلك.
ثم نلاحظ أنَّ كل شيء من الأشياء المخلوقة ومعها أوصافُها القائمة بها، والأحداث الجارية فيها أو الصادرة عنها، لا بدّ أن تكون في ظرفٍ مكاني. وهنا ظهرت الحاجة في الكلام إلى بيان الظرف المكاني.
[ ١ / ١٤٣ ]
وبالظرف الزمانيّ والظرف المكانيّ وُجد في الكلام ما يُسَّمى المفعول فيه زمانًا أو مكانًا.
ثم نلاحظ أنّ إحداث الحدث قد يكون بسبب أو بآلَة، وبهذا ظهرت الحاجة في الكلام أحيانًا إلى بيان السبب أو الآلة، ومِن ثَمَّ جاء في الكلام ما يدلُّ على السبب والآلة.
ونلاحظ أيضًا أنّ الحدث المقصود إنّما يكون بباعثٍ ولغايَةٍ، ومن هذا ظهرت الحاجة في الكلام أحيانًا إلى بيان الباعثِ للحدث، والغاية منه، فجاء في الكلام مايدلُّ على ذلك، ومنه ظهَرَ في الكلام ما يسمَّى "المفعولَ لأجله".
ونلاحظ أنه قد يقترن الحدث بحدث آخر، وقد تدعو الحاجة إحيانًا في الكلام إلى بيان الحدث المقارن للحدث المراد بيانه أصلًا، ومن هذا ظهر في الكلام ما يُسمَّى "المفعول معه".
وتنفعل النفس الإِنسانية بأحاسيس مختلفة يُرِيدُ الإِنسان التعبير عنها بالكلام، فظهر في الكلام ما يدلّ على بعض هذه الأحاسيس الأصول، مثل: التَّوَجُّع، التَّفَجُّع، التَّعَجُّب، الْمَدْح، الذَّمّ، التَّحْذِير، الإِغْراء، الاسْتِفْهَام، الإِثبات، النفي، التأكيد.
إلى غير ذلك من أحاسيسَ ومعانٍ أصولٍ يرادُ التعبير عنها بصيغٍ خاصّة، أو كلماتٍ خاصّة، كعبارات التوجع والتفجُّع، وفِعْلَي التعجّب، وأفعال المدح والذّم، وصيغ التحذير والإِغراء، وأدواتِ الاستفهام، وأدوات النفي، والمؤكّدات.
***
[ ١ / ١٤٤ ]
(٤) ترتيب الجملة في اللّسان العربي
إذا أردْنا أن نصوغ جملة نبيّن فيها طلوع القمر أو عدمه، وجدنا أنفسنا أمام عَددٍ من الاحتمالات، مثبتين أو نافين:
(١) طلَعَ القمر، ما طلع القمر.
(٢) القَمَرُ طَلَع، القمَرُ ما طلع.
(٣) القَمَرُ طَالِعُ. القمر غير طالع. ليس القمر طالعا.
(٤) ما طالعٌ القمر.
ولكن هل هذه الصيغ تقع في درجةٍ واحدةٍ من البيان، أم هي مختلفة، مع جوازها جميعًا في اللّسان العربي؟
يقول النحويّ هذه كلّها جائزة، ولكلٍّ منها عندي تخريجٌ إعرابي.
لكنّ البلاغيَّ يقول: إن صِيَغَ "طَلَعَ القمر - ما طَلَع القمر - ما طالعٌ القمر" تقال في مقام الإِخبار الابتدائي الذي لا حاجة فيه إلى تأكيد، أما صِيَغ "القَمَرُ طَلَع - القمرُ ما طَلَع - ليس القمرُ طَالعًا" فتقال في مقامٍ يحتاج فيه الخبر إلى نوع تأكيد، فإذا لم تكن حال المخاطب تقتضي تأكيدًا فلا داعي لاستخدام هذه الصّيغ، إذْ جاء فيها إسناد الطلوع إلى القمر مرّتين، فالقمر فيها مبتدأ أو أصله مبتدأ، وفعل طَلَع مُسْنَدٌ إلى ضمير يعود على المبتدأ، والجملة هي خبر المبتدأ، واسم الفاعل "طالعًا" كالفعل يحمل ضميرًا يعود على القمر.
فتغيير الترتيب في أركان الجملة نَجَمَ عَنْه إضافَةُ دلالة، فَعَلَى الْبَلاَغِيّ أن يُلاحظها لدى إنشاء الكلام، ولدى فهم النصوص البليغة الرّفيعة.
ولركني الإِسناد الرئيسين في الجملة الكلاميّة توابع، منها المفعول به،
[ ١ / ١٤٥ ]
وموضعه الأصليّ في الجملة العربية بحسب ترتيب الكلام المعتاد يأتي بعد الفاعل، على الوجه التالي:
(١) .. (٢) . (٣)
فعل .. فاعل .. مفعول به
مثل: أكل الذئبُ الحَمَلَ
قال النحاة: ويجوز تقديم المفعول به على الفاعل، ويجوز تقديمه أيضًا على الفعل، إلاَّ عند اللَّبْس.
فيقال: أكَلَ الْحَمَلَ الذّئبُ.
ويقال: الْحَمَلَ أكَلَ الذئبُ.
ويقال: رفَعَ سعيدٌ طنًا من الحديد.
يقال: طنًا من الحديد رفع سعيد.
لكنْ البلاغيين قالوا: إنّ مخالفة الأصل في ترتيب بناء الجملة، واستخدامَ ما يجوز فيها بحسب استعمال العرب، هو في الغالب لغرض تأدية معنىً من المعاني، لا لمجرَّدِ استخدام احتمالات جائزة، باستثناء حالة الضرورة الشعريّة، أو حاجة توازن الجمل وتناسُقِها، ومراعاةِ السَّجْع أو القوافي، ضمن أغراضٍ جماليّةٍ في الكلام.
فتقديم المفعول به عن رتبته، ولا سيّما تقديمُهُ على الفعل الذي هو صَدْرُ الجملة الفعليّة بنبغي أن يكون لغرض، وهو الدّلالة على معنًى ما، كالتخصيص، أو الحصر، أو بالغ الاهتمام، أو نحو ذلك.
ورُتَبُ عناصر الجملة تشبه رُتَب جلساء رئيس القوم، فإذا قدَّم الرئيس إلى جواره من هو في العادة يجلس بعيدًا عنه بحسب رتبته، فإنما يُقَدِّمه لغاية يفهمها الفطناء، فإذا وضعه في موضع وزيره الأول، أدرك أهل الفطانة أنّه مُهْتَمٌّ به وبتكريمه، أو أنّه سوف يستوزره.
[ ١ / ١٤٦ ]
(٥) معالم الترتيب في عناصر الجملة عند النحاة
قال النحويون:
الأصل في الفاعل أن يتّصل بفعله لأنّه كالجزء منه، ثم يأتي بعده المفعول به، وقد يُعْكَسُ الأمر، وقد يتقدّم المفعول به على الفاعل والفعل معًا، وكلُّ ذلك: إمّا جائزٌ، وإمّا واجب، وإمّا ممتنع.
