وبعد أن تحدثنا عن مصطلحي فصاحة الكلمة، فصاحة الكلام، بقي أن نعرج على فصاحة المتكلم:
وقد ذكر البلاغيون أن فصاحة المتكلم -وعلى رأس هؤلاء الخطيب القزويني- ملكة يقتدر بها على التعبير عن المقصود بلفظ فصيح، فالملكة كيفية راسخة في النفس، يستطيع بها المتكلم أن يعبر عن مقصوده متى شاء في أي معنى من المعاني، كالمدح والذم والفخر والرثاء والنسيب، وغيرها بلفظ فصيح. فقد استطاع أن يعبر عن مقصوده بلفظ فصيح في غرض واحد من الأغراض السابقة دون غيره لم يكن فصيحًا؛ لعدم رسوخ تلك الصفة في نفسه، فالمدار على الاقتدار أي أن تكون لديه القدرة على التعبير الفصيح، وإن لم ينطق بالفعل؛ ليشمل حالتي النطق
[ ٥٢ ]
والسكوت، فهو فصيح وإن لم ينطق؛ لأن لديه القدرة على التعبير عن أفكاره ومشاعره في أي غرض بلفظ فصيح.
وهذه الملكة موهبة تصقلها القراءة، وحفظ القرآن، والتدرب على التعبير عن الأفكار والعواطف تعبيرًا جيدًا، يرتفع عن مستوى الكلام العادي، ويرقى إلى مكانة رفيعة، وحينئذ يصبح هذا الأسلوب عادة له، وطبيعة عنده، لا يتخلف في حال من الأحوال، ولا يتأبى عليه في غرض من الأغراض، فيكون آنذاك جديرًا بهذا الوصف، فيقال: إنه متكلم فصيح.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٥٣ ]