ولو انتقلنا نتحدث عن أثر الطباق وبلاغته في الكلام لطال بنا الوقت، فالجمع بين المتقابلين من الأمور الفطرية المركوزة في الطباع، ولها تعلق وثيق ببلاغة الكلام وأثره في النفوس، فما جاء طباق في الكلام إلا وتعلق به غرض من الأغراض، وذلك باستثناء بعض ما ذكرنا من الأمور المتكلفة، فالأصل ألا يؤدى ذلك الغرض بدونه وهذا هو معنى الذاتية والأصالة التي تكلم عنها علماء البلاغة عندما أشاروا إلى أن مسائل التقديم والتأخير والذكر والحذف والتشبيه والاستعارة وغير ذلك من ألوان علمي المعاني والبيان، لها مدخل في بلاغة الكلام؛ لأن حسنها ذاتي أصيل، وكذا الأمر لو راعينا ذلك في الطباق في كلام الأولين وفي كلام رب العالمين -جل وعلا-.
[ ٣٨٦ ]
ونحن إذا تأملنا أساليب الطباق وجدنا لهذا اللون مدخلًا في بلاغة هذه الأساليب وأثرًا قويًّا في قوتها، وأن فقدانه يخل بهذه الأساليب ولا يجعلها مستقيمة، وانظر مثلًا إلى قول الفرزدق:
لَعنَ الإله بني كليب إنهم لا يغدرون ولا يفون لجار
يستيقظون على نهيق حمارهم وتنام أعينهم عن الأوتار
فالغرض الذي قصده الشاعر هو الحط من شأن هؤلاء القوم والكشف عن ذلاتهم وهوانهم وأن أفعالهم مثيرة للسخرية والاستهزاء، وقد حقق له الطباق ما أراد، ولولا الطباق ما استطاع الشاعر أن يكشف عن غرضه، فهؤلاء القوم عاجزون والعاجز عادةً لا يقدر أن يفعل الشيء وضده، وهم إزاء جارهم لا يقدرون على الوفاء له أو الغدر به، كما كان ذِكْر الأمرين المتناقضين في البيت الثاني دليلًا على هوانهم:
يستيقظون على نهيق حمارهم وتنام أعينهم عن الأوتار
فهذا دليل على هوانهم، وأنهم موضع السخرية، وهم يستيقظون منزعجين إذا نهق حمارهم؛ حذرًا أن يكون هناك لص يأخذ بعض متاعهم؛ لأنهم يخافون عليها خوفًا شديدًا، بينما هم لا يبالون بكرامتهم أن تُنتهك، فأعينهم نائمة عن الثأر لا يعنيهم أن يأخذوا به وفي ذلك أكبر دليل على هوانهم.
والطباق في البيت الثاني -كما ترى- جعل الموازنة بين أفعالهم مثيرة للسخرية منهم عند الموازنة بين ما يستيقظون له وما ينامون عنه.
هكذا يكون للطباق أثره في إثارة الانفعالات المختلفة في نفس القارئ أو السامع إزاء الأمور المتناقصة، وهذا القدر كافٍ في إثبات أن حسن الطباق حسنٌ ذاتي أصيل، وعلى غراره تجري كل الأساليب المشتملة على هذا اللون. وقد تعجب إذا عرَفت أن الإمام فخر الدين الرازي في نهاية (الإيجاز) أدرج هذا اللون ضمن مسائل النظم،
[ ٣٨٧ ]
وهو من مقتضيات الأحوال وموجبات الأغراض، وفضلًا عن هذا فإن الجمع بين الشيء وضده يُضفي على الكلام رونقًا وبهاءً، ويُكسب المعنى حسنًا ونُبلًا، وهو فوق تثبته المعنى في النفس يصف الشيء المتحدث عنه إزاء الضدين المتقابلين، ويجعل لكلٍّ منهما حسنًا لا يكون لهما إذا انفردَا، وهذا هو معنى قول القائل:
فالوجه مثل الصبح مبيض والفرع مثل الليل مسود
ضدان لما استجمعا حسُنا والضد يظهر حسنه الضد
