(١)
التعريف
سبق في مقدّمة فصل المجاز تعريف المجاز المرسل بأنه المجاز الذي تكون العلاقة فيه بين المعنى الحقيقيّ والمعنى المجازي الذي استعمل اللفظ للدلالة به عليه أمرًا غير المشابهة، أو قائمًا على التوسع في اللّغة دون ضابطٍ معيّن.
وأنه سُمِّيَ "مجازًا مُرْسلًا" لكونه مرسلًا عن التقييد بعلاقة المشابهة.
وقد أدْخَلْتُ في عموم عنوان المجاز المرسل المجاز العقلي، إذ هو مجاز في الإِسناد علاقته غير المشابهة.
(٢)
تقسيم المجاز المرسل إلى مجاز في المفرد ومجاز في المركب ومجاز عقلي في الإِسناد ومجازٍ قائم على التوسَع في اللغة دون ضابط معين
ينقسم المجاز المرسل إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: المجاز المرسل في اللّفظ المفرد، كاستعمال لفظ "الْيَد" مرادًا
[ ٢ / ٢٧١ ]
بها النعمة، نظرًا إلى أنّ اليد هي الأداة التي تُعْطَى بها عادةً عطاءات الإِنعام، وكاستعمال لفظ "العين" مرادًا بها الجاسوس الذي يُكَلَّف أن يطلَّع على أحوال الْعَدُوّ، ويأتي بالأخبار عنها، نظرًا إلى أنّ العين هي الأداة الكبرى التي تستخدم في هذا الأمر.
القسم الثاني: المجاز المرسل في اللّفظ المركّب، وهي المركّبات التي تستعمل في غير معانيها الأصلية بهيئتها التركيبية لعلاقة غير المشابهة، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي.
كاستعمال المركبات الخبرية في الإِنشاء، واستعمال المركبات الإِنشائية في الخبر.
القسم الثالث: المجاز المرسل في الإِسناد، وهو المسمّى بالمجاز العقلي.
وهو إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له في الظاهر من حال المتكلم، لملابسة بين ما هو له في الواقع وبين ما أسند له، من قرينة صارفة عن أن يكون الإِسناد إلى ما هو له.
كقولنا: "بنى فلان عمارة عظيمة" مع أنّه لم يَبْنِها بعمل جسمه، وإنما اتّخذ الوسائل لبنائها، من استئجار المهندس، واستئجار العمال، وبذل الأموال، فالملابسة بين من بناها فعلًا وبَيْنَهُ هي كونُه صاحبَ الفكرة، والآمر بالبناء، وباذل المال، وربما كان المشرف على المتابعة ومراقبةِ الأعمال.
القسم الرابع: المجاز المرسل القائم على التوسُّع في اللّغة دون ضابط معيّن، ومنه المجاز بالحذف أو بالزّيادة.
فالحذف يكون للإِيجاز، كحذف كلمةٍ يوجد ما يَدُلُّ عليها، أو حذْفِ جُمْلةٍ أو أكثر.
والزيادَةُ تكون للتأكيد، كزياده بعض الحروف التي تزاد لغرض التأكيد،
[ ٢ / ٢٧٢ ]
مثل: "ما" التي تزاد بعد "إذا" وكحروف الجر التي تزاد للتأكيد، وقد سبق بيان هذا في بحث الإِطناب.
وقد سمّوا هذا القسم مجازا، وبعض الباحثين لم يره من قبيل المجاز.
وفيما يلي مباحث أربعة لشرح هذه الأقسام الأربعة:
***
[ ٢ / ٢٧٣ ]
المبحَثْ الأوَّل
شرح المجاز المرسل في اللّفظ المفرد
المجاز المرسل في المفرد: هو اللّفظ المفرد المستعمل في غير ما وُضع له في اصطلاحٍ به التخاطب على وجْهٍ يَصِحُّ ضمن الأصول الفكريّة واللّغوية العامّة، لعلاقة غير المشابهة مع قرينة صارفة عن إرادة المعنَى الأصليّ.
كاستعمال لفظ "الْيَد" بمعنى النّعمة، لعلاقة السببيّة. واستعمال كلمة: "الْعَيْن" مرادًا بها الجاسوس، لأنّ أعظم أدوات تجسُّسه عيْنُه. واستعمال كلمة: "الأصابع" مرادًا بها أطرافُها لعلاقة الكليّة والجزئيّة بينهما. واستعمال كلمة: "الناس" مرادًا بها قِسْمٌ منهم للعلاقة الترابطيّة بين العام وبعض أفراده. وكتسمية الشيء باسم صانعه، للعلاقة الترابطيّة بين الصانع وما يصْنَعُ، كأن يُسْأَل طالب شراء سيارة: ما هي السيارة الّتي تُريد شراءها؟ فيقول: أُريد "شركة تيوتا" أي: أريد سيّارة من صنع هذه الشركة، وكتسمية الشيء باسم آلته، إلى نحو ذلك.
والمقصودُ من العلاقة، أو ما يعبّر عنه أحيانًا بالْمُلاَبَسَة، ما يكون من ارْتباط بين معنَيْين، وهذا الارتباط يسمح في مجالات التعبير التجوُّزيّ بإطلاق لفظ أحدهما على الآخر لغرض بلاغي.
وقد أحصى البيانيون ما يزيد على عشرين علاقة من العلاقات التي يَسْمَحُ كلُّ
[ ٢ / ٢٧٤ ]
واحد منها باستعمال المجاز المرسل، لدى وجوده بين المعنى الأصلي للّفظ، والمعنى الآخر الذي يُطْلَق عليه اللّفظ مجازًا.
وإنيّ أذْكُر فيما يلي ما اصطفيتُه منها، مع إيرادِ طائفةٍ من الأمثلة عليها.
علاقات المجاز المرسل:
يكفي وجود علاقة من العلاقات الآتيات ونحوها لإِطلاق اللّفظ إطلاقًا مجازيًّا على غير ما وُضِعَ له في اصطلاحٍ ما يجري به التخاطب:
(١) كون المعنى الأصليّ سَبَبًا للمعنى الذي يُطْلَقُ عليه اللّفظ مجازًا، أو مُسَبَّبًا عنه، مثل:
* قول المتننبيّ يمدح محمّد بن عُبَيْد الله العلوي:
لَهُ أَيَادٍ إِلَيَّ سَابِقَةٌ أَعُدُّ مِنْهَا وَلاَ أُعَدِّدُهَا
أطْلَقَ لفظ "أيادٍ" وهي جمع "يَدٍ" بمعنى الإِحسان، لأنّ عطاءات الإِحسان تكون باليد، فهو من إطلاق السَّبَب وإرادة المسبّب.
* قول الله ﷿ في سُورة (غافر/ ٤٠ مصحف/ ٦٠ نزول):
﴿هُوَ الذي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السمآء رِزْقًا ﴾ [الآية: ١٣] .
أي: ويُنَزّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً وَضِيَاءً مِنَ الشمس فيُخْرِجُ لكُمْ بهما نباتًا له ثمراتٌ مختلفات هي رزْقٌ لَكُمْ، فالرّزق مُسَبَّبٌ عَمَّا يَنْزِلُ مِنَ السّماء، وهذا من إطلاق الْمُسبَّب وإرادة السبب، وفائدة هذا المجاز الدلالَةُ على المعنيين مع كمال الإِيجاز.
(٢) كون المعنى الأصلي للّفظ كُلًاّ للمعنى الذي يُرادُ منه على سبيل المجاز، أو بعضًا له، مثل:
* قول الله ﷿ في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول):
[ ٢ / ٢٧٥ ]
﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِم مِّنَ الصواعق حَذَرَ الموت ﴾ [الآية: ١٩] .
أي: يجعلون بعض أصابعهم، وهي رؤوسُها، وهذا من إطلاق الكلّ وإرادة بعضه، وفائدة هذا المجاز الإِشعار بما في نفوسهم من الرغبة بإدخال كلّ أصابعهم في آذانهم حتى لا يصل إليها الصوت الشديد المميت الذي تحدثه الصواعق.
* قول الله ﷿ في سورة (النساء/ ٤ مصحف/ ٩٢ نزول):
﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ [الآية: ٩٢] .
أي: فعتْقُ رقيق مؤمن أو رقيقة مؤمنة، وهذا من إطلاق بعض العتيق وهو رقبته، وإرادةِ كلّه.
وفائدة هذا الإِطلاق المجازيّ الإِيجازُ في التعبير من جهة، لأنّ الرقبة تكون بعض كلٍّ من الذكر والأنثى، والإِشارةُ إلى أنّ الأرقاء كانوا يُغَلُّون من أعناقهم، فإذا أُعْتِقُوا حُرِّرُوا من هذه الأغلال.
(٣) كون المعنى الأصليّ للّفظ لازمًا للمعنَى الذي يُرادُ منه على سبيل المجاز، أو ملزومًا له، مثل:
* أن يقول العامل المستأجَر من طلوع الشمس إلى غروبها، مشيرًا إلى انتهاء وقت عمله:
أقْبَلَ اللَّيْلُ إِلَيْنَا وَالشَّفَقْ أَفَأَبْقَى عَامِلًا حَتَّى الْغَسَقْ
أي: غابت الشمس، فأطْلٌَ إقبالَ اللّيل مريدًا غيابَ الشمس، وذلك لأنه يلزم من غياب الشمس إقبال اللّيل، فهذا من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم.
وأن يقول القائل: هذه الأقلام تكتب في الصُّحف، أي: أخذ الكاتبون يكتبون، فأطلق الأقلام وأراد أيدي الكتّاب، إذ يلزم من حركة الأيدي في الكتابة حركة الأقلام، فهذا من إطلاق الّلازم وإرادة الملزوم.