* فيجوز تقديم المفعول به على الفاعل وتأخيره عنه في نحو: "كتب زُهيرٌ الدرسَ - كتبَ الدّرْسَ زُهَيرٌ".
* ويجب تقديم أحدهما على الآخر في خمسة أحوال:
(١) إذا خُشِي الالتباسُ والوقوعُ في الشّكّ، بسبب خفاء الإِعراب، مع عدم قرينة، فلا يُعْلَم الفاعل من المفعول به، فيجب تقديم الفاعل، مثل: "علَّمَ مُوسَى عيسَى - أكْرَمَ ابني أخي - غَلَبَ هذا ذَاك".
فإذَا أُمِنَ اللَّبْس لقرينة دالّة جاز تقديمُ المفعول به، مثل: "أكْرَمَتْ مُوسَى سَلْمَى - أضْنَتْ سُعْدَى الْحُمَّى".
(٢) أَنْ يتصل بالفاعل ضمير يعود على المفعول به، فيجب تأخير الفاعل وتقديم المفعول به، مثل: "أكرَمَ سعيدًا غُلامُه - وإِذِ ابْتَلَى إبْرَاهيِمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ - يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ".
وما ورد على خلاف ذلك فضرورة شعريّة.
(٣) أن يكون الفاعل والمفعول به ضميريْن، ولا حَصْر في أحدهما، فيجب تقديم الفاعل وتأخير المفعول به، مثل: "أطعمتهُ وسقيته".
[ ١ / ١٤٧ ]
(٤) أن يكون أحدهما ضميرًا متّصلًا والآخر اسمًا ظاهرًا، فيجب تقديم الضمير منهما.
* فيُقَدَّمُ الفاعل وُجوبًا في نحو "أكرمت عليًّا".
* ويُقدَّمُ المفعول به وجوبًا في نحو "أكرمَنِي عليٌّ".
(٥) أن يكون أحدهما محصورًا فيه الفعل بحرف "إلاَّ" أو بحرف "إنّما" فيجب تقديم ما حُصِر فيه الفعل، سواءٌ أكان مفعولًا به، أَمْ فاعلًا، مثل: "ما أكرمَ سعيدٌ إلاَّ خالدًا - ما أكرمَ خالدًا إلاَّ سيعدٌ - إنَّما أكرم سعيدٌ خالدًا - إنَّما أكرمَ خالدًا سَعِيدًا".
***
وقال النحويون:
يجوز تقديم المفعول به على الفعل والفاعل معًا، في نحو: "عَلِيًّا أكْرَمْتُ" ومنه قول الله تعالى: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧] .
ويجب تقديمه عليهما في أربعة أحوال:
(١) أن يكون المفعول به اسمَ شرط، مثل: أيَّهُمْ تكْرِم أكرم - ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد: ٣٣] .
أو مضافًا إلى اسم شرط، مثل: هَدْيَ مَنْ تَتْبَعْ يَتْبَعْكَ بَنُوكَ. والسبب أنّ اسم الشرط له الصدارة في الجملة.
(٢) أنْ يكون المفعول به اسمَ استفهام مثل: مَنْ أكْرَمْتَ؟ - مَا فعلْتَ؟ - كَمْ كتابًا اشترَيْتَ؟ - ﴿فَأَيَّ آيَاتِ الله تُنكِرُونَ﴾ [غافر: ٨١] .
أو مضافًا لاسم استفهام مثل: كِتَابَ مَنْ أَخَذْتَ؟
والسبب أنّ اسم الاستفهام له الصدارة في الجملة.
[ ١ / ١٤٨ ]
(٣) أن يكون المفعول به لفظ "كم" أو "كأيّن" الخبريَّتَيْن، مثل: "كَمْ كتاب ملكتُ - كَمْ عِلْمٍ حَوَيْتُ - وكَمْ عُلَماءَ تخرجُوا في مَدْرَسَتِي - وكأيّنْ من قصيدَةِ شعْرٍ كَتَبْتُ".
أو مضافًا إلى "كم" الخبريّة، مثل: "ذَنْبَ كَمْ مُذْنِبٍ غَفَرْتُ"
(٤) أن ينصب المفعولَ به جوابُ "أمَّا" وليسَ لجوابها منصُوبٌ مُقَدَّمٌ غيْرُهُ، مثل: ﴿فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ * وَأَمَّا السآئل فَلاَ تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ٩ - ١٠] .
وإنّما وجب تقديمُهُ في هذه الحالة ليكون فاصلًا بين "أمّا" وجوابها، فإذا وُجد فاصلٌ غيره فلا يجب تقديمه، مثل:
لَقَدْ كُنَا نَخَافُ عَصَاكَ يَوْمًا فَأَمَّا الْيَوْمَ فَافْعَلْ مَا بَدَا لَكْ
***
وقال النحويون:
إذا تعددّت المفاعيل في الكلام فَلِبَعْضِهَا الأصالة في التقدُّمِ على بعض.
* إمّا بسبب كونة مبتدأً في الأصل، كما في باب "ظنّ".
* وإمّا بسبب كونه فاعلًا في المعنى، كما في باب "أعطى".
فمفعولًا "ظنّ" وأخَوَاتِها، أصلُهُما مبتدأ وخبر، فإذا قلت مثلًا: "عَلِمْتُ اللهَ رَحيمًا" فالأصل: "اللهُ رحيم".
ومفعولا "أعْطَى" وأخواتها ليس أصلهما مبتدأً وخبرًا، غير أن المفعول به الأول هو فاعل في المعنى، فإذا قلتَ مثلًا: "ألبَسْتُ الفقير ثوبًا" فالفقير فاعلٌ في المعنى، لأنَّهُ هو الذي لَبِسَ الثوبَ، والثوبُ ملبوسٌ.
بناءً على هذا فالأصْلُ تقديم ما أصله المبتدأ في باب "ظنّ" وما أصله الفاعل
[ ١ / ١٤٩ ]
في باب "أعْطَى" مثل: "ظَنَنْتُ الْبَدْرَ طالعًا - أعطيت سعيدًا الكتاب - كَسَوْتُ الفقِيهَ جُبَّةً".
قالوا: ويجوز العكسُ إنْ أُمِنَ اللَّبْسُ.
ويجب تقديم أحد المفعولين على الآخر في أربعة أحوال:
(١) أنْ لا يُؤْمَنَ اللَّبْسُ، فيجب تقديم ما حقُّه التقديم، وهو ما كان متبدأ أو فاعلًا في المعنى، مثل:
* "ظننتُ سعيدًا خالدًا" إذا كان سعيدٌ هو المظنون أنه خالد، وإلاَّ وجب تقديم خالد. "وهو من باب ظنّ".