وما من ريب في أن الجمع بين الأمور المتضادة يكسو الكلام جمالًا ويزيده بهاءً ورونقًا، فمن هنا كانت وظيفة الطباق لا تقف عند هذا الزخرف وتلك الزينة الشكلية، بل تتعداها إلى غايات أسمى، فلا بد أن يكون هناك معنى لطيف ومغزى دقيق وراء جمع الضدين في إطار واحد، وإلا كان هذا الجمع عبثًا وضربًا من الهذيان، ولننظر في قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِه﴾ (القصص: ٧٣)، وقد جمعت الآية الكريمة بين الليل والنهار وهما نعمتان من نعم الله على عباده، ورحمة منه -﷿- بهم، ثم ذُكرت العلة من جعل الزمان ليلًا ونهارًا لنسكن ليلًا ونسعى ونتحرك نهارًا، والحركة ينبغي أن تكون لمصلحةٍ وابتغاء من فضل الله تعالى لا إفسادًا في الأرض، ولذا أوثر التعبير ابتغاء الفضل دون الحركة، والحركة تكون للإصلاح والإفساد، وابتغاء الفضل لا يكون إلا إصلاحًا، وفي ذكر العلة -كما ترى- جمع بين ضدين، هما السكن وابتغاء الفضل، وفي الجمع بين الضدين في صدر الآية ثم في عجزها، حث للمؤمن ليتأمل هذه النعمة لما كان الزمان ليلًا ونهارًا، سكنًا وابتغاءً.
وكيف يكون الحال لو كان الزمان نهارًا سرمدًا إلى يوم القيامة، أو ليلًا سرمدًا إلى يوم القيامة؟ ولذا دعانا -﷾- للتأمل والنظر والتدبر في قوله -﷿-: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا
[ ٣٨٨ ]
تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (القصص ٧١، ٧٢).
ولعلك تذكر معي ما سبق أن ذكرناه في قول الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (آل عمران ٢٦، ٢٧).
ولعلك عرفت معي كيف جمعت الآية بين أفعال متضادة: ﴿تُؤْتِي﴾، و﴿تَنْزِعُ﴾، و﴿تُعِزُّ﴾ و﴿تُذِلُّ﴾، وبين أسماء متضادة: ﴿اللَّيْلَ﴾ و﴿النَّهَارِ﴾، ﴿الْحَيِّ﴾ و﴿الْمَيِّتَ﴾، إن هذا الجمع يبرز مدى قدرة الخالق -﷿- وهيمنته وسلطانه القاهر، فهو الذي يستطيع أن يؤتي من يشاء من عباده الملك وينزعه ممن يشاء، متى شاء وكيف شاء، لا راد لمشيئته، وهو الذي يستطيع إذلال مَن يشاء وإعزاز من شاء، متى أراد وكيف شاء دون اعتبار لمقاييس البشر فيمن يستحق العزة ومن يستحق الإذلال.
ثم تلاحظ معي التدرج في القدرة والغلبة والقهر والهيمنة، فإذا كان في البشر من يستطيع بماله وجاهه وسلطانه أن يعطي ويمنع، وأن يعز ويذل على وجه من الوجوه، فقد جاءت الآية الكريمة بأمور متضادة ينفرد بها المهيمن -﷿- وهي إيلاج الليل في النهار، وإيلاج النهار في الليل، وإخراج الحي من الميت، وإخراج الميت من الحي، فضلًا عمن جاء دالًّا على كمال قدرة الله -جل وعلا- فمن ذا الذي يستطيع القدرة على كل ذلك؟! إنها أمور ينفرد بها القادر -﷾-.
ولعله بهذا قد اتضح لك أن الطباق ليس قاصرًا على الزينة والزخرف، وليس الهدف منه مجرد التزويق الشكلي، بل إنه ليتجاوز ذلك إلى أهداف أسمى وغايات لا تتناهى.
وسؤالنا عن الصور التي تدخل فيما يلحق بالطباق، مع ذكر مثال توضيحي لكل صورة على حدة.
سؤالنا الثاني: عرِّف مع التمثيل كلًّا من المصطلحات التالية: الطباق المخالف، إيهام التضاد، التدبيج، الملحق بالتضاد، الطباق الخفي.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٣٨٩ ]