[ ٢ / ٢٧٦ ]
* قول القائل لصاحبه: هذا وقت زوال الشمس، أي: وقت وجوب صلاة الظهر، فهذا من إطلاق الملزوم وهو قت زوال الشمس، وإرادةِ لازِمه، وهو وقت وجوب صلاة الظهر.
(٤) كون المعنى الأصليّ للفظ مُطْلقًا، والمعنَى الذي يُطْلق عليه اللّفظُ مجازًا مقيدًا، مثل:
* قول الله ﷿ في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول):
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المحيض قُلْ هُوَ أَذًى فاعتزلوا النسآء فِي المحيض وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ ﴾ [الآية: ٢٢٢] .
جاء في هذه الآية الأمر باعْتزَال النساء في المحيض، وهو مطلَقٌ ولكن أريد منه اعتزال مقيّد وهو اعتزال جِمَاعِهِنّ.
وجاء في النهي عن الاقتراب منهنّ حتى يَطْهُرْن، وهو أيضًا مطلق، ولكن أريد منه اقترابٌ مُقَيَّدٌ، وهو الاقتراب منهنّ في الجماع.
وفائدة هذا المجاز تأكيد النهي بطلب الابتعاد عن الدواعي التي تدعو إلى ارتكاب المنهيّ عنه.
(٥) كون المعنى الأصلي للفظ عامًّا، والمعنى الّذي يُطْلق عليه اللّفظ على سبيل المجَاز خاصًّا، أو عكس هذا، مثل:
* قول الله ﷿ في سورة (آل عمران/ ٣ مصحف/ ٨٩ نزول) بشأن أصحاب رسول الله ﷺ في غزوة أحد:
﴿الذين قَالَ لَهُمُ الناس إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فاخشوهم فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوكيل﴾ [الآية: ١٧٣] .
جاء في هذه الآية إطلاق اللفظ العام وهو كلمة "الناس" مرّتين والمراد ناسٌ خاصُّون.
[ ٢ / ٢٧٧ ]
فالقائل المبلّغ لمصلحة الناس المشركين أعرابيٌّ من خُزاعَة، وجاء التعبير عنه بلفظ "الناس".
والمراد من "الناس" الّذين جمعوا جموعهم للمؤمنين هم مشركو مكة.
فما في الآية هو من إطلاق العامّ وإرادة الخاص على سبيل المجاز المرسل، وفائدة هذا المجاز تدريب المؤمنين على التوكّلِ على الله، وعدم التأثر بأقوال الناس وجموعهم، ولو كانوا كلَّ الناس أو معظمهم.
* قول الله ﷿ في سورة (الإِسراء/ ١٧ مصحف/ ٥٠ نزول):
﴿وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ وبالوالدين إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكبر أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الآية: ٢٣] .
جاء في هذه الآية نَهْيُ الولد عن أن يقول لأحد والديه كلمة "أُفّ" وهذه الكلمة كلمة خاصّة من عُمُوم الكَلِماتِ الّتي يكون فيها إيذاءٌ لهما، وهي أدناها، والكلام المؤذي أمْرٌ خاصّ من عموم ما يؤذيهما كالضرب، والمراد كلّ ما يؤذيهما، وهذا من إطلاق خصوص أذىً معين، وإرادةِ كلّ ما يؤذي على وجه العموم، فهو من إطلاق الخاص وإرادة العامّ.
وفائدة هذا المجاز التنبيه بالأخفّ على الأشدّ، وتدريب المخاطبين على أن يُعْمِلوا عُقُولَهُمْ في فهم النصوص ليَقيسوا الأشباه والنظائر بعضها على بعض، ولِيعْلَمُوا أنّ النّهيَ عن الإِضرار أو الإِيذاء الأخف يَدُلُّ بداهة على ما هو أشدّ منه.
(٦) كون المعنى الأصلي للّفظ حالًاّ في معنى اللّفظ الذي يُرادُ استعماله بدله على سبيل المجاز، أو مَحَلًاّ له، مثل:
* قول الله ﷿ في سورة (المؤمنون/ ٢٣ مصحف/ ٧٤ نزول) بشأن شجرة الزيتون:
﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بالدهن وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ﴾ [الآية: ٢٠] .
[ ٢ / ٢٧٨ ]
أي: تَنْبُت بناتٍ وثَمَرٍ فيه الدُّهْنُ وهو الزيت، فجاء في هذه الآية إطلاقُ الدُّهْنِ مُرادًا به النَّباتُ والثَّمَرُ الذي يُوجَدُ في داخله الدّهن، وهذا من إطلاق الحالِّ في الشيء وإرادَة مَحَلِّه، إذ الّذي يَنْبُتُ هي الفروع والْوَرَقُ والثَّمَرات التي يوجد فيها الدُّهن.
وفائدة هذا المجاز الإِيجاز، وتَوْجيهُ نظر المخاطبين لما في شجرة الزيتون من دُهْنٍ عظيم النفع للناس، كي يُولُوا زيتَ الزيتون اهتمامًا خاصًّا، ويشكروا نعمة الله عليهم به.
ومثله: ﴿خُذُوا زينتكم﴾ [الأعراف: ٣١] أي: خُذُوا الأشياء الّتي فيها زينتكم، فهذا من إطلاق الحالِّ على المحلِّ.
* قول الله ﷿ في سورة (العلق / ٩٦ مصحف/ ١ نزول):
﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزبانية﴾ [الآيات: ١٧ - ١٨]
فليْدعُ ناديه: أي: فلْيَدْعُ أهْلَ ناديه، وهذا من إطلاق المحلّ وهو النادي وإرادةِ الحالِّ فيه، وهم أهل هذا المحلِّ.
وفائدةُ هذا المجاز مع الإِيجاز إرادةُ التعميم، لأنّ الناديَ يَحْوِي كلّ أهله، وإرادةُ أنصارِه المصطفين، لأنّ الإِنسان يصطفى لناديه الخاصّ أخلَصَ المخلِصين له الذين يُدافعون عنه بصدق.
ومثله: ﴿خذوا زينتكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]: أي: عند كلّ صلاة، فهذا من إطلاق المحلّ على ما يجري فيه من عمل.
(٧) كوْنُ المعنى الأصلي للفظ والمعنى الذي يُطْلَق عليه اللّفظ على سبيل المجاز متجاوِرَيْن، مثل:
* قول الله ﷿ في سورة (البلد/ ٩٠ مصحف/ ٣٥ نزول):
﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا العقبة * فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [الآيات: ١٢ - ١٣] .
[ ٢ / ٢٧٩ ]
جاء في هذا النصّ إطْلاَقُ لفظ الرَّقَبَة عَلَى الْغُلِّ الّذِي يَكُونُ مجاورًا لها ومحيطًا بها، إذِ الرَّقبةُ ليست هي الّتي تُفَكُّ، إِنَّما يُفَكُّ الْغُلُ المجاورُ لَها والمحيط بها، فهذا من إطلاق اللّفظ وإرادة ما جاوره، وفَكُّ الرَّقبةِ كنايةٌ عن عِتقِ الرقيق.
وفائدة هذا المجاز الإِشعارُ بأنّ فَكَّ الْغُلّ يُرادُ مِنْهُ إطلاقُ رَقبة المغلول به، لتحرير صاحب الرقبة من الأسْر، مع ما في هذا المجاز من إيجاز.
(٨) كونُ المعنى الأصلي للّفظ قد كان فيما مضَى على ما يُطْلَقُ عليه الآن، فيُطْلَقُ عليه مجازًا باعتبار ما كان عليه في الماضي.
أو كون المعنى الأصلي للفظ سيكون فيما سيأتي في المستقبل على ما يُطْلَق عليه الآن، فيُطْلَقُ عليه مجازًا باعتبار ما سيكون عليه في المستقبل. مثل:
* قول الله ﷿ في سورة (النساء/ ٤ مصحف/ ٩٢ نزول):
﴿وَآتُواْ اليتامى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [الآية: ٢] .
حُوبًا كبيرًا: أي: إثْمًا كبيرًا مُهْلكًا.
جاء في هذه الآية إطلاق لفظ "اليتامى" على من بلغوا رشدهم ممّن كانوا يتامَى قبل ذلك، لأنّ من بلغ رُشْده من ذكر وأنثى لا يُسَمَّى يتيمًا، فهذا من إطلاق اللَّفظ مجازًا على الشيء بالنظر إلى ما كان عليه.
وفائدة هذا الإِطلاق الإِيجاز من جهتين:
الأولى: أنّ لفظ "اليتامى" يُطْلَقُ على المذكّر والمؤنث.
الثانية: أنّ إطلاق هذا اللفظ مجازًا يغني عن عبارة طويلة يقال فيها: وآتوا الذين كانوا يَتَامَى فبلغوا رُشْدَهُمْ أَمْوَالهم.
* وقول الله ﷿ في سورة (يوسف/ ١٢ مصحف/ ٥٣ نزول) بشأن استفتاء أحد صاحبيه في السّجن عن رؤيَا رآها:
[ ٢ / ٢٨٠ ]
﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السجن فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَآ إني أراني أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [الآية: ٣٦] .
أي: أَعْصِرُ عِنَبًا ليكون فيما بَعْدُ خَمْرًا، فَأُطْلِقَ في هذه العبارة لفظُ الْخَمْر عَلى الْعِنَب باعتبار المقصود من عَصْرِه وهو أن يكون فيما بَعْدُ خمْرًا.