* قول ذي السلطان: وهبتُ الأَبَ ابْنَهُ، إذا كان الابن هو مستحقّ العقاب فعفا عنه من أجل أبيه، وإذا كان الأب هو مستحقّ العقاب، قال: وهبتُ الابْنَ أباه. "وهو من باب أعطى".
(٢) أن يكون أحد المفعولين ضميرًا والآخر اسمًا ظاهرًا، فيجبُ تقديمُ ما هو ضميرٌ وتأخيرُ ما هو ظاهر مثل: "أعطيتُكَ فرسًا - فرسًا أعطيتُهُ سعيدًا".
(٣) أن يكون أحد المفعولين محصورًا فيه الفعل، فيجب تأخير المحصور سواءٌ أكان المفعولَ الأوّلَ أم الثاني، مثل: "ما أعطيت سعيدًا إلاَّ دِرْهمًا - ما أعطيتُ الدّرْهَمَ إلاَّ سعيدًا".
(٤) أن يكون المفعول الأوّل مشتملًا على ضميرٍ يعودُ على المفْعول الثاني، فيجب تأخير الأوّل وتقديم الثاني، مثل: "أعْطِ الْقَوْسَ بَارِيَهَا".
إذْ لو قُدّم المفعول الأوّل في هذه الحالة لعاد الضمير على متأخّر لفظًا ورُتبةً، باعتبار أنّ المفعول الثاني رتبتُه التأخير عن المفعول الأول.
[ ١ / ١٥٠ ]
ولا يصحُّ في اللّسان العربي عوْدُ الضمير على متأخّر لفظًا ورتبةً معًا، إلاَّ في نحو ضمير الشأن والقصة.
هذه مقرّرات علماء النحو بالنسبة إلى ترتيب عناصر الجملة فيما يتعلّق بالفعل والفاعل والمفاعيل.
***
وقال النحويّون:
يجب تقديم المبتدأ في ستة أحوال:
(١) أن يكون المبتدأ من الأسماء التي لها صدْرُ الكلام، مثل:
* أسماء الشرط.
* أسماء الاستفهام.
* "ما" التعجبيّة.
* "كَمْ" الخبرية.
(٢) أن يكون المبتدأُ مُشَبَّهًا باسم الشرط، مثل: "الذي يجتهد فَلَهُ جائِزَةٌ - كلُّ تلميذٍ يَجْتَهِدُ فَهُو مؤهَّلٌ للنجاح".
(٣) أن يضافَ المبتدأ إلى اسم له صَدْرُ الكلام، مثل "غُلاَمُ مَنْ هُو؟ - زِمَامُ كَمْ مَدْرَسَةٍ في يَدِ وزير التربية؟ ".
(٤) أن يكون المبتدأ مقترنًا بلام التأكيد، وهي لام الابتداء، مثل: ﴿وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] .
(٥) أن يكون كلٌّ من المبتدأ والخبر معرفةً نَكِرَةً، ولا تُوجَدُ قرينة تُعَيّنُ أحَدَهُمَا، فيجب تقديمُ المبتدأ خشية التباس الْمُسْنَدِ بالْمُسْنَدِ إليه، لأنّ الأصل في ترتيب المبتدأ أن يكون قبل الخبر، مثل:
* "أخوك عليٌّ" إذا أردتَ الإِخبار عن الأخ.
[ ١ / ١٥١ ]
* "عليٌّ أخوك" إذا أردتَ الإِخبار عن عليّ.
(٦) أن يكون المتبدأ محصورًا في الخبر، مثل:
* ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل ﴾ [آل عمران: ١٤٤] .
* ﴿إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ﴾ [هود: ١٢]، أي ما أَنْتَ إلاّ نَذِيرٌ.
فالمبتدأ في المثالين محصورٌ في الخبر.
***
وقال النحويّون:
يجب تقديم الخبر على المبتدأ في أربعة أحوال:
(١) إذا كان المبتدأُ نكرةً غير مفيدةٍ ومُخْبَرًا عنْها بظرْفٍ أو جارٍّ ومَجْرُورٍ، مثل: "في الدار رجُلٌ - عندكَ ضيفٌ - لَدَيْنَا مَزيدٌ - على أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ".
(٢) إذا كان الخبرُ اسْمَ استفهام، مثل: "كيفَ حَالُكَ؟ " أو مضافًا إلى اسم استفهام، مثل: "ابنُ مَنْ أَنت؟ - صبيحةً أيِّ يَوْمٍ سَفَرُكَ؟ ".
(٣) إذا اتّصَل بالمبتدأ ضمير يَعُودُ على شيءٍ من الخبر، مثل: "في الدار صاحبُها - مِلْءُ عَيْنٍ حَبِيبُها - أَمْ عَلى قُلوبٍ أقْفَالُها".
(٤) أن يكون الخبر محصورًا في المبتدأ، مثل:
* "مَا خالقٌ إلاَّ الله".
* إنّما محمودٌ مَنْ يَجْتَهِد" أي: ما محمودٌ إلاَّ مَنْ يجتهد.
* إنّما الخالقُ الله" أي: ما الخالقُ إلاَّ الله.
هذه مقررات النحويّين بالنسبة إلى ترتيب عنصري الجملة الاسمية.
***
[ ١ / ١٥٢ ]
وقال النحويّون:
الأسماءُ التي لها الصدارة في الجملة، فلا يتقدَّمُها إلاَّ جارٌّ لها، أو مضافٌ إليها، أو حُروفُ العطف؛ هي:
(١) أسماء الاستفهام.
(٢) أسماء الشرط.
(٣) "ما" التعجبيَّة.
(٤) "كم" الخبرية.
***
وقال النحويّون:
إذا اجتمعت التوابع في جملة واحدة قُدِّمَ منها:
(١) النعت.
(٢) فعطف البيان.
(٣) فالتوكيد.
(٤) فالبدل.
(٥) فعطف النَّسَق. وهو ما كان بحرف عطف.
مثل: "بعثَ اللهُ الرَّسُولَ العربيّ محمّدًا نَفْسَه أخَا بَنِي إسْحَاقَ والرّسُلَ والنبيّينَ مِنْ قَبْلِه".
***
(٦) نظر الأديب البليغ حول مراعاة ترتيب عناصر الجملة
إذا كان نظر علماء النحو إلى ترتيب عناصر الجملة هو على النحو الذي سبق بيانه، فإن نظر الأديب البليغ لا يكتفي بالتقيُّد بما يجوز في التراكيب العربيّة،
[ ١ / ١٥٣ ]
فيستخدمُها كيفما اتفق، بَلْ يَنْظُر إلى دَلالاتها، وإلى المعاني التي تُؤدّيها مُخْتَلِفَاتُ التراتيب، والتركيبات، فيستَخْدِمُ منها ما يدُلُّ على ما يُريدُ التعبير عنه في كلامِهِ بأخْصَرِ عبارة، ويُحاوِل دومًا أن يطابِقَ بين اختياره منها وما يُريدُ التعبير عنه.
