اكتشف البلاغيون في النصوص البليغة ذات البيان الرفيع منثورات جماليّة متفرّقة، لفظيّة ومعنوية، وهذا المتفرقات المتناثرات يعْسُر تأليفها في أبواب وفصول، ولا يتضح في معظمها إلحاقُها بعلمي المعاني والبيان، وسمّوا كلّ واحدٍ ممّا اكتشفوهُ منها باسم خاصٍّ به، وجمعوها في مُسَمَّى علم واحد، أطلقوا عليه اسم "علم البديع".
وهذه الجماليّات البديعة التي يوجد فيها جماليّات معنويّة عبّروا عنها بعبارة "محسنّات معنويّة" ويوجد فيها جماليات لفظيّة عبَّروا عنها بعبارة "محسنّات لفظيّة" لها طبيعة مشابهة لأنواع الزينة التي تتزيَّن بها النساء، كقُرْطٍ، وسوارٍ، وخلخالٍ، وباقةِ وَرْدٍ، ونبات أخضر مزهر، وتَلْوين بصِبْغٍ أبيض أو أحمر أو أخضر أو أصفر أو غير ذلك، وتصفيف شعر وتثنيته أو إرساله أو رفعه أو خفضه، وتقصير ثوب أو إطالته، أو شقِّ جانب منه، أو تثقيبة أو توشيته وتطريزه وزخرفته، أو حركات خفَّة في الجسم، وتَثَنٍّ وتكسُّر في القامة وتضمير للخصْر وإبرازٍ وتعظيم لمواضع جماليّة، إلى غير ذلك مما يدركُه ذوّاقو الجمال، ويصعُبُ إحصاؤه، وقد أحسّ البلاغيون أنَّ الجماليات الَّتي اشتمل عليها علما المعاني والبيان جماليات ذاتية، أمّا جماليات علم البديع فهي جماليات عَرضية.
[ ٢ / ٣٦٧ ]
فإذا كانت هذه الجماليّات البديعة على اختلافها في الكلام أو في الأجسام، أو في غير ذلك منْ كلِّ ما يُرى أو يُسْمَعُ أو يُدْرَكُ بالفكر مصطنعةً متكلّفة، مُكْرَهةً إكراهًا على الدخول في مواضع غير ملائمة لها، أو مكْدُوسة كدْسًا دون حسّ جماليّ رفيع، أعطت تأثيرات عكسيّة وربّما أفسدت الجوانب الجميلة الَّتي كانت تُلْحَظُ في المزيَّنِ بها قبل إضافتها للتزيين بها.
فالبدائع الجمالية لا تُضافُ اعتباطًا دون حسٍّ رفيع بالجمال، ولإِضافتها شُروطٌ بالغة الأهميّة، ومن أوائل شروطها وأهمها ما يلي:
الإِتقان البالغ، والطَّبَعِيَّة، والتِّلْقائية، وإخفاء قصد التجميل والتزيين بها، حتَّى لا يَشْعُر ذوّاقو الجمال الملاحظون لها في نظراتهم الأولى أنّها مصنوعة بتكلُّف، بل يشعرون أنَّها واردة بتِلْقائيّة السلوك المعتاد.
وما اكتشفه البلاغيون من هذه البدائع لا نعتبره اكتشافًا جامعًا كليًّا وحاصرًا، فالبدائع الجماليّة يصعُبُ إحصاؤها كلّها، وهي قابلة للإِضافات الابتكاريَّة الَّتي تتفتَّق عنها مواهبُ المبدعين.
***