وظاهرٌ أَنَّ فائدة هذا المجاز الإِيجاز، وهو من الأغراض البلاغيّة الكبرى، فبدل أن يقول: إني أراني أعصر عنبًا ليكون في المستقبل خمرًا، قال: إني أراني أعْصِر خمرًا. والقرينة الصارفة قرينة عقلية، لأنّ الخمر لا تُعْصَر.
(٩) كون المعنى الأصلي للّفظ آلة للمعنى الذي يُرادُ استعمال اللّفظ للدلالة به عليه، مثل.
* أن نقول: ضَرَبَ المؤدّب تِلْميذه عشرين سَوْطًا.
أي: عشرينَ ضربًا بالسّوط، فجاء في هذا المثال إطلاق لفظ السوط الذي هو آلة، وإرادةُ حدَثِ الضرب الذي كان بالسوط.
وظاهرٌ ما في هذا المجاز من إيجاز.
(١٠) كون المعنى الأصلي للّفظ مُبْدَلًا أو بَدلًا، والمعنَى الذي يُسْتَعْمَل للدلالة به عليه مجازًا بَدَلًا أو مُبْدَلًا، فالعلاقة هي: "الْبَدَليّة". مثل:
* أن يقول العامل لربّ العمل الذي لم يُعطِه أجْرَ عمله: "أكَلْتَ عَمَلِي" أي: أكَلْت أجْرِي الي هو بدلُ عَمَلي.
فهذا من إطلاق المبْدَل وإرادة البدل.
ونظيرُهُ أن يقال: إنّ فلان أكلوا دَمَ القتيل الذي قتلوه، أي: أكلوا الديّة والتي هي بَدَلُ دَمِه الذي زهقت نفسه بإراقته.
فهذا من إطلاق المبْدَل وإرادة الْبَدَلَ أيضًا.
ومن عكس هذا أن يقال: دفع بنو فلان ديَةَ فلان، أي: قتلوه فدفعوا بدل إراقة دمه الدّية، إذَا دلّت القرينة على هذا.
[ ٢ / ٢٨١ ]
فهذا من إطلاق البدل وإرادة الْمُبْدَل، وهو القتل.
وظاهرٌ ما في هذا المجاز من إيجاز.
(١١) علاقة الإِضافة بين المضاف وبين المضاف إليه، وهذه العلاقة تتبع معنى الحرف المقدر في الإِضافة، فقد يُحذَف المضافُ أو المضافُ إليه ويُطْلَقُ لفظ الباقي منهما على المحذوف مجازًا. مثل:
* أن نقول: فتح صاحب الدار دارَه وأذِنَ لقاصديه بالدخول. أي: فتح باب داره.
فهذا من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، والإِضافة هنا على تقدير "لام" الاختصاص.
والغرض الإِيجاز، مع الإِشارة إلى أنّ فتح الباب إنّما قُصِدَ منه إباحة دخول الدر لقصدي صَاحِبِها.
* وأن نقول: "دخَلَتِ الوفودُ بابَ الملك" أي: دخلوا باب قَصْرِه.
فقد حُذِفَ من هذه العبارة كلمة "القصر" وهي بالنسبة إلى الباب مضاف إليه، وبالنسبة إلى الملك مضاف.
(١٢) علاقة الضّدِّية، فقد يُطْلَق اللّفظ للدلالة به على ضدّ معناه، ومن الأغراض الداعية لهذا الإِطلاق الاستهزاء والسخرية والتهكم.
مثل:
* أن يقول السلطان لأعوانه بشأن مُجْرمٍ حضر بين يديه: "خذو فأكرموه في السجن" أي: فاضربوه وعذّبوه.
* قول الله ﷿ في سورة (الأنفال/ ٨ مصحف/ ٨٨ نزول) خطابًا للمشركين الذي كانوا يسألون الله الفتح ضدّ الرسول والذين آمنوا معه قبل موقعة بدر، فجاء الأمر على خلاف ما طلبوا:
[ ٢ / ٢٨٢ ]
﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الفتح ﴾ [الآية: ١٩] .
أي: إنْ تسْتَنْصِرُوا باللَّهِ على الرسول والمؤمنين، فقد جاءكُمُ نَصْرُ الله للرسول والمؤمنين، فحلَّتْ بكُمُ الهزيمة والذّلّة.
فهذا من استعمال الضدّ للدلالة به على ضدّه.
(١٣) توجد علاقة اشتقاقيّة عامّة قد تُطْلَقُ بملابَسَتِها صِيغَةٌ مَقام صيغة أخرى، فإذا لم يكن لها تأويل آخر غير الإِطلاق المجازي على سبيل المجاز المرسل، فهي لدى التحليل ترجع إلى علاقات فكرية، كاستعمال اسم الفاعل أو اسم المفعول مرادًا به المصدر، لأنّ المعنى المصدري موجودٌ في كلٍّ منهما، وكذلك استعمال المصدر بمعنى اسم الفاعل أو اسم المفعول.
(١٤) إلى غير ما سبق من علاقات تفيد ملابسةً ما، وتصحّح في نظر البليغ استخدام المجاز المرسل في عبارته.
***
أمثلة تدريبيّة مختلفة للمجاز المرسل:
(١) قول الشاعر:
كَفَى بِالْمَرْءِ عَيْبًا أَنْ تَرَاهُ لَهُ وَجْهٌ ولَيْسَ لَهُ لِسَانُ
أطْلَقَ الشاعر لفظ "لسان" وأراد به القدرة على البيان الفصيح، والعلاقة هي الآليّة، لأنّ اللّسان هو آلة البيان الفصيح، فمن ليس له قدرة على هذا البيان فهو بمثابة من ليس له لسان.
(٢) قول الشاعر:
إِذَا نَزَلَ السَّمَاءَ بأَرْضِ قَوْمٍ رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابَا
[ ٢ / ٢٨٣ ]
أعاد الضمير في "رَعَينَاهُ" على السَّمَاء مريدًا بالسّماء المطر لأنّه ينزل منها فالعلاقة هي "المكانية" أي: مكان نزول المطر.
لكنّه في الضمير أراد أثر المطر وهو نبات الأرض، والعلاقة "السببيّة".
وهذان الإِطلاقان من المجاز المرسل كما هو ظاهر.
(٣) قول ليلى الأخيليّة تتحدّث عن الإِبل وراكبيها:
رَمَوْهَا بِأَثْوابٍ خِفَافٍ فَلاَ تَرَى لَهَا شَبَهًا إلاَّ النَّعَامَ الْمُنَفَّرَا
أطْلَقَتْ كلمة "أثواب" وأرادت راكبيها من الرجال، والعلاقة كون الثياب ظرفًا للرجال، فهي التي تظهر للعيون.
والْغَرَض البياني الإِشعار بأنْ الرجال من رقتهم وخفتهم لم يظهَرُوا، فلم يَبْدُ على ظهور الإِبل المنطلقة في الجرْي إلاَّ أثوابٌ مَرْمِيَّةٌ عليها.
(٤) قول الله ﷿ في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول):
﴿ فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ ﴾ [الآية: ١٩٤] .
فاعْتَدُوا عليه: أي: فجازُوه، أُطْلِقَ فعْلُ "اعتدوا" بمعنى جازوا، لأنّ هذا الجزاء كان سَبَبُهُ اعتداءَ من اعتدى، فأُطْلِق على المُسَبَّب اللفظ الدالّ على السَّبَب، فالعلاقة السببيّة.
وفائدة استعمال هذا المجاز الدلالةُ على العدل الذي هو حق المعتَدَى عليه.
(٥) قول الشاعر الجاهلي "عمرو بن كلثوم":
أَلاَ لاَ يَجْهَلَنْ أَحَد عَلَيْنَا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا
فَنَجْهَلَ: أي: فنجازِيَه بمثل عمله، وإنْ كان هذا الجزاء لا يُسَمَّى جَهْلًا، لكن لمّا كانَ مُسَبَّبًا عن جَهْلِ الجاهلين صَحَّ أن يُطْلِقَ عليه مجازًا الاسم الذي يُطْلَق على السبب. وفائدته الإِشارة إلى العدل.
[ ٢ / ٢٨٤ ]
(٥) قول امرئ القيس يخاطب صاحبته:
أَغَرَّك مِنّي أَنَّ حُبَّكِ قاتِلِي وأَنَّكِ مَهُمَا تَأَمُرِي الْقَلْبَ يَفْعَلِ
أطلق "الْقَلْبَ" وهو جزء منه، وأرَادَ كُلَ ذَاتِهِ، وهذا من إطلاق الجزء وإرادة الكُلّ.
والغرض البياني الإِشعار بأنّ حُبَّها الذي في قلْبِه، يجعله ذا سلطانٍ عليه، وهذا السلطان ينتقل من القلب المسيطر على ذاته لتكون ذاتُه كلُّها مُطيعة لأوامرها.
(٦) قول ابن المعتز في مَمْدوحه:
سَالَتْ عَلَيْهِ شِعَابُ الْحَيّ حِينَ دَعا أَنْصَارَهُ بِوُجُوهٍ كالدَّنَانير
أطلق لفظ "الوجوه" وأراد أنصاره من الرِّجَال، وهذا من إطلاق الجزء وإرادة الكُلّ على طريقة المجاز المرسل.
والغرض البياني الإِشعارُ بأنّ الناس حين يُقْبِلون جمًّا غفيرًا كالسيول المتحدّرة في الشعاب، إنّما تُرى منهم وجوههم، فلا يُدَقِّق الناظر إليهم النظرَ في سائر أجسامهم.
(٧) قول الله ﷿ في سورة (الغاشية/ ٨٨ مصحف/ ٦٨ نزول):
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تصلى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الآيات: ٢ - ٤] .
وقوله فيها:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ * لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ [الآيات: ٨ - ١٠] .