***
(٧) دوائر عطاء الجملة الكلامية
الدائرة الصغرى:
أصغر دائرة عطاءٍ بيانيّ تقدّمه الجملة الكلامية يظهر بنسبة شيءٍ إلى شيءٍ.
* كنسبة الوجود إلى الأرض، فنقول: الأرض موجود، أي: لها صفة الوجود، ففي هذه الجملة نَسَبْنَا الوجود إلى الأرض.
* وكنسبة العدم إلى شريك الباري، فنقول: شريك الباري معدوم، ففي هذه الجملة نسبنا العدَمَ إلى شريك الباري.
* وكنسبة الطلوع أو الأفول إلى القمر، فنقول: طَلَع القمر - أفل القمر.
* وكنسبة الموت إلى إنسان كان حيًّا فمات، فنقول: مات فيصل.
من هذه الأمثلة نُلاحظ أنّ ركنًا من رُكْنَي كُلِّ جملةٍ فيها يتضمَّن معنىً هو شيءٌ منسوبٌ، وأنّ الركْنَ الآخر من ركنيها يتضمن معنىً هو شيءٌ منسوبٌ إليه معنى الركن الأول، وأن الألفاظ دوالٌّ على المعاني.
فبالتحليل يظهر لنا ثلاثة عناصر:
الْعُنْصُر الأول: مَنْسُوبُ.
العنصُر الثاني: منسوبٌ إليه.
[ ١ / ١٥٤ ]
العنصُر الثالث: نسبةٌ بينهما ذهنية، وقد يُدَلُّ عليها بلفظ، أو بحركة، وهذه النسبة هي الرابطة بين رُكني الجملة الكلامية.
والنسبة في الجملة قد تكون بالإِثبات كالأمثلة السابقة، وقد تكون بالنفي، وذلك حين تدخل على الجملة أداةٌ من أدوات النفي، فنقول مثلًا: ما طلع القمر، وما مات إبليس، وصوت الحمار ليس جميلًا، ولاَ يَمْشِي الجماد.
وللتفريق بين رُكْنَي الجُمْلَةِ الرّئيسَيْنِ والنسبة الرابطةِ بينهما ظَهَرَتْ عدّة مصطلحات عند العلماء على اختلاف تخصُّصاتهم.
فقالوا:
(١) المسند: وهو الخبر أو ما يَسُدّ مَسَدَّه في الجمل الاسمية، والفعل في الجمل الفعلية، أو ما يَعْمَلُ عَمَلَه.
(٢) المسند إليه: وهو المبتدأ في الجمل الاسمية، أو ما أصله المبتدأ، والفاعل أو ما ينوب عنه في الجمل الفعلية.
(٣) الإِسناد: وهو الرابطة الذهنيّة بين المسند والمسند إليه، وقد يُدَلُّ على الرابطة بنحو ضمير الفصل وحركة الإِعراب.
ويوجد هذا الاصطلاح لدى علماء اللّغة العربيّة.
***
وقالوا:
(١) محكوم به "أي: مسند".
(٢) محكوم عليه "أي: مسند إليه".
(٣) والنسبة الحكمية "أي: الإِسناد" وثمرة الجملة "الحكم" ويوجد هذا الاصطلاح لدى علماء أصول الفقه.
***
[ ١ / ١٥٥ ]
وقالوا:
(١) موضوع "أي: مسند إليه".
(٢) محمول "أي: مسند".
(٣) النسبة بينهما "أي: الإِسناد".
والجميع "قضيّة" وثمرة القضية "الحكم" إيجابًا أو سلبًا. ويوجد هذا الاصطلاح لدى علماء المنطق.
هذه مصطلحات متعدّدة ومُؤَدَّاها لدى الجميع واحد.
ومن الْجُمل في حدود هذه الدائرة الصغرى ما يكون المسند فيها باعتبار مادته لا يتحقق إلاَّ باجتماع مُسْنَدٍ إليه متعدّد، مثل:
"اشْتَرَكَ زَيْدٌ وَعَمْرو - اجتمع خالد وسعيد - جُمِع الشَّمْسُ والقمر - تقاتل المسلمون والمشركون".
وهكذا كلُّ ما يقتضي بمادّته المشاركة بين فريقين من أفعالٍ وغيرها.
الدائرة الثانية:
وهي الجملة التي تشتمل على دائرة عطاءٍ بياني يظهر بنسبة شيْءٍ إلى شيْئَيْن، أحَدُهُمَا هو الذي اتّصفَ بالشيءِ من جهة كونه مُؤَثِّرًا به "أي: فاعلًا" والآخر هو الذي اتّصفَ بالشيء من جهة كونه متأثّرًا به (أي: مفعولًا به)، مثل: "ضرَبَ زيدٌ عَمْرًا".
دلّت هذه الجملة على نِسْبة الضّرب إلى زيدٍ ووصفه به من جِهَةِ كونِه مؤثِّرًا بالضّرْب (أي: ضاربًا) ونِسْبَة الضرب نفسه إلى عَمْروٍ ووصفه به من جهة كونه مُتَأَثِّرًا بالضرب (أي: مَضْروبًا) .
فبالتحليل الفكريّ يظهر لنا أنّ الضَّرْبَ ذو نسبتين:
(١) نسبته إلى فاعله المؤثِّر به فهو ضارب. "لذلك سمّوه فاعلًا".
[ ١ / ١٥٦ ]
(٢) نسبته إلى الواقع عليه المتأثِّر به فهو مضروب "لذلك سمَّوْهُ مفعولًا به".
ومثل: "خلق الله ﷿ الكونَ" فالخلق ذو نسبتين:
(١) أمّا فاعله والمؤثِّرُ به فهو الله ﷿. "وهو الخالق".
(٢) وأمّا الواقِعُ عليه والمتأثِّرُ به فهو الكون. "وهو المخلوق".
هذا تحليل قول علماء العربيّة: الفعل قد يتعدّى إلى المفعول به. وأضيف أنّه لا فرق من جهة المعنى بمقتضى هذا التحليل أن يكون تَعَدِّي الفعل بدون وساطة، أو بوساطة حرف جرٍّ، مثل: عَلِمَ فلانٌ المسألة، وعَلِمَ بها.
الدائرة الثالثة:
وهي الجملة التي تشتمل على دائرة عطاءٍ بيانيّ يظهر بنسبة شيءٍ إلى ثلاثة أشياء.
الأوّل: هو الذي اتّصف بالشيء من جهة كونه مؤثرًا به (أي: فاعلًا) .
الثاني والثالث: هما اللّذان اتّصَفَا بالشيءٍ من جهة كون كلٍّ منهما متأثِّرًا به "أي: مفعولًا به" مع اختلاف صفة التأثّر.
مثل: "كَسَى الأبُ ولَدَهُ ثَوْبًا" فالكَسْوُ ذو ثلاثِ نِسَب:
(١) نسبتُه إلى فاعله المؤثِّر به فهو كاسٍ.
