القصر: يأتي في اللّغة بمعنى التّخصيص، يقال لغة: قَصَرَ الشَّيْءَ على كذا، إذا خصّصه به، ولم يجاوز به إلى غيره. ويُقالُ: قَصَر غلَّةَ بستانه على عياله، إذا جعلها خاصّةً لهم، وقَصَر الشيءَ على نفسه، إذا خصَّ نفسَه به، فلم يجعل لغيره منه شيئًا.
ويأتي الْقَصْر أيضًا بمعنى الحبْسِ، يُقال لغة: قَصَر نفسه على عبادة رَبّه، إذا حَبَسها على القيام بعبادة ربّه، وقَصَر جُنْدَهُ على ممارسة التدريب العسكريّ في القلعة، إذا حَبَسَهُمْ وألزَمَهُمْ بذلك فيها.
والقصر في اصطلاح علماء البلاغة: تخصيص شيءٍ بشيءٍ بعبارة كلاميّةٍ تدلُّ عليه.
ويقال في تعريفه أيضًا: جعْلُ شيءٍ مقصورًا على شيءٍ آخر بواحدٍ من طُرُقٍ مخصوصة من طُرُق القول المفيد للقصر.
والمقصور عنه على وجهين:
الوجه الأول: أن يكون جميع ما سوى المقصور عليه، ويسمَّى عند البلاغيين "قصرًا حقيقيًّا" مثل: "لا إلاه إلاَّ الله" أي: لا يُوجَدُ في الوجود كُلّه معبودٌ بحقٍ سوى الله ﷿.
وهذا "القَصْر الحقيقيّ" إذا كان مضمونه مطابقًا للواقع سمّوه "حقيقيًّا تَحْقيقيًّا" أي: صادقًا مطابقًا للواقع.
[ ١ / ٥٢٣ ]
وإذا كان غير مطابق للواقع، وإنما ذُكر عَلَى سبيل المبالغة والادّعاء المجازيّ، سمَّوْهُ "حقيقيًّا ادّعائيًّا" أو مجازيًّا" مثل قولهم: لا سيف إلاَّ ذو الفقار.
الوجه الثاني: أن يكون المقصور عنه شيئًا خاصًّا يُرادُ بالْقَصْر بيانُ عَدَم صحَّةِ ما تصوَّرَهُ بشأنه أو ادَّعاهُ المقصودُ بالكلام، أو إزالة شكّه وتردّده، إذا الكلام كلُّه مُنْحَصِرٌ في دائرة خاصّة، ويسمَّى "قصرًا إضافيًّا" أي: ليس قصرًا حقيقيًّا عامًّا، وإنّما هو قَصْرٌ بالإِضافة إلى موضوع خاصٍّ يدور حول احتمالين أو أكثر من احتمالاتٍ محصورة بعَدَدٍ خاصّ، ويُسْتَدلُّ عليها بالقرائن.
مثل: ﴿وَمَا مَحمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُل﴾ [آل عمران: ١٤٤] لقد جاء هذا البيان لتصحيح تصوُّر الَّذِين يتوهَّمُونَ أنّ محمدًا رسولٌ لاَ يموتُ كما يموت سائر الناس.
فالموضوع الخاصّ الذي يدور الكلام حوله هو كون محمّدٍ رسولًا مبرَّءًا من أن يكون عرضةً للموت، فجاء النصّ مبيّنًا قَصْرَهُ علَى كونه رسولًا فقط، والمقصورُ عنه أمْرٌ خاصٌّ هو كونه لا يموت، لا سائر الصفات غير صفة كونه رسولًا، إذْ له صفات كثيرة لا حصر لها، وهي لا تدخل في المقصور عنه.
إذن: فالقصر في هذا المثال هو من قبيل "القصر الإِضافي".
***