جاء في هذين النصَّيْنِ إطلاق كلمة وُجوه، والمرادُ أشخاصهم وذواتهم كُلُّها، فهو من إطلاق اسم الجزء على الكلّ.
والغرض البياني من هذا الإِطلاق، الإِشارةُ إلى أنّ الوجوه هي التي تظهر عليها علامات البؤس من العذاب، وعلاماتُ السُّرور من النعيم.
[ ٢ / ٢٨٥ ]
(٨) قول الشاعر:
بِلاَدِي وإِنْ جَارَتْ عَلَيَّ عَزِيزَةٌ وَأَهْلِي وَإِنْ ضَنُّوا عَلَيَّ كِرَامُ
أطْلَق كلمة "بلاد" مضافة إليه، وأراد أهْلَها وَسُكَّانَها، والعلاقة المحليّة.
والغرض البياني الإِيجاز، مع الإِشارة ضمنًا إلى ذوي السلطة والنفوذ فيها، لأنَّهم هُمُ الّذين يمثِّلُونها، وبيدهم العدل والجور فيها.
(٩) قول الله ﷿ في سورة (الحج/ ٢٢ مصحف/ ١٠٣ نزول) بشأن الْمُضِلِّ عن سبيل الله:
﴿لَهُ فِي الدنيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ القيامة عَذَابَ الحريق * ذلك بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلعَبِيدِ﴾ [الآيات: ٩ - ١٠] .
وقول الله ﷿ في سورة (آل عمران/ ٣ مصحف/ ٨٩ نزول) بشأن كفّار اليهود:
﴿وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الحريق * ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [الآيات: ١٨١ - ١٨٢] .
جاء في النصّ الأول إطلاق "اليدين" والمراد ما يكْسِبُ الإِنسان بكلّ جوارحه الظاهرة والباطنة.
وجاء في النص الثاني إطلاق "الأيدي" والمراد ما يكسبون بكلّ جوارحهم الظاهرة والباطنة.
وهذا من إطلاق الجزء وإرادة الكلّ، والغرض البياني الإِشارة إلى أنّ الأيدي هي أكثر الأعضاء كسبًا للأعمال.
(١٠) قول الله ﷿ في سورة (النور/ ٢٤ مصحف/ ١٠٢ نزول):
﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الذين لاَ يَجِدُونَ نِكَاحًا حتى يُغْنِيَهُمُ الله مِن فَضْلِهِ ﴾ [الآية: ٣٣] .
[ ٢ / ٢٨٦ ]
أُطْلِقَ "النكاح" والمرادُ مؤونَتُه من مَهْرٍ ونَفَقةٍ وما لا بُدَّ مِنْهُ لطالب النكاح، وهذا من إطلاق المسبَّب وإرادة سبَبه.
وفي هذا المجاز إيجاز في التعبير، مع الإِشارة إلى أنّ الرجال هم المسؤولون عن نفقات النكاح.
(١١) قول الله ﷿ في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول):
﴿وَقُلْنَا يَآءَادَمُ اسكن أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجنة وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هاذه الشجرة فَتَكُونَا مِنَ الظالمين * فَأَزَلَّهُمَا الشيطان عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ [الآيات: ٣٥ - ٣٦] .
فأَخْرَجَهُما: أي: أغْوَاهُمَا إغْواءً كانً السَّبَبَ في إخراج الله لهما من الجنة، فالعلاقة السببيّة.
في هذا المجاز إيجاز في التعبير مع التنبيه على أنّ الشيطان قد توصَّل إلى هدفه من إغوائهما، وهو إخراجهما من الجنة.
(١٢) قول الله ﷿ في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول):
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُمْ بالمعروف ﴾ [الآية: ٢٣٢] .
أَزواجَهُنَّ: أي: الّذين كَانوا أَزْوَاجَهُنّ سابقًا، وهذا من إطلاق اللَّفْظِ على الشْيءِ باعتبار ما كان عليه.
(١٣) قول الله ﷿ في سورة (نوح/ ٧١ مصحف/ ٧١ نزول):
﴿وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّارًا * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يلدوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [الآيات: ٢٦ - ٢٧] .
أي: ولا يَلِدُوا إلاَّ مَوْلُودًَا يَؤُول أَمْرُهُ إلى أن يكون بعد بلوغه فاجرًا كفّارًا.
فهذا المجاز هو من تسمية الشيء باسم ما يؤُول إليه.
[ ٢ / ٢٨٧ ]
(١٤) قول الله ﷿ في سورة (الحجر/١٥ مصحف/ ٥٤ نزول) بشأن الملائكة الذين بشْرُوا إبراهيم ﵇ بغلام:
﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ * قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الآيات: ٥٢ - ٥٣] .
جاء وصف الغلام عند البشارة بما يؤول إليه أمرُه من أنه سيكون عليمًا. وهذا من تسمية الشيء باعتبار ما يؤول أمره إليه.
***
[ ٢ / ٢٨٨ ]
المبحَثْ الثَاني
شرح المجاز المرسل في اللّفظ المركب
المجاز المرسل في اللّفظ المركب: هو لفظ مركّب يستعمل بهيئته التركيبية في غير المعنى الذي وُضِعَتْ له صيغة جملته في اصطلاح التخاطب، لعلاقة غير المشابهة، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي.
ويكون هذا المجاز في قسمين:
القسم الأول: المركّبات الخبرية.
القسم الثاني: المركّبات الإِنشائية.
أمّا قسم المركبات الخبرية: فقد تخرج عن دلالتها الخبرية مجازًا للدلالة بها على معنىً آخر، فمنها ما يلي:
(١) الخبر الْمَسُوق للتعبير عن التّحسر وإظهار الحزن، ومن أمثلته:
* قول الشاعر:
ذَهَبَ الشَّبابُ فَمَالَهُ مِنْ عَوْدَةٍ وَأَتَى الْمَشِيبُ فَأَيْنَ مِنْهُ المْهَرَبُ؟
والعلاقة بين المعنى الأصلي وهو الإِخبار، والمعنى المجازي وهو التحسّر وإظهار الحزن "اللّزوم" إذ يلزم من الإِخبار بذهاب الشيء المحبوب المعلوم للجميع التحسُّر والحزن عليه.
إنّه يتحسّر ويحزن على ذهاب الشباب وإتيان المشيب ولا يخبر بذلك، وأصل صيغة الجملة موضوعة للإِخبار.
[ ٢ / ٢٨٩ ]
ونظير هذا أن تقف الثكْلَى على قبر ولدها وتقول: مَاتَ ولدي، مات ولدي، وتكرّر هذه العبارة وتبكي.
(٢) الخبر المسوق للدعاء، ومن أمثلته:
* قول الله ﷿ في سورة (يوسف/ ١٢ مصحف/ ٥٣ نزول) حكاية لما قال يوسف ﵇ لإِخوته:
﴿قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليوم يَغْفِرُ الله لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الراحمين﴾ [الآية: ٩٢] .
يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ: المعنى الأصلي الذي تدلُّ عليه الصيغة الإِخبار، وقد استعملت مجازًا في الدعاء، والعلاقة السببيّة على سبيل التفاؤل والطمع بكرم الله وفضله، إذ الدعاء الذي هو إنشاء طلب من الله سبب في تحقيق الاستجابة بمشيئة الله على سبيل التفاؤل والرجاء.
ونظيره قول الرسول ﷺ بشأن المتحلّلين من إحرامهم بالحلْق أو التقصير على ما روى الإِمام أحمد بسنده إلى يحيى بن حُصَيْن، قال: سَمِعْتُ جَدَّتي تقول: سمعتُ نبيّ الله ﷺ بعرفات يخطُبُ يقول:
"غَفَرَ اللَّهُ لِلْمُحَلِّقِين، غَفَرَ اللَّهُ لِلْمُحَلِّقين، غَفَرَ اللَّهُ لِلْمُحَلِّقِين".
قالوا: والمقصّرين؟
فقال: "والمقصّرينَ" في الرابعة.
الصيغة صيغة إخبار، وقد استُعْمِلَتْ في الدّعاء.
والغرض البياني الرجاء والتفاؤل بتَحقيق المدعوّ به.
(٣) الصيغة الخبريّة المسوقة للدلالة بها على إنشاء الأمر أو النهي، ومن الأمثلة:
* قول الله ﷿ في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول):
﴿الحج أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج ﴾ [الآية: ١٩٧] .
[ ٢ / ٢٩٠ ]
فلا رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ في الحجّ: الصيغة موضوعة للنفي الخبري، وقد استعملت في النهي عن هذه الأمور مجازًا، والعلاقة المسببيّة لأنّ حصول النّفي في الواقع مُسَبَّبٌ عن طاعة المؤمنين في الحجّ لما ينهى الله عنه، وهذا هو المنتظر منهم، فأُطْلِقَ المسبّب، وأريد سببه.
واستعمال الخبر في مثل هذا المقام أبلغ من إنشاء النَّهْي، إذْ يُشْعِر بأنّه ليس
[ ٢ / ٢٩١ ]
من شأن المؤمنين أن تكون منهم المخالفة في واقع حجّهم، الذي تحمَّلوا فيه المشقات الكثيرات، وبذلوا لأدائه أموالًا جمعوها بالجهد والكدّ وربما انتظروا سنين حتى تهيّأت لهم الاستطاعة.
* وقول الله ﷿ في سورة (البقرة/٢ مصحف/ ٨٧ نزول):
﴿والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة ﴾ [الآية: ٢٣٣] .