(٢) نسبته إلى الواقع عليه المتأثِّر به فهو مَكْسُوٌّ، وهذا المكسوّ له جهتان مختلفتان.
الجهة الأولى: كون المكسُوِّ آخذًا لِلْكُسْوة، لا بسًا لها.
الجهة الثانية: كون المكْسُوِّ مأخوذًا، مَلْبُوسًا، وهو نفسه الكُسوة.
فصار بهذا للكَسْوِ في الجملة ثلاثُ نِسَبٍ مَقْصُودَةٍ بالبيان.
[ ١ / ١٥٧ ]
وقِسْ على هذا المثال أشباهَهُ، مثل "علَّمَ الأُسْتاذُ تلميذَهُ عِلْمَ النحو - أعطَى الْمُحْسِنُ الفقيرَ صَدَقَةً - وهَبَ الله أَيّوبَ أَهْلَهُ ومِثْلَهُم مَعَهُمْ".
الدائرة الرابعة:
وهي الجملة التي تشتمل على دائرةٍ عطاءٍ بيانيّ يظهر بنسبة شيءٍ إلى أربَعَةِ أشياء.
الأول: هو الذي اتّصَفَ بالشيءِ منْ جهة كونه مؤثرًا به (أي: فاعلًا) .
الثاني والثالث والرابع: هي الأشياء الّتي اتَّصَفَتْ بالشيء منْ جهة كون كلٍّ منها متأثّرًا به "أي: مفعولًا به" مع اختلاف صفة التأثُّر في كلٍّ منها.
مثل: "أَعْلَمَ اللهُ النَّاسَ مُحمّدًا رَسُولًا" فالإِعلام في هذه الجملة ذو أرْبَعِ نِسَب:
(١) نِسْبتُهُ إلى فاعله المؤثّر به، فهو مُعْلِمٌ بكَسْرِ اللام.
(٢) نسْبَتُهُ إلى الواقعِ عليه المتأثِّرِ به فهو مُعْلَمٌ بفتح اللاّم، وهذا المعلَمُ لَهُ ثلاثة جهاتٍ مختلفات:
الجهة الأولى: كَوْنُ الْمُعْلَمِ مُسْتَفِيدًا كاسبًا لِلْعِلْم.
الجهة الثانية: كَوْن الْمُعْلَم أَحَدَ رُكْنَي القضيّة الّتي جرى الإِعلام بها، وهو فيها مُسْنَدٌ إليه، وهو: "مُحَمّدًا".
الجهة الثالثة: كون الْمُعْلَمِ أَحَد رُكْنَي القضيّة الّتي جرى الإِعلام بها، وهو فيها مُسْنَدٌ، وهو: "رَسُولًا".
وأصلُ القضيّة التي جرى الإِعلام بها هي: "مُحَمّدٌ رَسُولٌ".
فظهر بهذا التحليل أنّ الإِعلام ذو أربع نِسَب.
[ ١ / ١٥٨ ]
الاقتصار على بيان بعض النسب:
بعد بيان هذه الدوائر الأربع لعطاء الجملة الكلاميّة، نلاحظ أنّه قد لا يستدعي موضوع الجملة أكثر من الدائرة الأولى، وقد يستدعي موضوعُها الدائرة الثانية، أو الدائرة الثالثة، أو الدائرة الرابعة.
ومع استدعاء موضوع الجملة أكثر من الدائرة الأولى، فقد يتعلَّق غرضُ المتحدّث بالاقتصار على بعض النِّسَب وإغفال بيانِ ما يتعلَّق بالنِّسَبِ الأُخرى، وله ذلك متى أفاد بحديثه ما يريد إبلاغَهُ من الإِسناد، وأدناه الدائرة الأولى، ويكون فيها إسنادُ شَيْءٍ إلى شيءٍ بجملةٍ تُقَدِّمُ فائدةً ما. ودون ذلك يكون الكلام ناقصًا ولَغْوًا.
ولا بُدَّ من ملاحظة أنَّ المحذوف المقدَّر الذي يُمْكن إدْراكُهُ وتصوُّرُهُ ذهْنًا لوجود قرينة تدلُّ عليه لفظيَّةٍ أو غير لفْظيَّة، هو كالمذكور، ولدى علماء العربية والبلاغيّين ضوابط لذلك.
***
(٨) نظرة حول ما يُسَمَّى فضلةً في الجملة عند النحويين
لعلّ ما يَصِفُه النحويون في الجملة الكلاميّة بأنه فضلَةٌ يقْصِدون به أنَّهُ عطاءٌ فكريٌّ زائدٌ على أصغر دوائر الجملة الكلاميّة المفيدة.
فالّذي أرَاه أنَّه لا تُوجَدُ في الجملة الكلامية كلمةٌ تُؤدّي معنىً مقصودًا بالبيان، لا تؤدّيه كلمةٌ أخرى غيرها تأدِيَةً مباشرةً، يَصِحُّ أن تُسَمَّى لدى التحقيق فضلةً في علم المعاني، لأنّ الفضلةَ يَنْبَغي أنْ تُطْلَق على ما في الكلام من ألفاظٍ تدلُّ على معنىً هو زائدٌ على المطلوب بيانُه والتَّعْريفُ به.
فإذا قال النحويُون أو البلاغيّون تبعًا للنحويّين: إنّ ما زاد على رُكْنَي
[ ١ / ١٥٩ ]
الإسناد "المسند والمسند إليه" في الجملة الكلامية هو فضلة، كالمفاعيل وسائر متعلّقات الفعل، فَقَصْدُهُمْ من ذلك فيما أرَى أنّ الجملة المفيدة لا بُدَّ فيها حَتْمًا مِنْ رُكْنَيْ الإِسناد، وإلاَّ كان الكلام غير مفيد، فما زاد على ذلك يعتَبَرُ زائدًا على أدْنَى ما يَجبُ أَنْ تُبْنَى بِه جملةٌ كلاميّةٌ مفيدة، لا أنّه زائد على ما يَقْصِدُ المتكلِّمُ بيانه.
إذْ كُلُّ فِكْرَةٍ دلَّ عليها لفظٌ في الكلام - مهما دقَّتْ هذه الفكرة - إذا كانت مقصودة بالبيان، فإنَّه يُمْكِنُ أن تُصَاغَ لأَجْلِها جُمْلَةٌ مفيدة من "مُسْنَدٍ ومُسْنَدٍ إلَيْه" وأن تكون هذه الجملةُ منفصلة مستقلّة، إلاَّ أنّ الاقتصادَ في التعبيرَ جعل الْجُمْلةَ تَسْتَوْعِبُ بتعلّقات الإِسناد في المفاعيلِ، وبقيود الإِسناد، وقيودِ الْمُسْنَدِ، وقيودِ الْمُسْنَدِ إليه عِدَّةَ جُمَلٍ، وهي لَوْ حُلِّلَتْ وَفُصِّلَتْ لكانت في بعضها جملتين، ولكانت في بعضها ثلاثَ جُمَلٍ، وفي بعضها أرْبعَ جمل، وخَمْسَةً وسِتَّةً وأكثر من ذلك، بعَدَدِ المتعلّقاتِ والقيود.