الصيغة خبريّة في "يُرْضِعْنَ" واستعملت في الأمر الترغيبيّ أو الإِلزامي مجازًا، والعلاقة المسَّببِيّة، لأنّ الإِرضاع الفعلي مُسَبَّبٌ عن طاعة المؤمنات لأمر الله في شأن أطفالهنّ، وهذا هو المنتظر منهنَّ، فأُطْلِقَ المسبَّبُ وأُرِيد سبَبُه.
واستعمال الخبر في مثل هذا المقام أبلغ من إنشاء الأمر، إذْ يُشْعِر بأنّه ليس من شأن الوالدات ذوات الحنان والشفقة على أطفالهنّ، وهُنَّ مؤمناتٌ بربِّهنّ أن يترُكْنَ إرْضاع أولادهنّ دون ضرورة، أو حاجة شديدة جدًّا.
* وقول الله ﷿ في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول):
﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قرواء ﴾ [الآية: ٢٢٨] .
الصيغة خبرية واستعملت في الأمر الإِلزاميّ بالتربُّصِ، وهو الانتظار بعدم الزواج الجديد حتَّى تمضي العدة.
واستعمال الخبر في مثل هذا المقام أبْلَغُ من إنشاء الأمر، للإِشعار بأنّه ليس من شأن المؤمنات المسلمات في مجتمعٍ إسلاميٍّ تكون المطلّقات فيه تحت المراقبة لمعرفة هل يوجد حمل ينسب إلى الزوج السابق أولًا؟ أن يُسْرِعْنَ إلى زواج من زوجٍ آخر قبل انقضاء مدّة العدّة.
والعلاقة المسببّة، كما سبق في المثالَيْن السّابقين.
إلى غيرها من الأمثلة، ومنها: ﴿ومَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ -[البقرة: ٢٧٢] ﴿وإذْ أخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَعْبُدُونَ إلاَّ اللَّهَ﴾
(٤) الصيغ الخبرية المستعملة للدلالة على الامتنان، أو الترغيب والحضّ، أو التلويم، أو التحسير والتنديم، أو المدح، أو الهجاء، أو السخرية والاستهزاء، إلى غيرها من معانٍ سبق بيانها في مبحث الجملة الخبرية، ومعانٍ أخرى قد تَتَفَتَّق عنها أذهان البلغاء.
وأمّا قسم المركبات الإِنشائيّة: فقد تخرج مجازًا عن معانيها للدلالة بها على معانٍ أُخرى، فمنها ما يلي:
(١) إطلاق الأمر والنهي مرادًا به الإِخبار مجازًا، ومن الأمثلة ما يلي:
* قول الله ﷿ في سورة (مريم/ ١٩ مصحف/ ٤٤ نزول) خطابًا لرسوله:
﴿قُلْ مَن كَانَ فِي الضلالة فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمان مَدًّا حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا العذاب وَإِمَّا الساعة فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا﴾ [الآية: ٧٥] .
فَلْيَمْدُهْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا: صيغة أَمْرٍ يُرَادُ بِهَا الإِخْبارُ عن سُنَّةِ اللَّهِ، وصيغة الأمر هنا مستعملَةٌ أوّلًا بمعنى الدعاء، والدُّعَاءُ مُسْتَعْمَلٌ بمعنى الخبر، أي: فالله يُمدُّ لَهُ مَدًّا.
وفي هذا المجاز إيجاز بالغ، وإشعار بأنّ الرّسُول يدعُو على من كان في الضلالة، بأَنْ يُجْري الله فيه سنَّتَهُ، فَيَمُدَّ لَهُ، ولا يدعُو عليه بتعجيل العقاب.
[ ٢ / ٢٩٢ ]
* قول الله ﷿ في سورة (العنكبوت/ ٢٩ مصحف/ ٨٥ نزول):
﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ اتبعوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الآية: ١٢] .
وَلْنَحْمِلُ خَطَايَاكُمْ: هذِه صيغةُ أمْرٍ، يُرادُ بِها الإِخبارُ على سبيل الوعد بأنّهم سيَحْمِلُونَ عَنْهُمْ خَطَايَاهُمْ إذَا اتَّبَعُوهم، وهم كاذبون بهذا الوعد، وغرضهم منه الاستدراج إلى الكفر.
وصيغة الأمر في هذا المقام أبلغ من صيغة الخبر، لأنّ فيها معنى إلزام أنفسهم بتحقيق الأمر الذي وعَدُوهم به.
* قول الله ﷿ في سورة (التوبة/ ٩ مصحف/ ١١٣ نزول) بشأن المنافقين الذين تخلّفوا عن الرسول ﷺ في غزوة تبوك:
﴿فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلًا وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [الآية: ٨٢] .
أي: هم يضحكون اليوم في دنياهم قليلًا ولكنّهم سيبكون في أخراهُمْ كثيرًا جزاءً بِما كانوا في الحياة الدنيا يكسبون من آثام.
جاء هذا الإِخبار بصيغة الأمر في ﴿فَلْيَضْحَكُواْ - وَلْيَبْكُواْ﴾ على سبيل المجاز المرسل، وعلاقته هنا السببيّة، لأنّ الأمر الرّبَانِيّ التكويني هو الذي مكَّنَهُمْ في الحياة الدنيا من أن يكونوا منافقين وعصاةً محتالين يضحكُون في سِرِّهم إذا قَدَّمُوا أعذارًا كاذبةً قَبِلَهَا الرسول ﷺ منهم معاملةً لهم بمقتضى ظاهر أحوالهم، فمن توابع الأمر التَّكْويني الذي جعلهم الله به مخيّرين أن يضحكوا، فأُطْلِقَ لفظ السّبب على المسبَّب.
ولأنّ الأمر التكوينيّ الجزائيّ يَوْمَ الدّين هو الذي سَيَجْعَلُهُمْ يتَقَلَّبُون في العذاب الذي يجعلُهُمْ يَبْكُون من شدّة ما يلاقون من آلام، فأطْلِق لفظ السبب على المسبب على طريقة المجاز المرسل.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
* قول الرسول ﷺ كما جاء في الحديث الصحيح:
"مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".
فَلْيَتَبَوَّأ: الصيغة إنشائيّة فيها معنَى الأَمر، والمرادُ الإِخبار بأنَّهُم سيَتَبَوَّؤُن مقعدهم من النار، أي: سَيُقِيمون به.
يقال لغة: تبوّأ المكانَ وتَبَوَّأ به، إذ نزلَهُ وأقامَ به.
والعلاقة السببيّة بين الأمر والخبر هنا، إذِ الأَمْر مستعمل أوّلًا بمعنى الدعاء، إذْ يطلب فيه الرسول من ربّه، ودُعَاءُ الرّسول على من كذب عليه متعمّدًا بهذا التّبَوُّءِ مُتَحَقِّقُ الاستجابة فهذا الكاذب سيتبوّأ مقعده من النّار حتمًا.
أو نقول: صيغةُ الأمر مستعملةٌ بمعنى الوعيد، والعلاقة بين الأمر والوعيد أَنَّ أَمْرَ التَّنفيذ الجزائي يلزم عنه وعيد بالجزاء، فالعلاقة هي اللّزوم، فجرى استعمال الأمر في الوعيد بما سَيَحْدُث من جزاء، ولو كان مُقَرِّرُ الجزاء غيْرَ مُسْتَعْمِلِ صيغةِ الأمر.
(٢) وقد تُطْلَقُ الْجُمَل الاستفهامية مُرادًا بها معانٍ أخرى غيرُ الاستفهام، مثل: "التقرير - الإِنكار - الامتنان - التمنّي - الترجي" إلى غير هذه المعاني من معاني خبريّة سبق بيانُها في بحث الجملة الإِنشائية وأقسامها، تحت بحث: "خروج الاستفهام عن أصل دلالته إلى معاني أخرى.
(٣) إلى غَيْرِ ذَلِكَ من معاني تتفتّق عنها أذهان البلغاء.
***
[ ٢ / ٢٩٤ ]
المبحَثْ الثَالِثُ
المجاز في الإِسناد وهو المجاز العقلي
المجاز العقلي: إسناد المتكلّم الفعلَ أو ما في معناه إلى غير ما هو له في اعتقاده، لملابَسَةٍ بينهما، مع قرينةٍ صارفة عن أنْ يكون الإِسناد إلى ما هو له في اعتقاده.
هذا المجاز هو في حقيقته تجوّزٌ في حركة الفكر بإسناد معنىً من المعاني إلى غير الموصوف به في اعتقاد المتكلّم، لملابَسَةٍ مَا تُصَحِّحُ في الذهن هذا الإِسناد، بشرط وُجود قرينة صارفة عن إرادة كون الإِسناد هو على وجه الحقيقة.
وغالبًا ما تكون القرينة الصارفة عن إرادة الحقيقة باعتقاد المتكلّم في هذا الإِسناد قرينة فكريّة، تُدْركُها الأذهان ولو لم يأت في العبارة ما يَدُلُّ عليها، وقد تكون قرينة لفظية أو حالية.
وسُمِّيَ مجازًا عَقْلِيًّا وقد يُطْلَقُ عليه "مجازٌ حُكْمِيّ" لأنّ كلًاّ من ركنَي الإِسناد قد يكون مستعملًا في معناه اللّغوي بحسب وضعه، إنّما حصل التجوّز في الإِسناد وفي النسبة فقط، وقد يكون مستعملًا في معنىً مجازيً على طريقة المجاز اللّغوي، وأضيفَ إلى ذلك مجازٌ عقليٌّ حاصل في الإِسناد، أي: في نسبة المسند إلى المسند إليه، سواء أكانت الجملة فعليّة أو اسميّة.
[ ٢ / ٢٩٥ ]
ما في معنى الفعل: المصدر والمشتقات التي تعمل عمل الفعل في الأسماء الظاهرة أو في ضمائرها، وهي اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبّهة، واسم التفضيل، واسم المصدر.
الملابَسَة: هي العلاقة التي سبق بيانُها في المجاز المرسل في المفرد، أو في المركب، كالسببيّة والمسببيّة، والكليّة والجزئية، واللّزوم، والمجاورة، والعموم والخصوص، والحالّية والمحليّة، واعتبار ما كان أو ما سيكون، والآليَّة، إلى غيرها من علاقاتٍ وملابسات.
وليس بلازم في المجاز العقلي "كما قال عبد القاهر" أن يكون للفعل فاعل في التقدير إذا أُسْنِد إليه كان الكلام واردًا على وجه الحقيقة، إذْ لا يتأتَّى هذا في كلّ شيء، كأن تقول: ساقني إلى البلَد حقٌّ لي أطالب به.
أمثلة:
(١) قول القائل في وصف متعبّد يقومُ اللّيل ويصوم النهار اسْمُه عبد الله: "عبدُ الله ليلُهُ قائم، ونهارُهُ صائم".
هذا الإِسناد قَدْ وُجِدَتْ نظائره في كلام بلغاء العرب، ويلاحظ في هذا المثال أنَّ كلَّ لفظة فيه مستعملة في معناها الأصليّ بحسب الوضع اللّغوي، لم يحدُث فيها تجوّزٌ ما، لكِنَّ الذي يحصل هو التجوُّز في الإِسناد، فبَدَل أنْ يُسْنَدَ القيامُ والصيامُ إلى المتعبِّد فيُقَالَ: "عبدُ الله قائِمٌ كُلَّ اللَّيْلِ، وصائمٌ كُلَّ النَّهار" أُسْنِدَا إِلى اللَّيْل والنّهار، والعلاقةُ هي الظرفيّة الزمانية.
ومع ما في هذا الإِسناد من فَنِّيَّةٍ أدبيّة تُعْجِبُ مشاعر الأديب، فله غرض بيانيّ، وهو الدلالة بإيجاز على أنَّ عبد الله يستغرق ليلَه بالقيام متعبّدًا، أو هو بمثابة المستغرق له، ويستغرق نهاره بصِيامٍ مستوفٍ لشروطِه من الناحيتين المادّية والمعنويّة.
[ ٢ / ٢٩٦ ]
هذه العمليّة التجوُّزِيّة حركَةٌ فكريَّةٌ في الإِسناد والوصف، وليست تجوّزًا لُغَوِيًّا في استعمال الكلمة للدّلالة بها على غير معناها الأصليّ في الاصطلاح الذي يجري به التخاطُب.
ولهذا كان جديرًا بأنْ يُسَمَّى "مجازًا عقليًّا" أو "مجازًا فكريًّا" أو مجازًا في الإِسناد" أو "مجازًا حُكْمِيًَّا" أي: في الحكم، ونحو هذه العبارات، وقد اشتهر عند البيانيّين أنه مجاز عقليّ.
(٢) قول الله ﷿ في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) بشأن المنافقين:
﴿أولائك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ [الآية: ١٦] .
نُلاَحِظُ في هذِهِ الآيَةِ أنَّ رُكْنَي الإِسْنَادِ حصَل فيهما مجازٌ لغويّ.
فالرّبح المنفيُّ اسْتُعِيرَ للدّلالة به على عدم حُصُول الفائدة من عَمَل المنافقين، وهذا مجاز لغوي.
والتجارة استعيرت للدلالة بها على أخذهم الضلالة وتَرْكِهم الهُدَى، كما يفعل التجّار في المبادلات عند البيع والشراء، وهذا مجازٌ لغويٌّ أيضًا.
لكِنَّ الشاهد من إيراد الآية هنا ليس فيهما، إنّما الشاهد في الإِسناد الذي حصَلَ في الجملة، فبَدَلَ أنْ يُسْنَد نفْيُ الرِّبْحِ إلى المنافقين أُسْنِدَ إلى تجارتهم، أي: إلى أخذهم الضلالة وتركَهم الهُدى.
والعلاقة التي صحّحت هذا الإِسناد هي كون هذا العمل عَمَل المنافقين أنْفُسِهم، إذْ قَصَدُوا مِنْه تحقيق الفائدة لهم، فلم يكن عمَلُهم سببًا لربحهم، بل كان سببًا لخسارتهم.
[ ٢ / ٢٩٧ ]
والملابسة بين العامل وعمله من أقوى الملابَسات الّتي تُصَحّح في الأفكار مثل هذا المجاز العقلي.
ولا يخفى ما في هذا المجاز من إيجاز، ومن فنيّة أدبيّة تُعْجِبُ أذواق الأدباء والْبُلَغاء.
أمّا القرينة فهي قرينة فكريّة عقليّة، إذ التجارة ليست هي التي تربح أو تخسر، بل الرابح أو الخاسر هو صاحب التجارة.
(٣) قول الله ﷿ في سورة (القصص / مصحف/ ٤٩ نزول):
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأرض وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ المفسدين﴾ [الآية: ٤] .
جاء في هذه الآية إسنادُ تذبيح أبناء المستضعفين إلى فرعونَ، مع أنَّه لم يكن هو الذي يقوم بأعمال التذبيح، إنّما كان يأمُرُ جنوده بذلك فيُطيعون أمره.
والعلاقة أو الملابسة هي السَّبَبِيّة، فدلّ هذا المجاز العقلي بعبارته الموجزة على أمرين:
الأول: أنّ فرعون كان هو الآمر الْمُطَاع في أعمال تذبيح أبناء المستضعفين في مصر.
الثاني: أنّ جنوده كانوا يقومون فعلًا بهذا العمل الإِجراميّ الشنيع، طاعة لسيّدهم فرعون.
والقرينة الدليل الفكري المستند إلى ما هو معلوم في عادة الملوك الجبَّارين.
(٤) قول الله ﷿ في سورة (غافر/ ٤٠ مصحف/ ٦٠ نزول):
﴿وَقَالَ فَرْعَوْنُ ياهامان ابن لِي صَرْحًا لعلي أَبْلُغُ الأسباب * أَسْبَابَ السماوات فَأَطَّلِعَ إلى إلاه موسى﴾ [الآية: ٣٦ - ٣٧] .
[ ٢ / ٢٩٨ ]
أمَرَ فرعونُ وزِيرَهُ الأوّلَ هامان بأن يَبْنَي له صَرْحًا، معَ أنَّه لاَ يسْتطيعُ أن يبنيَهُ بنفسه، إنّما يُوجِّه أوامره للبنّائين ويتخذ الوسائل لذلك.
والملابسة هي السببيّة، والقرينة دليلٌ فكريُّ يستند إلى العادة.
(٥) قول الله ﷿ في سورة (إبراهيم/ ١٤ مصحف/ ٧٢ نزول):
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُواْ نِعْمَةَ الله كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ البوار * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ القرار﴾ [الآيات: ٢٨ - ٢٩] .
دار البوار: دارُ الهلاك المتجدّد الّذي يَذُوقُ أهْلُها بِه العذاب كلّما بدَّل الله جلودَهُمُ الَّتي نضِجَتْ جُلُودًا غيرها، فالْبَوارُ في اللّغة الهلاك، وهو يَحْمِلُ معنى العذاب، وفُسِّرَتْ دارُ البوار بقوله تعالى: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ .
وجاء في هذا النصّ أن الّذين بدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا أحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ البوار لأنّهم كانوا من العوامل التي جعلت قومهم يكفرون بربّهم، فيدخُلُون جهنّم.
فهذا مجاز عقليٌّ ملابسته التسبُّب عن طريق القيام بأعمال الإِغواء والإِغراء والمكر التي تغريهم وإن كانت استجابتهم تأتي من قبل إراداتهم الحرّة.
(٦) قول الله ﷿ في سورة (المزّمل/ ٧٣ مصحف/ ٣ نزول):
﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الولدان شِيبًا﴾ [الآية: ١٧] .
عبارة: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الولدان شِيبًا﴾ هو كنايةٌ عن شِدَّة الْهَوْلِ الذي يكون يوم الدين، ولكنّ الشاهد هنا ليس في كون هذه العبارة كناية، إنّما الشاهد هنا في إسناد الفعل إلى اليوم، واليوم ليْسَ هو الذي يجعل الولدان شيبًا، والملابسة هي "الظرفية" لأنّ ذلك اليوم هو الظرف الزّمانيّ للأهوال التي من شأنها لو وُجِدَ نظيرها في الدنيا أَنْ تَجْعَلَ الوِلْدَان شيبًا.
(٧) قول الله ﷿ في سورة (الحاقة/ ٦٩ مصحف/ ٦٨ نزول) بشأن الذي يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابَهُ بِيَمِينِه:
[ ٢ / ٢٩٩ ]
﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ [الآيات: ٢١ - ٢٢] .
جاء في هذا النّصِّ وصْفُ المؤمن في الجنّة بأنّ عِيشَتَهُ رَاضِية، والأصْلُ أنْ يكون هو الرّاضي بها، فأسْنِد الرّضا إلى العيشة، والملابَسَةُ أنّه هو صاحِبُ العيشة، فهي جزءٌ من ذاته.
والغرضُ البيانيُّ الإِشعارُ بمصاحبة الرضا لكلّ أجزاء عيشة المؤمن في الجنّة، فلا يُوجَدُ عُنْصرٌ منها، ولا أجزاءٌ زَمَنيّةٌ مرافقة لها، تخلُو من الرّضا، وهذا المعنى لا تؤدّيه عبارة: فهو راضٍ عن عيشته، وذلك لأنّ الإِنسان قد يرضى عن عيشته ولو دخلت ضمنها منغِّصات، إذ هو ينظر إلى عيشته باعتبار الأغلب من أحوالها، بخلاف العيشة نفسها التي تمرُّ أجزاءً مع توالي الأزمان، إذْ كُلُّ جزء منها مُنْفَكٌ عن سابقه وعن لاحقه، فإسناد الرضا إليها يدلُّ على أنّ كلَّ أجزائها مغمورٌ بالرضا.