بهذا البيان التحليلي لا يصِحُّ أنْ نعتبر في مثل عبارة: "ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا" أنَّ "عَمْرًا" فضلة، لأنّ فكرةَ وقُوع ضَرْبِ زيْدٍ على عَمْروٍ فكرةٌ مقصودةٌ بالبيان، تُصَاغُ لَهَا جُمْلَةٌ خاصَّةٌ مفيدة، نَقُولُ فيها: "ضُرِبَ عَمْروٌ" أو "عَمْروٌ مَضْرُوبٌ"، وهكذا سائرُ متعلّقاتِ الجملة الكلاميّة وقيودُها.
أمّا الفضلة الحقيقيّة فهي الكلمة التي لا تُضِيفُ إلى معنى الجملة معنىً مقصودًا بالبيان، كالمترادفات المتتابعات في الجملة، وكزوائدِ التأكيد في الجملة التي لا يُرْفَعُ بِذكْرها تَوَهُّمُ المجاز أو الْغَلَطِ وسَبْقِ اللّسان، كأن تقول: "جاء القومُ أجمعون أكتعون أَبْصَعُون" فالمترادفاتُ الإِطنابية، المؤكّدات الإِطنابيّة زوائد لم تُضِفْ جديدًا، ولم ترفَعْ توهُّمًا.
[ ١ / ١٦٠ ]
(٩) مشجَّرات تحليليّة للجملة الكلاميّة
(أ) الجملة الكلاميّة
١ - الْمُسنَد
ويأتي المسند في الجملة على وجوه:
- فعل.
- أو ما يقوم مقام الفعل.
- اسم مفرد أو ما يؤول به.
- جملة إسمية أو فعلية.
- شبه جملة (ظرف أو جار ومجرور) .
- كل ما يقوم مقام ما تقدم.
وقد يتعدد المسند والمسند إليه واحد، فَيُسْتَغْنى بحرف العطف عن إنشاء جملة جديدة أو أكثر، مثل: «أكلَ وشرب ونام الأسد» .
٢ - الإِسناد
وهو الربط بين ركْني الجملة بالاقتران مع علانة إعراب ظاهرة أو مقدرة، أو بضمير الفصل أحيانًا. وقد يظهر هذا الرابط في غير العربية بما يُسمَّى فعل الكون
٣ - الْمُسنَد إليه
ويأتي المسند إليه في الجملة على وجوه:
- فاعل.
- مبتدأ.
- اسم كان وأخواتها.
- اسم إنّ وأخواتها.
- نائب الفاعل.
- كل ما يقوم مقام ما تقدم.
وقد يتعدّد المسند إليه والمسند واحد، فَيُسْتَغْنى بحرف العطف عن إنشاء جملة جديدة أو أكثر، مثل: «أكلَ الأسد والذئب والثعلب والنَّسْرُ» .
وقد يتعدَّد كلٌّ من المسند والمسند إليه مع تماثل النسبة في الإِسناد، فَيُسْتَغْنى بالعطف في كلٍّ منهما عن إنشاء جُمَلٍ متعدّدة، مثل: «أكلَ وشرب ونام الأسدُ والذئبُ والثعلبُ والنَّسْر» .
[ ١ / ١٦١ ]
(ب) تابع تقسيمات الْمُسند
١ - المسند بحسب سنده
- لازم: وهو نسبة واحدة. فليس له إلاَّ فاعل أو ما يقوم مقامه.
- متعدٍّ ذو نسبتين: فله فاعل ومفعول به أو ما يقوم مقامهما.
- متعدٍّ ذو ثلاث نسب: فله فاعل ومفعول به أول، ومفعول به ثان، أو ما يقوم مقامها.
- متعدٍّ ذو أربع نِسَب: فله فاعل ومفعول به أول، ومفعول به ثانٍ، ومفعول به ثالث، أوْ ما يقوم مقامَها.
٢ - ما ينوب مناب المسند
- ما يعمل عمل الفعل:
كالمصدر، مثل: «ضربي العبد مسيئًا» .
واسم الفعل، مثل: «هيهات لما توعدون» .
- الظرف:
مثل: «الجزاء الأمثل يومَ الدين» .
- الجار والمجرور:
مثل:
«زيد في الدار» .
«إبليس من الجنّ» .
«منّا الصالحون ومنّا دون ذلك» .
٣ - المسند بحسب إطلاقه وتقييده
- مطلق: مثل: «مرض الحصان» .
- مقيد بالوصف: مثل: «مرض الحصان مرضًا شديدًا» . «نام الأرنب نومًا عميقًا» .
- مقيد بحرف الجرّ: مثل:
«مرض الفاسق بمرض الزهري» .
«قتل قاتل بالسيف» .
«أكل الرسول بيده» .
«انطلق المسافرون من محطة القطار» .
«تجاوز الله للعاصي عن سيئاته الصغرى» .
- مقيد بقيد الغرض في المفعول لأجله:
مثل: «حضرتُ إكرامًا لك» . أي: حضوري مقيّد بأنه لأجل إكرامك.
- مقيد بقيد الظرف الزماني أو المكاني:
مثل: «وُجِدَ في داره يومَ السبت صباحًا» .
[ ١ / ١٦٢ ]
(ج) تابع تقسيمات المسند إليه
١ -
- مطلق: مثل: «مرّت سحابة» . «في الدار رجل» . «داهَمَ سيل» .
- مقيّد بقيد الوصف: مثل: «مرّت سحابة ثقيلة» . «في الدار رجُلٌ فاضل» . «داهَمَ سيلٌ يملأ الوادي» .
- مقيَّدٌ بقيد الحال: مثل «عاد الجيش منتصرًا» .
- مقيّد بالاستثناء: مثل «رجع حُجَّاج المدينة إلاَّ سبعة» .
- مقيّد بقيد الإضافة: مثل «هلك قوم نوحٍ» .
- مقيّد بالتمييز: مثل «ذبح لضيوفه عشرينَ خروفًا» .
- مقيّد بواو المعية: مثل: «سارت القافلة وَسَاحلَ البحر» .
٢ - قد ينوب عن المسند إليه جملة تُؤول بمصدر.
مثل:
«وأن تصوموا خير لكم» . أي: صيامكم خير لكم.
«أن تفعلوا الخير احبُّ إلى الله ةأرجى ثوابًا عنده» . أي: فعلكم الخير أحبُّ إلى الله.
٣ -
- الضمائر: هي اختصار يُكَنَّى بها، فتغني عن تكرار المسند إليه، وعن ذكر الاسم الظاهر.
- أسماء الموصول: مبهمات يتوصّل بها إلى وصف المسند إليه بجماة كلامية. فَيُسْتَغْنى بذكر الوصف عن ذكر الاسم الخاص، للجهل به، أو لغرض بياني.