(٨) قول الله ﷿ في سورة (محمّد/ ٤٧ مصحف/ ٩٥ نزول) بشأن تخوّف الذين في قلوبهم مرض من أن يَنْزلَ قرآن يوجب عليهم القتال:
﴿ فأولى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأمر فَلَوْ صَدَقُواْ الله لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ [الآيات: ٢٠ - ٢١] .
العزْم على القتال والإِلزامُ به من شأن الرَّسُول ﷺ، ثم من شأن أولياء الأمر من بعده، فالأَمْرُ هُو أَمْرُهُمْ.
وقد جاء في هذا النّصّ إسناد العزم إلى الأمر، بدلَ إسناده إلى صاحب الأمر على طريق المجاز العقلي، والملابسة تلاحظ من جِهَتَيْن:
الأولى: أنّ فاعل العزم على القتال هو الذي يَمْلِك الأمر به.
الثانية: أنّ الأمر بالقتال إلزامًا يكون معزومًا عليه.
والغرض البيانيّ فنيَّةُ الأَداء، مع الإِيجاز، ويوجَدُ في هذا المجاز إشعارٌ بأنّ الضرورة أو المصلحة الشديدة لجماعة المسلمين هي الّتي تجعل وليَّ الأمر يَعْزِمُ
[ ٢ / ٣٠٠ ]
على الأمر بِالقتال إلزامًا، حتَّى كأنَ أَمْرَ الْمُسْلِمين العامَّ هو صَاحِبُ العزم، وهذا معنى دقيق قد أدّته العبارة القرآنية بأبلغ إيجاز.
(٩) قول الله ﷿ في سورة (الرعد/ ١٣ مصحف/ ٩٦ نزول):
﴿أَنَزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴾ [الآية: ١٧] .
جاء في هذا النصّ إسناد السّيلان إلى الأودية، مع أنّه للماء فيها، والملابسة المكانيّة أو المجاورة.
والغرض البياني الإِشعار بأنّ الناظر إلى الأوديّة المغمورة بماء السّيول، يُخَيَّلُ إليه أنّ الوِدْيانَ تَسِيلُ أيْضًا مع المياه الّتي تسيل فيها.
(١٠) قول الصَّلَتَان العَبْدي "هو قُثَمُ بْنُ خَبِيَّة" متوفى (٨٠هـ):
أشَابَ الصَّغِيرَ وَأَفْنَى الْكَبِيـ ـرَ كَرُّ الْغَدَاةِ وَمَرُّ الْعَشِيّ
أسند فِعْلَيْ "أَشَابَ" و"أَفْنَى" إلى كَرِّ الْغَدَاةِ ومَرِّ الْعَشِيِّ، وهما لا يفعلان ذلك، لكنّهما زَمَنَانِ لِمَا يَحْدُثُ من تغييراتٍ فيهما بفعل الرّبّ الخالق وسُنَنهِ في كونه، فالملابسةُ الظرفية الزمانية.
(١١) قول الشاعر يَصِفُ عين جَمَلِه بأنّه تجوبُ لَهُ في اللَّيْلِ الدّامِسِ الظلماء فيهتدي بهَدْيها:
تَجُوبُ لَهُ الظَّلْمَاءَ عَيْنٌ كَأَنَّهَا زُجَاجَةُ شَرْبٍ غَيْرُ مَلأَى ولا صِفْرِ
فأسند إلى عين الجمل أنّها تَجُوبُ للْجَمل الظَّلْماءَ، أي: تَخْرِقُ وَتَثْقُبُ لَهُ الظّلْماءَ فيرى بذلك طريقه، فجعل العين هي الّتي تفعلُ لصاحبها، والملابسةُ كَوْنُها أداة العمل.
الشَّرْبُ: القومُ يَشْرَبون ويجتمعُون عَلى الشَّراب.
والأمثلة على المجاز العقلي كثيرة جدًّا.
***
[ ٢ / ٣٠١ ]
تقسيم المجاز العقلي باعتبار طرفيه المسند والمسند إليه
قسّم البيانيّون المجاز العقلي بالنظر إلى كون كلٍّ من طرفَيْه: "المُسْنَدِ والْمُسْنَدِ إِلَيه" حقيقةً لغويّة أو مجازًا لغويًا، إلى أربعةِ أقسام:
القسم الأول: أن يكون الطرفان حقيقتين، مثل: "سَالَ الوادي".
فالمسند وهو فِعْلُ "سَال" مستعملٌ فيما وُضع له لغة وهو السَّيَلان، ولا مجاز فيه.
والمسند إليه وهو "الوادي" مستعمل أيضًا فيما وضع له لغة ولا مجاز فيه.
لكنّ المجاز وقع في الإِسناد وهو نسبة السيلان إلى الوادي، وهذا من المجاز العقلي.
* ومثل قول الله ﷿ في سورة (الأنفال/ ٨ مصحف/ ٨٨ نزول):
﴿إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الآية: ٢] .
زَادَتْهُمْ إيِمَانًا: فعل الزيادة حقيقة، والأيات حقيقة، وإسناد الزيادة إلى الآيات مجاز عقليّ، ملابسته السببيّة.
* ومثل قول الله ﷿ في سورة (الزلزلة/ ٩٩ مصحف/ ٩٣ نزول):
﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا﴾ [الآيات: ١ - ٢] .
أخرجت الأرض: كُلُّ من المسند والمسند إليه حقيقة، والإِسناد مجاز عقليّ، لأنّ الأرض ليست هي التي تُخْرِجُ أثقالها حقيقة.
القسم الثاني: أن يكون الطرفان مجازيَّيْن، مثل:
* "أحْيَا الأرضَ شبابُ الزّمَان".
[ ٢ / ٣٠٢ ]
فعل "أحيا" مجاز يُرادُ به الإِنبات، و"شَبَابُ الزَّمان" مجازٌ يُرادُ به الْفَصْل الذي تَنْبُتُ فيه الزّروع، إذْ هو يشبه الشباب في الإِنسان، وكلاهما استعارة.
وإسنادُ الإِحياء إلى شباب الزمان مجازٌ عقلي، لأنّ الْمُنْبِتَ في الحقيقة هو الله.
* قول الله ﷿ في سورة (البقرة):
﴿فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ﴾ [الآية: ١٦] .
نفي الرِّبْح: مجاز عن عدم تحصيلهم نفعًا من أخذ الضلالة وترك الهدى.
تجارتهم: مجاز عن عملية أخذ الضلالة وترك الهدى.
وإسناد نفي الربح عن تجارتهم مجاز عقلي، إذ المنافقون هم الّذين لم يربحوا، وقد سبق شرح هذا النص.
* "أَنْطَقَتْ أيادي الإِحسان ورُودَ وجوه الحسان بالشكران" فالطرفان مجازان، والإِسناد مجاز عقلي.
القسم الثالث: أن يكون المسند حقيقة والمسند إليه مجازًا، مثل: "أَنْبَتَ الْبَقْلَ شبابُ الزمان".
الإِنبات: حقيقة. وشبابُ الزمان مجاز، والإِسناد مجاز عقلي، والملابَسَةُ السببيّة.
القسم الرابع: أن يكون المسند مجازًا والمسند إليه حقيقة، مثل:
* قول المتنبّي:
وتُحْيِي لَهُ الْمَالَ الصَّوَارِمُ والْقَنَا وَيَقْتُلُ مَا تُحْيِي التَّبَسُّمُ والْجَدَا
الإِحياء مجازٌ عن الإِنْماء والتكثير، والصوارم والقنا حقيقة، وإسناد الإِحياء إلى الصوارم والقنا مجازٌ عقلي، والملابسة السببيّة.
[ ٢ / ٣٠٣ ]
* قول الله ﷿ في سورة (محمد/ ٤٧ مصحف/ ٩٥ نزول):
﴿ حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا ﴾ [الآية: ٤] .
وضع الأوزار: مجاز عن انتهاء أعمال الحرب.
الحرْبُ: حقيقة.
وإسنادُ وَضْعِ الأوزار إلى الحرب مجازٌ عَقْلي.
***
قرينة المجاز العقلي:
تأتي قرينة المجاز العقلي علَى وَجْهَيْن:
الوجه الأوّل: أن تكون لفظيّة، مثل: بنَى صَالحٌ بيته مستأجرًا أمْهَرَ البنّائين، أيْ: لم يَبْنِه بيده، إنما اتّخذ الوسائل لبنائه.
الوجه الثاني: أنْ تكون غير لفظية، وهذه القرينة:
* إمّا أن تكون آتية من دليل العقل، مثل: محبتك جَاءَتْ بي إليك، فالمحبة ليست هي الفاعلة على وجه الحقيقة، لكنّها كانت الباعث النفسي، وهذا يُدْرَك بالعقل.
* وإما أن تكون آتية من دليل العادة، مثل: طَبَخَ صاحب الوليمة لضيوفه طعامًا شهيًّا لذيذًا، أي: أمر بطبخ الطعام هذا، واتّخذ الوسائل لإِعداده، وهذا يُدْرَك بحسب العادة.
* وإمّا أن تكون آتية من دليل الحال، مثل: كتب عبد السميع رسالةً مؤثرةً لولده المسافر، أي: أمر بأن تُكْتب له، إذا كان هذا الرجل أميًّا لا يَقْرأ ولا يَكْتُب، وكانت حاله معروفة.