- أسماء الإشارة: يشار بها إلى المسند إليه، فتقع في الكلام موقع اسمه.
- قد يتوصل إلى المسند إليه بحرف الجرّ: مثل «احتفل القوم بعالمهم» . فعبارة"بعالمهم" مسنَدٌ إليه من رتبة المفعول به الأول
[ ١ / ١٦٣ ]
(د) تابع تقسيمات الإِسناد
النسبة بين المسند والمسند إليه مطلقة ومقيدة
١ - المطلقة
هي التي لا تقترن بقيْدٍ يقيدها. مثل:
«الله موجود» .
«الكون مخلوق» .
٢ - المقيدة
- مقيدة بقيد الزمن الماضي
المطلق: مثل: «جاء سعيد» . «مات أهل القرون الأولى» .
المحدّد: مثل: «جاء سعيد أَمْسِ» . «يجب الصوم في شهر رمضان» .
- مقيدة بقيد الزمن الحاضر مع التجدّد
مثل: «يسير القطار - الشمس تجري - السحاب يسير - الارض تدور» .
- مقيدة بقيد الزمن المستقبل
المطلق مثل: «سيبعث الله الموتى» . «لتعلمُنَّ نَبأَه بَعْد حين» .
المحدّد مثل: «سيحضر الرئيس يوم الخميس القادم» .
- مقيدة بغير ذلك من القيود:
كقيد المكان: مثل: «زيد موجود في الدار» . «ينبت الشجر في الأرض» .
كقيد الحال: مثل: «جاء الأمير راكبًا» . أي: حصل مجيئه وهو راكب.
[ ١ / ١٦٤ ]
(هـ) الأسماء التي لها الصدارة في الجملة
توجد في اللّسان العربيّ أسماء لها الصدارة في الجملة العربية، فلا يصحّ أن يتقدّمَ عليها إلاّ جارٌّ لَهَا، أو مضاف إليها، أو حروف العطف، وهي:
- أسماء الاستفهام
مثل:
«كيف حالك» .
«أين أبوك؟» .
«متى يأتي موسم الحصاد؟» .
«من أوّل من بنى الكعبة؟» .
«حَتّى متى نَظَلَُ في حَالة الضعف؟» .
«مَا لَوْنُها؟» .
«لِمَ تقولون ما لا تفعلون؟» .
«كَمْ سورةٍ حَفِظْتَ؟» .
- أسماء الإشارة
مثل:
«من يعملْ خيرًا يجزَ به» .
«أينما تكونوا يدرككم الموت» .
«حيثُما تَسْتَقِمْ يُقَدِّرْ لَكَ اللهٌ نجاحًا في غابر الأزمان» .
«ما تفعلوا من خير يَعْلَمْهُ الله» .
- «ما» التعجبيّة
مثل:
«ما أَحْسَنَ خَلْقَ الله!» .
«ما أحْمَق مَنْ يتطاول على بارئه» .
- «كم» الخيريّة
مثل:
«كمْ عَمَّةٍ لَكَ يَا جَرِيرٌ وخالَةٍ» .
«كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ ِفَئًة كَثيرةً بإذْنِ الله» .
[ ١ / ١٦٥ ]
(١٠) تقسيم الجملة إلى خبريّة وإنشائية
استقرّ رأي الحذَّاق من النحويّين وعلماء أصول الفقه وغيرهم، وعلماء البلاغة، على أنّ الكلام ينحصر في قسمين: "الخبر، والإِنشاء" وأنّه ليس له قسمٌ ثالث.
وقيل استقرار الرأي على هذا التقسيم كان للباحثين في هذا الموضوع أقوال، فقيل: أقسامُ الكلام عشرة، وقيل: تسعة، وقيل: ستّة، وقيل: خمسة، وقيل: أربعة، وقيل ثلاثة، على اختلاف وجهات أنظار أصحاب هذه الأقوال.
والدليل على انحصار الكلام المفيد في الخبر والإِنشاء، أنّ الكلام:
* إمّا أن يحتمل لِذات الكلام لا لمقتضياتٍ أخرى - أن يُقالَ فيه هو مطابق للواقع أو غير مطابق للواقع، فهو الخبر.
* وإمّا أن لا يحتمل أن يقال فيه ذلك باعتبار منطوقة، لا باعتبار دلالاته اللّزُوميّة، فهو إنشاء.
فالجملة المفيدة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأوّل: الجملة الخبرية، وهي الجملة الّتي اشتملت على خَبَرٍ مَا، فَمَضْمُونُها إخبارٌ عن أَمْرٍ ما، إيجابًا أوْ سَلْبًا.
والقصدُ منها الإِعْلاَمُ بأنَّ الْحُكْمَ الّذي اشتملت عليه له واقعٌ خارجَ العبارة الكلاميّة مطابقٌ له.
[ ١ / ١٦٦ ]
القسم الثاني: الجملة الإِنشائيّة، وهي الجملة الّتي لم تشتملْ على خَبَرٍ، وإِنَّما أنشأَ النُّطْقُ بِهَا حدَثًا ما، كإنْشاءِ طَلَبِ الفعل، إذا قُلْتَ لابْنِك: اسْقِنِي، أو قُلْتَ لَهُ: اجْتَهِدْ، أو لا تَكْسَلْ، وكإنْشاء طلَب الْفَهم، إذا قلْتَ للفقيه: هلْ يجوز أن أفعل كذا؟ أو ما حكمُ كذا شرعًا. ونحو ذلك.
فليس القصد من الجملة الإِنشائيّة الإِعلامَ بنسبةٍ حكميّةٍ تحقَّقَتْ أَوْ لم تتحقَّقْ في الواقع، وإنْ كان يلزم عقلًا منْ إيراد الجملة الإِنشائيّة فَهْمُ قضايا وجُمَلٍ خبريَّةٍ أُخْرَى لا تَدُلُّ عليها الجملة الإِنشائيّةُ بمنطُوقِها دَلالَةً مُبَاشِرة، بل تَدُلُّ عليها باللُّزوم الذهني.
كدلالة الجملة الاستفهاميّة على أنَّ المستَفْهِمَ جاهلٌ يطلبُ الفهمَ، وكدلالة جملة التَّمَنِّي على أنّ من أنشأها يتمنّى في نفسه ما دَلّت عليه عبارَتُه، وكدلالة جملة المدح على أنّ المادح بها يُعَبِّرُ بصِدْقٍ عمّا في نفسه.
إلى غير ذلك من دلالات خبريّة تُستفاد باللّزوم الذهني من الْجُمَلِ الإِنْشَائيّة.
تعريف الخبر:
الخبر: هو الكلام الذي يحتمل الصِّدْق والكذبَ، باعتبار كونه مجرّد كلامٍ، دون النظر إلى قائله، ودون النظر إلى كونه مقترنًا بما يدُلُّ على إثباته حتمًا، أو نَفْيهِ حتمًا، ومَدْلُولُه لا يتوقّف على النُّطْق به، ويدخُلُ فيه الوعْدُ والوعيد، لأنهما خبران عمّا سيفعله صاحب الوعد والوَعِيد.
مثل: طلَعتِ الشَّمْس - نَزَلَ الغيثُ - بعثَ الله محمّدًا رسُولًا - سيأتي الدّجالُ في آخر الزمان - سينزل عيسَى ويَقْتُلُ الدّجال - سَنُلْقِي في قلوب الذين كفروا الرعب - وَعَدَ الله الذين آمنوا وعلموا الصالحات لَيسْتخلفنّهم في الأرض - والكافرون لهم عذابٌ أليم.
[ ١ / ١٦٧ ]
تعريف الإِنشاء:
هوا لكلام الذي لا ينطبق عليه تعريف الخبر، ولدى تحليل حقيقته أقول: هو الكلام الذي يَتَوقَّفُ تحقُّقُ مدلوله على النُّطْقِ به، كالأمْرِ والنهي، والدّعاء، والاستفهام، والمدح والذّم، وإنشاء العقود الّتي يتمّ تحقُّقُها بالنُّطق بالْجُمَل الّتي تَدُلُّ عليها، مثل: بِعْتُك - اشتريتُ منك - زوَّجتُك - أنْتِ طالق - أعتقتُكَ.
(١١) هل التعجّب من الخبر أو من الإِنشاء؟
اختلفت العلماء في التعجب هل هو من أقسام الخبر أو من أقسام الإِنشاء، ورجّح الكثيرون أنّه من أقسام الخبر، لأنّه إخبارٌ عن حالة التَّعجُّب القائم في النفس.
والقائلون بأنّه من أقسام الإِنشاء لاحظوا أنّه صيغةٌ كلاميَّةٌ يُطْلَبُ بها تعظيم الأمر في النفس السَّامع.
وللعلماء في تعريف التعجّب أقوال:
قال ابْنُ فارس: هو تفضيلُ شيءٍ على أضْرابه.
وقال ابن الصائغ: هو استعظام صفةٍ خرج بها المتعجَّبُ منه عن نظائره.
وقال الزمخشري: معنى التعجُّب تعظيم الأمر في قلوب السامعين، لأنّ التعجُّبَ لا يكونُ إلاَّ من شيءٍ خارجٍ عن نظائره وأشكاله.
وقال الرّماني: المطلوبُ في التعجُّب الإِبْهام، لأنّ من شأن الناس أن يَتَعَجَّبُوا ممّا لا يُعْرَفُ سَبَبُهُ، فكلّمَا اسْتَبْهَمَ السَّبَبُ كان التَّعجُّبُ أحْسَنَ وأصْلُ التعجُّب إنّما هو للمعنَى الذي خَفِيَ سبَبُه، والصيغة الدّالة عليه تُسَمَّى تَعَجُّبًا
[ ١ / ١٦٨ ]
مجازًا ومن أجْلِ الإِبهام لم تَعْملْ "نِعْمَ" إلاَّ في الجنْسِ، من أجْلِ التفخيم، ليقَعَ التَّفْسِيرُ على نَحْوِ التَّفْخِيم بالإِضْمارِ قَبْلَ الذِّكر.
والتعجُّبُ يكون بصِيَغٍ تَدُلُّ عليه من لفظ المتعجَّب منه، وبصِيَغٍ أُخْرَى منْ غير لفظه.
فالصِّيَغُ الّتي يُتَعجَّبُ بهَا من لفظ المتعجّب منه تأتي على وِزانِ: "مَا أفْعَلَهُ" مِثْل: ما أَكْرَمه - ما أحْسَنَهُ - مَا أشجعَهُ. وعلى وِزان: "أَفْعِلْ به" مثل أَكْرِمْ به - أحْسِنْ به - أشْجِعْ به.
ومنها:
* قول الله ﷿ في سورة (مريم/ ١٩ مصحف/ ٤٤ نزول):
﴿فَوْيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ * أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ﴾ [الأيات: ٣٧ - ٣٨] .
أي: ما أشدَّ سَمْعَهُمْ وما أشدَّ بَصَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ.
* قول الشاعر:
مَا أَحْسَنَ الدِّينَ والدُّنْيَا إِذَا اجْتَمَعَا وأَقْبَحَ الْكُفْرَ والإِفْلاَسَ بِالرَّجُلِ
* قولنا: ما أجمل الصّدق - أكْرِمْ بالعفيفِ الشريف.
استخدام الاستفهام للتعجّب:
وقد يُسْتَخْدَمُ الاستفهامُ للتَّعَجُّبِ، مثل قول الله ﷿ في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول):
﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الآية: ٢٨]؟!
أي: كُفْرُكُمْ مع هذه الأدلة الداعِيَة إلى الإِيمان أَمْرٌ مستغربٌ يُنْشِىءُ التعجُّبَ مِنْهُ.
استخدام عبارات مختلفات في التعجب:
وتُسْتَخْدَم عباراتٌ أُخْرى في التعجّب، مثل:
[ ١ / ١٦٩ ]
"سُبْحَانَ الله - لله دَرُّ فلان - ما أَدْرَاكَ ماهِيَه".
لفظة "كَبُر" مثل:
* قول الله ﷿ في سورة (الكهف/ ١٨ مصحف/ ٦٩ نزول):
﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا﴾ [الآية: ٥] .
* وقول الله ﷿ في سورة (الصف/ ٦١ مصحف/ ١٠٩ نزول):
﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ الله أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ [الآية: ٣] .
وتُسْتَعْمَلُ في التعجُّب كلمةُ: "وَيْ" وهي كناية عن جُمْلَةٍ تعجُّبيَّة.
وتُسْتَعْمَل أيضًا كلمة: "واهًا" في التعجُّب من طيب الشيء، فهي بمعنى: "ما أَطْيَبه".
وتُسْتَعمل أيضًا كلمة: "هَيْتَ" في التعجب، تقول العرب: "هَيْتَ للْحلْم" و"هَِيْتَُِ لَكَ.
عبارات التعجب الواردة في كلام الله:
قال المحقّقون: إذا ورد التعجّبُ في كلام الله صُرِفَ إلى المخاطبين، ولهذا يُعَبِّر بعض العلماء بالتعجيب بدل التعجُّب، أي: هو تعجيب من الله للمخاطبين.
* قول الله ﷿ بشأن أهل النار في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول):
﴿أولائك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار﴾ [الآية: ١٧٥] .
أي: هؤلاء ينبَغِي أنْ تَتَعَجَّبُوا من شدّة صَبْرِهِمْ على عذاب النار.
* وقول الله ﷿ السابق آنفًا: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨] .
أي: تَعَجَّبُوا من شدّة سَمْعِهِمْ ومِنْ شِدَّةِ بَصَرِهِمْ.
[ ١ / ١٧٠ ]