قيمة المجاز العقلي في البلاغة والأدب:
كلُّ من يقرأ أو يسْمَع كلامًا بليغًا مؤثّرًا إذا رجَعَ إلى تحليل عناصر التأثير
[ ٢ / ٣٠٤ ]
فيه، القائمة على الإِبداع الرفيع يلاحظ أنَّ من أكثر هذه العناصر تأثيرًا في نفسه، ما اشتَمَل الكلام عليه من مجاز بديع، وتكثُر فيه الفقرات التي تنتمي إلى قسم المجاز العقلي.
ولا يُحْسِنُ الإِبْدَاعَ المؤثّرَ من هذا المجاز إلاَّ أذكياء البلغاء.
قال "الشيخ عبد القاهر الجرجاني" متحدّثًا عن هذا النوع: "المجاز العقلي":
"هذا الضّرْبُ من المجاز على حِدَتِهِ كَنْزٌ من كنوز البلاغة، ومادَّةُ الشاعر الْمُفْلِق، والكاتب البليغ، في الإِبداع، والإِحسان، والاتّساع في طُرُق البيان.
ولاَ يَغُرَّنَّك مِنْ أَمْرِه أَنَّكَ تَرَى الرَّجُلَ يقول: أتَى بِيَ الشَّوقُ إلَى لقائك، وسارَ بيَ الحنينُ إلى رؤيتَك، وأَقْدَمَنِي بَلَدَكَ حَقٌّ لِي على إنسان، وأشباه ذلك، ممّا تَجِدُه لشهرته يجري مجرى الحقيقة، فلَيْس هو كذلك، بلْ يَدِقُّ ويلطُفُ، حتَّى يأتِيَك بالْبِدْعَةِ الَّتِي لَمْ تَعْرِفْهَا، والنّادِرَة تَأْنَقُ لها".
***
[ ٢ / ٣٠٥ ]
المبحَثْ الرَّابع
المجاز المرسل القائم على التوسع في اللّغة دون ضابط معيّن
توجد أنواعٌ وصُورٌ متفرّقة من المجاز لا يجمعها جامع، ولا يحصرها ضابط معين، وهي من التوسّع في اللّغة، وينطبق عليها بوجْهٍ عامّ تعريفُ المجاز، وهو "إطلاق اللّفظ للدلالة به على غير ما وُضع له في اصطلاحٍ به التخاطب، مع قرينةٍ مانعةٍ من إرادة المعنى الأصلي".
وقد رأيت أن أجعلها داخلةً تحت عنوان "المجاز المرسل" أي: المجاز الذي لا تكون العلاقة فيه المشابهة، سواء أكان له علاقة غَيْرُ المشابهة، أم ملابسة ما، أم لمْ تظهر فيه ملابسةٌ فكرية.
وقد يرجع بعض هذه الأنواع المتفرّقة أو بعض أمثلتها إلى أقسام المجاز التي سبق تفصيلها وشرحها.
عرض لبعض هذه الأنواع والصور:
* فمن هذه الأنواع والصور المجاز بالحذف أو بالزيادة.
كحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، إذا لم تظهر ملابسة أو علاقة واضحة.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
وكزيادة بعض الحروف لمجرّد التأكيد أو التزيين اللّفظي، ومنها زيادة حرف "ما" بعد "إذا" الظرفية، وزيادة بعض حروف الجر للتأكيد.
وقد سبق بيان الأمثلة في الإطناب.
ومنها إطلاق وقوع الفعل للدلالة به على قُرْب وقوعه والإِشارة إلى أنه شَارَف أن يقع، أو للدلالة به على تحقُّق وقوعه في المستقبل، تنزيلًا لما سيقع أو سوف يقع منزلة ما وقع فعلًا، مثل قول الله ﷿ في سورة (النحل/ ١٦ مصحف/ ٧٠ نزول):
﴿أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ [الآية: ١] .
أي: سيأتي حتمًا، فهو بسبب تحقُّقِ وُقُوعه مستقبلًا يُعَبَّر عنه بأنه "أتَّى".
وقول المنادي لإِقامة الصلاة: قد قَامتِ الصّلاة، أي: حان وقت الشروع بأدائها وإقامتها.
* ومنها إطلاق المصدر بدل اسم الفاعل، أو بدل اسم المفعول، ومن الثاني قول الشاعر:
هَوَايَ مَعَ الرَّكْبِ الْيَمَانِينَ مُصْعِدُ جَنِيبٌ وجُثْمَانِي بِمكَّةَ مُوثَقُ
أي: من أَهْواهُ.
وقد سبق شرح هذا البيت.
* ومنها إطلاق اسم الفاعل بدل اسم المفعول والعكس، مثل قول الله ﷿ في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول):
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجعل هاذا بَلَدًا آمِنًا﴾ [الآية: ١٢٦] .
آمِنًا: أي: مَأْمونًا فيه، هذا ما يقوله البيانيون، ويفسّره اللّغويوّن بقولهم: أي: ذا أمْنٍ.
[ ٢ / ٣٠٧ ]
* ومنها إطلاق اللّفظ الدالّ على المستقبل مرادًا به الماضي، لإِفادة الدوام والاستمرار حَالًا فمستقبلًا، أو للدلالة على الاستعداد النفسيّ المستمرّ، كأن يقال لمن أُدِينَ بشُرب الخمر في الماضي: أنْتَ تَشْرَبُ الخمر، أي: هذا دَيْدَنُك في الماضي والحال والاستقبال.
* ومنها وضع النداء موضع التعجّب، مثل: يَا سُبْحانَ الله.
* ومنها وضع جموع القلّة بدل جموع الكثرة لغرض بلاغي، كتعظيم العدد القليل، والإِشعار بأنّ ما يشتمل عليه هذا العدد القليل من صفات جليلة وعظيمة يجعله معادلًا للعدد الكثير.
* ومنها وضع جموع الكثرة بدل جموع القلّة، لغرض بلاغيّ، كتحقير العدد الكثير، والإِشعار بأنّ ما يشتمل عليه هذا العدد الكثير من تناقض في صفات كماله يجعله معادلًا للعدد القليل.
* ومنها وضع المذكّر بدَل المؤنث والعكس، لغرض بلاغي أو لمراعاة دواعي جمالية في اللّفظ.
* ومنها التغليب، كتغليب المذكر على المؤنث في الخطاب عند اجتماعهما، وخطابهما معًا بخطاب الذكور، للإِيجاز في اللفظ، أو لدواعي بلاغية أخرى، أو لمراعاة ما كان عدده هو الأكثر، كاستعمال اسم الموصول "ما" الموضوع لغير العاقل، في الكلام عن العقلاء وغيرهم، باعتبار أن المخلوقات غير العاقلة أكثر من المخلوقات العاقلة.
وكتغليب الشمس على القمر، أو العكس، عند تثنيتهما معًا، فيقال مثلًا: الشمسان، أو القمران، أي: الشمس والقمر، والداعي الإِيجاز.
* ومنها استعمال صيغة الأمر في غير الطلب، كالتخيير والتعجيز.
[ ٢ / ٣٠٨ ]
* ومنها استعمال أدوات الاستفهام في غير طلب الفهم، واستعمال أدوات التمنّي والترجّي في غير ما وُضِعَتْ له لأغراض بلاغيّة.
وقد سبق شرح كثير من هذه الأمور في علم المعاني.
* ومنها ما يُسمَّى "التضمين" وأظْهَرُهُ تضمين فعل أو ما في معناه، معنى فعل آخر، وتعديته بما يلائم الفعل الذي ضُمِّنَه، مثل:
- قول الله ﷿ في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول):
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَآئِكُمْ ﴾ [الآية: ١٨٧] .
الرَّفَثُ: لا يتعَدَّى بحرف الجرّ "إلى" لكنّه ضُمِّنَ معنَى فعل "أفْضَى" فَعُدِّيَ تَعْدِيتَهُ، والمعنى: أُحِلَّ لكم الرفث مُفْضِين به إلى نسائكم، فأغنى هذا الأسلوب التضميني عن التعبير بجُمْلَتين، أو عن التصريح بالحال.
- وقول الله ﷿ في سورة (النازعات/ ٧٩ مصحف/ ٨١ نزول) في حكاية خطابه لموسى ﵇:
﴿اذهب إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى * فَقُلْ هَل لَّكَ إلى أَن تزكى﴾ [الآيات: ١٧ - ١٨] .
أصل التعبير: هَلْ لَكَ أن تتزكَّى، ولكن لمَّا تضمَّنَ الْعَرْضُ معنى الدعوة إلى التزكية، عُدِّي تَعْدِيَة أَدْعو، فالمعنى: هل يطيبُ لَكَ أنْ أدْعُوكَ إلَى أن تتزَكَّى.
- وقول الله ﷿ في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) بشأن منافقي العرب:
﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شَيَاطِينِهِمْ قالوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [الآية: ١٤] .
فعل "خلا" لا يُعَدَّى بحرف "إلَى" لكنّ الفعل ضُمِّنَ معنَى الرُّجوع، فعُدِّي تَعْدِيته، والتقدير: فإذا خَلَوْ من جماعة المؤمنين ورجعوا إلى شياطينهم من اليهود أو قادَتِهم من المشركين قالوا لهم: إنّا معكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئون.
[ ٢ / ٣٠٩ ]
وقد بسطتُ الكلام على ظاهرة التضمين في القرآن، وأنها فنٌّ من فنون البيان الإِبداعي في المقولة الثالثة من القاعدة "الرابعة عشرة" من كتابي "قواعد التدبّر الأمثل لكتاب الله ﷿".
***
[ ٢ / ٣١٠ ]